جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وتمويل التعليم

جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وتمويل التعليم

بقلم: د. محمد بن صالح حمدي –

تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في مرحلة مهمة من أساليب الترغيب والتمراحل الكفاح السياسي للأمة الجزائرية، و كرد فعل على المحاولة اليائسة للاستعمار الفرنسي لمسخ وتجريد الأمة من ثوابتها الدينية والوطنية، فتبنت الجمعية وسائل عديدة، في سبيل تحقيق أهدافها منها: نشر التعليم العربي الحر المستوحى من الوحدة العربية الإسلامية. وتميزت الجمعية بالقاعدة الواسعة العريضة من شرائح المجتمع الجزائري، لكونها تتناغم مع مبادئ وقيم هذا الشعب وتلبي حنينا عميقا في وجدانه وتاريخه، وفي أصالته وعروبته، فلم يكن باستطاعة الاستعمار اقتلاع تلك الجذور، رغم تفننه الرهيب …

وتميزت الجمعية أيضا بوجود نخبة من الشخصيات القوية المؤثرة في المجتمع من أمثال الشيخ ابن باديس والعربي التبسي والبشير الإبراهيمي والشيخ بيوض، وقد لعبت الصحافة الإسلامية في تنشيط هذا الدور وإقامة الجسور وتوطيد علاقات متينة مع الحركات الإسلامية، في تونس والمشرق العربي.

والنجاح الأكبر للجمعية كان في بناء المدارس الحرة، ففي نهاية 1936 ، تمكنت من تأسيس 136 مدرسة حرة، عبر التراب الوطني. هذه المدارس التي يقول عنها الشيخ البشير. “نجوم متألقة في ليل الجزائر الحالك، منها الكبيرة والصغيرة، ولكل واحدة حظها من الآلاء والإشراق، وقسطها من الإضاءة لجانب من جوانب هذا الوطن الذي طال في الجهل ليله وأقام بالأمية ويله”

أهمية الإنفاق في تمويل التعليم

إن الأمم تشيد المؤسسات، وتقيم المصانع لتوفير الحاجيات، وتوظيف العمال والإطارات، وتسعى لتوفير كل مرافق الحياة، من أجل البلوغ إلى حياة كريمة وعيش رغد. غير أن بناء المدارس والمعاهد لإحياء العلم ونشر المعرفة وبث القيم الدينية والخلقية، هي أهم ما ينبغي على الأمم أن تقوم به، يقول الشيخ البشير في هذا الصدد “تبني الأمم ما تبني من القصور وتشيد ما تشيد من المصانع، وتنسق ما تنسق من الحدائق، فإذا ذلك كله مدنية ضخمة،لكنها بغير المدرسة عقد بلا واسطة، أو جسم بلا قلب، وإذ ذلك كله إرواء للغرائز الحيوانية، و إرضاء لعواطف الدنيا بالمتع والملذات. أما إرواء العقل والروح، وإرضاء الميول الصاعدة بهما إلى الأفق، فالتمسهما في المدرسة،لا في القصر، ولا في المصنع.”

بهذه الروح، وانطلاقا من الأهمية القصوى للتعليم والتربية، في مجتمع خيم عليه الجهل، وأناخ عليه بكلكله، رأت هذه النخبة، من علماء الأمة، أنه لا سبيل للنهوض بالأمة، إلا بإنشاء وتشييد المدارس، وتزويدها بمعلمين أكفاء، مخلصين، متسلحين بالعلم والخلق القويم.

فضل المعلمين:

إن تكوين المعلمين وإعدادهم للتصدي إلى تكوين الأجيال، هي المهمة الأساسية والوسيلة الأولى، قبل بناء المدارس وتشييد الأقسام، فقام هؤلاء العلماء بهذه الرسالة أحسن قيام، فلم يكتفوا بإنشاء المدارس الابتدائية لتربية النشء، وإنما أنشأوا المعاهد العليا لتخريج المعلمين والإطارات التي انبثت في أرجاء الوطن، مربين ومعلمين، فالاهتمام بهذه الفئة يقع في بؤرة اهتمام جمعية العلماء، يقول الشيخ البشير: “أما دعائم هذا البناء التي تمسكه أن يزول، وتصونه أن يختل أو يحول، فهم أشبال الغاب وحماة الثغور، عمار المدارس، وسقاة المغارس، مربوا الجيل وأئمته، وأبناؤنا المعلمون المستحقون لأجر الجهاد، وشكل العباد، الصابرون على عنت الزمان، وجحود الإنسان، وكلب السلطان (يقصد الاستعمار الفرنسي) هذه الطائفة هي عماد جمعية العلماء في أجل وظائفها”   هكذا ترى الجمعية إلى مهمة التربية والتعليم، وتسعى جاهدة إلى توفير الموارد المالية من أجل تغطية إنفاقها.

موارد الجمعية في تمويل مؤسساتها التربوية:

إذا استعرضنا تاريخ تمويل المؤسسات الخيرية والدينية والاجتماعية عبر التاريخ الإسلامي بكل مراحله نجد أنه لم يكن يعتمد أصلا على التمويل الحكومي، وإنما كان مصدره الأوقاف العامة والخاصة، التي انتشرت وتوسعت عبر التاريخ الحضاري للمسلمين، وبهذا نستطيع تفسير استمرار العطاء الحضاري للمسلمين، حتى بعد انهيارهم السياسي. وظلت تحتفظ بهذا التراث وتقوم بتمويل مختلف المرافق الدينية والاجتماعية (التعليم، الصحة….) إلى حقبة دخول الاستعمار الغربي الذي قام بمصادرة وتأميم الأموال الوقفية وتحويلها لخدمة مآربه، والحال في الجزائر لا يختلف كثيرا، فقد كانت المدارس والمساجد وسائر المؤسسات الاجتماعية تُمول من الأموال الوقفية فصودرت مع دخول الاستعمار الفرنسي. ومع النهضة العلمية والفكرية، والسياسية، واجهت جمعية العلماء عقبة التمويل، إذ تبنت برنامجا طموحا، يقوم أساسا على التربية والتعليم، وهذا يتطلب منها أموالا. فلم تجد بُدًّا من اللجوء إلى الأمة التي تبنت مبادئها وتعمل على تجسيد أشواقها، وإعادتها إلى أصالتها ودينها الذي حاول الاستعمار جاهدا أن يفك الارتباط بها. ويصور الشيخ ابن باديس إقبال الناس على العطاء والبذل على الرغم من ظروفهم المعيشية: “قد خرج قابض الجمعية ولاقى من الناس إقبالا وسرورا، وحصل على قدر لا بأس به، لكنه دون ما كنا نتوقعه فشكرنا الناس على كل حال، لأنهم اعتادوا على البذل المنظم”  هكذا احتضنت الأمة جمعيتها وأملاكها بأموالها، وأرسلت أبناءها إلى مدارسها، ووقفت معها في شدتها ورخائها، إيمانا منها بأهداف وتطلعات الجمعية، ومبادئها السامية.

نموذج للجمعية المشرفة على التربية والتعليم:

إنها جمعية التربية والتعليم الإسلامية بقسنطينة، برئاسة الشيخ ابن باديس، المرخصة من طرف الولاية العامة سنة 1931

أسلوب تمويلها: يعتمد تغذية صندوقها من هذه الموارد:

1_ ما يدفعه الأعضاء من اشتراكات رمزية

2_ تبرعات المحسنين (النقدية والعينية):

• بعض المحسنين يكفلون مجموعة من الطلبة بإطعامهم

• البعض يتبرع بثمن الخبز

• أهل بسكرة يرسلون كمية من التمر

• تخصيص قسم لسكنى الطلبة

3_ ما هو من إعانات الحكومة

4_  واجب تعليم التلاميذ القادرين على الدفع

5_ مشاركة جمعية العلماء في دعم صندوق الطلبة.

يلاحظ الشيخ على ذلك المقدار الزهيد للاشتراكات وهي: “فرنكان” وهي قيمة زهيدة، إلا أنها أثرا بالغا ونفعا عظيما، لأنه أولا: والمقدار اليسير يتيح ويشجع أغلب أفراد المجتمع من الاشتراك، فتتوسع قاعدة الجمعية، ثانيا: تعويد الناس على البذل والسخاء المنتظم، وفي ذلك ما فيه من تربية على خُلق البذل المتواصل، على أن الجمعية لا تكتفي بهذا المبلغ الزهيد لأن المحسنين سوف لن يقفوا عند هذا الحد. بل سيجودون ويغدقون الجمعية بما فتح الله عليهم.
ولا تكتفي الجمعية بالإنفاق على المدرسة وشؤون التعليم بل خصصت صندوقا يتكفل بإيواء الطلبة الوافدين من مختلف أنحاء القطر.

إن تمويل صناديق التعليم تقوم به الجمعيات المحلية المشرفة على هذه المدارس، فهذه الحقوق تتقاسمها الجمعية والأمة متعانقين.  أما جمعية العلماء المسلمين فإن واسطتها إلى الأمة هي هذه الجمعيات المحلية المشرفة على المدارس، والقائمة مباشرة بتصريف شؤونها المالية، وهي المرجع الوحيد في ماديات المدارس وهي الحاملة للحمل الثقيل فيها.

الاهتمام بشؤون المعلم المادية:

يرى الشيخ البشير أن الاهتمام بالشؤون المادية للمعلمين من أوكد الواجبات على الجمعيات، ليتمكنوا من تكوين جيل من الأبناء يكون في مستوى من المسؤولية، وأن التفريط في هذا الجانب يِؤدي إلى نتائج عكسية في نفسية الطلبة والتلاميذ.

فبعد أن يستعرض الأزمات الخانقة التي تمر عليها الجزائر وأثره على الطبقات الضعيفة، ومنها فئة المعلمين يقول: “هذه الطائفة عندما تتوقع الموت ولا ترفع الصوت، ولا مرجع لها – بعد الله – إلا جمعية العلماء التي حببت إليهم التعليم وزينته في قلوبها، ثم ساقتها إلى ميادينه، وجندتها في كتائبه، فإذا لم يبذل كل مجهود في تخفيف البلاء وتهوين الغلاء عليهم بالزيادة في المرتبات فإن العاقبة وخيمة.”

ثم يصور تصويرا بليغا أثر الحرمان المادي على نفسية وعطاء المعلم، فيضيف: “وإذ كنا لا نخشى أن يفروا من الزحف ثقة بهم واعتمادا على متانة دينهم… فإننا نخشى أسوأ عاقبة، نخشى أن يعلموا أبناءنا بلا قلوب ولا عقول، في وقت نحن أحوج ما نكون إلى صلة القلوب بالقلوب والعقول بالعقول، فإذا حصل ذلك جاء التعليم، وفيه أثر الجوع والهزال، وعليه سيماء الفقر والخصاصة.”

ثم يضرب مثلا بالأمم المتحضرة التي توفر أرزاق القضاة حتى لا تلجئهم مطالب الحياة إلى الرشوة، وكذلك يجب توفير أرزاق المعلمين حتى لا تطمع أنفسهم إلى هجر التعليم” ويختم كلامه بالنداء إلى الرجال القائمين على هذه المدارس والحاملين لعبئها المادي، إلى المزيد من الإنفاق والبذل والعطاء وفي إيجاد موارد جديدة لرفع مرتبات المعلمين.

جمعية الحياة، وأسلوب تمويلها:

إن نهضة ميزاب – كسائر نواحي الجزائر – كانت في أوائل العشرينات من القرن الماضي، وكانت الانطلاقة الحقيقية بتأسيس معهد الحياة في القرارة سنة 1925 على يد الشيخ بيوض بمآزرة ثلة من إخوانه وتلاميذه أمثال: الشيخ أبواليقظان والشيخ عدون، ثم توسعت الدائرة لتشمل باقي قري وادي ميزاب، بتأسيس المدارس القرآنية على يد تلاميذ الشيخ، وقد اقتضى هذا التطور والتوسع تأسيس جمعيات تربوية ثقافية تقوم بالتسيير والتمويل، تأسست في مدينة القرارة جمعية الحياة في جويلية 1937  ، وحصلت على رخصتها من الحكومة بعد ذلك بأشهر قليلة، بفضل مساعي وكيلها ورئيسها الشرفي السيد: خبزي عيسى بن اعمارة. فاحتضن أهل القرارة جمعيتهم وأمدوها بالمدد والمساعدات السخية لتؤدي وظيفتها المنوطة بها.

أمين مال الجمعية:

ومن أهم عوامل نجاح هذه الجمعية أن أوكلت أمانة المال إلى فضيلة الشيخ عدون، هذا الرجل المخلص النشيط، المتفاني الثقة الأمين، فشمر عن ساعد الجد للاضطلاع بهذه المهمة، إلى جانب المهام الأخرى، منها إدارة معهد الحياة. ومع العلم أن أبناء القرارة ينتشرون في ربوع الجزائر، شرقا وغربا شمالا وجنوبا، فاقتضى الأمر أن ينظم الشيخ جولات سنوية، فيخصص لكل ناحية وقتا معينا يتناسب مع الظروف الاقتصادية، فهو لا ينتظر قدومهم إلى القرارة في المناسبات العديدة، بل يقصدهم حيث محلاتهم ومؤسساتهم، إقتداء بسنة الرسول “ص” في إرسال السعاة والجباة إلى أودية ومراعي المزكين والممولين.

وكان الشيخ لا يسأم من التنقل بين مختلف القرى والمدن التي يتواجد بها ولو كانت قرية صغيرة، مثال ذلك قرية “قايس” حيث يوجد بها تاجران من أبناء ميزاب، فيأتيهما ليساهما، قدر استطاعتهما، وينهلا من نصائحه، وينالا بركة البذل والعطاء في سبيل المشاريع الخيرية.
ومن خصائص الشيخ أنه يتفاوض مع المحسنين في مبلغ التبرع فردا فردا، ولا يزال يزيد في المبلغ، ويذكّر بأهمية المشروع، وحاجته إلى الأموال، بأسلوب مقنع، وحديث جذاب، حتى يستسلم المتبرع والمشترك لمراد الشيخ، ثم يسجل المبلغ، ويدعوا له بالحفظ والخلف، ويعتبر يوم قدوم الشيخ يوما مباركا على المحل وعلى المال والولد. “خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها”

ويتنقل الشيخ لوحده بدون مرافق أو سيارة خاصة، مستعملا في ذلك وسائل النقل العامة، وقد حصل لي الشرف أن حجزت له مرارا تذاكر السفر من باتنة إلى العاصمة، وفي الآونة الأخيرة لما بدأ الكبر يدب في أوصاله والوهن إلى عظامه، اتخذ سائقا له في مهمته.
وقد استمر الشيخ في أداء هذه المهمة إلى أخريات حياته، أي من سنة 1937 إلى قبيل وفاته، وقد تخلى عن كثير من مهامه، التي أوكلت إليه منها إدارة معهد الحياة، إلا أن مهمة أمانة المال، بقي محتفظا بها نظرا لأهميتها وخطورتها.

وإذا سجل صندوق الجمعية عجزا طارئا، بسبب عدم وصول التبرعات، فإنه يلجأ إلى تغطية ذلك بالقرض الحسن من المحسنين الذين يمدونه بما يريد لتغطية تكاليف التعليم، خاصة أجور الأساتذة والمعلمين.

أسلوب التمويل في الجمعية:

إن الأسلوب الذي اعتمدته الجمعية في التمويل هو تبرعات المحسنين، فهي لا تعتمد على الاشتراكات من أولياء التلاميذ ولا كانت رمزية، فالتعليم مجانا بالنسبة للتلاميذ، فقد تعوّد أهل القرارة البذل بسخاء، بفضل دروس الشيخ بيوض الذي مافتئ يحرض ويحث على الإنفاق في سبيل المشاريع الخيرية، ولا تمر مناسبة إلا واغتنمها، مستدلا بالآيات والأحاديث والقصص التاريخية والواقعية لأهل الجود والكرم والبذل، ومن المناسبات التي يتخذها الشيخ منبرا لذلك: حفل توزيع الجوائز في نهاية السنة الدراسية، فبعد تقديم الحصيلة السنوية وتوزيع الجوائز التشجيعية للتلاميذ والطلبة، يلتفت إلى الجمهور قائلا: ( جاء دوركم في أخذ جوائزكم بالتبرعات، فأنتم ترون رأي العين ثمار ما بذلتموه من أموال،ها قد نجح أبناؤكم، بفضل جهود الإدارة والمعلمين، فعليكم بالمدد لمواصلة المسيرة ) فتنهال عليه الأموال ويتبارى المحسنون، ويتنافس المتنافسون.

وباستعراض عدد التلاميذ والأقسام وعدد الأساتذة المعلمين المؤطرين، ونسبة الزيادة بالمقارنة مع السنوات الماضية، كل هذه محفزات على مزيد من البذل والعطاء، عندما يشاهد المشاركون أثر بذلهم في الميدان، وفي أبنائهم، في أخلاقهم، وقيمهم، ومن الرصيد العلمي والتربوي، فيضحي الجميع، كل حسب استطاعته، ويوثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة، وحتى النساء يشاركن، ولو بالتنازل عن بعض حليهن ومصوغاتهن.

وفي المدة الأخيرة حيث توسعت مشاريع الجمعية وزادت فروع مدرسة الحياة ومعهدها، فالجمعية تفكر في إيجاد موارد إضافية كروافد للمصدر الأساسي الذي هو تبرعات المحسنين.

خـاتـمـة:

إن جمعية العلماء ظاهرة فكرية واجتماعية وحضارية، استطاعت أن تقف أمام المخططات الاستعمارية، وسلخ الشعب الجزائري من مقوماته الدينية والحضارية، بفضل الإيمان الراسخ والعزيمة الفولاذية، رغم إمكانياتها المادية والبشرية المتواضعة، إن مشروع الجمعية يحتاج منا إلى وقفات في كل جوانبه، وإضاءة جوانب من جهادها، وهي بحق مرجعية قريبة العهد، تستفيد منها الأجيال الحاضرة لمواجهة تحديات التغريب والعولمة. وربط حاضرها بماضيها، والتطلع إلى مستقبل مشرق. 

آخر التغريدات: