جمعية العلماء المسلمين وتأثيراتها الفكرية في النهضة الجزائرية

جمعية العلماء المسلمين وتأثيراتها الفكرية في النهضة الجزائرية

بقلم: عبد جأسم الساعدي –

إن أهمية موقع الجزائر الجغرافي وغزارة ثرواتها الطبيعية والمعدنية ومنتجاتها الزراعية، كانت من أبرز الأسباب التي دفعت الاستعمار الفرنسي لاحتلالها واعتبارها مستعمرة خاضعة لنفوذه وهيمنة احتكاراته. ترتب على الاحتلال، أن تحولت الجزائر الى منطقة نفوذ عسكري، تمتد من خلالها مطامع المستعمرين نحو البلدان الأفريقية، فأصبحت سوقاً لأصحاب رؤوس الأموال يستوردون منها المواد الأولية كالحديد والفوسفات والمنتجات الزراعية.

وشرع المحتلون منذ دخولهم أرض الجزائر، بتنفيذ أهدافهم وفق قوانين وتشريعات وتصريحات وإجراءات صبّت كلها في مجرى سياسة الإلحاق والاستيطان. ففي 22 تموز يوليو 1934، أصدرت فرنسا قراراً يعتبر الجزائر ملكية لفرنسا، وفي الرابع من آذار مارس 1948، أصدرت أيضاً مرسوماً، أعلنت فيه أن الجزائر جزء لا يتجزأ منها، وانسجاماً مع هذه السياسة وفي ظل عشرات السنين من السيادة الفرنسية، تكونت هناك شيئاً فشيئاً أقلية متميزة هاجرت من جنوب فرنسا وإسبانيا وكانت الدعامة الرئيسية للنظام الاستعماري، واحتكر الأوروبيون عملياً المناصب والمهن الرئيسية والأكثر ربحاً، مشكلين بذلك الأكثرية الساحقة بين الموظفين والمستخدمين والعمال المؤهلين. واستولى المعمرون أو المستوطنون الكولون الأوروبيون على أحسن الأراضي 2300 ألف هكتار عام 1917 و2700 ألف هكتار في عام 1940.

ويذكر أن سياسة فرنسا في الجزائر استهدفت مسخ المواطن الجزائري في محاولة القضاء على مقومات شخصيته الوطنية والقومية ومعتقداته الدينية وتقاليده الاجتماعية.

تصدت قوى الشعب، خصوصاً جمعية العلماء المسلمين، للاحتلال الفرنسي والإجراءات المعادية للغة العربية ومحاولات إضعاف مكانة الإسلام في الجزائر وإفراغه من مضامينه الإنسانية. فاللغة العربية من الوجهة الاستعمارية، هي لغة أجنبية يقتضي حصارها والقضاء عليها، والتنكيل بمن يدعو إليها أو يتحدث بها، وإحلال اللغة الفرنسية محلها، واعتبارها لغة البلاد الرسمية في ميادين الحياة.

ركزت الدوائر الفرنسية في الجزائر جهودها لنشر التعليم بالفرنسية وتوفير الوسائل الإعلامية والثقافية وتشجيع الهجرة الى فرنسا.

يقول الكاردينال لانيجري:… علينا أن نخلص هذا الشعب ونحرره من قرآنه، وعلينا أن نعنى على الأقل بالأطفال لننشئهم على مبادئ غير التي شب عليها أجدادهم، فإن واجب فرنسا تعليم الإنجيل أو طردهم الى أقاصي الصحراء، بعيدين عن العالم المتحضر. وأشار برك أحد أقطاب الاستعمار في الجزائر الى الشهادات التي تمنحها الإدارة الفرنسية لعملائها بقوله:… وصل بنا امتهان واحتقار الدين الإسلامي الى درجة أصبحنا لا نسمح بتسمية المفتي أو الإمام إلا من بين الذين اجتازوا سائر درجات التجسس، ولا يمكن لأي موظف ديني أن ينال أي رقي إلا إذا ما أظهر للإدارة الفرنسية إخلاصاً منقطع النظير.

فكان ظهور الحركة الإصلاحية في الجزائر في مطلع القرن الماضي تعبيراً عن مرحلة تاريخية بأبعادهاالاجتماعية والدينية والثقافية والسياسية. استطاعت أن تؤكد وجودها وقدرتها على التفاعل مع الأحداث من خلال نشاطاتها وأعمالها المتعددة.

وتمثلت أهدافها في التصدي والمقاومة لمشاريع الاستعمار وأساليبه ونهضت الحركة بمسؤولياتها التاريخية فأنشأت الجمعيات الخيرية والنوادي الثقافية والمدارس والمساجد والصحافة، فاستقطبت أبناء الوطن.

وكان لشخصية الشيخ عبد الحميد بن باديس أثر عظيم في النهوض بعبء هذه المهمات وتعميق مفاهيم الحركة الإصلاحية وتوسيع رحابها وامتداداتها بين الجزائريين.

وكان تأسيس جمعية العلماء المسلمين العام 1931، برئاسة الشيخ بن باديس استجابة لجهود رجال الإصلاح التي ظهرت في الجزائر وتفاعلاً من الحركات الإصلاحية في المشرق العربي.

وبرزت “جمعية العلماء” في المؤتمر الإسلامي الأول، الذي انعقد في الجزائر العام 1936، باعتبارها قوة مهمة الى جانب ممثلي كتلة النواب ونخبة المثقفين والحزب الشيوعي ونجم شمالي أفريقيا مع قدامى المحاربين والشباب والفلاحين.

وجاء انعقاد هذا المؤتمر بعد أن شكل اليسار الفرنسي حكومة “الجبهة الشعبية”.

وأخفقت حركة المؤتمر الإسلامي الثاني الذي انعقد في الجزائر في صيف العام 1937، فأكد هذا المؤتمر كسابقه على إصرار المستعمرين لإبقاء الجزائر مستعمرة فرنسية خاضعة لنفوذهم.

وكان ظهور حزب “الشعب” بقيادة معالي الحاج العام 1937، الذي أريد له أن يكون بديلاً لحزب “نجم شمالي أفريقيا” رداً إيجابياً لخيبة المؤتمرين. ويلاحظ أن الحركة الإصلاحية في الجزائر وعت في وقت مبكر لأهمية الصحافة وتأثيراتها الثقافية والاجتماعية، وأصرت على تقوية تلك المنابر وتوظيفها في نشر رسالتها على رغم المعاناة والضيق والتنكيل الذي كانت تواجهه.

فأصدرت صحيفة “الفاروق” الأسبوعية سنة 1924، وكان يديرها ويشرف عليها عمر بن قدور الجزائري. و”المنتقد” أسبوعية أصدرها عبدالحميد بن باديس سنة 1924، توقفت بعد صدور 18 عدداً منها. و”الشهاب” مجلة أسبوعية أصدرها الشيخ بن باديس أيضاً سنة 1925، ثم انتقلت سنة 1929 الى مجلة شهرية، واستمرت “الشهاب” في أداء رسالتها حتى توقفت في أيلول سبتمبر 1939، وصحيفة “الجزائر” أصدرها الشيخ محمد السعد الزاهري وعطلتها السلطات الفرنسية. و”صدى الصحراء” أصدرها الشيخ العقبي والشيخ أحمد العابد و”وادي ميزاب” أصدرها الشاعر والصحافي أبو اليقظان سنة 1926، استمرت نحو عامين ونصف العام حتى أوقفتها السلطات الفرنسية و”السنة” و”الشريعة” لجمعية العلماء.

وسعت “جمعية العلماء” لفتح عشرات المدارس وإنشاء المساجد والنوادي والجمعيات، وأدخلت أحدث الأساليب التعليمية والبرامج التربوية، فوطدت الجمعية معالم نهضة ثقافية وأدبية وفكرية من خلال النشاطات الكثيرة والمتعددة التي أنجزتها وأشرفت على أعمالها مما أكسب الجمعية مكانة مرموقة بين الشعب الجزائري.

أحدثت صحافة العلماء ومدارسهم ومعاهدهم بالإضافة الى النوادي والمساجد التي كانت تابعة لهم، انعطافاً ملموساً في نهضة الجزائر بعد أن كانت ضيقة الآفاق محدودة لا تتعدى الزوايا الدينية والكتاتيب التي كانت منتشرة في القرى والأرياف.

وعرف الشعراء: رمضان حمود وأبو اليقظان وحمزة بوكوشة ومحمد العيد وأحمد سحنون في ميدان الصحافة. فكتبوا القصائد التي تشيد بدور الصحافة في إنهاض الهمم وتوحيد الصفوف ونشر المعرفة.

ويعتبر “نادي الترقي” إحدى العلامات المضيئة في نشاط الحركة الإصلاحية، فكان تأسيسه في الجزائر العاصمة العام 1926 إسهاماً جاداً لإرساء معالم نهضة أدبية واجتماعية. وكان للكاتب المعروف أحمد توفيق المدني أحد علماء الجمعية دور في تأسيسه.

وانعقد الاجتماع التأسيسي لجمعية العلماء في “نادي الترقي” العام 1930 وشهد الكثير من المؤتمرات والملتقيات، وكان يتبارى فيه الخطباء والشعراء وانعقد به المؤتمر الإسلامي الثاني العام 1937.

ولمناسبة القرار الذي اتخذه مجلس إدارة جمعية العلماء بخروج وفودها للوعظ والإرشاد في نواحي البلاد، أقام النادي حفلة تكريمية للعلماء وللمجلس الأول الذي تكون للوعظ والإرشاد، وافتتحه رئيس الجمعية عبدالحميد بن باديس، ثم تلاه الأستاذ العربي التبسي ثم الأستاذ الطيب العقبي.

وكان لنادي “التقدم” في مدينة البليدة شأن مهم في نشر مبادئ الحركة الإصلاحية وتقوية روابطها بالحركة الأدبية والثقافية والاجتماعية.

إلى “الترقي” و”التقدم”، كانت هناك نواد أخرى، أمثال نادي “النهضة” ونادي “الرشاد” ونادي “المولودية” في الجزائر. وفي النادي الأخير، ألقى الشاعر أحمد سحنون عدداً من قصائده الاجتماعية والدينية.

ومن روافد الجمعية المهمة “الجمعيات الخيرية” التي رعت الفقراء والمحتاجين، للتخفيف عن مآسيهم الاجتماعية. وأبرز الشعراء الفوارق بين الفئات وما يصيب الفقراء من قهر واستغلال.

وكانت المعاهد والمدارس الحرة والمساجد نافذة رحبة تطل من خلالها حركة الإصلاح لتخترق قوانين المسخ والاغتراب ولتضع لبنات صلبة ومتماسكة لإرساء نهضة شاملة. فلعب معهد ابن باديس في قسنطينة و”دار الحديث” في تلمسان دوراً كبيراً في الحركة العلمية والوطنية والدينية. وألقى الشاعر مغري زكريا قصيدة “من يشتري الخلد؟ إن الله بائعه” لمناسبة تدشين دار ابن باديس للطلبة الجزائريين التابعين لجمعية العلماء في قسنطينة في 25 تشرين الأول اكتوبر 1953. ومنحت “جمعية العلماء” المدرسة أهمية استثنائية لإدراكها الواعي بوظائفها في التحرر من الجهل والتخلف. فخاض الشعراء والأدباء جولات للتعريف بالمدرسة وحض الجزائريين على التعلم والمعرفة ونشر اللغة العربية، كشكل من أشكال مقاومة الوجود الاستعماري. واقتدت الحركة الإسلامية بالسلف، فنشط رجالها لإحياء تراث الأمة برافديه الغربي والإسلامي.

ولخص الشيخ ابن باديس أهداف جمعية العلماء عام 1935 بقوله: القرآن أمامنا والسنّة سبيلنا والسلف الصلاح قدوتنا وخدمة المسلمين وإيصال الخير لجميع سكان الجزائر غايتنا.

وامتدت حركة الأدب والثقافة في الجزائر الى البلدان العربية خصوصاً “بلدان المغرب العربي” والمشرق وكذلك الدول الأفريقية والعالم، واستطاعت كسر القيود والحواجز التي وضعها المستعمرون لعزل الجزائر عن التفاعل مع العالم.

فأحدثت جولات الموفدين الى بلدان المشرق العربي والاطلاع على الحركات الثقافية والإصلاحية، انعطافاً مهماً في الحركة الشعرية والأدبية وكانت تصل الى الجزائر “المطبوعات” العربية من القاهرة وبيروت ودمشق، وتتزود الحركة الإصلاحية بالجديد فيها، ما أنعش حركة المقاومة والتصدي لمشاريع الاحتلال وأهدافه.

وكانت القضية الفلسطينية من أهم محاور “جمعية العلماء” الدينية والثقافية وأولاها الشيخ ابن باديس أهمية من خلال خطبه وما حملته صحافة الحركة المتعددة في الجزائر من وعي وموقف متطورين.

واعتبر الشعر الجزائري وحدة المغرب العربي من قضاياه الأساسية لأنه يعبر عن هموم مشتركة في التطلع الى الحرية والاستقلال الوطني والتخلص من هيمنة الاستعمار ونفوذه في المنطقة. فالدعوة لم ترم الى نزعة انفصالية أو إقليمية أو الى استحواذ بلد على آخر، وتعامل الشعر وفق رؤية عربية إسلامية تنبع من الشعور بأهمية تمتين أواصر العلاقات بين شعوب هذه البلدان وتجاوز الخلافات الهامشية، ولم يقتصر هذا الموقف على شاعر دون آخر، إنما نجد الشعراء الجزائريين، أمثال: السعيد وسحنون وضباشة والسائحي وعبدالقادر وزكريا، قد شغلتهم هذه القضية لسنوات طويلة. ويتحدث الشاعر مغري زكريا عن العلاقة التاريخية بالمغرب الأقصى وعن الصلة الشعورية بين البلدان العربية. ودعا الشاعر سحنون قادة المغرب العربي، الى بناء وحدته على أسس متينة من الحب والتعاون وتوفير أموال الشعوب وعدم تبذيرها، ولنشر المعرفة وقيم العرب وأمجادهم التاريخية، ولمكافحة الظلم والجور.

وتجاوب الشعر مع الأحداث العربية وعكس صداها كانتفاضة الشعب المصري لإلغاء معاهدة 1936 وإجلاء القوات البريطانية وصموده لرد العدوان الثلاثي على مصر العام 1956 والعدوان الفرنسي على “بنزرت” التونسية عام 1961، وإعلان استقلال تونس والمغرب الأقصى وليبيا وكذلك الثورة العراقية 1958.

وعالج الشعراء متري زكريا ومحمد صالح باويه وصالح خرفي وآخرون قضايا التحرر والحرية والاستقلال في العالم، وتشكل افريقيا أحد المحاور المهمة في الشعر الجزائري، لوقوع أقطار المغرب العربي في القارة ولصلتها الجغرافية والتاريخية بها، كما انها تعرضت لحملات الاحتلال ويطالعنا الشعر الجزائري بنماذج فيه.

فحينما أخضعت إيطاليا الحبشة لسيطرتها، كتب السعيد قصيدته “يا شرق” عام 1936، ويعقد زكريا في قصيدته “المارد الأسمر” الأمل على افريقيا في نهضتها لبناء مستقبل شعوبها، وفضح الشعر لعبة الأمم المتحدة وما يبيت للشعوب في هيئة الأمم المتحدة من مؤامرات واتفاقات دولية، كما حدث عند عرض القضية الجزائرية على المنظمة الدولية.

يلاحظ أن الأدب الجزائري الحديث خصوصاً “الشعر” والمقال الصحافي والخطبة والحوارات الثقافية، كانت تصدر في رؤية إنسانية ومواقف سياسية واجتماعية لا تخرج في الغالب عن دائرة جمعية العلماء المسلمين والحركة الإصلاحية في الجزائر من حيث الرؤية والروافد الأدبية والفكرية، لذا يمكن القول إن الحركة الأدبية تأثرت الى حد بعيد، بما كان يجري في عالم الحركة الإصلاحية، في مفرداتها وأساليبها الثقافية ورؤيتها، ولم تستطع التحرر من تأثيراتها حتى بعد الاستقلال العام 1962، وبقيت تجري في جداول “جمعية العلماء المسلمين” الإصلاحية في المحافظة على التراث العربي الإسلامي والتقيد بقوانين وتشريعات الحركة السلفية الإصلاحية في الإبقاء على “القديم”، والالتزام به، من دون المجازفة في الاقتحام والخروج على “المألوف” في الأدب والإبداع. لذلك بقيت الفنون الأدبية “أسيرة” الماضي، لما تشبعت به من أفكار ورؤى، كانت تجد طريقها المؤثر في الصحافة المتعددة، الواقعة تحت نفوذ جمعية العلماء.

وعانت “الحداثة” في الإبداع والكتابة في الجزائر للتخلص من القيود، لمدة طويلة، كانت سبباً في ركود الأدب. ولعل “السبعينات” في الجزائر كانت بداية الخروج من “الأسر” والتحرر من ضغوطه وكوابيسه.

 

* كاتب عراقي مقيم في بريطانيا.

المصدر:

تاريخ النشر(م): 3/4/2000

تاريخ النشر (هـ): 28/12/1420

رقم العدد: 13536

الباب/ الصفحة: 21

آخر التغريدات: