ولادة النهضة في فكر مالك بن نبي: الأخلاق والجمال والمنطق العملي وتقنيات الإنتاج

ولادة النهضة في فكر مالك بن نبي: الأخلاق والجمال والمنطق العملي وتقنيات الإنتاج

بقلم: عمر مسقاوي –

أطلت أوروبا في مسار القرن التاسع عشر وفلسفته بمفهومين أساسيين هما مفهوم الثقافة ومفهوم الحضارة. فمنذ عام 1718 بدأت فرنسا تدخل كلمة Culture من خارج معناها اللغوي كتوصيف مضاف إلى شيء آخر كالأدب والفن وليس كمضمون مستقل. ثم استقل مع التطور كمفهوم Conception ليدل على التأهيل والتربية والتأديب مع نشوء مصطلح آخر هو Renaissance استعمل مع بداية القرن التاسع عشر حين ورد من ايطاليا كمصطلح عمّ أوروبا ليسير إلى حركة تجديد واسعة شملت الفنون والعلوم إحياءً لتراث الإغريق والرومان.

مع هذه التطورات في تنظيم تطور أوروبا انتقل مفهوم الثقافة إلى إطار أكثر تخصصاً وتجريداً في بناء العلوم الاجتماعية والنفسية ونظرية التطور مع Taylor البريطاني وبدأ مصطلح Renaissance يشير إلى بعث وقيامة جديدة استقرت مع آلية عصر الأنوار لتمسك بمفهوم التقدم انطلاقاً من المعطيات المضمرة للثقافة الغربية التي ارتبطت بالأرض والنزعة الكمية مع أوغست كمت والمادية الوثنية.

البداية

هذه الخلفية الثقافية لعصر الحداثة والاستعمار أطل عليها وعي مالك بن نبي في الجزائر وتحديداً عام 1925 حين بدأت مكونات رؤيته للمشكلة تنمو في مدينته قسطنطينة مع نشوء حركة الإصلاح بقيادة ابن باديس من ناحية ومن ناحية أخرى تكوينه في مناخ مدرسة قسطنطينة حيث انتقل إليها منذ العام 1920 ليتابع تحصيله العلمي. في هذه المرحلة أتيح للطالب بن نبي أن يطلع على حركة العصر الذي سمي العصر الجميل بعد الحرب العالمية الأولى، لذلك كان يتابع الصحف الفرنسية وخصوصاً جريدة humanite كما يطالع أنباء الحركة التجديدية في مصر عبر جريدة”المنار”والسيد رشيد رضا حين غدت مرجعاً لحركة الإصلاح بقيادة بن باديس. كانت هذه صورة التحولات التي ترابطت من خلالها فاعلية أوروبا في العالم عبر الاستعمار وهكذا غدا مفهوم الثقافة هو الصورة والتعبير عن تلك الولادة الجديدة في أوروبا التي تحققت فعلاً والتي اتخذت مصطلح Renaissance فارتبط بعث أوروبا من جديد كنموذج في ذهن المثقفين العرب والمسلمين وغدا هذا النموذج المعيار في التحدي المزدوج نحو الانفتاح الكلي على النموذج خارج التراث العربي الإسلامي كحقيقة اجتماعية قائمة أو الانكفاء الكلي نحو الذاكرة التاريخية لنموذج الحضارة الإسلامية.

شروط النهضة

كان كتاب شروط النهضة الذي صدر عام 1949 يأتي ثانياً بعد كتابه”الظاهرة القرآنية”الذي كان الجواب على التحدي الأول، إذ لاحظ بن نبي أن الطلاب الذين جاءوا إلى أوروبا وخصوصاً فرنسا يتمثلون أفكار المستشرقين ودراساتهم، خصوصاً في ما يتعلق بعقائدهم بسرعة لافتة. فما إن وضع مرغليون نظريته في نفي وجود الشعر الجاهلي وأنه من صنع العهد الإسلامي من أجل الادعاء بإعجاز القرآن للعرب، عام 1925، حتى أصدر طه حسين كتابه”الشعر الجاهلي”عام 1926. لذا كان كتاب”الظاهرة القرآنية”أول دراسة قامت بإثبات انفصال الوحي وآيات القرآن الكريم عن الذات المحمدية وقد طبق في هذا كله المنهج العقلاني الغربي. وحين صدر كتاب”الظاهرة القرآنية”عام 1946 اعتبره بعض المحللين المحايدين أول دراسة عقلانية يقوم بها مثقف من البلاد المستعمرة. وحين كانت أفكار ماركس ونقده للرأسمالية شائعة على أثر الحرب العالمية الثانية وقد اعتبرت منطلق نقد لحركة عصر الأنوار المادية اعتبر البعض أن كتاب”الظاهرة القرآنية”هو منطلق نقد للعقلانية المادية التي حاولت تعسفاً تفسير ظاهرة الوحي القرآني في اطار دراسات علم النفس وليس دراسات الظاهر في مفهومها الغيبي.

لذا كان كتاب”شروط النهضة”الذي صدر عام 1949 خلاصة انعكاس هذا الواقع على رؤية بن نبي، ويبدو لنا ذلك واضحاً في عنوان الكتاب الأساسي”شروط النهضة الجزائرية”. فهذا العنوان في حد ذاته يطرح المنطلقات الرئيسة لسلسلة كتبه جميعاً”مشكلات الحضارة”. فبن نبي انطلق من معيار عملي يختلف أساساً عن كل مقاربات المفكرين والكتاب الذين تكلموا على النهضة في هذا الاتجاه أو ذاك.

فنسبة شروط النهضة إلى الجزائر ليست عملية تركيبية تضيف مظاهر العصر الحديث إلى مظاهر الحياة الجزائرية في ظل الاستعمار، بل هو عنوان تحليلي شرطي كما يتضح من فصول الكتاب. فالجزائر هي مساحة التحليل التي انتهت إلى مفهوم القابلية للاستعمار كواقع نفسي يحدد مرحلة معينة من واقع الخلفية التي رسختها الحضارة الإسلامية في عمق الجزائر، وهي مرحلة الأفول والانسحاب من التاريخ. فالقابلية للاستعمار هي في النهاية قضية تتعلق بالأفكار في مرحلة الشلل الفكري يعبر عنه واقع الجزائر. لكن الجزائر ليست سوى نموذج من العالم الإسلامي كله الذي يشكل مجال دراسة لتماثل الإعراض في عالم الأفكار.

من هنا بدأت الشروط التي وضعها بن نبي تنطلق من إستراتيجية أساسية مماثلة لإستراتيجية ولادة أوروبا من جديد في إطار مفهوم Renaissance الأوروبي، أي إعادة النظر في التراث القديم بعد تصفيته من سائر مؤثرات الحضارة الإسلامية في لحظة أفولها بعد سقوط الأندلس كما يقول بن نبي.

وهكذا انتهج بن نبي آلية المسار نفسه انطلاقاً من التراث الإسلامي من دون الدخول في تفاصيله. فتحدث عن الشروط السابقة للحمل من أجل ولادة جديدة. لذا تختلف مرحلتنا عن مرحلة أوروبا لأن المصطلح الأوروبي تحدث عن الوليد الجديد في ما يسمى عصر النهضة في ايطاليا. لذا عمد بن نبي الى تحديد جديد لمفهوم الولادة من جديد Renaissance. هذه الولادة الجديدة لا بد من أن تخرج من رحم”القابلية للاستعمار”حين تصفي سلبيات الأفكار السائدة، وهذه تحتاج إلى لحظة مخاض تاريخية مملوءة بالبواعث كتلك اللحظة التي نشأت فيها ولادة الإسلام عبر الوحي في مكة. فتعبير الولادة من جديد هو ترجمة تعبير Renaissance والعنوان باللغة الفرنسية للكتاب هو الأكثر وفاء لمنطلقات بن نبي. فكلمة النهضة أو الولادة naissance تقود الذهن الى النموذج الغربي، وهذا ما أشار اليه المفكر المغربي الجابري حين قال إن مصطلح Renaissance يدل على ولادة فعلية هي الغرب بكل معناه، بينما فكرة النهضة في المشروع العربي والإسلامي اتجهت الى المستقبل خروجاً من الواقع العام. وهذا يدل على أن وعي العرب في رؤيتهم لنهضة أوروبا يقوم أساساً على الإحساس الفارق بين واقع التخلف وواقع نهضة أوروبا، لذا فهم يفكرون بالنهضة التي يرون نماذجها.

الثقافة في إطار الولادة الجديدة

لقد شرع بن نبي يعطي في كتابه”شروط النهضة”صورة الاستعمار في الجزائر كمعطل لكل ارتباط بين دور الإنسان الجزائري والبيئة من حوله. لذا لا بد من أن تنطلق الولادة من جديد خارج الدائرة التي رسمها الاستعمار، أي خارج مفهوم القابلية للاستعمار. وهكذا طرح المشكلة في إطارها الحضاري الذي يتصل بمستقبل الإنسانية على هذا الكوكب.

فمن العودة إلى العهد الأول نرى أن الاطراد التاريخي لفاعلية الفكرة الإسلامية انطلق من عاملين: الفكرة الإسلامية التي هي أصل الإطراء، والمسلم الذي هو السند المحسوس لهذه الفكرة.

فنشوء الدورة الحضارية يرتبط صعوداً وهبوطاً بالفرد الذي يمثل فكرة الإسلام باعتباره سندها المحسوس. ففكرة الإسلام كوحي مُنزل تمثل الأصالة العينية والحقيقة المطلقة. وهذا من عند الله ويبقى الذي من عند أنفسكم بمعنى أن محور الحضارة هو الإنسان المسلم الذي هو سند الفكرة المحسوس في مسيرة التاريخ.

وبقدر مسوغات الفكرة في بناء الإرادة وفاعلية حضورها يكتب التاريخ مراحل صعود الحضارة وهبوطها.

من هنا يأتي تداول الأيام ومن هنا يبدأ دور الإنسان في بناء عالم محيط حوله تتحدد في إطاره قيم الأخلاق ومدى ارتباطها بالمثل والجمال ومدى التعبير به طبقاً لهذه المثل والفاعلية ومدى ارتباطها بالمنطق العملي في تفعيل الوسائل ذات الارتباط الوثيق بالقيم الأخلاقية والجمالية عبر التاريخ.

فالعناصر الأربعة: المبدأ الأخلاقي والمبدأ الجمالي والمنطق العملي ثم الجانب التقني في الإنتاج هي العناصر التي تتكون منها ثقافة المجتمع حينما تصبح تاريخاً. فالثقافة هي الأساس التربوي الذي يحدد معيار الصعود والهبوط بقدر تضامن هذه العناصر في بيئة الفرد، ذلك السند الأساسي لمسار الحضارة في اتصاله بالثروة عبر الزمن التاريخي الذي يحدد مراحل الحضارة. فالحضارة هي القدر النهائي للثقافة التاريخية وهي مركب الصعود إلى الحضارة في مداها العالمي ومركب الهبوط في سحيق التخلف.

إن هذا المنهج، يقول بن نبي، يرتبط بمفهوم كوني كسنّة من سنن الله الأزلية. من هنا فالاقتباس من أوروبا يتطلب من القابلية للاستعمار التي هي الوجه الآخر لصورة الاستعمار أن تنظر هذه القابلية إلى الظواهر الغربية الأوروبية على أنها مسألة نسبية لا تعبر عن الحقيقة المطلقة ومن خلال ذلك يستطيع العالم العربي والإسلامي أن يعرف وجوه النقص في الحضارة الغربية كما سيتعرف على عظمتها الحقيقية. وبهذا تصبح الصلات والمبادلات مع هذا العالم أعظم كما فعلت اليابان.

من هنا يتضح لنا أن الفكرة ليست مصدراً للثقافة من حيث هي فكرة عينية، بل هي الفاعلية المحيطة بها باعتبارها ذات علاقة بوظيفة الثقافة التي هي مجموع الشروط النفسية الزمنية التي ينطبع بها مستوى الحضارة في المجتمع. وهو مستوى تتغير فيه الأفكار بطريقتين:

أ – الطريقة الأولى في ظل ارتفاع مستوى الحضارة، إذ كان الأوروبي ينظر إلى التقدم العلمي كميزة يمتاز بها عقله والى الحضارة على أنها فطرته والى الاستعمار على أنه امتداد لحضارته خارج أوروبا. وكانت هذه الأشياء تحقق الإجماع في الداخل في حدود أوروبا والإعجاب في الخارج خارج حدود أوروبا.

ب – الطريقة الثانية في مرحلة هبوط الحضارة. فعندما يهبط مستوى الحضارة تنقطع الصلة بالأفكار المؤسسة للوسط الاجتماعي والتي جاءت من منابع خلفية وعقلانية صدرت عنها أساساً. وهكذا تكسب هذه الأفكار وجوداً صناعياً غير تاريخي. وبذلك تفقد كل معنى اجتماعي كما تفقد قدرتها على إبداع الأشياء. بل إن الشيء نفسه يفقد أيضاً مقدرته على إنتاج الأفكار. فقد ارتبطت تفاحة نيوتن بمرحلة نفسانية وعقلية أدت الى اكتشاف الجاذبية هي ثقافة الغرب في بداية حيويته التي تطرح السؤال دائماً. لكن لو سقطت أمام جده لأكلها لأن المرحلة لم تكن قد وضعت الأفكار والأشياء في مستوى الشروط النفسية لعالم الأفكار والأشياء في إطار عالم الأفكار.

 

* محامٍ، نائب ووزير سابق، نائب رئيس المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في لبنان

المصدر: الحياة

تاريخ النشر(م): 23/6/2007

تاريخ النشر (هـ): 8/6/1428

رقم العدد: 16150

الباب/ الصفحة: 16 – تراث

آخر التغريدات: