ابن باديس والوحدة الوطنية

ابن باديس والوحدة الوطنية

بقلم: د.أحمد بن نعمان –

إن مفهوم الوطنية عن بن باديس لا يختلف عن ما هو متداول في كافو البلاد العربية الأخرى، فهي نسبة إلى الوطن المتمثل في التراب والقطر الجغرافي (المحدد باسمه و جنسية دولته) أما القومية فهي نسبة إلى القوم الذين يمثلون كامل الأفراد الأمة. وبما أن الأمم في العالم يمكن أن تنقسم إلى ثلاثة أنواع من حيث علاقتها بالدول وهي:

أولا: دول في أمم (أو الدولة الأمة) بمعنى أن الدولة نفسها أمة بحدودها الجغرافية والثقافية واللغوية والسكانية… كما هو الشأن في فرنسا حاليا أو ألمانيا أو اليابان أو الفيتنام أو تايلاندا أو البرتغال أو تركيا أو إيطاليا أو اليونان أو إيران…

ثانيا: دول مكونة من عدة أمم مثلما كان الشأن في الاتحاد السوفياتي و يوغوسلافيا و تشيكوسلوفاكيا سابقا أو كما هو الشأن في سويسرا و بلجيكا و كندا و إسبانيا و قبرص حاليا…

ثالثا: أمم مكونة من عدة دول بمعنى دول متعددة بسياستها وشعوبها وأعلامها وعملاتها وحدودها الجغرافية تضمها أمة واحدة كما هو الشأن في كوريا و الصين أو البلاد العربية الحالية.

وبناء على ذلك فإن الجزائر ترابا وشعبا وسيادة وسياسة واستقلالا لا تمثل إلا إحدى الدول العامة في الأمة العربية الإسلامية.

ذلك أن الدولة إذا كانت تعرف بحدود سيادتها على التراب الوطني و الشعب في الحيز الجغرافي، فالأمة تحدد أبعادها بمعيار الانتشار الثقافي واللغوي والديني المتجانس في أنماطه العامة، التي تشمل مجموعة الشعوب والدول التي لها نفس الثقافة وتتحدث نفس ويشملها نفس التاريخ، ولا يشعر المواطن بالغربة أو الاغتراب عند التنقل بين أقطارها حدود دولها، مهما تكن المساحة أو المسافة الجغرافية التي تفصل بعضها عن بعض عبر القارات والبحار والمحيطات، ففي ذلك الشعور بالتآلف والتعارف والتجاوب والتفاهم والانسجام العام الذي لا يشعر فيه الفرد أنه ناشز عن المجموع في الشارع والجامع، يكمن مفهوم الأمة والانتماء القومي… وحول هذا الموضوع نجد ثلاث اتجاهات متعارضة من حيث اعتبارها لوحدة العرق أو السلالة أساسا للقومية:

الاتجاه الأول: انطلت على أصحابه المغالطة، فذهبوا يحاولون –بدون جدوى- إقناع الخصوم بإثبات الصلات الوثيقة بين الهوية القومية ووحدة العرق، وذلك بالتأكيد على أن الجزيرة العربية كانت منطقة طرد إلى المناطق المجاورة لها عبر التاريخ، وخاصة بعد الفتح الإسلامي، وانطلاقا من هذه التخمينات التاريخية ذهب دعاة هذا الاتجاه إلى القول بأن جلّ السكان في الوطن العربي،هم عرب عرقيا وليس ثقافيا!! وهذه أطروحة خطيرة النتائج والعواقب!

الاتجاه الثاني: لا يضغط أصحابه بشكل واضح على العنصر الواحد، كأساس للمجتمع القومي العربي، اعترافا بأن التراث الثقافي والاجتماعي المشترك هو أساس الانتماء القومي في الوطن العربي.

الاتجاه الثالث: يرفض أصحابه رفضا قاطعا فكرة وحدة العرق في تكوين المجتمع القومي من أساسها، وضمن هذا الاتجاه الذي يمثل وعيا متقدما جدا في مفهوم الأمة كما يجب أن تكون،نجد إمام الجزائر عبد الحميد بن باديس الذي يصرح محذرا و مؤكدا بأن القومية ليست لها أية علاقة بالعرق، وإنما أساس القومية هو وحدة اللغة والثقافة المشتركة والعقيدة الدينية، أي أن القومية هي اتحاد الفؤاد واتحاد اللسان، على حد تعبيره بالحرف الواحد في مقال له بعنوان “كيف صارت الجزائر عربية” حيث يقول: “ما من نكير أن الجزائر كانت أمازيغية، من قديم عهدها، وما من أمة من الأمم استطاعت أن تقلبها عن كينها، ولا أن تخرج بها عن أمازيغيتها، أو تدمجها في عنصرها ،بل هي التي كانت تبتلع الفاتحين فينقلبوا إليها، ويصبحوا كسائر أبنائها، فلما جاء العرب، وفتحوا الجزائر فتحا إسلاميا لنشر الهداية –لا لبسط السيادة- وإقامة العدل الحقيقي بين جميع الناس، لا فرق بين العرب الفاتحين و الأمازيغ أبناء الوطن الأصليين، دخل الأمازيغ من أبناء الوطن في الإسلام وتعلموا لغة الإسلام العربية، طائعين فامتزجوا بالعرب بالمصاهرة، ونافسوهم في مجال العلم، وشاطروهم سياسة الملك، وقيادة الجيوش وقاسموهم كل مرافق الحياة (إلى أن يقول): “فأقام الجميع (العرب و البربر) صرح الحضارة الإسلامية يعبرون عنها وينشرون لواءها بلغة واحدة هي اللغة العربية الخالدة، فاتحدوا في العقيدة والنحلة، كما اتحدوا في الأدب واللغة، فأصبحوا شعبا واحدا عربيا متحدا غاية الاتحاد، ممتزجا غاية الامتزاج، وأي افتراق يبقى أن اتحد الفؤاد و اتحد اللسان” (عن مجلة “الشهاب” قسنطينة، عدد فبراير 1938م). وهنا نلمس وضوح مفهوم الإمام لأسس تكوين الأمة المبني أساسا على وحدة الدين ووحدة اللغة وآدابها، وثقافتها المشتركة في عمومياتها (الثابتة) مع إبعاد العامل العرقي، إلى جانب عدم اعتبار الاختلاف العرقي واللوني –إن وجد افتراضا- حائلا دون تحقيق العروبة الكاملة للشعب الجزائري المسلم (وهو عكس ما كان يهدف إليه المخطط الاستعماري وما يزال كما هو معلوم) على أن ابن باديس إذا كان يتفق مع أصحاب هذا الاتجاه (الثالث) في إسقاط العامل العرقي من الحساب في المعادلة القومية، إلا أنه يزيد عنهم في التأكيد على عنصر جديد في غاية الأهمية، وهو عنصر العقيدة الإسلامية التي كانت أساس تلك القومية في نظر ابن باديس، ويدل على ذلك قوله في النص المذكور: “وأي افتراق يبقى بعد أن اتحد الفؤاد واتحد اللسان” فسبق ذكر الفؤاد وهو الروح والعقيدة، وأخر ذكر اللسان وهو اللغة، والإمام هنا في غاية المنطق والواقعية مع التاريخ، وكأنه بذلك يؤكد لنا –أيضا- مقولة الإمام علي (كرم الله وجهه) القائلة بأن (المرء بأصغريه قلبه ولسانه) فالعربي التام –إذن- عند ابن باديس والأفغاني من قلبه، هو من كان قلبه مفعما بالإسلام، ولسانه ناطقا بالعربية… وهنا نجده يختلف عن أصحاب الاتجاه (الأممي) الذي يعتمد على الدين وحده. ويسقط العوامل الأخرى كاللغة والثقافة والتاريخ، كما يختلف عن الاتجاه (البعثي العلماني) الذي ينفي عامل الدين ويسقطه من حسابه وهو الاتجاه المنتشر في المشرق العربي عموما، لأسباب طائفية معروفة ومفهومة،ويضرب –في الوقت نفسه- الاتجاه الانعزالي (الاستعماري) الذي قد يظهر في بعض الأقطار العربية ليقول: نحن مسلمون ولكننا لسنا عربا… أو العكس!!.

فكان لهذا الوعي الوطني والقومي الرفيع لدى الإمام دور عظيم في إحباط المخططات الاستعمارية التي ظلت تستهدف الوحدة الوطنية لشعوب المغرب العربي عموما والجزائر على وجه الخصوص بترويج ادعائها المغلوط الذي مفاده ان العرب الفاتحين ليسوا إلا غزاة للبلاد المغربية… فكتب تفنيدا لهذا الادعاء الاستعماري قائلا (في نفس العدد من مجلة الشهاب): “أما أبناء يعرب وأبناء مازيغ فقد جمع بينهم الإسلام منذ بضعة عشر قرنا ثم دأبت تلك القرون تمزج بينهم في الشدة والرخاء، وتؤلف بينهم في العسر واليسر وتوحدهم في السراء والضراء، حتى كونت بينهم خلال أحقاب بعيدة عنصرا مسلما جزائريا، أمه الجزائر و أبوه الإسلام”.

ويرجع –في نظرنا- هذا المفهوم القومي المركب من الإسلام والعربية، والممزوج في البلاد المغربية مزج الإسمنت بالماء… إلى خلو بلدان المغرب العربي من دين غير الإسلام، خلافا لبلدان المشرق العربي التي كانت تجتذب المثقفين المسيحيين و اليهود فيه فكرة القومية العربية (المفرغة عن عنصر الدين) كوسيلة للتحرر من (النفوذ) التركي في مطلع هذا القرن، وإيجاد بديل مقبول لفكرة الجامعة الإسلامية التي كانت تختمر في عقول المثقفين المسلمين، والتي كان غير المسلمين يخشون أن يؤدي انتشارها إلى إغراق الأقليات الطائفية التي يمثلون أغلبيتها في الوطن العربي… كما قد يرجع مزج الإسلام بالعروبة في المفهوم المغاربي (نسبة إلى بلدان المغرب العربي) إلى سياسة الفرنسة التي انتجها المحتل الفرنسي، في شكله الصليبي، مع هذه البلدان كما هو معلوم، والتي جعلت مفهوم العروبة لدى السكان المغاربة ملتصقا عضويا بالتراث الإسلامي، وقد قوى هذا الاتجاه تصرف الإدارة الاستعمارية مع الأهالي في محاولة القضاء على هذا التراث بما يمثله من لغة وثقافة إسلامية وعربية، تمثل المرتكزات الجوهرية للشخصية الوطنية لسكان المنطقة، إلى جانب تصادف الحقد الصليبي الدفين نحو الإسلام الذي كان يهدف الاستعمار الفرنسي (المسيحي) إلى القضاء عليه بشتى الوسائل في الواقع الاجتماعي، مما ضاعف من تشبث الأهالي به كحصن من حصون المناعة ضد الذوبان في الثقافة الفرنسية التي كانت تمثل الكفر المحض في نظر السكان… ونعود إلى عامل اللغة عند ابن باديس الذي يوليه أهمية كبيرة في المسألة القومية والوحدة الوطنية، حيث نجده يرد بقوة على دعاوي الاستعمار الفرنسي للتشكيك في عروبة الشعب الجزائري (المستعربة) حيث يقول: “إن اختلاط الدماء في فرنسا و الدول الأوروبية قائم، ولم يحل ذلك دون أن تكون فرنسا أمة واحدة لاتحادها فيما تتكون به الأمم، بينما على جبال فرنسا وفي قراها من لا يحسن اللغة الفرنسية، ولكن ذلك القليل –نظرا للأكثرية- لم يمنع أن تكون فرنسا امة واحدة… (ثم يضيف) وهذه الحقيقة الموجودة في فرنسا يتعامى الغلاة المتعصبون عنها، ويحاولون بوجود اللغة البربرية في بعض الجهات وجودا محليا، وجهل عدد قليل جدا بالعربية على رؤوس الجبال، أن يشككوا في انتماء الجزائر إلى الأمة العربية التي كونتها القرون وشيدتها الأجيال” (نقلا عن كتاب “التعليم القومي والشخصية الوطنية” للدكتور تركي رابح، الجزائر، ص52).

وبهذا يتبين لنا جليا أن هذا الإمام المفكر الإسلامي والقومي كان سباقا بين قوميي عصره إلى هذا الربط الموفق بين الإسلام والعروبة في تكوين الأمة المحمدية، مع إسقاط العامل العرقي من حسابه تماشيا مع منطق العصر، وتفاديا الوقوع في الفخ الاستمعاري، وتفويتا عليه (أي المستعمر) فرصة التسلل لتقويض الوحدة الوطنية والقومية، فيؤكد ذلك في مناسبة أخرى بقوله: “ليس الأمة يتوقف على اتحاد دمها، ولكنه يتوقف على اتحاد قلوبها، وأرواحها اتحادا يظهر في وحدة اللسان وآدابه واشتراك الآلام والآمال، (إلى أن يقول) تكاد لا تخلص أمة لعرق واحد، وتكاد لا توجد أمة لا تتكلم بلسان واحد، فليس الذي يكون الأمة ويربط أجزاءها، ويوجد شعورها ويوجهها إلى غايتها هو هبوطها من سلالة واحدة، وإنما الذي يفعل ذلك هو تكلمها بلسان واحد” (نقلا عن مجلة “الموقف العربي” عدد يناير 1979).

وهذا التأكيد على عنصر اللغة في العروبة لدى ابن باديس نجد له الأصل الإسلامي المتمثل في قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عندما خطب في العرب المسلمين مدافعا عن ثلاثة من الأعلام المسلمين من غير ذوي الأصل العربي، وهم بلال الحبشي، وسلمان الفارسي،وصهيب الرومي، فقال: “أيها الناس، الرب واحد والأب واحد والدين واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا من أم، وإنما هي باللسان فمن تكلم العربية فهو عربي” (رواه ابن عساكر). وبذلك يتأكد لنا مدى رسوخ قدم الرجل في الأصل الإسلامي الخالص من الشوائب والضلالات التي علقت به مع تقلبات الزمن، كما يتأكد لنا بعد نظره الذي ينم عن وعي كامل بمخططات الاستعمار الجديد بكل أنواعها، حتى لقد علق عليه أحد المثقفين العرب بقوله: “من هذا الرجل المعمم الثائر صدرت أقوى الهجمات ضد المعممين” (عن مجلة “الموقف العربي”).

أجل فكيف يمكن لدعاة العرق العربي (أو غير العربي) التقي الواحد، في المشرق أو المغرب، من الذين انطلت عليهم المغالطة الاستعمارية الذكية… أن يثبتوا ذاك النقاء حتى في الجزيرة العربية، فضلا عن مصر أو لبنان أو السودان أو بلاد المغرب، وكأنني بأحد يناقش أصحاب هذا الاتجاه قائلا: إذا جاريناكم في القول بأن المجتمع العربي ذو أصل عرقي واحد يرجع إلى الجزيرة العربية… فمن يثبت لنا علميا، ومنطقيا، أن سكان الجزيرة العربية أنفسهم عرب أقحاح (أي غير مستعمرين) ونحن نعلم علم اليقين أن أقواما مختلفي الأجناس جاؤوا إلى الجزيرة العربية قبل الفتح الإسلامي وبعده بصفة خاصة، واستقروا بين السكان الأصليين، وأصبحوا بعد جيل أو جيلين –فقط- عربا مستعربين مسلمين، لا يختلفون في أي شيء عن العرب الأصليين وكان الأحرى بهؤلاء العرب أن يعتقدوا أسوة برسول الإسلام صلى الله عليه وسلم، أن الجميع عباد لرب واحد، ومعتنقون لدين واحد.

وهو ما يدعم الوحدة الوطنية الترابية والسكانية للشعب الجزائري، وعن عوامل التفريق العرقي واللغوي الذي يعوق هذه اللحمة الوطنية وبالتالي هذه الوحدة، يرى بن باديس لذلك أن تعدد اللهجات “العربية أو البربرية” مقبول مع وحدة اللغة المكتوبة، وتعدد اللغات المكتوبة في دولة واحدة وأمة واحدة لا يستقيم مع وحدة الشعب ووحدة الوطن ووحدة الهوية على الاطلاق!!

ومثلما تخلى الشعب الجزائري عن الوثنية واليهودية والمسيحية إلى الإسلام، وتخلى عن اللاتينية إلى العربية طواعية (كما قال ابن باديس). فاليوم لماذا يدّعي هؤلاء قبول الإسلام بدل الوثنية والمسيحية واليهودية، ويحاربون العربية لغة القرآن كلغة وطنية وحيدة وسيدة مثل سيادة الإسلام وشموله لكافة أرجاء الوطن، علما بأن اللائكية (التي ينادون بها) أن كانت مطبقة في بعض بلاد العالم في مجال الدين، فلم يحصل أن وجدت لائكية لغوية ولن توجد على الاطلاق!

ولذلك ونظرا لأن اللغة هي عنوان السيادة ومرآة السياسة والهوية، فإن الهوية الوطنية، في الاتجاه العمودي التاريخي في الزمان هي أمازيغية عربية إسلامية، وفي الاتجاه الأفقي في المكان هي هوية عربية إسلامية فقط وأي طرح غير هذا لن تكون نتيجته غير تمزق الوطن إلى أشتات وشراذم لا حصر لها من الهويات والقوميات!!

وللإجابة عن ادعاءات ومطالب أولئك الذين يريدون أن يوقفوا التاريخ ويعودوا “بالأمة” الجزائرية إلى عهد الاحتلال الروماني متذرعين “بالأصالة”و”الجزأرة”و”التاريخ الوطني”و”الشخصية” أو “الهوية” الوطنية التي يصرّون في كل نداءاتهم، وشعاراتهم، وتصريحاتهم الرسمية وغير الرسمية، بأنها ذات التركيب أو الترتيب الثلاثي: “أمازيغية عربية إسلامية”(…) نقول لهم بأننا نوافق على هذا المطلب وهذا الطرح أو هذا التركيب أو الترتيب، بشرط أن يكون (كما هو الشأن في فرنسا ذاتها، وفي جميع البلاد العربية الإسلامية الحالية) ترتيبا عموديا في الزمان، وليس تمزيقا أفقيا في المكان!! ولتبيان ذلك للذين يهمهم أمر “الأمة” ومصيرها وتاريخها، ولتوضيح المعنى الحقيقي للاستمرارية التاريخية للشخصية، والهوية الوطنية الجزائرية (الأمازيغية العربية الإسلامية…)، فإننا نتمثل بعملية تلقيح الأشجار في العلوم الطبيعية، والتلقيح هنا ثقافي بالدرجة الأولى، وليس عضويا أو عرقيا (كما أسلفنا)، لأن التلقيح العضوي –إن حصل- فهو أمر ثانوي جدا وأن التطعيم –كما نعلم- يتم بنقل فرع من شجرة معينة ومختارة، ليطعم به جذع شجرة أخرى لها وجود و جذور ممتدة في أعماق الأرض، ما شاء لها التاريخ أن تمتد… والتطعيم يحتمل النجاح ويحتمل العكس، كما أن له شروطا من جملتها التقارب أو التشابه في فصيلة الشجرة والنوع، أي تطعيم نوع من الشجر مع نوع من الشجر المشابه له وليس تطعيم نوع من الشجر مع نوع من الحجر!…

و إذا ما نجح التطعيم نجاحا كاملا، وكبرت الشجرة المطعمة، فيصبح جذرها من نوع وبقية الكيان (الجذع والأغصان والثمار) من نوع آخر، بمعنى أن ما تحت التراب نوع، وما فوق التراب نوع آخر، وكما لا تستطيع الشجرة أن تنفصل عن جذرها أو تغيّره ولو أرادت (على اعتبار أن التطعيم يتم في جذع الشجرة وليس في الجذر) فكذلك يظل من المستحيل أن يكون للشجرة وجود ملموس، لو قطعت من مستوى التربة (أي من مكان التطعيم الذي ازالت معالمه القرون وصيرت الجذع كتلة عضوية واحدة) علما بأنها ستعطي نفس الثمار حتى ولو شقت أو قطعت!! وتبقى النتيجة الوحيدة لعملية القطع أو الشق هي تأخر نمو الشجرة أو قتلها، وليس تغيير نوع الشجرة ككل!! وهذا الإجراء لا يقبله إلا عقل مخرب للكيان وعدو لوحدة الأوطان.

وختاما نقول إذا أمكن للمرء أن يكتسب عدة جنسيات وجوازات سفر في الوقت ذاته، فلا يمكنه أن يكون ذا هويتين مختلفتين في الوقت ذاته، وذلك لأن الهوية مثل الأم والشعب مثل الطفل، ومثلما لا يعقل أن يكون للطفل أمّان اثنتان أو ثلاث، فلا يعقل أيضا أن يكون للشعب الموحد الأصيل هويتان مختلفتان أو أكثر. فإما أن يكون الشعب ذا هوية واحدة أو لا يكون على الإطلاق والوحدة الوطنية والقومية تتحقق أو لا تتحقق، وهذا هو ميدان جهاد الإمام طوال حياته اعتقادا منه بأن الأمم هي الهويات ما بقيت فإن هم ذهبت هوياتهم ذهبوا؛ والثقافات هي المعتقدات واللغات ما طبقت واستعملت… فإن هم شوت معتقداتهم واستبدلت لغاتهم نسخوا ومسخوا أشباحا وأصفارا في أرقام وأرصدة غيرهم!!

وإن ابن باديس إذا كان يتصدر أصحاب الاتجاه الذي يسقط العامل العرقي من المعادلة القومية، والوحدة الوطنية إلا أنه يفوقهم في التأكيد على عنصر العقيدة الإسلامية التي كانت أساس تلك القومية في نظره، ويدل على ذلك قوله في النص المذكور: “وأي افتراق يبقى بعد أن اتحد الفؤاد واتحد اللسان” فسبّق ذكر الفؤاد وهو الروح والعقيدة، وأخر ذكر اللسان وهو اللغة، والإمام هنا في غاية المنطق والواقعية مع التاريخ وعلم الهوية والقومية، فالعربي –إذن- عند ابن باديس هو من كان قلبه مفعما بالإسلام، ولسانه ناطقا بالعربية… وهنا نجده يختلف عن أصحاب الاتجاه (الأممي) الذي يعتمد على الدين وحده، ويسقط العوامل الأخرى كاللغة والثقافة والتاريخ، كما يختلف عن الاتجاه (العلماني) الذي ينفي عامل الدين في القومية ويسقطه من حسابه كالاتجاه البعثي والعلماني، المنتشر في المشرق العربي، لأسباب طائفية معروفة ومفهومة، ويضرب –في الوقت نفسه- الاتجاه الانعزالي الذي قد يظهر في بعض الأقطار العربية ممن انطلت عليهم المغالطة الاستعمارية العرقية التي سبق الإشارة إليها وقد لخصنا ردنا عليها، وموقفنا منها في مقولة مفادها أن “العروبة بالسلالة للحصان، والعروبة بالرسالة واللسان للإنسان”.

آخر التغريدات: