من قال ابن باديس بدعيا.. فقد كذب

بقلم: محمد الصالح رحاب –

لا يمكن أن ننكر الجانب السلبي للاحتفالات بالمولد النبوي الشريف، خاصة في فترة الاستدمار الفرنسي، حيث ساهمت كثيرا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في هذا الاتجاه الانحطاطي الذي لا يشرّف الإسلام ولا المسلمين· ولكن من جهة أخرى، لا يمكن أن ننكر الجانب الإيجابي لهذه الاحتفالات التي نريد تسليط الضوء عليها· وهنا، يجب أن نشير إلى أن الجزائريين خلال فترة الاستدمار الفرنسي، وأصر على هذه اللفظة “”الاستدمار””، كانوا يعانون الأمرّين بسبب سياسة الغلق التي تمارسها السلطات الفرنسية وسياسة الأرض المحروقة والعصا الغليظة···

غيرها من أسباب خنق الحريات وعمليات مسخ الهوية الجزائرية· وكان الجزائريون محرمين من التعبير عن أنفسهم، إلا في مثل هذه الحفلات، وأقصد حفلة المولد النبوي الشريف· في ذكرى هذا الحفل، تغفل فرنسا عما يقال ويحتفل به من باب استراتيجية غض الطرف· ولهذا، استغلت بعض الجهات من الوطن هذه الفرصة لإشعار الجزائريين المسلمين أن لهم شخصيتهم المتميزة، فهم ليسوا فرنسيين، ولم يكونوا ولن يكونوا، وهذا الشعور بدأ يتغلغل في النفوس بشكل واضح خلال الثلاثينيات· وتحديدا، أذكر ذلك في باريس في 18 أكتوبر 1936 عندما صاح أحد الجزائريين المسلمين بأعلى صوته وردد:

فلسنا نرضى الاندماج ولسنا نرضى التجنيسا

ولسنا نرضى الامتزاج ولا نرتد فرنسيسا

وكل من يرضى اعوجاج رجمناه كإبليسا

هذه الأبيات قالها مفدي زكريا الذي كان الأمين العام للحركة الوطنية· هذا الصوت المدوّي في قلب باريس يوحي بأن شيئا سيأتي في الجزائر، والوعي بدأ يتبلور من خلال العنف الكلامي· فهم، أي الفرنسيون، يخرجون على الجزائريين بمشروع “”بلوم فيوليت”” الذي يريد منا أن نكون أشباه الفرنسيس ببقايا حقوق· في هذه الظروف، رد شاعرنا مفدي زكريا على هذه الهدية المسمومة بهذه الأبيات التي نشرت في أيام عيد المولد النبوي من تلك السنة· لقد كانت الاحتفالات بالمولد النبوي تأكيدا من الجزائريين على أنهم ليسوا فرنسيين· ففي 2 ماي 1937 الذي يصادف ذكرى المولد النبوي الشريف، وتحديدا بالعاصمة الثانية للجزائر وهي مدنية قسنطينة التي احتضنت حدثا كبيرا، كان له وقعه التاريخي الذي يحدد هوية الجزائري الذي يرفض أن يكون فرنسيا تحت أي ظرف من الظروف، وأن المولد النبوي كان فرصة لأن يثبت الجزائري جزائريته وهويته الدينية التي لا ترضى للإسلام بديلا· في هذا اليوم، يعلن في قسنطينة عن حفل بكلية الشعب، وهي قاعة مازالت موجودة وراء مركز البريد الرئيسي، والداعي لهذا الحفل والقائم عليه الشيخ عبد الحميد ابن باديس بنفسه وبحضور تلامذته وتلميذاته من مدرسة التربية والتعليم· وقد ضم الحفل جملة من النشاطات المتمثلة في إلقاء قصائد ومدائح حول السيرة النبوية وأناشيد تناسب المقام في قاعة مكتظة بجمهور كبير، وفي مقدمة الصفوف كان هناك شيخ بعباءته وبرنوسه الجزائري الذي يعتز به، وهو جالس وبيده قلم يدون على كراسته، فهو يشاهد أبناءه وبناته ينشدون من جهة، ومن جهة أخرى كان يسجل شيئا ما· فالرائي له يعتقد أن ابن باديس بحكم كونه صحافيا، كان يسجل ملاحظات من أجل تغطية الحفل، فهو الذي كان يصدر “”الشهاب”” و””البصائر””· ولما فرغ منها، اتجه نحو المنصة ليفاجأ الجمهور بقصيدته التي لا يمكن أن تنسى أبدا وهي:

شعب الجزائري مسلم

وإلى العروبة ينتسب

من قال حاد عن أصله

أو قال مات فقد كذب

هذه القصيدة قيلت في هذا المقام، أي ذكرى المولد النبوي الشريف· وبهذا، أثبت الشيخ أصالة الجزائر وتمسكها بدينها وعروبتها ولغتها، مهما كانت الضغوطات والإغراءات والاستفزازات··

رغم كل هذه الجهود التي قام بها الشيخ ابن باديس للحفاظ على الهوية الوطنية، يخرج صوت مبحوح من بين صدور صفحات الجرائد يجهل كلية ظروف الجزائر خلال فترة الاستدمار، ليتهم ابن باديس بالبدعة، ويتبجحون بتهمتهم تلك، ووصل بهم الحد بأن يتهموه ويقولوا إنه قام بأكبر بدعة· هل يعقل أن من يكتب قصيدة من ذلك الطراز يؤكد فيها على هوية الشعب الجزائري وأصالته “”بدعيا””؟ إذا كان ما قام به ابن باديس بدعة “”اللهم زدنا بدعة”” مثل هذه القصيدة، هل يقال عن قائلها وقائل سابقاتها أيضا إنهم من أهل بدعة؟ كيف نتهم ذلك الرجل الذي كان له الفضل في الحفاظ على الجزائر والخروج بها من براثن الجهل والأمية، وهو الذي كان يدعو في كل مناسبة إلى أصالة الجزائر؟ هذا الحفل المتواضع الذي دعا إليه ابن باديس كان حفلا متواضعا، بدأ “”بشعب الجزائر”” مسلم وانتهى به· هل يعقل أن تكون قضية توعية الجماهير وفتح عيونهم وآذانهم من أجل التمسك بدينهم هو أمر بدعة حسب هؤلاء؟

أتساءل ما البدعة؟ وأين البدعة؟ هل شاهد هؤلاء تلك الحفلات التي تقام بمناسبة المولد· أقول لعلهم لم يولدوا بعد، فهم يريدون تطبيق النموذج الشرقي حرفيا علينا، في حين أن إخواننا المشارقة لهم وضعيتهم المتميزة ولنا وضعيتنا المتردية· إن هؤلاء الذين يعممون “”البدعة “”لا يعرفون شيئا عن وضعية الجزائر التابعة لفرنسا، ومنهم من عرف الجزائر بعد الاستقلال فقط· فهل يحق لشخص أن يعمم البدعة على حفلات لم يرها؟ ومنهم من عاش في المشرق العربي ولم يعرف شيئا عن الطاغوت الفرنسي وجبروته، وهناك من المشارقة من يعتقد أننا أصبحنا فرنسيين، وأن الجزائر قد قبرت، وهي الأندلس الثانية الضائعة· هؤلاء المحدودي الأفكار لهم نظرة سوداوية عن الحفل عموما ولا يفرقون بين حفل وآخر، لأن فاقد الشيء لا يعطيه·
وأحدثكم عن حفل مدرسي آخر في الشرق الجزائري، وبداخل مسجد ومدرسة حرة في آن واحد، كان يقام حفل المولد بحضور القياد والأغوات والباشاوات والإداريين من الجزائريين والقضاة وأعوانهم ومن لف لفهم· من مميزات هذا الحفل أن هذه الشخصيات التي تحضر حفل المولد، تتفاجأ بأبنائهم “”من أصلابهم”” يتصدرون الحفل المسجدي، ويلقون خطبهم وأناشيدهم في مدح الرسول الكريم، ومنهم من كانوا عمداء في الكشافة الإسلامية والمتواجدين في الحفل أيضا، هؤلاء الذين تربوا في المسجد والمدرسة الحرة كان لهم دور بارز في التوعية، وشهدنا أبناء هؤلاء فيما بعد فيهم من أصبحوا قادة للثورة التحريرية ومن ثم قادة للجزائر الحرة· هل هذا العمل يبدو بدعة؟ هل هذا النضج السياسي والتوجيه من إمام المسجد ومن معه تعتبر بدعة؟ إن كان كل ذلك بدعة، فأهلا ومرحبا بها·

أتذكر تفاصيل هذا الحفل المزدوج المدرسي والمسجدي، والذي افتتحه آنذاك بمسجد عمار مهري العتيق، حيث ألقى مولود مهري الدرس في التفسير، ثم يفتتح الحفل ويقدم محاضرة حول السيرة النبوية·· هل هذا بدعة؟ لقد تخلل الحفل أناشيد للبنين والبنات داخل المسجد·· إذن، هذا أكبر بدعة، حسب هؤلاء· وأذكر أن الحفل كان يختتم عادة بالنشيد الإسلامي الذي أتذكر ألحانه الحماسية:

دعا الحق فامضوا وشقوا الزحام

وسيروا إلى المجد سير الكرام

دعاة السلام حماة الصدام

ألستم كتائب خير الأنام

نبيكم أيقظ العالمين

ودينكم للهدى خير دين

وشرعكم الحق سمح مبين

وقبلتكم للبرايا عصام

إلى أن يختم:

إلي المجد امضوا ولا تحجموا

ألا إنما يقدم المسلم

تناديكم في الثرى الأعظم

ردوا الموت وأقدموا للأمام

هذا النشيد الحماسي الذي ينشد في المسجد الذي جعل للعبادة حسب هؤلاء، دعوة صريحة للإرهاب·· لكن، شتان ما يعتقده هؤلاء الذين يجهلون ظروف الجزائر وبين ما كان يقوم به هؤلاء الرجال المصلحين، الذين كانوا يعدون الأجيال ليوم الفصل “”وما أدراك ما يوم الفصل””، يوم أن قلنا بصوت عال: من جبالنا طلع صوت الأحرار ينادينا للاستقلال، لاستقلال وطننا· وقلنا بلغة واضحة مفهومة “”نطق السلاح، فما يباح الكلام””·
إذن، كل هذا بدعة·· فالبدعة هي التي أوصلتنا للاستقلال· وأكرر، إذا كان ما يقوم به ابن باديس بدعة، فمرحبا بها وزدنا اللهم بدعة·

آخر التغريدات: