مالك بن نبي: مفكر النهضة

مالك بن نبي: مفكر النهضة

بقلم : محمد بوشيخي –

يُعد المفكر الجزائري مالك بن نبي (1905-1973) من أبرز المثقفين العرب المعاصرين إبداعاً للمفاهيم وأكثرهم انشغالاً بقضايا الحضارة والثقافة وأعمقهم تنظيراً للنهضة وشروطها، تخرج من المعاهد العليا للهندسة الكهربائية بفرنسا، واهتم بإنارة دروب الظلام في واقع الفكر والمجتمع بالعالم الإسلامي، بعد أن راكم تجربة حياة قضى منها ما يزيد عن ثلاثين سنة في أوربا.

أكد على سلاح العلم والمعرفة في معركة ولوج الحضارة، كما ألح على ضرورة العلوم الأخلاقية والاجتماعية والنفسية وأولويتها على العلوم المادية، لأن الجهل بها جهل بحقيقة النفس، مادام أن “معرفة إنسان الحضارة وإعداده أشق كثيراً من صنع محرك أو ترويض قرد على استخدام رباط عنق”.

القابلية للاستعمار

من مفرداته الذائعة الصيت مفهوم “القابلية للاستعمار” الذي يعني به، حسب الباحثمحمد شاويش، “الرضوخ الداخلي للواقعة الاستعمارية ومقاومة تغييرها واستبطان الفكرة الدونية عن الذات التي مصدرها المستعمر المتغلب والاقتناع بها”، وهو مفهوم استقاه من قراءته للتاريخ الإسلامي عقب سقوط دولة الموحدين في المغرب، فإنسان ما بعد الموحدين، كما يقول، يعتبر تجسيداً “للقابلية للاستعمار، والوجه النموذجي للعصر الاستعماري، والبهلوان الذي أسند إليه المستعمر القيام بدور (المستعمر)”، وقد استمر “إنسان ما بعد الموحدين” على امتداد قرون الانحطاط يعيش واقعه ذاك إلى أن جاء الاستعمار الأوربي الذي لم يكن في الحقيقة سوى نتيجة لتلك القابلية للاستعمار.

لذلك دعا بن نبي إلى التخلص مما يستغله الاستعمار في “أنفسنا من استعداد لخدمته، من حيث نشعر أو لا نشعر”، لأنه يوظف “سلطة خفية” في توجيه طاقتنا الاجتماعية و”تبديدها وتشتيتها على أيدينا”، فلا رجاء لنا إذن، في الاستقلال ولا أمل لنا في الحرية، مهما كانت الأوضاع السياسية، مادام الاستعمار يتملك نفوسنا، ويمشي بنا على طريق مصالحه، وهنا استشهد بقول نسبه لأحد المصلحين قال فيه: “أخرجوا الاستعمار من أنفسكم يخرج من أرضكم”، بل إن ابن نبي لفت إلى أهمية دراسة الاستعمار علميا، تماماً كما درسنا هو حتى سهل عليه التحكم فينا، فأصبح “يتصرف في بعض مواقفنا الوطنية، وحتى الدينية، من حيث نشعر أو لا نشعر”.

وعلى الرغم من سلبية الاستعمار غير أنه يبقى في تصور ابن نبي، كما يرى الباحث عبد الحميد سي ناصر، في صورة من صوره “أثراً سعيداً من آثار تلك القابلية”، حيث يدفع بالمجتمع نحو التخلص من بواعث تلك القابلية، وذلك عندما يبدأ في “اكتشاف ذاته من جراء ردات فعله عن ممارسات المستعمر”.

فشل خطاب الإصلاح

يقف ابن نبي عند مختلف التوجهات الفكرية الداعية إلى الإصلاح في العالم الإسلامي، وقد اتخذ من الحالة الجزائرية مرجعاً لتحليله في كتابه الشهير “شروط النهضة”، إذ اعتبر حركة العلماء الجزائريون أقرب هذه الحركات الإصلاحية “إلى النفوس، وأدخلها في القلوب، إذ كان أساس منهاجهم الأكمل قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)”، حتى أصبحت هذه الآية شعار كل من ينخرط “في سلك الإصلاح في مدرسة (ابن باديس) وكانت أساسًا لكل تفكير؛غير أن عبارات الإصلاحيين الجزائريين، كما رددتها جمعية العلماء، قد انحرفت، كما يقول، “لأسباب تضاد المنهج” فتركت الحكمة مكانها “للانتهازية السياسية”.

وهو هنا لا يبخس من مجهودات “جمعية العلماء”، ولا يخدش صورتها إذ يعتبرها في “طليعة النهضة الجزائرية الصحيحة، ومن أقوى محركاتها “، رغم ما يعتريها أحياناً من ركون “إلى التفكير غير المنهجي”. غير أن التفكير غير المنهجي يمكنه أن يتحول “إلى انتهازية خطيرة” سيما في “العصور المضطربة عندما تؤدي كل خطوة خاطئة إلى الموت أحيانا”، وهو ما يرصده ابن نبي في موقف “جمعية العلماء الجزائريين” بانضمامهم، عام 1936، إلى الوفد السياسي الذي ذهب إلى باريس لعرض مطالب “المؤتمر الجزائري”، الذي انعقد يوم 17 يوليوز (تموز) من نفس السنة بدعوة من رئيس الجمعية الشيخ عبد الحميد بن باديس، على المسؤولين الفرنسيين، وهو ما رفضته الحكومة الفرنسية.

حيث اعتبر ارتماء الجمعية في بحيرة السياسة أكبر خطأ “جرّ الحركة الإصلاحية الجزائرية إلى أول انحرافها”، إذ أدت إلى إخفاق “المؤتمر الجزائري” وتشتيت جمعيتهم نفسها، وبالتالي “انقلبت الحركة الإصلاحية على عقبها، وأصبحت تمشي على قمة رأسها، لا على قدميها” غير أن الأمر لا يخص الجزائر وحدها، بل يعم العالم الإسلامي برمته الذي أصيب “بمثل ما أصاب الجزائر” حين “نشأت فيه التيارات الحزبية، وانعكست فيه روح السمو وقوة الصعود والنهوض، إلى عاطفة سفلية، وجاذبية سطحية”.

فجمعية العلماء كان بوسعها الاستمرار على طريقها نحو النصر لولم يتملك “مركب النقص” من نفسيتها بإزاء رجال السياسة، فتحولت البلاد منذ سنة 1936 إلى سوق للانتخابات “وصارت كل منضدة في المقاهي، منبراً تلقى منه الخطب الانتخابية”، و”تحول الشعب إلى جماعة من المستمعين، يصفقون لكل خطيب، أو قطيع انتخابي، يقاد إلى صناديق الاقتراع”.

فالسياسة، التي ولجتها جمعية العلماء وعموم الحركة الإصلاحية الجزائرية، أفسدت المنهج وأبطلت الحكمة، وهذا ما يزكي اعتقاد ابن نبي بكون “الدين” إذا كان يشكل قاعدة الحضارة ومنطلقها، فإن “السياسة” هي مقتلها؛ أي أن أزمة الجزائر يفسرها ابن نبي -حسب الباحث بوعرفة عبد القادر- بواسطة “سيطرة أوثان جديدة صنعتها السياسية المنحرفة، والتي هي أقرب إلى البوليتيك العامي منها إلى الفكر السياسي”.

ضرورة الحضارة

تمعّن ابن نبي في مؤلفاته، خصوصاً شروط النهضة، على مسار الفكر منذ عهد النهضة وانتقد اهتماماته، حيث كان كل مصلح يصف “الوضع الراهن تبعاً لرأيه أو مزاجه أو مهنته”، فرموز النهضة ظلوا، حسب ابن نبي، طوال خمسين سنة “لا يعالجون المرض، وإنما يعالجون الأعراض” مشبها حالهم بحالة “طبيب يواجه حالة مريض بالسل الجرثومي، فلا يهتم بمكافحة الجراثيم، وإنما يهتم بهيجان الحمى عند المريض”.

وهذا بحسبه شبيه بحالة العالم الإسلامي الذي “دخل إلى صيدلية الحضارة الغربية طالباً الشفاء”؛ فالمسألة مسألة “حضارة”، وهو يرى أن هذه لا تستورد، وهي تنحل بحسب رأيه إلى “ثلاث مشكلات أولية: مشكلة الإنسان، مشكلة التراب، مشكلة الوقت”. لذلك، فإن بناء حضارة لا يستلزم منا تكديس المنتجات، بل يفرض علينا أن “نحل هذه المشكلات الثلاث من أساسها”.

كما نظر ابن نبي بعين ثاقبة إلى شروط تشكل الحضارة، ولخص ضرورياتها في ثلاثة شروط هي التراب، الوقت والإرادة؛ فالحضارة في بدئها لا تملك من رأسمالها سوى “ذلك الرجل البسيط الذي تحرك، والتراب الذي يمده بقوته الزهيد، حتى يصل إلى هدفه، والوقت اللازم لوصوله”. أما ما عدا ذلك من مظاهر كالقصور الشامخات، والجامعات والطائرات، فليس “إلا من المكتسبات، لا من العناصر الأولية”؛ فالمجتمع الإنساني “يمكنه أن يستغني وقتاً ما عن مكتسبات الحضارة، ولكنه لا يمكنه أن يتنازل عن هذه العناصر الثلاثة، التي تمثل ثروته الأولية، دون أن يتنازل في الوقت نفسه عن جوهر حياته الاجتماعية”.

كما تحدث المفكر الجزائري عن لحظتين حاسمتين في ولادة الحضارة؛ الأولى هي لحظة “ميلاد الفكرة الدينية”، والثانية هي لحظة “تسجيل هذه الفكرة في الأنفس”؛ أي “دخولها في أحداث التاريخ”. وفي تناوله للحضارة الاسلامية، يتحدث عن عاملين في اطرادها هما “الفكرة الإسلامية التي هي أصل الاطراد نفسه، والإنسان المسلم الذي هو السند المحسوس لهذه الفكرة”. لذلك، يوصي باعتماد لغة التحليل النفسي “بغية تتبع اطراد الحضارة، باعتبارها صورة زمنية للأفعال وردود الأفعال المتبادلة” المتولدة بين ‘الفرد والفكرة الدينية”. فالفرد في مرحلته الأولى؛ أي مرحلة الفطرة، يكون أساسه “الإنسان الطبيعي” الذي تتملكه الغرائز، وحينها ستتولى الفكرة الدينية إخضاع تلك الغرائز إلى عملية شرطية تمثل ما اصطلح عليه في علم النفس الفرويدي ب”الكبت”. وهنا يكون دور العملية الشرطية هو تنظيم الغرائز في “علاقة وظيفية مع مقتضيات الفكرة الدينية”، حيث ستنضبط تلك الغرائز الحيوانية بقواعد “نظام معين”، ومن هنا يبدأ تحرر “الفرد جزئيا من قانون الطبيعة المفطور في جسده” بخضوعه للمقتضيات الروحية؛ أي لـ”قانون الروح”.

آخر التغريدات: