أديب، مؤرخ وصحفي درس اللغة والفقه: الشيخ أبو يعلى شخصية علمية وسياسية في الواجهة

بقلم: أ.عبد القادر حمداوي

تعرف على شخصيات علمية وسياسية هاجرت من الجزائر، خصوصا شيوخ زواوة وبعض الرجال من المغرب العربي، مثل عبد القادر المغربي ومحمد لخضر حسين،وشكيب أرسلان، ساهم في الحركة العربية ضد الأتراك، ظل يبحث ويحرر ويحتك بأعلام الفكر العربي الإسلامي، اتسعت مداركه الفكرية، ونبغ في فنون مختلفة، وتكونت له شخصية مرموقة شاع صيتها في وسط العلماء آنذاك.

إنه الشيخ أبو يعلى، الشخصية العلمية والسياسية التي تتوقف عندها “الشعب” في صفحة “أعلام الجزائر”.

كان في طليعة المبارزين في صفحات التاريخ، فهو أديب، مؤرخ وصحفي اشتهر بفصاحة اللسان ودرس على شيوخ المنطقة اللغة والفقه، زار مصر وسوريا وفرنسا اشتغل بالتعليم والوعظ.
ولد أبو يعلى الزواوي عام 1866 بنواحي عزازقة، وانتقل أبوه محمد الشريف إلى ناحية أزفون للقيام بالإمامة والتعليم، وما إن بلغ سن السادسة، حتى بدأ في حفظ القرآن الكريم ومبادئ الدين واللغة، امتاز بموهبة فطرية مبكرة، وانتقل إلى زاوية سيدي عبد الرحمان الليلولي ليدرس بها، وجد نفحات العلم ونشاط التحصيل والتعبير عن المطامح ودقة الاستشهاد وقناعة العقل وتبريز للنوابغ، درس على الشيخ الصادق بن زكري شقيق مفتي الجزائر.

السفر إلى دمشق

في سنة 1902 سافر إلى دمشق بها اشتغل هناك في القنصلية الفرنسية كاتبا، كما كان له نشاط فكري وافر، كان ينشر مقالات تهم المجتمع العربي في صحيفتي (المقتبس) و(البرهان)، التي أسسها عبد القادر المغربي بطرابلس سنة 1911 م.

تعرف أبو يعلى على شخصيات علمية وسياسية هاجرت من الجزائر، خصوصا شيوخ زواوة وبعض الرجال من المغرب العربي مثل عبد القادر المغربي ومحمد لخضر حسين وشكيب أرسلان، كما ساهم أبو يعلى في الحركة العربية ضد الأتراك، ظل الشيخ يبحث ويحرر ويحتك بأعلام الفكر العربي الإسلامي، فاتسعت مداركه الفكرية ونبغ في فنون مختلفة، وتكونت له شخصية مرموقة، شاع صيتها في وسط العلماء أنذاك.

شد الرحال أبو يعلى إلى القاهرة سنة 1914، وتلقى درسا بجامع الأزهر على العلامة الشيخ محمد بخيت المطيعي، عاد إلى الجزائر وقع بيده كتاب تبصرة ابن فرحون فوجد ما قاله شيخه بخيت، كما ذكر الشيخ أبو يعلى شيوخه الأستاذ الشيخ رشيد رضا والشيخ ظاهر الجزائري.
حن إلى الوطن وهزته الأشواق، وعاد وفي نفسه عزم على القيام بمهمة الدعوة الصحيحة،ومحاربة أهل البدع والخرافات في الجزائر.

ثم جاءت ملازمته في الذهاب إلى الدعوة في عالم واسع بذاته بكل معاناته ونشواته، وكان يشجع أهل العلم في كل خطبة يقوي العزيمة وطاقة فياضة في المجتمع، فكم من عالم كان يتردد عليه ويقصده في بيته طلبا للتوجيه والاسترشاد والمساعدة في زمن بلغت فيه عتمة الجهل وفاقت السبل في مداها، لم تمض أيام حتى تم على دعوته بتعيينه إماما بجامع سيدي رمضان بالعاصمة، وفي المسجد وقف الشيخ نفسه على تهذيب النفوس وصقل المواهب وتذكير الناس بمناهل العلم الصحيح وتشويقهم إليه وإزالة الظنون الفاسدة وسوء الفهم بين الناس وتعويضها بالأخوة والوئام وبعث الاعتزاز في نفوس الشباب، فكانت كل كلمة يدليها تفعل فعلتها كقنبلة تبعث همها وعزائم وتوحد صفوفا وأهدافا وغايات.

كان الجميع يستفيد من مجالسته ويتردد الكثير عليه شخصيات علمية وتاريخية وفكرية، كل واحدة منها لها خبرتها، فهي مجالس العلم والخبرة والتجربة، وفي هذا الوسط الاجتماعي يجد نفسه يسمع الحديث ويشع بالمكانة والاحترام ويبرز بالإرادة، كما نذكر بفكرة عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر عندما قال: الجماعة هي بيئة توليد الأفكار.

وقد لخص النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عندما قال: مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير وهذا وذاك تجد منه ريحا طيبة ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا منتنة.

شجاعة أدبية وصوت قوي

كان الشيخ أبو يعلى لا يفتر عن المجاهرة بالكلمة، يرسلها من الأعماق في حلقات الدروس أو من على المنبر يمتاز في دروسه وخطبه بالشجاعة الأدبية وصوته القوي الواضح، كان يهاجم الاستعمار وعملاءه بشجاعة وقوة، ويندد بأهل البدع والمنكرات والعقائد الزائفة والعادات المرذولة، وكانت الموضوعات التي يطرحها باستمرار ويركز عليها، كالتعاون بين أفراد الأمة ومحاولة السمو بالنفس ونوازعها، وكان كثيرا ما يتحدث عن تربية البنت وتعليمها وتمكينها من حقوقها وعن الشخصية الوطنية التي تميزها عن غيرها والتمسك بالقرآن، فهو هداية الأمة وشفاؤها كان من فرسان الكلام والقلم والعراك في كثير من الخصائص، لأن سيفه ورمحه يحفظا في ساعة الورع مهجته، كان يتقدم الشيخ بنفسه ويخاطب الناس بالصوت الذي يعرف ويفهم ويستعذب وتظهر بؤرة الإبداع والتألق في ثروة لا تنضب، ورصيد لا ينقص القلوب التي أحبتك، كان لها مواقف لن تنساك ولن تنسى معروفك وإخلاصك ومواقفك المؤثرة بالسمع والطاعة في تأدية عمله رغم التحريات البوليسية التي كانت باستمرار، ولأنه كان مرجعا دينيا معينا يرجع إليه المجتمع.

كان أصلب عودا وأعلى همة وأوفر حظا من الشجاعة والاعتزاز بالشرف والاتصال بالأمة، التي كانت تعيش ظروف التمزق وأحوال الفرقة حتى في مجالات الفكر ومراكز العلم حاصر العدو كل الأوضاع السياسية المختلفة بالتصور الرهيب .

وقف العدو في الجزائر بجميع أطيافه في استعباد الإسلام في الظاهر والباطن أن الخصم النزيه الشجاع لا يرضى لخصمه أن يكون أسيرا في يد غيره، عملت المسيحية على تمكين الالحاد، فهي تنصر الاستعمار وفاتح أبوابه، وتحارب الإسلام وهو الحصن الذي يتحطم الالحاد على صخوره، فدين الله لا يثبت بالمزامير ولا بالمسامير، وإنما يثبت بفضائله وحسن التدبير وبعقيدة وإيمان، كان أبو يعلى يدعو للتمسك بعاداتنا الصالحة الوطنية المميزة، ويرى أن الاستعمار هو علة ورأس البلايا كلها، وجعل الناس بالإسلام وسوء فهمهم وأهدافه، تعددت ميادين الشيخ في الجهاد، الفكر، اللسان والقلم، وكان من مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأقطابها العاملين، حتى دعاه الشيخ عبد الحميد ابن باديس (شباب الشيوخ)، وللشيخ أبو يعلى مطبوعات كثيرة ومقالات عديدة في مختلف الصحف، وظل على اتصال مع علماء أجلاء في الشرق، إلى أن وفته المنية في أول يوليو سنة 1952 م، فكان من العلماء والفقهاء الذين يثيرون الحماس والترغيب في الاستشهاد.

رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه .

آخر التغريدات: