الشيخ عبد الكريم الفكون: حياته وآثاره

الشيخ عبد الكريم الفكون: حياته وآثاره

بقلم: أ.نبيل ربيع –

هناك شخصيات مغمورة ودراسات مفقودة في تراثنا العربي الأصيل، لجلة من علماء وأدباء في الجزائر عموما، وعلى وجه التخصيص قسنطينة. ومن أبرزهم شخصية الإمام والعالم عبد الكريم الفكون القسنطيني؛ الذي أتى عليه حين من الدهر ، ظل فيه كنزا دفينا وركازاً مخبوءا، بعيداً عن الأضواء، مختفياً في دوائر الظلال، لا يكاد يرسوا على شاطئه باحث أو يأنس لأجوائه دارس، أو يرنوا إليه قلم.

وذلك بالرغم من البريق اللامع الذي تألقت به شخصيته بوصفه علماً من أعلام المدرسة السلفية إبان القرن العاشر الهجري.

ولا يزال الأمر كذلك حتى التفت إليه بعض الباحثين ففتحت الطريق إلى دراسة تلك الشخصية الفذة في تاريخ الفكر الإسلامي وفي تاريخ الجزائر.

لهذا جاءت هذه الدراسة المتواضعة لتقف على شخصية من أعلام قسنطينة في الدعوة والإصلاح والنضال.

عصر عبد الكريم الفكون القسنطيني:

قبل الحديث عن الأوضاع السياسية يجب أن نشير أن مؤلفات الفكون تعطينا صورة حية عن المحطات السياسية والاجتماعية والثقافية خاصة فيما يتعلق بالسلطة التركية ومختلف فئات المجتمع القسنطيني. وهذا من خلال أبرز مؤلفيه:منشور الهداية ومحدد السنان.
الأوضاع السياسية.

كانت قسنطينة في فاتح القرن العاشر(16م) تتبع الحكم الحفصي الذي كان مقره تونس، حيث كل ما يحدث في نظام الحكم بتونس ينعكس تماما على إقليم قسنطينة أيضا. وقد عرف النظام الحفصي في فاتح القرن مراحل من الضعف والتهالك جعلته مطمع المتمردين من الداخل والغزاة من الخارج (العثماني والجانب الإسباني معا) إضافة إلى أطماع الدويلات الإيطالية المجاورة. حيث كان الوقود المحرك لهذا التدخل هم أهل الأندلس الذين استنجدوا بالقوة العثمانية والذي انتهى بعد ذلك بفرض الحكم العثماني في الجزائر وطرابلس. مما جعل نظام الحفصي ينهار أمام القوة العثمانية الجديدة.(1).

حيث كان إقليم قسنطينة في وقت من الأوقات منطقة النفوذ لعدة أطراف: السلطات المحلية، بما فيها شيوخ القبائل، التي شعرت بتراخي قبضة السلطان الحفصي فعرفت كما لو كانت بدون سلطان والقوات الإسبانية التي عادت إلى تونس وطردت العثمانيين ومدت عينيها إلى إقليم قسنطينة فعينت لها حاكما على عنابة والعثمانيون الذين كانوا متمركزين بالجزائر ويريدون أن يجعلوا من إقليم قسمطينة حدودهم الدفاعية الشرقية ضد الإسبان، وهكذا كثرت الأطراف المتنافسة وكان كل طرف يبحث له عن الحلفاء والأنصار، وكان الدين عاملا مهما في انضمام السكان إلى العثمانيين(2).

كما عرفت قسنطينة عدة ثورات داخلية وغارات منها ما حدث سنة975هـ/1567م ضد الحامية العثمانية بسبب التعيين الولاة والسلاطين. حيث لم تتوقف الثورات حتى بعد أن استقر الوضع العثماني وأصبحوا يعينون حكامهم(البايات).

وهكذا يمكننا القول أن الأوضاع السياسية في قسنطينة في عصر عبد الكريم الفكون لم تكن مستقرة أتم الاستقرار ولا مضطربة طوال السنة. فكانت تضطرب وتستقر باختلاف الحكام والبايات عليها منذ دخول الأتراك إليها، وإستقرار حكمهم فيها إلى نهاية ذلك بخلافة أحمد باي عليها وخروجه منها إلى غاية الاستعمار الفرنسي الذي أخضع مدينة قسنطينة تحت نفوذه سنة 1837م.بعد مقاومة عنيفة وطويلة الأمد واجهها الفرنسيون من طرف أحمد باي هذا الأخير الذي اضطر إلى الخروج منها والاتجاه إلى الصحراء أين استمرت مقاومته للاستعمار الفرنسي.
الأوضاع الاجتماعية.

قبل الولوج في سرد مظاهر الحياة الاجتماعية وجب علينا تسجيل بعض العوامل المؤثرة في المجتمع الجزائري والتي منها:

-هجرات الأندلسيين التي بدأت خلال القرن التاسع وتفوت خلال القرن العاشر.

-الوجود العثماني.

-التأثيرات السياسية.

-تأثر المجتمع الجزائري بالحالة الصحية والمعاشية.

-كثرة الأمراض والأوبئة في مقابل ندرة الأدوية والعقاقير؛ فالصيدلية الوحيدة الموجودة بمدينة الجزائر. كانت لا تتوفر إلا بعض العقاقير والحشائش، وأن الباش جراح القائم عليها كان يجهل مواصفاتها وفوائدها الطبية.

-حصول وباء بالطاعون الذي حلّ بقسنطينة خلال 1602|1603 حيث قتل خلق كثير وحصل قحط وجفاف توال لتسعة سنوات كاملة أدى إلى حصول مجاعات قتلت كثير من الخلق(3).

بعض مظاهر الحياة الاجتماعية:

يمكننا أن نلاحظ أن المجتمع القسنطيني كان يعيش في اضطراب وعدم استقرار؛ وقد شاركت في صياغة هذه الحالة كثير من الأطراف. منها السلطة الحاكمة وربما هي التي كان يشير إليها إمامنا الفكون باسم الظلمة أو ممثليها من المخزن أو شيوخ الأحياء. فقد وردت نازلة من نوازل الإمام الفكون أجاب عنها الفكون الحفيد جاء فيه: “أن جماعة وقعت بينهم وبين شيخ حومتهم مكالمة فوشاهم إلى المخزن فطلب بعضهم وهدمت دورهم من غير أن يفعلوا ما يستحقوا به ذلك لا بالشرع العزيز ولا بالقانون السلطاني”(4).

ناهيك أن قسنطينة كانت عرضة للمجاعات والأوبئة خاصة الطاعون الذي أهلك كثير من الناس؛ منها طاعون 1582م، و1602/1603،حيث تلاه جفاف وقحط استمر لمدة تسعة سنوات. وقتل خلق كثير.ثم حل بعد ذلك طاعون أخر سنة 1622 الذي كان ضحاياه باي قسنطينة. وطاعون سنة 1643م الذي أودى بحياة ثلاثة علماء كبار بقسنطينة وهم (بركات بن نعمون، عبد اللطيف المسبح، وبركات بن عبد المؤمن) وطاعون أخر سنة 1644م، إذ مات منه ثلاثة مئة شخص في يوم واحد، إضافة إلى الجفاف الذي ضرب عام 1647م كل المقاطعة وانتشرت جراءه المجاعة وارتفع ثمن الحبوب، كما انتشرت اللصوصية والقتل وعمت الفوضى بعد الاضطرابات السياسية( 5).

الأوضاع الثقافية:

كانت لدى قسنطينة في عهد عبد الكريم الفكون رصيد قوي من الثقافة ورثته عن العهد الحفصي والذي عرفه القرن التاسع الهجري (15م)، حيث عرف القرن الموالي نشاطا واضحا في الحياة الثقافية التي لم تؤثر فيه كثيرا من الأحداث السياسية التي عرفتها المنطقة. فقد انتشرت الزوايا، بعضها تحت رعاية العائلات الكبيرة في المدينة.(6).

كما كانت هناك بعض المدارس المخصصة لنشر العلم، كما كان هناك جامع الزيتونة القريب والذي كان الطلبة يقصدونه بقطع النظر عن التحولات السياسية.(7).

فإذا عدنا إلى شخصيات علمية التي عرفتها قسنطينة أمثال عمر الوزان ويحي الفكون اللذين أخرجا مجموعة من التلاميذ البارزين منهم من قاد العلم فيما يأتي من الأيام، ومنهم من جمع بين العلم والتصوف. بل منهم من تزعم ثورات هددت النظام العثماني في قسنطينة مثل يحي الأوراسي.

كما عرفت قسنطينة مجموعة من الزوايا التي تعتز بها عائلاتها مثل عائلة الفكون وعائلة ابن باديس وعائلة بن نعمون…إلى غيرها،وكانت هذه الزوايا مقصد الطلبة للعلم والراحة والإقامة، كما كانت كذلك مقرأ ونزلا للعلماء الزائرين.(8).

بعد عرض أهم الجوانب الثقافية نسجل النقاط التالية:

-أن التعليم بجميع مستوياته كان منتشرا في المدارس والمساجد وفي الزوايا التي أخذت تنتشر وتتوسع، حيث كانت حلق التدريس حول كل أستاذ مشهور سواء في المدرسة أو الجامع أو الزاوية هو المنبع الذي ينهل منه تلاميذ طلاب القرن التاسع الهجري.
– ظهور عقيدة المرابط وانتشار الزوايا وافتتاح عهد التصوف العملي والمبالغة في الاعتقاد بالشيخ، إضافة إلى ابتداع الحضرة والأوراد وانتشار الأضرحة. وهو ما كان له شيئان خطيران أولهما تبسيط المعرفة وغلق الاجتهاد والاكتفاء بالحد الأدنى من التعليم؛ فأصبحت الزاوية تنافس الجامع والمدرسة بل تفوقت عليهما، فلجأ الجميع إلى تبسيط العلوم المدرسية وزاد التنافس بين الطرفين بحثا عن لقمة العيش، فبينما كانت الأديرة في أوربا تدافع عن نفسها كانت الزاوية في محل الهجوم(9).

تعريف بشخصية الإمام عبد الكريم الفكون القسنطيني:

سنحاول في مبحثنا هذا دراسة لحياة وأثار شخصية نابضة من شخصيات العالم الإسلامي في عصر الانحطاط، وهو عبد الكريم الفكون، الملقب بداعية السلفية وشيخ الإسلام. من خلال المطالب والعناصر.

مولده ونشأته:

هو عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن يحي الفكون التميمي من قبائل تميم العربية ، ولد عام 988ه/1580م، بقسنطينة. وسمي على جده؛ لأنه ولد على أثر وفاته. ويخبر الفكون نفسه أنه عندما كانت والدته حاملا به سألت جده الدعاء فقال لها:(جعل الله عمارة الدار منك)(10).
وأما والده فهو أبو عبد الله محمد، خطيب الجامع الأعظم، كان فقيها صوفيل، توفي بعد رجوعه من الحج في أواخر محرم عام 1045هـ في إحدى قرى مصر وتسمى المويلح(11).

وأما أمه فهي عربية وزيادة إلى ذلك فهي تنتمي إلى النسب الشريف فقد ذكر الفكون في منشور الهداية فتنة وقعت بقسنطينة وذكر أن جده للأم كان مزوار الشرفاء-سيد الشرفاء- إذ ذاك، وقائد جيش البلد؛ أي أن جده لأمه كان شريفا.(12).

تزوج من إبانة حميدة بن حسين الغربي، وأن هذه الزوجة بقت عنده ثلاث سنوات ثم طلقها(13).

وقد ترجم للفكون كثير من المؤرخين من بينهم أبي سالم العياشي المتوفي سنة 1090هـ/1679م، إذ يقول:(ومن لقيته بطرابلس الشيخ الفقيه المشارك النية سيدي محمد العلامة الفهامة الناسك الخاشع الجامع بين علمي الظاهر والباطن سيدي عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الفكون، كانت وفاته رضي الله عنه عشية الخميس السابع والعشرين من ذي الحجة سنة ثلاث وسبعين وألف شهيدا بالطاعون الذي حلّ بقسنطينة؛ وكانت لنا به رضي الله عنه وصلة وانتساب بالخدمة والولاء والاعتقاد الصالح لما حججت معه سنة 1046.وقد قال رضي الله عنه لما طلبت منه الاتصال بحضرته والانخراط في سلك أهل خدمة :” إني أقول لك كما قال الشاذلي: لك مالنا من الخدمة وعليك ما علينا من الرحمة ” كان رضي الله عنه في غاية الإنقباض والانزواء عن الخلق، ومجانبة علوم أهل الرسوم ، بعدما كان إماما يقتدى به فيها ثم تركها، كان يقول: قرآناها لله وتركناها لله”)(14).

شيوخه:

قرأ الفكون على الشيخ التواتي (المرادي) سنة 1031 مرارا و(شرح ألفية بن مالك) وعقائد السنوسي بشراحها وابن الحاجب بمطالعة التوضيح عليه، والتذكرة للقرطبي وحضره للتفسير نحو 10 أحزاب، وكتاب مسلم بن الحجاج بمطالعة الأبي، كما قرأ عليه حاشيته جمع التكسير على المرادي له ومباحثات في الإعراب للسيوطي(15).

كما قرأ كذلك بعض مسائل الاضطراب وبعض مسائل الفرائض على محمد الفاسي، الذي قدم من فاس ونزل بمدرسة الفكون وذكر أنه ناقشه فرأى منه قصورا سوى ضوابط معه وقد فتح عليه السنوسي شارح( زمام الرائض في علم الفرائض) للحوفي فلم يجد لهذا الشيخ معرفة في معاني الألفاظ، ولا بالصناعة الكورية فأطبق الكتاب لما تيقن من عجزه وطالعه وحده ففتح الله في عمل الفريضة بالطريقة الكرية.(16).

كما قرأ على الشيخ أبو ربيع سليمان بن أحمد القشي من بلدة نقاوز وانتقل إلى قسنطينة حيث درس على الفكون الجد ، ثم قصد الحجاز لكنه توقف بمصر حيث قرأ على عالمها سالم السنهوري المختصر والرسالة والألفية وألفية العراقي، ثم رجع إلى قسنطينة حيث قرأ عليه شرح الصغرى، وقطر الندى والأجرومية وبعض أوائل الألفية(17).

كما قرأ على أبو عبد الله محمد بن راشد الزواوي وأبو فارس عبد العزيز النفاتي الذي قرأ بتونس على الشيخ الشريف النجار(18).

هذه هي العوامل التي ساعدت على تكوين شخصية الفكون العلمية رغم الجهل والفقر.
تلاميذه.

مارس الفكون التدريس في مسجد المدينة وزاوية أل الفكون التي يبدوا بأنها كانت من بين من تستقبل طلبة العلم ، فالزاوية بها إقامة للطلبة ، وقد استقر بها محمد بن راشد الزواوي وربما استقبل الشيخ ببيته سواء بغرض الزيارة أو طلب العلم(19).

ولم يكن الفكون يأخذ أجر التعليم بل كان هو الذي يتكفل بالنفقة على طلبة العلم، فقد ذكر ثلاثا من طلبة العلم منهم اثنان من جبل زواوة فقال:” وقصد بذلك صاحبنا أبو العباس تخفيف المؤونة على عامله الله بالحسنى فأجريت لهم ثلاثتهم المؤونة”(20).

وقد تخرج على يد الفكون كثير من العلماء الكبار لعل من أشهرهم أبي مهدي عيسى الثعالبي من موطن الثعالبة توفي عام 1080هـ، تلقى العلم بمسقط رأسه ثم رحل إلى الجزائر، وقد تتلمذ على سعيد قدورة وعلي بن عبد الواحد الأنصاري السجلماسي(21)، لكن بعض الأحداث أهمها وفاة شيخه الأنصاري بالطاعون عام 1057هـ وثورة بني الصخري في الشرق الجزائري، والثورات ضد الباشا يوسف الذي كان مقربا للثعالبي ورميه في السجن، جعل الثعالبي خائفا على نفسه فتوجه إلى قسنطينة وإن لم مقامه بها لعدم استقرارها ولا شك أنه قد اتصل فيها بالشيخ عبد الكريم الفكون وروي عنه الحديث ونحوه ولكنه لم يلبث أن غادر قسنطينة، وقد ظل متنقلا بين قسنطينة وزواوة وبسكرة إلى أن غادر الجزائر سنة 1061ه قاصدا الحج(22).

الحلقة الثانية

-ومن أبرز مؤلفات الثعالبي كنز الرواة المجموع من درر المجاز ويواقيت المسموع(23).
وقد أورد الثعالبي مرويات الفكون في كنزه، ووصف العياشي (كنز الرواة) بأنه أعظم الكنوز وأثمنها وأوعاها(24).

-أبي سالم العياشي، لم يذكر ما قرأه وإن كان قد لخص لنا أهم ما اطلع عليه من مؤلفات منها(محدد السنان في نحو إخوان الدخان)، و(الديوان في مدح النبي -صلى الله عليه وسلم) وذكر أنه قرأ عليه بعض كتاب الموطأ للإمام مالك، والصحيحين والسنن الأربعة (البخاري ومسلم) والنسائي والترميذي وابن ماجة وأبي داوود وطرفا من الأحكام الصغرى لعبد الحق الإشبيلي والشفاء للقاضي عياض، والشهاب القضاعي..كما أجازه الشيخ عبد الكريم الفكون وغيره من فطاحل علماء العصر(25).

-بركات بن باديس القسنطيني، ذكر أستاذه الفكون في تقييده (نزع الجلباب) كما ذكر له جواب عن لغز السيوطي في إحدى مسائل النحو(26).

-أبي عبد الله محمد البوزيدي، سأله عن بعض مسائل فقه فكان يقيد له أجوبتها(27).

-الشيخ مخلوف قرأ على الفكون النحو ثم ترك العلم وراح يشتغل بالتصوف العلمي.
-محمد الهاروني أصله من زاوية ولاد هارون، قدم قسنطينة عام 1022هـ.

-عاشور القسنطيني كان يحضر الإقراء على ألفية فربما يسأل المرات فكان الشيخ لا يرد له الجواب لبلادته، فكان دائما يستشكل المسائل نحوا وفقها وكلاما، يأتي الشيخ بها مرة ببطاقة ومرة بالكتاب نفسه، ومرة مشافهة، وقد رحل إلى تونس.(28)

-أبو عمران موسى الفكيرين والد السابق، قرأ على التواتي وبعد وفاته انتقل هو وجمع من الطلبة للقراءة على الفكون فدرس عليه المرادي في النحو ثم إنقطع عنه لخلاف بينهما.(29)

-علي بن عثمان الشريف من قبيلة بني تيرون بزواودة، لازم الفكون وأجازه.(30)

-أحمد بن ثلجون كان فطنا ليبيا أريبا ذا عقل وزي حسن، رجع رجوعا حسنا في شيبته، توفي بالطاعون عام 1031ه.(31)

– محمد البوقلمالي، كان ذا عقل جيد وفكر رصين،ثقة فيما يفهمه صالح الحال، كان ملازما للقراءة على الشيخ، توفي جراء الطاعون1031ه المذكور(32).

-أحمد الميلي، ممن تعاطى خطة الشهادة قرأ على التواتي والفكون الجد ومحمد بن حسن .( )33

موقفه من السياسة:

ما يمكن قوله هو أن الفكون كان بكره التقرب من الأمراء ومخالطة الأمراء، وجالسة السلاطين، كما أنه لم يتعرض لكثير من الأحداث السياسية المهمة التي وقعت في عصره، والتي من أبرزها ثورة ابن الصخري عام 1637،كذا الصراع بين الإسلام والصليبية في هذه الفترة، لكن ما الذي جعل فكون يغض الطرف عن هذه الأحداث؟ هناك تفسيرات أما الأول فهو أن هذه الأحداث لم تكن موضوع (منشور الهداية) لأنه ألف للنصح العام، ومحاربة البدع، والانحطاط العقلي وهو ما يتلاءم مع ما كان عليه العالم من صراع شديد بين العثمانية (الإسلامية) والإسبانية المسيحية، فإن صح هذا التفسير يكون عمله هذا مكملا لعنصر القوة الخارجية.(34)

أما التفسير الثاني فهو أن الفكون كان رجل دين وعلم يؤمن بعدم التدخل في الشؤون السياسية والمحافظة على مكانة رجل الدين والعلم أمام رجل الحكم والسياسة.(35)

وعلينا أن نسجل أن الفكون رغم ابتعاده عن شؤون السياسة عموما وهو ما يتوافق مع تصوفه إلا أننا نلمس ذوق سياسي فكان يتحسس من السلطة التركية، ويصف قضاتهم بقضاة العجم، كما أننا نجده متعاطفا مع الثورة التي قام بها بحي الأوراس والذي تصدى للإفتاء بقسنطينة ودار سلطنتها بالجزائر ونتيجة الوشاية لدى الأمراء والقول عليه بخلع البيعة فر من قسنطينة إلى أوراس ، واجتمع عليه الناس، ووقعت بينهم وبين عساكر الجزائر حروب كثيرة ، وبقي كذلك إلى أن قتل-رحمه الله- بحالة غدر من بعض الفرق، فبيتوه فغدروا فكان من أمره ما قدر الله، وقال أنه يموت شهيدا(36).

موقفه من التصوف:

رغم نقد الفكون لمتصوفة عصره فإنه كان شخصيا من المتصوفين، وكان في الواقع شاذليا زروقيا. وهو لا يخفى ذلك أو ينكره بل يعلنه في غاية الصراحة. وكان يسير على مقتضى تعاليم الطريقة الشاذلية والطريقة الزروقية في أرائه وسلوكه. وقد تأثر بهذه التعاليم، كما سنرى من عدة مصادر(37).

المصدر الأول: إنه أخذ عن والده عن جده عن عمر الوزان، الذي قال عنه الفكون أنه دعوة من دعوات الشيخ أحمد زروق. وبين ذلك بأن الشيخ زروق كان يتردد على قسنطينة وكان والد الوزان يعمل جابيا للضرائب بباب المدينة. فكان يعفي الشيخ زروق من الدفع. وقد جاء الشيخ زروق ذات مرة فلم يجد ذلك الرجل فسأل عنه فقيل له إنه يقيم وليمة بمناسبة ميلاد ولد له، فذهب إليه زروق وحمل الولد (عمر الوزان) في كفه وأخذ يدور به في غرفة وهو يتمتم له بكلام صوفي وأدعية، مفادها أن عمر الوزان سيكون من أهل العلم والصلاح في قومه. لذا فالفكون من المنتسبين إلى مدرسة الوزان التي هي مدرسة الإمام أحمد زروق، وقد ورث هذا الإنتماء عن والده عن جده(38).

المصدر الثاني: أنه قرأ على الشيخ يحي الأوراسي، كما عرفنا. وكان الاوراسي قد أخذ الطريقة الزروقية عن شيخه طاهر بن زيان الزواوي عن أحمد زروق عن عبد الرحمن الثعالبي. وكان زروق قد أقام مدة في كل من بجاية وقسنطينة وترك هناك تلاميذ ونشر تعاليمه الشاذلية المنقحة. وتخبرنا بعض الروايات أن الفكون قد لبس الخرقة الصوفية الزروقية-الشاذلية – على يد شيخه يحي الأوراسي عن طاهر بن زيان المذكور عن أحمد زروق الصغير عن والده عن محمد بن يوسف السنوسي(39).

االمصدر الثالث: أن الفكون درس قصيدة القدسية لعبد الرحمن الأخضري وهي قصيدة التي تذكر أحوال المتصوفين في القرن العاشر الهجري(16م) وتنحى عليهم اللجوء إلى الخرافة والشعوذة، وتدعوا إلى التمسك بالعلم ونبذ البدعة والعمل بالكتاب والسنة، والجمع بين علمي الظاهر والباطن جمعا صحيحا واضحا. وكان الأخضري من تلاميذ الشيخ أحمد زروق. وكان الفكون قد أعجب إعجابا شديدا بالقدسية حتى أنه كاد يذكرها كاملة في كتابه (منشور الهداية)(40).

ونضيف أيضا أننا نجد أن الفكون ظل محافظا على خطه الأصيل الذي هو التصوف ويقرر في” محدد السنان”: (أنه إذا تعارض رأي الصوفية مع رأي غيرهم، فإن الحق معهم لعدم اجتماع رأيهم على الخطأ)(41).

وفوق ذلك فقد حافظ الفكون على عدة أفكار صوفية منها، الإيمان بالمرائي والمنامات، فقد صدق رجلا قرأ أن اسم النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجنة هو عبد الكريم ، وأنه رأى في المنام جده الذي قال له:كان فعل ماضي فكان سبب تحوله لدراسة النحو، وكذلك إيمانه بوجود الأغواث والأقطاب وغيرها(42).

وأخيرا نقول أن للفكون حاسة روحية في التفسير الإشاري؛ وقد كان له منه النصيب الأوفر، حيث يبرز ذلك من خلال مؤلفاته ، وهو سني في تصوفه -تصوف معتدل- فهو لا يذهب مذهب الحوليات أو وحدة الوجود.

مؤلفات الفكون:

لقد ترك الفكون تركة علمية هائلة من الكتب والكتيبات التي يسميها تقاييد أو رسائل و قد ألفها جميعا فيما يبدوا قبل توليه وظائف أبيه إلا أقلها كما سنعرف. وموضوعاته متنوعة فيها الاجتماعي مثل منشور الهداية ومحدد السنان، وفيها اللغوي والنحوي مثل فتح اللطيف وشرح شواهد أبي يعلى، ومنها الأدبي مثل ديوانه وقصائده الأخرى، ونحو ذلك. وهو من أكثر معاصريه تأليفا وأهمية وتنوعا، إذا استثنينا أحمد المقري. ونلاحظ أن بعض أعماله تقع في مجلد وبعضها لا يتجاوز الكراسة أو الاثنين. وهذه هي قائمة إنتاج الفكون(43):

_(منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية)، ألفه بعد 1045 .

_(محدد السنان في نحو إخوان الدخان)، انتهى منه سنة 1025.

_(ديوان شعر) في المديح النبوي، إنتهى منه سنة 1031.

_(تقييد) ذكر فيه مرضه سنة 1025_1028، واشار إليه في منشور الهداية قائلا عن المرض ” وتلونه وعدم مجيئه على صفة واحدة، هو الذي أوجب تقييده في غير هذا”_منشور الهداية، ص243.

_(شافية الأمراض لمن إلتجا إلى الله بلا اعتراض) أو(العدة في عقب الفرج بعد الشدة)، نظم له ذكره في منشور الهداية، ص244، موضحا أنه غير الديوان المذكور ، وهو توسل بالرسول صلى الله عليه وسلم، وبأصحابه والتابعين والفقهاء والأولياء.

_ (مجموعة خطب)، أشار إليها في منشور الهداية عند الحديث عن الخطبة التي كتبها لأحد معاصريه (وهو أحمد بن باديس) قائلا عنها وهي” مذكورة مع جملة الخطب التي ألفئها في غير هذا”، ص253.

_(سربال الردة في جعل السبعين لرواة الإقراء عدة)، وهو كراسة في واقعة وقعت له مع أحد معاصريه، وهو حميدة (أحمد) بن حسن الغربي، المتوفى سنة 1030 أشار إليه في منشور الهداية، ص55. وقال إن “سببها مذكور فيها، فمن أراده فلينظر منها” دون أن يوضحه.
_(تقييد) في كرامات الشيخ عمر الوزان. أشار إليه في منشور الهداية، غير أنه لم يذكر أنه ألفه وإنما تمنى على الله أن يقوم بذلك.

_(نظم الدرر على شرح المختصر)، ويقصد به الشرح الذي وضعه على مختصر الشيخ عبد الرحمن الأخضري (يسميه عبد الرحمن بن صغير). أشار إلى ذلك في صفحة 17و50من منشور الهداية. وكان عبد اللطيف المسبح هو الذي وضع الشرح الأول على مختصر الأخضري، ولكن الفكون لم يعجبه ذلك، وتولى هو ذلك بنفسه. وليس واضحا ما إذا كان الفكون لم يعجبه ذلك، وتولى هو ذلك بنفسه. وليس واضحا ما إذا كان الفكون قد قام بعمل شرح كله من عنده أو أنه أضاف فقط تعاليق على شرح المسبح.

_(تقييد في مسألة حبس)، يقع في كراسة. وأشار إليه وإلى مناسبته في منشور الهداية، ص41.وقد أخبر عن مناسبة هذا التأليف أن الشيخ يحي بن محجوبة الذي كان من جيل جده ووالده عزم على فسخ حبس(وقف) تقربا لقسنطينة عندئذ،محمد بن فرحات. فألف الفكون تأليفه المذكور، ولكنه لم يخبرنا ما إذا كان قد أنتصر على ابن محجوبة فلم يفسخ الحبس أم لا.

1_(سلاح الذليل في دفع الباغي المستطيل)، قصيدة أولها:

بأسمائك اللهم أبدي توسلا

فحقق رجائي يا إلهي تفضلا

أشار إليها في منشور الهداية ، ص241. ونسخها منه تلميذه محمد وارث الهاروني المتيجي، واعتمد عليها في دفع ظلم عمه الذي اشتكى منه للفكون. كما استنسخها منه المغاربة.”فهي شهيرة بينهم”.

(وهو يطلق كلمة الغرب والمغرب على إقليم الجزائر ووهران والمغرب الأقصى). وكان قد نظمها في الشيخ محمد بن نعمون.

_شرح مخارج الحروف من الشاطبية(في القراءات؟) ذكره له العياشي في رحلته2/206، وعيسى الثعالبي، تلميذ الفكون، في (كنز الرواة).

_(شرح على إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة) لا نؤكد أنه ألفه، ولكنه وعد به صاحبه أحمد المقري في رسالة بعثها إليه سنة 1038 ومعروف أن (إضاءة الدجنة) من تأليف احمد المقري وهي في علم الكلام.

_(فتح اللطيف في شرح أرجوزة المكودي في التصريف).

ألفه سنة 1048 ذكره له العياشي في الرحلة 2/206، والثعالبي في(كنز الرواة) ،وسماه فيه(البسط والتعريف).

_(فتح المالك) أشار إليه عدة مرات في كتابه (فتح اللطيف) مما يدل على أنه ألفه قبل سنة 1048 والظاهر أن شرح على لامية ابن مالك في التصريف، وهو يذكر صاحب اللامية أحيانا باسم صاحب (التسهيل)، وهو يحيل قارئ(فتح اللطيف) عليه فيقول: عليك به، فقد ذكرت فيه كذا وكذا من المباحث.

_(شرح على شواهد الشريف بن يعلى علي الجرومية)، التزم فيه عقب كل شاهد ذكر حديث مناسب للشاهد معنى وإعرابا، وقد أشار إلى وجود هذا الكتاب كل من العياشي والثعالبي في المصدر المذكور آنفا. ولم يشر إليه الفكون نفسه فيما لدينا من كتبه وآخرها (فتح اللطيف) الذي ألفه سنة 1048 فيكون من المرجح ان شرحه على (شواهد الشريف بن يعلى) قد ألف بعد هذا التاريخ.

_(فتح الهادي في شرح جمل المجرودي) ولم يذكره الفكون في كتبه التي ألفها.
هذه أسماء ما وقفنا عليه من مؤلفات ذكرها بنفسه أو نسبها إليه تلاميذه كالعياشي والثعالبي. وقد يكون له غير ذلك.

وختاما الحديث عن علم من أعلام الجزائر عموما، وعلى قسنطينة خصوصا، ناهيك عن المكانة العلمية الراقية التي كان يتمتع بها سواء من خلال مجالسته للعلماء والمشايخ ، أو من خلال آثاره العلمية التي تجلت في تلاميذه ومؤلفاته,التي شاعت وذاعت في أقطار العالم الإسلامي، كما عرفت سعة علم الفكون من خلال تنوع إنتاجه الفكري وشموليته لمختلف الفنون كالفقه واللغة والأدب وتصوف وغيرها.

كما أنه تأثر بالظروف المحيطة به وخاصة حركة التصوف ، التي غلبت على مؤلفاته مسحة صوفية تجلت في كثرة نقله وإستئناسه ببعض لطائف التي قال بها أهل الإشارة دون أن ينساق وراءها.

وأخيرا لا ندعي أننا أتينا بما لا تأتي به الأوائل، وإنما حاولنا الإلمام وإماطة اللثام في دراستنا هذه المتواضعة عن تعريف بشخصية من شخصياتنا المرموقة، فإن أصبنا فمن توفيق الله، وإن كانت الأخرى فمن أنفسنا والشيطان.

 

*طالب دكتوراه الطور الثالث (ل.م.د) جامعة باتنة(1)

آخر التغريدات: