المراسلة الغريبة : بين ابن باديس والشيخ الطاهر العبيدي

بقلم: الجيلاني شرادة –

اطلعت- منذ فترة -عن كتاب قيّم للأستاذ الدكتور أبوالقاسم سعد الله يحمل عنوان:(( تجارب في الأدب والرحلة .”01″))وهو كتاب معروف يعتبر من بدائع كتب المؤلف إذ يجمع بين النقد الأدبي والقضايا الفكرية ؛إضافة إلى نماذج من الرحلات..وما شد انتباهي في هذا الكتاب– حينها– مقال بعنوان :”مراسلة غريبة بين ابن باديس وأحد علماء سوف” ويقصد بأحد علماء سوف الشيخ : ((الطاهر العبيدي))*. ولم تكن لي حينها دراية ملمة بحياة الشيخ العبيدي، وبقي استفسار الدكتور بذهني حتى تحصلت عن كتاب خاص بحياة الشيخ الطاهر وأخيه الشيخ أحمد العبيدي يحمل عنوان ((الشقيقان “2” )) …

حدد الأستاذ سعد الله سبب استغرابه من المراسلة المذكورة كما يلي : (( لم يشتهر عن عبد الحميد بن باديس أنه من زوار أضرحة الأولياء والصالحين ، ولا من كتاب المحسنات البديعية ، ولا من المتجولين داخل القطر الجزائري قبل العشرينات ، ولكن الوثيقة التي نقدمها اليوم تكشف أنه قد فعل كل ذلك …”3″)) والوثيقة المذكورة هي رسالة موجهة من الشيخ بن باديس إلى الشيخ الطاهر العبيدي ، ردا عن مراسلة سابقة , حيثياتها ؛ أن ابن باديس كان قد زار مدينة تقرت سنة 1918 والتقى هناك بزميل دراسته – بالزيتونة – الشيخ الطاهر العبيدي , هذا الأخير الذي مدح ابن باديس بقصيدة – بها 22 بيتا – أرسلها له فيما بعد عن عنوانه بقسنطينة , إلا أن ابن باديس كان في رحلة خارج المدينة , ولما عاد رد عن القصيدة برسالة اعتذر فيها لصاحبه العبيدي عن تأخره في الرد موضحا بأنه كان في رحلة نحو الجزائر وتلمسان لزيارة ” الأحياء والأموات”!!.. ذاكرا عددا من الأولياء منهم : (.. محمد السنوسي ,وأبومدين الغوث, ومحمد عبد الرحمن ( بوقبرين ), وعبد الرحمن الثعالبي…). وعلى الرغم مما في الرسالة من أسلوب ظريف ولبق في حسن الاعتذار والتخلص , إلا أنها جاءت بأسلوب تقليدي مرصع بالصناعة اللفظية ؛ وهو ما كان مصدر استغراب آخر للدكتور سعد الله ..

والحقيقة أن البحث في هذا الموضوع كان قد شرّق بنا وغرّب خاصة فيما يخص علاقة الشيخ بن باديس وجمعية العلماء عموما بالطرق الصوفية , إذ هو الخيط الذي ينبغي تتبعه لإزالة الغرابة التي ذكرها الدكتور ,, كما وجدنا أن هذه الرسالة قد عرجت بنا إلى موضوع آخر أكثر حساسية وصعوبة.!. خاصة وأن هذه الرسالة – منذ إصدارها – قد استعملت كشهادة إدانة بيد بعض الطرقيين المتشددين ضد الشيخ عبد الحميد بن باديس.!!..وهو ما سيجعلنا نركز أكثر عن هذا الجانب ؛ أي السبب الأول من تعجب الدكتور في المراسلة المذكورة …

أؤكد – بداية – أن البحث في هذا الموضوع قد يكون شائكا ويستدعي قراءات واستنتاجات مختلفة لذا فإن الفصل فيه ليس بالأمر المتيسر – خاصة في الوقت الحالي – ثم أن ما سوف نورده من تحليل أو استنتاج ما هو إلا لبنة قد يؤخذ بها ؛ كما قد يعدل فيها ؛ وتضاف إلى جهود أخرى قد تثمر إجابة شافية حول العديد من الاستفسارات عن المحيط العام للشيخ عبد الحميد بن باديس , وجمعية العلماء المسلمين ، ودورهما الفعال في حركة الإصلاح الوطني ….
ما يمكن ملاحظته – عموما – عن الحياة الاجتماعية والدينية للمجتمع الجزائري في بداية القرن الماضي أن أغلب الناس كانت تنتمي إل الزوايا والطرق الصوفية ؛إذ كانت الزوايا بمثابة المؤسسات التربوية والدينية ( الإسلامية ) التي يلجأ إليها الفرد لحفظ القرن الكريم أو تلقي اللغة والمعارف المتاحة حينذاك ؛ ولم يسلم من هذا الانتماء حتى العلماء والفقهاء والأئمة بما فيهم العائدون من جامع الزيتونة ؛ في معرض حديثه عن أحد علماء المنطقة (الزيتونيين)- في بداية هذا القرن – جاء في كتاب : (( الشيخان”4″ )) : ( لقد ربط الشيخ مصيره بالطرق الصوفية شأن مختلف معاصريه من العلماء…حيث كانت الزوايا هي الملاذ الوحيد الذي يلجا إليه الناس.”5″)..

نعود إلى العلاقة بين الشيـخ عبد الحميد بن باديس والطرق الصوفـيـة عمومـا ؛ والتي لاحظنا أنها قد مرّت بثلاث مراحل أساسية يمكن أن تلخصيها كما يلي :

المرحلة الأولى : أشار الدكتور سعد الله في كتابه المذكور إلى علاقة الشيخ بن باديس بالزاوية الرحمانية بقوله :((..ومن الشائع أن ابن باديس كان من أتباع هذه الطريقة في بداية حياته، وهي الطريقة التي كان يمثلها في قسنطينة عندئذ مصطفى باش تارزي..”6″)) ومما يؤكد هذا الانتماء

وفي هذا التاريخ أن الشيخ مصطفى باش تارزي كان قد كلف – حسب نفس المرجع – الشيخ بن باديس بالتصحيح والإشراف عن : ” المنظومة الرحمانية ” والتي ستظهر مطبوعة وبإشراف الشيخ بن باديس سنة 1923 . كما كان ابن باديس قد قرض “نصيحة” صاحبه الشيخ الطاهر العبيدي ( العزوزي الرحماني ) والمعروفة بـ : (( النصيحة العزوزية في نصرة الأولياء والصوفية.)) والتي ستظهر لاحقا مطبوعة في مصر سنة 1954 ..”7″ ..

فالعلاقة إذن بين ابن باديس والشيخ العبيدي ليست علاقة زمالة فقط بل علاقة انتماء لطريقة صوفية واحدة …

المرحلة الثانية : وإذا اعتبرنا أن المرحلة الأولى من حياة الشيخ بن باديس هي مرحلة الانتماء للطرق الصوفية ؛ فيمكن اعتبار المرحلة الثانية هي مرحلة التخلص منها , تماشيا والنضج الفكري بل والإحساس بالمسؤولية الإصلاحية والوطنية التي يعيشها الشيخ بن باديس في هذه المرحلة أي فترة التحضير لتأسيس جمعية العلماء المسلمين . وعلى اعتبار أن نقطة ضعف المجتمع الجزائري تكمن في اختلاف جماعاته ( تعدد الطرق الصوفية ) وهو الوتر الذي عزفت عليه فرنسا منذ الوهلة الأولى؛ فإن ابن باديس في هذه المرحلة عمل على لمّ شمل الأمة، خاصة علمائها ومثقفيها, دون مراعاة انتماءاتهم المختلفة بما فيها الانتماء الطرقي ؛ قصد تفويت الفرصة على الاستعمار الفرنسي . ولم تظهر الخلافات إلا بعد تأسيس الجمعية وبداية نشاطها , حيث سعى الاستعمار إلى تشتيت الجمعية بالاعتماد على من اندسوا داخلها , وكان الشيخ عبد الحميد بن باديس بحكمته وفراسته لا يحكم بالاعتماد عن المرجعيات والانتماءات ؛ بل باعتبار التصرفات والسلوكات ، إذ كان يحارب الأفكار الهدامة لا المؤسسات القائمة ؛ حيث كان مدركا – بحصافته – لتركيبة المجتمـع الجزائري ؛ إذ كان ينظر إلى عدو الأمـة على أنه الغازي الخارجي لا المواطن المغلوب على أمره …

المرحلة الثالثة : وهي مرحلة الفصل في مواجهة كل المعتقدات التي تمس عقيدة المسلم الجزائري

بما فيها المعتقدات الفاسدة الصادرة عن بعض الزوايا والطرق الصوفية , وأصبح الانتماء للجمعية ليس متاحا إلا لأصحاب العقائد الصحيحة والسلوك الإسلامي القويم , وتصدى علماء الجمعية لكل الأفكار الهدامة المتسربة من بعض الطرق الصوفية دون هوادة أو مجاملات ؛ وهو ما يفسر عدم انتماء الشيخ الطاهر العبيدي ( زميل الشيخ بن باديس ) إلى جمعية العلماء المسلمين نظرا لتشبثه باعتقاده الصوفي إلى آخر حياته , نقول هذا على الرغم من شهادة أخيه الشيخ أحمد العبيدي والذي يقول على لسان مؤلف كتاب : “الشقيقان” ((..فإن هذا الأخير – يقصد الطاهر العبيدي – لم ينتم لجمعية العلماء وكذلك أخوه أحمد الذي ذكر لي أنه لم يكن مقتنعا بمنهجها الإصلاحي…”8″ )) ..

عموما ؛ وإذا أخذنا بتاريخ رسالة الشيخ بن باديس ( مارس 1919 ) فإن هذه الفترة ( مرحلة العشرينات من عمر الشيخ بن باديس ) هي مرحلة الانتماء للزاوية الرحمانية الخلوتية , فلا عجب من سلوكات الشيخ بن باديس وزياراته الصوفية في هذه المرحلة …

أما فيما يخص أسلوب الرسالة المرصع بالمحسنات البديعية؛ فمرده إلى طريقة الكتابة المتبعة في بداية القرن الماضي؛ إذ أن المدرسة الرومانسية ( المجددة ) لازالت لم تصلنا بعد ؛ بل ولا زالت لم تنتشر في البلاد العربية بالشكل الذي يؤثر على أسلوب الكتابة,وعلينا أن ننتظر فترة العشرينات وما بعدها،حتى يتحسن أسلوب الكتابة عندنا ويميل إلى الطلاقة واليسر بعيدا عن الجمود والتكلف , وما الشيخ بن باديس إلا واحد من هذه الأقلام المتخرجة حديثا من جامع الزيتونة والذي لم تداعبه بعد نسائم التجديد في الشكل والمحتوى . لذا فإننا نلمس الليونة والطلاقة في الأسلوب عند فئة الكتاب الذين واكبوا حركة الإصلاح بداية من عشرينات القرن الماضي وهو ما نلاحظه عند أغلب كتابنا حيث مالت أساليبهم إلى الليونة واليسر وبالتالي التحرر من قيود المدرسة التقليدية..

أما التجول داخل القطر الجزائري – في هذه الفترة – فقد ربطه الشيخ بن باديس بالزيارات المخصصة ذات الأهداف المحددة وفق رزنامة المرامي الصوفية المذكورة آنفا…….

نأمل في الأخير أن نكون قد أزحنا شيئا من الاستغراب المطروح في مقال دكتورنا الفاضل أبو القاسم سعد الله وإلا فعزاؤنا أننا قد حاولنا أن نضع لبنة جديدة في هذا الاتجاه , محاولة منا للاقتراب من قضايا اجتماعية وعقائدية ظلت إلى فترة ما من الأمور المسكوت عنها في بلادنا…


هامش*: الشيخ الطاهر العبيدي (1886-1968)خريج جامع الزيتونة, وظّف للتدريس في الجامع الكبير بمدينة تقرت , عرف بمؤلفاته ومنظوماته في اللغة والفقه والتوحيد يعد من كبار شيوخ الزاوية الرحمانية بالجنوب الشرقي..


المراجــع :
01 / أبو لقاسم سعدالله – تجارب في الأدب والرحلة- المؤسسة الوطنية للكتاب– الجزائر- 1983
02 / (( الشقيقان )) كتاب للدكتور عاشوري قمعون ط 1 – الوادي – 2012
03 / تجارب في الأدب والرحلة ..صفحة / 97
04 / (( الشيخان )) كتاب- آخر- للدكتور عاشوري قمعون ط 1 – الوادي – 2012
05 / المرجع السابق ,, صفحة /46
06 / تجارب في الأدب والرحلة …صفحة / 99
07 / المرجع السابق ,, صفحة / 100
08 / ((الشقيقان)) ,, صفحة / 37

آخر التغريدات: