الإمام عبد الحميد بن باديس وأزمة التخلف الحضاري في الجزائر

الإمام عبد الحميد بن باديس وأزمة التخلف الحضاري في الجزائر

بقلم: أ.د. محمـد الأمين بلغيث –

كانت الجزائر بالنسبة للغرب الصليبي البوابة الحديدية التي تحطمت على أسوارها الأطماع الأسبانية والفرنسية، منذ دخولها ضمن دائرة الحضارة العربية الإسلامية، وقد نبه “الداي شعبان”(1) في العصر الحديث على مكانة الجزائر الدولية، في مواجهة أطماع الغرب، ومخاطر سقوط الجزائر المحروسة الذي قد ينجر عنه بداية تداعي، وحدة المسلمين في مواجهة الهجمة الصليبية الحديثة.

وقد ظهر هذا الحس التاريخي للمكانة “الجيوسياسية للجزائر” كحقيقة ثابتة ، وهي أن حملة فرنسا على الجزائر قد شكلت رأس الحربة لتمزيق وحدة المسلمين في إطار الغارة الشاملة للصليبيين الجدد على العالم الإسلامي(2).

إن أزمة التخلف التي تطرحها هذه الدراسة، وهي الإشكالية التي لا تزال تطرح إلى يومنا هذا، حاولت ربط مفهومها وتجلّياتها، من خلال شخصية فذة في تاريخ الجزائر المعاصرة، -ولا أعتقد أن الأدبيات السياسية والثقافية بعيدة عن البحث، وجدير بنا ونحن نطرح هذا الموضوع- والإجابة عن هذا الاستفهام المطروح يقودنا إلى أن تقترب بلطف من هذه الشخصية العلمية والسياسية التي لعبت دورا كبيرا في إحياء أمة من الجهل والتهميش، وأعادت لها روح المبادرة والتحدي لاستكمال ما بناه من جهود.

إنه الإمام المصلح والرجل القرآني عبد الحميد بن باديس، الذي وصفته التقارير الفرنسية حينما انتقل إلى جوار ربه، قالت: »إن الشيخ عبد الحميد بن باديس، رئيس جمعية العلماء المصلحين الجزائريين الذي كانت صحته متدهورة وسيئة للغاية منذ شهور قد توفي يوم 16 أفريل 1940 في قسنطينة، وشيعت جنازته في اليوم التالي، في وسط جموع غفيرة، تعد بعشرات الآلاف من سكان المدينة ، ومن الذين جاءوا من مختلف أنحاء القطر« (3).

ولعل ما سجلته التقارير الفرنسية بمناسبة وفاته كان أصدق تصوير، لتعلق المسلمين الجزائريين بشخصيته الفذة حتى أولئك الذين كانوا موظفين لدى الإدارة.

وكانت وفاة ابن باديس كما يقول المرحوم مالك بن نبي: قد فوتت على الإدارة الاستعمارية المنال من الحركة الإصلاحية، لأن وفاته كانت حياة لأفكاره، وذلك أن موت هذا الزعيم قد حرر نهائيا الفكرة الإصلاحية التي كانت “فكرة متجسدة ” من خلال صاحبها، فأصبحت بموته »فكرة مجردة لا يجد الاستعمار إليها سبيلا، حيث بقيت وفية لأفكار زعيمها الأول ومنهجيته في العمل«(4).

هذا الرجل القرآني، الذي أقلق الاستعمار وأذنابه، خلال مسيرته الإصلاحية في الجزائر طوال ربع قرن من الزمن، هو الذي أيقظ الشعور بالمأساة التي حلت بالمجتمع في ضمير المسلم الجزائري، فقد كان رائدا حينما بدأ العمل لإعادة تنظيم الجزائر، فتقوم بأداء واجبها الشرعي والحضاري كبقية شعوب العالم الإسلامي.

فكيف أقام الحركة الإصلاحية الناشئة، وبماذا تميز مفهوم التجديد والتغيير في عصره؟

ثم بماذا هيأ الجزائريين للمشاركة في الفعل الإصلاحي، وكيف حسم علاقتهم مع الظاهرة الاستعمارية؟

إن الصراع الذي أدى إلى هذا الوضع، الذي ظهرت فيه الحركة الإصلاحية، هي مرحلة القطيعة التي أحدثها الاستعمار، من خلال تشويه النخب القائمة، حيث أزاح الزعامات التقليدية الوسيطة، وأنهى جميع الرموز التي يمكن أن تذكر بالسيادة الجزائرية، وكنتيجة لهذا لا بد أن تأتي المبادرة لدفع الاستعمار من الأطراف (الأوراس، الشمال القسنطيني) لا من المركز، وأن تكون الشعارات المرفوعة وقتها إسلامية المحتوى، ما دامت تنبع من الأوساط التي حافظت على هويتها العربية الإسلامية، ومن الطبيعي في هذا الإطار أن تجد الاتجاهات الإيديولوجية التي وجدت رواجا في هذه الظرفية التاريخية، هي التي تدافع عن الهوية العربية الإسلامية من ناحية. وعن الحس الشعبي من ناحية أخرى.

وقد أجمع الباحثون على أن الحركة الوطنية، قد نمت منذ ظهورها في الأوساط المهجرية، مع تكوين “نجم شمال إفريقيا”، وفي الأوساط الإصلاحية للعلماء كــ”حركة الشيخ عبد الحميد بن باديس”(5).

ومعالجة الحركة الإصلاحية تحت لواء الإمام العلامة عبد الحميد بن باديس لا تختلف في طرحها عن أزمة العالم الإسلامي في القرن العشرين، ولا أبالغ إن قلت إن الحس المدرك لعمق الأزمة، قد نضج عند رجال الإصلاح، على تفاوت ثقافتهم ووعيهم السياسي، وشمولية رؤيتهم للأشياء من خلال “حرارة المأساة التي كانت تعيش فيها الجزائر، مأساة الاستعمار والاستعلاء والسلب واستخدام أرفع النظريات العلمية لأحط الغايات وأخس الأهداف”(6).

ولهذه الأسباب جميعها، أصبحت الحركة الإصلاحية، محل اهتمام وعناية كبيرين من قبل المؤرخين ورجال القانون، وعلماء الاجتماع، وأصحاب الدراسات الإستراتيجية، ورجال المخابرات، والفلاسفة وأخص بالذكر، دول الغرب الذين هزتهم الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي، بل في عقر ديارهم(7).

إن الإمام عبد الحميد بن باديس، وهو يجيب على إشكالية التخلف الحضاري في الجزائر، والعالم الإسلامي، يطرح مسألة من أخطر المسائل التي عاشها جيله بكل ما تحمله هذه المسألة من خطر، إنها ضخامة وشمولية الغزو الأوروبي المنظم لدار الإسلام وكان قبله السياسي والمفكر التونسي خير الدين(8) قد حذر من خطورة هذا الغزو قائلا: »إن التمدن الأوروبي تدفق سيله على الأرض، فلا يعارضه شيء إلا استأصلته قوة تياره المتتابع، فيخشى على الممالك المجاورة لأوروبا من ذلك التيار«(9).

وكان أول من وقعت عليه مسؤولية مواجهة الاقتحام الأوروبي، هي السلطة العثمانية وأجهزتها، لقد حدث هذا في مصر، والجزائر، ولكن سرعان ما انهارت مؤسسات السلطة المركزية بمختلف أشكالها العسكرية والشعبية »إذ أن عوامل الاختراق التدريجي، والضعف المتزايد، كانت قد فعلت فعلها«(10)، وهكذا انهارت الدولة المركزية في الجزائر، ممثلة في سقوط مدينة الجزائر، وانتهاء المقاومة المنظمة من قبل الأمير عبد القادر، وأحمد باي قسنطينة، وكل الثورات الشعبية في القرن التاسع عشر، ولكن رغم هذا الفشل، ورغم البطولات والتضحيات، فإن المقاومة العسكرية، في كامل تراب القطر الجزائري، قد أدت دورا مركزيا، شكلت سدا منيعا أمام محاولات النسف الفرنسي في تدمير الشعب الجزائري، وطمس شخصيته وهويـته، وانتمائه، ولم تتحول الجزائر ومدنيتها إلى تراث غابر كما وقع في أمريكا في العصر الحديث مع حضارات محلية، ذات تقاليد شعبية متطورة في تضامنها وقيمها أمام الغزو الشامل للرجل الأبيض، الذي مثلته جحافل الغزاة الأسبان والإنجليز والفرنسيين.

وفي ظل سياسة الإبادة الجماعية للجزائريين(11) وحركة التنفير من الإسلام التي قام بها لا فيجري والآباء البيض وتجفيف الينابيع، وقطع صلة الجزائر بعمقها المشرقي، عرفت الجزائر في العشرينات من القرن العشرين، حركة إصلاحية مبشرة بميلاد فجر جديد، ونهضة علمية وأدبية ومرحلة جديدة لإعادة تشكيل العقل الإسلامي في الجزائر وتحريك ضمائر الناس، وتحمل مسؤولية البناء، ومواجهة سياسة المسخ التي كادت أن تأتي على ما بقي من هذا المجتمع المنهك القوى(12) وكانت مبادئ الإسلام قوام هذه الحركة المباركة لإنقاذ البلاد والعباد من مخالب الجهل ومظاهر الشرك والاستبداد الاستعماري(13).

إن ميراث الهجوم الاستعماري الشامل على الجزائر قد ترك -في العقد الثاني من القرن العشرين- أوضاعا تثير الأسى، فبعد ما كانت الجزائر في بداية الاحتلال، تتجاوز نسبة المتعلمين فيها 40%، من السكان(14)، وهذا بشهادة الجنرال الفرنسي دوماس (DAUMAS)، وبعد قرن من الاحتلال أصبح الوضع الثقافي مترديا، حيث وصلت الأمية في أوساط الشعب الجزائري إلى 90% (…) ويرجع الدارسون السبب في كل هذا إلى تعسف السلطات الاستعمارية تجاه الأطر التعليمية الجزائرية، التي كانت موجودة آنذاك، حيث عطلت الزوايا عن أداء مهامها التعليمية والخيرية، وأغلقت الكتاتيب القرآنية والمدارس بحد القانون الاستعماري الجائر(15) لأن النظام الاستعماري، منبع الجهالة والظلامية على حد تعبير عمار أوزقان في كتابه(16) [الجهاد الأفضل].

هذا الميراث النكد لشجرة الزقوم، نقطة مهمة على طريق فهم عبد الحميد بن باديس لأزمة الإنسان الجزائري على المستوى الفكري والحضاري، وإدماجه أو إلحاقه بدائرة التأثير الاستعمارية، فإن النقطة الثانية لفهم الظاهرة الاستعمارية، هي ما قام به الساسة الاستعماريون، من خلال سياسة دينية صليبية حاقدة لقلع الإسلام من صدور الجزائريين، بعد إبادة وتشريد أو سجن العلماء والمثـقـفين الجزائريين(17).

وبهذا الصدد يقول الحاكم الفرنسي في الجزائر في ذكرى مرور مائة سنة على استعمار الجزائر: »إننا لن ننتصر على الجزائـريين، ما داموا يقرؤون القرآن، ويتكلمون العربية، فيجب أن نزيل القرآن من وجودهم ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم«(18)، وبهذا يهمش الجزائري عن أداء دوره الرسالي، ويفقد صلته بجذوره ووطنه، كما يفقد إحساسه بحركة التاريخ المتصاعدة، لأن هذا الإنسان الذي افتقد مفهوم الزمن التاريخي لحياة الأمم، هو الغاية القصوى التي يسعى للوصول إليها كبار الساسة في فرنسا وحثالة الغرب من المعمرين بالجزائر، وخلاصة ما تسعى إليه هذه النظرة المنحطة للإنسان الجزائري: هو إفراغ الجزائري من روحه وإدخاله إلى متاحف الحيوانات المنقرضة في أوروبا، كما وصف أبو الحسن الندوي(19) هذه الحالة التي يرغب الغرب في الوصول إليها مع شعوب العالم الإسلامي.

والقضية الثالثة التي عاصرها الإمام عبد الحميد بن باديس، وكان لها أكبر الأثر في نفسه، وفي منهجه الدعوي، هي معاصرته لفشل ثورة الأوراس عام 1916م، والدمار الشامل الذي تركته الحرب العالمية الأولى، والتي كان أبناء الجزائر الوقود السهل والحزام الذي يحمي فرنسا الاستعمارية، وكانت النخبة الجزائرية، جد متناقضة في تعاملها مع قانون التجنيد الإجباري، بين المشاركة والهجرة أو الثورة وقد أدى هذا الموقف إلى إحداث شرخ فضيع في الذهنية الجزائرية (20).

الخيانات الروحية، وخيانة الأشراف(21).

القضية الرابعة والحساسة التي شكلت بقية الصورة في ذهن الإمام عبد الحميد بن باديس هي دور الطابور الخامس الذي مثلته -في العالم الإسلامي- بعض الطرق الصوفية وبعض العائلات المنسوبة إلى الشرف والعلم وفي هذا المقام يقول شكيب أرسلان(22): »إنه من الأسباب الموضوعية التي كانت من وراء بقاء دوام الاستعمار الغربي الصليبي، في ديار المسلمين، يعود إلى الخيانات الروحية، حيث كانت الطرق الصوفية العين الساهرة على حماية مصالح الاستعمار بما يلقاه شيوخ الطرق الصوفية من تبجيل وهذا بعد شراء ذممهم بدراهم بخسة«

ونكتفي في هذا المقام أن نبرز هذه القضية التي عاصرها الإمام ابن باديس من خلال نموذجين، الأول: يتمثل في الخيانة الروحية لبعض الطرق الصوفية في الجزائر والمغرب الأقصى، وهذا ما تؤكده وثائق جديدة لم تنشر، وهي شهادة ثابتة، وتتمثل في خيانة “شرفاء وزان” بالمغرب الأقصى، وهي شهادة في ذمة التاريخ، إذ لعب هؤلاء الأشراف دور الطابور الخامس في الجزائر، وهذا من خلال أعوانهم ومريديهم، منذ نهاية القرن التاسع عشر.

تسجل هذه الوثائق تبعية شرفاء وزان وعمالتهم للاستعمار الفرنسي الصليبي منذ الساعات الأولى للاحتلال وتتطور درجة العمالة مع حاكم الجزائر العام “جيل كامبو”، نظرا لما كان لهذه الطريقة الصوفية -التي يشرف عليها شرفاء وزان- من تأثير على أتباعها في كامل القطر الجزائري وبصورة خاصة بالشمال القسنطيني، وقارئ هذه الوثائق المدعمة للبحث يحس بخيانة النخبة الروحية الفاسدة، وتعاملها مع فرنسا الاستعمارية، وأسوأ ما تركته هذه النخبة التي فرضها الاستعمار على الشعب، هو تزييفها وتحريفها للعقيدة، ومسخها للإنسان المسلم وتقديمه هدية بسيطة إلى الغرب الأوروبي، كما تهدى الحيوانات ا لنادرة إلى الرؤساء والسفراء.

وأما خيانات الأشراف المحليين فيمثلهم في عصر الإمام ابن باديس “أولاد ناصر(24)، الذين يمثلون واحدة من أربعة عائلات شريفة بالجنوب القسنطيني، وينتمي هؤلاء إلى جدهم الأعلى سي مبارك بن قاسم بن حاج الذي ينسب إلى الصحابي عثمان بن عفان رضي الله عنه.

وأما جدهم الثاني فهو سيدي ناجي، والشخصية المحورية التي غيرت مسار هذه العائلة العالمة الشريفة والذي يصدق فيه قوله تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا}، هو القائد الأزهر الناصري الذي تحدى الجزائريين الرافضين لمبدأ التجنيد الإجباري، وخان ثوار الأوراس عام 1916م، وكوّن أول فرقة عسكرية: وهم “قوم خنشلة”، الذين شاركوا مع القوات الفرنسية في قتال إخوانهم الجزائريين، والقضاء على قبيلة “أولاد ملول”. ويُوصف سي الأزهر الناصري بأكبر أصدقاء فرنسا في منطقة ششار، وبقية الأوراس كما جاء في التقارير الفرنسية(25).

هؤلاء هم النماذج المخزية لتاريخ المرابطين والأشراف الذين عاصرهم الإمام عبد الحميد بن باديس وقد تحددت أرضيته في معالجة أزمة التخلف الحضاري من خلال هذه الدعائم والقضايا التي شكلت مبدأ سعيه لترميم الذاكرة الجزائرية في مواجهة آلة المسخ والتشويه التي أحدثتها معاول الهدم الفرنسية.

وأما القضية الخامسة، التي هي قوام فهم الإمام لأزمة المجتمع الجزائري المسلم فتتمثل في الخيانات الفكرية والسياسية، وقد مثلتهم شخصيات دينية وسياسية ربطت مصيرها بالإدارة الفرنسية أو شخصيات فكرية عميلة ساعدت على تزييف الوعي عند الجزائريين.

وأما العامل السادس الذي ساعد على تكوين الرؤيا الشاملة للعملية الإصلاحية والمنهج التغييري عند الإمام ابن باديس، فهي القوانين الجائرة للإدارة الاستعمارية، هذه القواعد التي اختصرتها كإجابات، على تساؤلات هذه الورقة، والتي مفادها: كيف استوعب الإمام أزمة التخلف في العالم الإسلامي، وفي الجزائر بصورة أخص؟ ومن هذه الإشكالية المطروحة ستكون إجابتنا على هذا الفهم الذي شكل خطوات التغيير من خلال رحلة طويلة مع هذه النماذج التي كونت الإكراهات التي وقفت في وجه الإقلاع الحضاري للحركة الإصلاحية الجزائرية.

لا يمكن وفي هذه الوضعية المريضة بكل هذه الإحباطات والمعوقات أن تقوم حركة التغيير إلا إذا نهجت منهج الأنبياء والمرسلين لإصلاح ما أفسدته الذمم وأيدي الناس، وعقول المستبدين والمفسدين في الأرض.

وفي هذا المقام بالذات يعد ابن باديس نموذجا سليما لمحاربة الاستعمار.

لقد فهم بعمق أبعاد القضية، وأعطى للموضوع إطاره المستقيم فكانت مواقفه وتحركاته ثابتة، هادفة موجهة إلى صميم المشكل مما أدى به إلى صراع طويل انتهى به إلى الاستشهاد(27)، بعد أن حقق الجزء الأعظم من مسيرة العمل الإصلاحي بالوسيلة والأسلوب القويم بعيدا عن اختلافات السياسيين، وعقم خطبهم الجوفاء، وتضييعهم للوقت الثمين في ما لا يجدي نفعا للأمة، وتبديد الجهود ومنطلقات خاطئة ومع ذلك قال فيهم عبد الحميد بن باديس: »يا هؤلاء… إن الجمعية ليست عاجزة عن مقاومتكم وإظهار خطتكم وكشف باطلكم، و لكنها تعلم ما تحتاج إليه الأمة اليوم، من اجتماع الكلمة، وعدم الفرقة وتوحيد الصفوف، فلهذا تركتكم راجية لكم أن تدركوا حقيقة الموقف فتعملوا بما يقتضيه«(28).

وهنا تقتضي مكانة هذه الإكراهات -التي واجهها ابن باديس في بداية عمله الإصلاحي- أن نحدد مفهومه لتعريف ظاهرة التخلف الحضاري وتحرير الأوطان من الاستعمار الغربي الصليبي المتعصب وأن نحدد المناهج المطروحة وهي:

– طريق المواجهة المسلحة الشعبية، وقد فشلت كلها في تحرير الإنسان والبلاد منذ 1832م إلى غاية ثورة الأوراس 1916م.

– طريق النضال السياسي والعمل الحزبي والمشاركة في المؤسسات المحلية (النظام البرلماني والمشاركة في تسيير البلديات والمجالس المالية).

– طريق البناء الدعوي أو بناء القاعدة الصلبة(29).

وهذه الأساليب والمناهج هي التي عرفت في مسرح الأحداث واليوميات الجزائرية، فأي السبل اتخذها الإمام عبد الحميد بن باديس لنفسه؟ إنه السبيل الذي رسمه الإمام لدعوته الإصلاحية يتجلى في اختياره لسبيل الإصلاح التربوي، وبناء الإنسان الجزائري الذي ينتمي إلى أمة معوانة على الخير منطوية على استعدادات الكمال وأنها -أي الأمة الجزائرية- ذات نسب عريق في المحامد والفضائل(30).

وقد ساعد ابن باديس في عمله سعة علمه ومعاصرته لجيل رسالي أمثال جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، رشيد رضا، محمد الطاهر بن عاشور، حمدان لونيسي، محمد النخلي، شكيب أرسلان، الشهيد العربي التبسي، محمد البشير الإبراهيمي، الطيب العقبى، الشيخ مبارك الميلي، وغير هؤلاء القمم التي صاغها القرآن صياغة نادرة.

والقرآن الكريم هو الذي صاغ نفس الإمام عبد الحميد بن باديس وهز كيانه، واستولى على قلبه فاستوحاه في منهجه طوال حياته وترسم خطاه في دعوته وصاحبه طوال ربع قرن من الزمن سبيل الكفاح لبناء الأمة وإرجاعها إلى الحقيقة القرآنية: منبع الهداية الأخلاقية والنهوض الحضاري، فكان همه أن يكوّن رجالا قرآنيين يوجهون التاريخ و يغيرون الأمة: »فإننا -والحمد لله- نربي تلامذتنا على القرآن من أول يوم، ونوجه نفوسهم إلى القرآن في كل يوم«. هكذا عبر الإمام ابن باديس عن منهجه التربوي و الإصلاحي(31) .

ولما كانت غاية الإمام ابن باديس إصلاح المجتمع، بادر إلى التربية والتعليم و”ترميم” ما أفسدته يد الشيطان الصليبي، إذ أن فرنسا ما إن استقرت بالجزائر حتى مدت يدها إلى التعليم(32) تشوهه وتستأصله وتتخذه قاعدة ثانية في التدمير والتخريب.

لأنها تعلم أن التعليم هو الذي يصنع العقول المفكرة الرافضة ويعطي للشخصية عمقا واعيا وبالتالي يمثل حصنا يجعل كل محاولات الفرنسة والتغريب والذوبان عبثا ومجهودا ضائعا(33).

ولقد وضع ابن باديس خطته على أساس مبتكر يتلخص في أن يحاصر فرنسا في رفق وعزم صارم في الوقت الذي تظن أنها تحاصر الجزائر، ولم تتفطن فرنسا إلى مهارة هذه الخطة إلا بعد فوات الوقت، فوجدت نفسها محاصرة بعد أن استمال إليه أعوانها طائفة بعد أخرى وكان من الضروري أن يفلح في تنفيذ خطته بعيدة المدى، وهي القيام بانقلاب جذري يرتكز في المقام الأول والأخير على إعداد جيل صالح ينهض نهضة إسلامية، بحيث يأخذ من عظمة الماضي، ومن يقظة الحاضر ما يعصمه من الزلل والانحراف، ويسير في طريق المستقبل المشرّف(34) الذي يقوم منهجه على العودة إلى منهج السلف، وهو بذلك قد كشف عن هذه القوة الهائلة التي حققت يقظة الجزائر ونهضتها المعاصرة(35).

والأستاذ الإمام كما يصفه رفيقه في الدرب: الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بقوله:» إنه هو الذي وضع القانون الأساسي على قواعد من العلم والدين لا تثير شكا ولا تخيف، وكانت الحكومة الفرنسية في ذلك الوقت تستهين بأعمال العالم المسلم، وتعتقد أننا لا نضطلع بالأعمال العظيمة، فخيبنا ظنها والحمد لله«(35).

فقد كان هذا المسلك العملي في بناء الأمة سببا في تحقيق هذا النجاح ا لبارز، وذلك لبعده عن المهاترات الحزبية التي كانت تدور في فلك حدده الاستعمار سلفا كما حدثنا عنها مؤرخ الحضارة الأستاذ/ مالك بن نبي في كتابه الرائد: [الصراع الفكري في البلاد المستعمرة]: »فأنشأت المدارس في كل بقعة من بقاع الجزائر وأرسلت الوعاظ يجوبون المدن والقرى وكانوا يعرفون جيدا ماذا يصنعون إنهم كانوا بصدد القيام بالتعبئة الدينية والقومية الشاملة«(36).

وكان هذا العمل البذرة الأولى التي اتفق ابن باديس ورفيقه الإبراهيمي على غرسها في الجزائر كما يقول الإبراهيمي: »كانت الطريقة التي اتفقنا عليها أنا وابن باديس في اجتماعنا بالمدينة المنورة (عام 1913م) في تربية النشء هي: ألا نتوسع في العلم وإنما نربيه على فكرة صحيحة ولو مع علم قليل، فتمت لنا هذه التجربة في الحديث الذي أعددناه من تلامذتنا«(37).

إن ابن باديس الذي استوعب أزمة العصر، وتفاعل مع قضايا الجزائر بإيجابية ظاهرة كان مشغولا بتربية الرجال(38) أولا وابتعد عن الجدل الفلسفي العقيم الذي يشوش الأفكار ويثير الخصومات بين العلماء والأتباع، فقد كان ذكيا مستوعبا لآثار أمته وتاريخها الثقافي والعلمي وآثار الرجال والعلماء على مرّ العصور، فأدرك أن أزمة تخلف المسلمين الحضارية تعود إلى تركها للعلم الصحيح، وابتعادها عن الإسلام بفعل الاستعمار والطرقية(39) ولهذا فإن معادلة العلم والحضارة لا تساوي عند الإمام معادلة الجهل والسقوط في وحل الجاهلية والتبعية الفاسدة في العادات والأخلاق والقيم.

ولهذا كان ابن باديس يفكر تفكيرا صحيحا، مؤسسا على أصل التنبه واليقظة والإدراك(40) من المؤامرة التي يديرها الاستعمار وأذنابه بأحكام، ولكن المؤامرة الاستعمارية والطرقية، انتصرت فيها الحركة الإصلاحية في الجزائر بشهادة الأستاذ مالك بن نبي الذي عالج قضايا الاستعمار وأدواره في العالم الإسلامي بحكمة عالية(41)، وقد نبه (محمد النخلي)(42) ابن باديس إلى السبيل الصحيح لفهم القرآن والإسلام، فأدرك هذه الحقائق، والتي يقول فيها مالك بن نبي: »… إلى جانب هذا كله تقف عيوب ذات طابع جماعي، كالجدل والحرفية والتشبث بأذيال الماضي، وبتحليق في الخيال، وهي بالطبع ثقافة ما بعد الموحدين (…) فأية مقارنة لتلك التقاليد بالإسلام تنقي الثقافة الإسلامية من تلك المقدسات الوهمية التي تسمى (تقاليد)، ولقد قام بتلك المهمة على خير وجه الشيخ (عبد الحميد بن باديس)، فاستطاع أن يخلص الجزائر من تلك التقاليد الزائفة التي كانت تتجسد في الطريقة (المرابطية)، ولكن فردا واحدا يعجز عن القيام بتلك المهمة وحدة(43).

وهذه اللفتة الأخيرة من المفكر مالك بن نبي هي التي أوحت إلى العلماء بالعمل الجماعي الهادف فأسسوا “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين”(44) وإن كانت فكرة هذه المؤسسة الفاعلة تعود كما يشهد بذلك الإبراهيمي إلى أيام اللقاء التاريخي بين المصلحَين (ابن باديس والإبراهيمي)، بالمدينة المنورة، فكانت الثورة الجزائرية نتيجة حتمية لحركة الأفكار التي بدأت في عهد الأمير عبد القادر، واستأنفها في بداية القرن الحالي، الأمير خالد وابن باديس ومن حذا حذوهما” (45).

{والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا}

والشيخ عبد الحميد بن باديس الذي نشأ نشأة صالحة، فتكون في مسقط رأسه تكوينا جادا، في جو أسري محافظ على تقاليد العربية والإسلام.

وكأن العناية الإلهية التي وفرت له كل هذه الظروف، والإمكانيات كانت تعده لمهمة كبرى سيقوم بها في مستقبل قريب، وهي قيادة حركة التجديد الإسلامي في الجزائر والمغرب العربي، والعمل على بعث العروبة والإسلام في الجزائر(46).

ولما أدرك العلماء، وعلى رأسهم الإمام عبد الحميد بن باديس حاجة الأمة إلى المدارس والنوادي والصحف التي تعمل على تزكية النفوس ورفع الجهل عن العقول، فقد هيأ الله لهم أهل الخير فأصلحوا شؤون الطلبة وأسسوا أزيد من 400 مدرسة مبثوثة في جميع أركان القطر الجزائري، تؤدي الرسالة بوفاء وصدق ووعي، هيأ حقيقة إلى تكوين جيش كبير كما عبر -الإبراهيمي- من المعلمين والوعاظ والصحفيين الذين كان لهم الفضل بعد الله عزّ وجل في إحياء وترميم ما هدم وأمات الاستعمار الفرنسي، ولقد كان ابن باديس وجمعه بصدد أمة بل إنسانية تعيش في محيط آسن خانق، ومهمة هذا الجيل الرسالي نقل الأمة من محيط الفقر والجوع والفساد الأخلاقي والعقدي، إلى محيط الربانية، فأنشأوا لهذا الغرض كل الوسائل الممكنة(47)، من مساجد، ومدارس، وصحافة، ونواد ثقافية وكل ما تدعو إليه ضرورة الحياة الجديدة، في مواجهة الصليبية الغربية، وما تحمل من بغض للإسلام والمسلمين في أرض الجزائر (دار الجهاد والاتحاد)(48) وتقدم التاريخ خطوة كبيرة في ا لثلاثينيات نحو جيل جديد من المصلحين، إنه الرعيل الثاني المتتلمذ على أفكار وصيحات الرواد، فيحدثنا المرحوم مالك بن نبي عن الفعل الإصلاحي الذي عاصره، هذا التيار الكهربائي الذي مس كل أطراف المجتمع، والذي نجح في بثه الشيخ عبد الحميد بن باديس بين الشعب الجزائري ولهذا بدأ الواقع الجزائري، وكأن: »شعاع الفجر قد بدأ ينساب بين نجوم الليل من قمة الجبل فلم يلبث أن محت آياته الظلمة من سماء الجزائر، فحوالي عام 1922 بدأت في الأرض هيمنة وحركة وكان ذلك إعلانا لنهار جديد، وبعثا لحياة جديدة، فكأن هذه الأصوات استمدت من صوت جمال الدين(49) قوتها الباعثة، بل كأنها صدى لصوته البعيد، لقد بدأت معجزة البعث تتدفق من كلمات ابن باديس، فكانت تلك ساعة اليقظة، وبدأ الشعب يتحرك،… فتحولت المناجاة إلى خطب ومحادثات ومناقشات وجدل، وهكذا استيقظ المعنى الجماعي، وتحولت مناجاة الفرد إلى حديث شعب«(50).

والإشكالية الثانية في فهم الأزمة الحضارية التي عرفتها الجزائر في عصر الإمام ابن باديس تتمثل في احتكار السلطات الاستعمارية “لصوت المسجد” وتأميم الأوقاف، وتخريب المحاكم الشرعية، هذا من جانب، ومن جانب آخر هو قيام الدوائر الإعلامية الغربية عموما والفرنسية خصوصا بنشر الإلحاد وتشويه صورة الإسلام النقية في نفوس أبناء المسلمين الجزائريين نظرا لقلة زادهم الشرعي والثقافي، ومن هؤلاء: لوي بيرتران -خصم الشرقيين الألد، وعدو المسلمين الأزرق، فهو ممن {قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر} ومنهم من يدسّ السم في الدسم ويدعو شباب الجزائر إلى التفرنج والاندماج(51) وفي هذا الأمر نافح الإمام عن دينه ولغته أمام هجمات فرنسا الاستعمارية فيقول: »إن أعداء الأمة الذين تمثلهم الجزائر الاستعمارية ا لكبرى هنا وهناك ويصدع بأمرهم كراسي متنوعة ما فتئوا يوالون ضرباتهم ويعيدون هجماتهم على الجمعية لأنهم يرون فيها حياة الأمة، ويشاهدون فيها السدّ الحصين دون ما يرغبون من ذوبان الأمة وانحلالها لإفنائها وابتلائها وتنقصها من أطرافها، فكل ما تجتازه الأمة اليوم، وما تعانيه وما تلاقيه، هو ما تجتازه الجمعية وتلاقيه على أبلغه وأشده، لأن الجمعية هي الأمة، والأمة هي الجمعية(52)

فقد وعت الجمعية أنه »لا مندوحة من تربية جيل جديد تربية دينية صحيحة يتولى أمرها أناس يأخذون على أنفسهم عهدا أن لا يقرعوا بابا لسلطان ولا تضعضعهم الحدثان، ولا يثني عزمهم الوعيد ولا يغريهم الوعد بالمنصب ولا تلهيهم التجارة ولا المكسب بل يرون في المتاعب وتحمل المكاره لنجاة الوطن من الاستعباد غاية المغنم وفي عكسه المغرم«(53).

إن الحركة الإصلاحية أدركت بعمق أن الغرب مناهض للشرق، والروح الصليبية لم تبرح كامنة من الصدور كما كانت قبل بطرس الناسك، ولم يزل التعصب كامنا في عناصرها، وهي تحاول بكل الوسائل القضاء على كل حركة يحولها المسلمون للإصلاح والنهضة(54).

وهكذا نجد إذن كيف تعددت مصادر الإصلاح في الفكر الجزائري الحديث(55) من مصادر داخلية كالرد على الطرقية وسلطاتها الروحية المهددة للعقيدة الإسلامية الصحيحة والمهمشة للشعب من الفعالية لمواجهة واقعه البائس، إلى الرد على الصليبية الجديدة التي حملت معاول هدمها الإدارة الفرنسية في الجزائر ورموز مثقفيها وصحافتها، ثم إلى مصادر خارجية، كالتيار الجارف للثورة الإسلامية الذي قام به موقظ الشرق “جمال الدين الأفغاني”، ومدرسة الإصلاح المحلية، التي بنت القاعدة الأولى لحركة ابن باديس.

والتي قام بإعدادها الشيخ صالح بن مهنا القسنطيني، والشيخ عبد الحليم بن سماية ناقل آراء محمد عبده الإصلاحية، والشيخ رشيد رضا صاحب “المنار”، والأستاذ: محب الدين الخطيب، صاحب “الزهراء”، و”الفتح المبين”، والحق أن الشيخ صالح بن مهنا، ذلك الشيخ الوقور كان طليعة المصلحين، غير أن الحكومة ا لساهرة على ا لهدوء عملت على إبعاده، وعاقبته بمصادرة مكتبته الثمينة، وفرقت أمثاله من مقلقي النوم العام كما يقول مالك بن نبي، ولقد كان الخطاب الإصلاحي عند الإمام عبد الحميد بن باديس جذريا تجاه الطرقية، حليفة الاستعمار، والتخلف بما تركه رواد الزوايا المرابطين(55)، من شرك و فساد اجتماعي، وتحالف منكر ومكشوف مع عدو الإسلام والمسلمين، وفي هذا يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي:

»إن علماء الجمعية يعتبرون القضاء على الطرقية، هو قضاء على كل باطل وضلال، وأنه لا يتم، رقي الأمة الجزائرية، أو أي إصلاح في ميادين الحياة مع وجود هذه الطرق، وما لها من سلطان على الأرواح والأبدان، وإفساد للعقول، وقتل للمواهب، والواقع أن محاربة الجمعية لشيوخ المرابطين، كانت ضرورة حتمية أوجبها الوضع المتدهور في البلاد، إذ أن الإصلاح الشامل يتطلب مسحا عاما لكل مظاهر الانحطاط والجمود الفكري(56).

لهذا اعتبر العلماء المصلحون، الطرقية علة العلل في الفساد، ومنبع كل الشرور وتحريف العقيدة وإلحاد الناشئة، لذلك عمدت الجمعية إلى محاربة هذه الطرق المنحرفة من أوكد الواجبات الشرعية لأنها الاستعمار الثاني للإنسان الجزائـري المسلم كما وصفها الإمام العلامة محمد البشير الإبراهيمي«(57).

ومن المثقفين السلفيين الذين كانوا حربا على الطرقية الأستاذ: الطيب العقبى المصلح الثائر، الذي هدم تصورات الطرقية واعتقاداتها الباطلة، وكان المؤرخ مبارك الميلي في “رسالة الشرك ومظاهره” يمثل بحق حجر الزاوية في تصور الجمعية، وآثار الإبراهيمي وابن باديس، والطيب العقبى ومبارك الميلي، وأحمد توفيق المدني، وحمزة بوكوشة، والعربي التبسي وأضرابهم تدل على الخطر الكبير الذي مثلته الطرقية على عقيدة وسلوك الجزائريين، ولهذا فإن أزمة التخلف الفكري والحضاري في فهم ابن باديس، تعتمد اعتمادا واضحا في فهم جدلية “الإسلام والعمل” و”التخلف والتقدم”، “الشرك وآثاره على الإنسان المسلم”.

والجدير بالملاحظة أن هذه الظاهرة قد طوقت كل العالم الإسلامي، أفقدت المسلم روح المبادرة والإبداع وأصبحت الزوايا ملاذا للمجرمين فدنست شرف الأمة(58).

وانطلاقا من فهم روح التقدم من خلال رسالة الإسلام، واستيعاب الإمام عبد الحميد بن باديس لحقيقة الأزمة، فقد كان مثل سابقه الأفغاني من المنادين بحرارة بعدم الخوف من مظاهر التمدن الغربي(59).

ودعا الشباب الجزائري المسلم أن يحثوا الخطى إلى الإمام لطلب العلم والمدنية لأن الإسلام قادر على صياغة هذه المدنية صياغة رائعة بما تقتضيه الضرورة ودعوة الإمام للشباب الجزائري أن يتمكنوا من العلم الذي كان أساس تقدم الغرب وما بلغه من مدنية وتطور(60)، وقد أجمع علماء الإسلام أن من أسباب أزمة المسلمين في العصر الحديث أيضا الاستبداد السياسي وغياب الشورى، وهو ما أشار إليه الإمام عبد الحميد بن باديس في دروسه وفي تصوره للحكم الإسلامي الأمثل، مما يدل على عمق الفهم وحتى وهو يعيش أزمة غياب الحكومة الإسلامية، فقد كان يوجه النقد اللاذع للحكومة الفرنسية في الجزائر وانحرافها عن مبادئ العدل التي تتطلع إلى نشرها في عالم مستعمراتها المقهورة(61) ومما يدل على وعي الشيخ ابن باديس بصيرورة التاريخ وعمق فهمه، واستشرافه للمستقبل القريب فهمه العميق لمبادئ العدل والإحسان وعاقبة الظلم والقهر والاستعباد.

كما أن معالجته للظلم والظلمة وغش الحكومات لرعاياها، من المفردات السياسية التي لم تغب عن آثار الإمام وهو الداعية الرباني على طريق السلف الصالح العالم بمقومات الشخصية الإسلامية ورسالة العلماء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إن آثار ابن باديس الداعية إلى الإصلاح، تحدد بشكل دقيق مسؤولية فئات المجتمع مباشرة -إسلاميا و اجتماعيا- عن انحطاط وتدهور المجتمع الإسلامي، كما تقدم التفسير القرآني لتخلف المسلمين المرتبط بقانون العقوبات الإلهي، الخاص بهذا المجتمع عندما ينحرف، والذي يختلف عن قانون عقوبة غير المسلمين وهذا التفسير الذي تؤيده وقائع التاريخ والتجربة وهو يتعارض مع نظريات “العلمانيين” الذين قضوا أكثر من نصف قرن في البحث عن أسباب ما يعانيه العرب والمسلمون من تخلف وانقسام وهوان دون أن يصلوا إلى نتيجة أو يهتدوا إلى علاج(62)، ومما أثار مخاوف علماء الغرب المنصفين أن المجتمع الإسلامي أصبح أمام خطر حقيقي، يتجلى في التحديات الجديدة؛ غير أن الإسلام وفقا للدراسات المنصفة أصبح بإمكانه أن يتكيف مع المعطيات الجديدة للحداثة و المعاصرة رغم ما يشوب هذه المصطلحات نفسها من ضلال وشكوك.

غير أن ما فهمه ابن باديس حقا لإزالة هذه الوساوس والشكوك حول الإسلام، فقد اقتنع بعمق خلافا لحالة الانبهار والذهول التي عرفتها شخصيات كبيرة مؤثرة في العالم الإسلامي، فقد أيقن الإمام أن مستقبل المسلمين يتعلق بمدى وفائهم لعقيدة التوحيد، وبقدرتهم على إعادة بناء عالمهم الروحي الأصيل وتجديد ثقافتهم الحقيقية، وعلى هذا الأساس عمل ابن باديس على بعث روح الإسلام عقيدة وسلوكا في أذهان وقلوب الجزائريين، فهو يعيش للإسلام كما حبب إليهم الوطن الجزائري الذي هو أمانة في أعناق كل المسلمين الجزائريين الذين يتميزون عن غيرهم من المعمرين وغلاة المستعمرين بمميزات وخصائص، وشخصية تختلف في أصولها وأعراقها، عما تتميز به الأمة الفرنسية و”حثالة” الغرب من المستوطنين الذين يعودون بأصولهم إلى السجناء والمجرمين والمشردين والمهمشين الأسبان والمالطيين والكورسيكيين والفرنسيين والألمان، وكل الذين لم يجدوا موضع قدم في بلدانهم الأصلية، أو من لا وطن له في أوربا وغيرها.

الإمام عبد الحميد بن باديس والنخبة الفرانكفونية (شجرة الزقوم): إن النخبة الجزائرية المقصودة في هذه النقطة، أولئك الذين تمتعوا بحظ من التعليم في المدارس الفرنسية وشكلوا في مطلع الثلاثينيات ما يعرف في أدبيات التاريخ الجزائري المعاصر الشبان الجزائريين وغالبيتهم العظمى من الطلبة الفرنكفونيين الاندماجيين وهم فئة هجينة إذ لا يمكن اعتبارهم في آخر المطاف لا جزائريين بالمفهوم الشامل، ولا فرنسيين لذا قال الحاكم العام الفرنسي ناجيلان (NAEGELEN) عام 1949: »إن مستقبل الجزائر المسلمة الفرنسية يحضر الآن في المدارس الفرنسية برغم الأنبياء التعساء«(63).

والمقصود بالأنبياء التعساء هنا: هم رواد الحركة الإصلاحية والاستقلالية في الجزائر رغم ما يشوب النخبة المثقفة في الحركة الاستقلالية من ازدواجية بائسة في ترجمة جدلية الصراع الحضاري في الجزائر.

وقد تعددت مواقف النخبة منذ مطلع القرن العشرين من تطلع إلى الثورة على السياسة الكولونيالية ممثلة في شخصية خوالدية صالح بن عمار(64) إلى دعوة حارة إلى نشر التعليم بين كل الجزائريين ممثلة في الشخصية المخلصة: امحمد بن رحال(65) إلى حركة الأمير خالد حفيد الأمير عبد القادر(66) الذي بدأ إصلاحيا وانتهى استقلاليا ثوريا.

كما تذهب إلى ذلك الوثائق المكتشفة والمدروسة من خلال مطالبه إلى مؤتمر الصلح، إلى شخصية برجوازية ذات تناقضات كبيرة في مسارها السياسي ممثلة في شخصية فرحات عباس(67). ولكن على الرغم من تفاوت تصورات هذه الرموز ومواقف ابن باديس من تحركاتها فقد كانت لابن باديس مواقف واضحة من فرحات عباس الذي يعتبر رمزا للنخبة الفرنكفونية ا لتي دافعت عن ثقافتها الجديدة المكتسبة “ولع المغلوب باتباع الغالب أبدا” حتى دفعته المسيرة التاريخية إلى الالتحاق بالثورة بعد أن راهن على مبادئ الثورة الفرنسية إلى آخر المطاف.

وعلى العموم فإن ابن باديس كان علما من أعلام النخبة الإصلاحية العاملة على تحقيق مصير الجزائر من خلال إعادة تشكيل شخصيتها العربية الإسلامية، وكلما انحرف واحد من المحسوبين على مجتمعنا ذكره بالتي هي أحسن بأن الجزائر أمة عربية اللسان إسلامية العقيدة مستقلة في كل سلوكها مع اعترافه الدائم بارتباط هذه الأمة بمصير الأمة الفرنسية إلى حين، وقد كان يعد إلى هذا ((الحين)) جيشا من المتعلمين الذين يحسنون قراءة القرآن وترجمته ترجمة صحيحة لا تعرف الخيبة والفشل، لأن الفشل معناه نهاية هذا الجيل الذي تراهن عليه الأمة لتحقيق مصيرها.

وقف الإمام يوما من أيام 1938م على منصة نادي ا لترقي، وارتجل خطابا جاء فيه: »الساعة قد دقت وآن وقت العمل، وبعد العمل الموت، وأخيرا استعدوا ليوم عظيم«(68)، وأما رواد الخيانات الروحية والفكرية من الفرانكفونيين الاندماجيين المطالبين بالجنسية الفرنسية، فقد ردّ عليهم ابن باديس ردّا عنيفا وفقا لوفائه الصارم لخطه الإسلامي والفكري الذي ينبع من مسؤوليته التي دعمها بالقاعدة الشرعية »من كثر سواد قوم فهو منهم«.

ولهذا رفض الاندماج والالتحاق والتجنس على الرغم من الاتهامات المجانية لأصحاب “شجرة الزقوم” الذين يبحثون عن متكأ يعطيهم شرعية الارتماء، وإلى الأبد، تحت أقدام فرنسا الاستعمارية قديما وحديثا.

ظل الإنسان في تفكير ابن باديس أساس كل نهضة ومرجعيته تتحدد في الإسلام والعربية(69).

أما مواقف الإمام ابن باديس من الإدارة الاستعمارية فقد تنوعت، من الاعتراف بالاحتلال كواقع مر مفروض على أمة ضعيفة أنهكها الاحتلال وزاد في خيبتها الفشل الذريع الذي منيت به الثورات الشعبية في القرن الماضي ومطلع القرن الحالي، ولما بلغ قمة النضج السياسي أعلن المفاصلة مع الإدارة الاستعمارية في مقال رائع يدل على بعد ثوري جديد بدأ يثير اهتمام الإدارة الاستعمارية التي وصفته مع فرحات عباس في نهاية الأربعينيات(70) بأنهما يعملان على استقلال الجزائر، ومقال ابن باديس: “هل آن أوان اليأس من فرنسا”(71)، يدل على روح جديدة في تغيير الأسلوب المنهجي المتبع منذ العشرينيات كما أن معاصري الإمام من رواد الجمعية أشاروا في أكثر من مرة أن ابن باديس لما بلغ السيل الزبا قالوا له فما الحل “أشار بيده إلى جبال الأوراس” وقال هناك في جبال الأوراس، ويذكر الدارسون أن عبد الحميد بن باديس ومصالي الحاج توأمان، الأول كان يكوّن أمة كادت أن تندرس، والثاني يسعى إلى تجديد وإحياء الدولة الجزائرية، والأهداف واحدة في الوصول بالجزائر إلى دولة وأمة ذات سيادة في إطار الفضاء العربي الإسلامي(72).

وأزمة التخلف عند عبد الحميد بن باديس لا تكمن في إعداد جيل رباني برجاله فقط، فقد كانت المرأة والدفاع عن تعليمها وحمايتها من الانحلال والتبرج والاختلاط الذي تدعو إليه النخبة المتفرنجة(73) مجال اهتمامه ويظهر من خلال حديثه وتذكيره بنساء السلف.

والمرأة الجزائرية التي يريدها ابن باديس ليست امرأة تطير بل حرة تلد لنا رجالا يطيرون ويعملون على إحياء الأمة، وتقدمها بين الأمم، ولهذا كان رده قويا على رواد التغريب أمثال: الطاهر الحداد من خلال كتابه: “امرأتنا بين الشريعة والقانون”(74)، إن النهوض بشقنا المعطل، وتأصيل دور المرأة المسلمة، كان قاعدة ثابتة في منهجية البناء والتغيير في فلسفة الإمام عبد الحميد بن باديس.

ولا يكمن فهم الخط الفكري الذي رسمه الأستاذ الإمام لنفسه حول أزمة التخلف الحضاري الشامل للجزائر إلا إذا ربطنا أفكاره الخاصة بعالم المسلمين الذي طرحها في مسائل الوحدة العربية، والخلافة الإسلامية والتضامن الإسلامي، وكذلك جهوده الواضحة في بناء التضامن الوطني والإنساني.

الإمام عبد الحميد بن باديس والخلافة الإسلامية:

لقد اكتوى الإمام ابن باديس كغيره من رجال الإصلاح بحرقة انفصام عرى الوحدة والتضامن الإسلامي الذي شهدته الأمة الإسلامية منذ سقوط الخلافة عام 1924، وتكالب قوى الاستعمار على البقية الباقية من أقطاره، والتي دخلت هي الأخرى تحت الدائرة المباشرة للاحتلالين الإنجليزي والفرنسي، وهي أقطار بلاد الشام والعراق.

و موضوع الخلافة ونهايتها على يد كمال أتاتورك ( قرأه الإمام عبد الحميد بن باديس من زاوية أخرى هي مجال عرضنا في هذا المبحث الأخير ضمن دائرة فهم الإمام لأزمة التخلف عند المسلمين.

“وقد أصيب العالم الإسلامي بأقسى محنة في تاريخه الطويل منذ ظهوره وهي سقوط الخلافة الإسلامية ووقف العالم الإسلامي كله مذهولا إزاء هذا الحدث الشنيع الذي رج العالم الإسلامي رجا عنيفا، ولم لا، وقد قطع أوصال الرباط الذي كان يربط المسلمين في شتى البقاع”(75).

وقد عبر أحمد شوقي عن هذا الذهول بقصيدة باكية يقول فيها:

عادت أغاني العرس رجع نـواح *** ونُعيت بين معالم الأفـــــــراح

كُفنت في ليل الزفاف بثوبــــــه *** ودفنت عند تبلـج الإصبـــاح

شيعت من هلع بعبرة ضاحــك *** في كــل ناحية وسكرة صـاح

ضجت عليك مآذن ومنابــــر *** وبكت عليك ممالك ونـــواح

الهند والهة و مصر حزينـــــــة *** تبكي عليك بمدمع سجاح

والشام تسأل والعراق وفارس *** أمحا من الأرض الخلافة مـــاح

وقد أجمع الكتاب والساسة في ذلك العصر على نعي الخلافة وتنوعت الأطروحات والمقالات حسب مشارب كتابها، وسأقتصر في بيان مشاركة الجزائريين في هذا الأمر الخطير على مواقف الإمام عبد الحميد بن باديس، من الخلافة، ومن كمال أتاتورك من خلال الآراء السياسية التي عرضها في مقالاته المتعددة في جرائد حرة وجرائد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأولى انطباعات الإمام جاءت على نفس النسق الفكري الذي يشاطره فيه معظم المصلحين في عصره وعصرنا هذا ونشر هذه الانطباعات تحت عنوان: “الفاجعة الكبرى أو جنايات الكماليين على الإسلام والمسلمين ومروقهم من الدين” مؤرخـة فـي 8 شعبان، ونشرتها جريدة النجاح(76) عدد 152 بتاريخ 28 مارس 1924 م فقال: »إن الإسلام لا يقدس الرجال -و إنما يسير الأعمال- فلئن والينا الكماليين بالأمر جناهم فلأنهم قاموا يذبون عن حمى الخلافة وينتشلون أمة إسلامية عظيمة من مخالب الظالمين وقد سمعناهم يقولون في دستورهم (إن دين الدولة الرسمي هو الإسلام) ولئن تبرأنا منهم اليوم وعاديناهم فلأنهم تبرأوا من الدين وخلعوا خليفة المسلمين، فكانوا ممن عمل بعمل أهل الجنة حتى لم يبق بينه وبينها إلا ذراع فعمل بعمل أهل النار فكان من الخاسرين، وإنما الأمور بخواتمها والعاقبة للمتقين«، وعلى نفس هذا النسق الفكري والإطلاع الكبير على آراء وأفكار الكماليين والاتحاد والترقي اللادينية يسير ابن باديس في نقده ولخص الإمام جنايات الكماليين على الإسلام والمسلمين في المعالم الآتية:

– الجناية الأولى على الخلافة: الرباط الروحي للأمة الإسلامية.

– الجناية الثانية على الخليفة رغم موالاته للكماليين وهو الناطق الرسمي الذي أعلن الجهاد في الحرب العالمية الأولى كما تبرزه الوثائق ( انظر الوثائق ).

– الجناية الثالثة: إهانة عائلة الخليفة و طردها نحو ا لغرب.

– الجناية الرابعة على الدين: تعطيل أحكام الإسلام و طرد طلاب العلوم الدينية و غلق المدارس الإسلامية و تشبعهم بإلحاد أوربا.

ثم ثنى الإمام على مقاله السالف بمقال آخر عنوانه: ” على مقالنا السابق في جنايات الكماليين ومروقهم ” نشر في جريدة النجاح العدد 153 بتاريخ 4 أفريل 1924 م، وفيه قراءة تراثية لمنصب الإمامة أو الخلافة، تدل على براعة ابن باديس في توظيف ثقافته الإسلامية وفهمه العميق للسياسة الشرعية، بل وتفوقه في رسم قواعد النظام السياسي الإسلامي الأصيل.

و انتقد: ” الخلافة الروحية ” أي تنزيل منصب الإمامة على منصب البابوية بالغرب المسيحي الكاثوليكي ثم قال: “. . . و بعد فإن الإسلام دين الحقائق و العلوم لا دين التقاليد و الرسوم فلنرفض الأوهام و إن لأمتنا – و لنقبل الحقائق و إن آلمتنا – و لنقل عن علم و إنصاف أن خلافة الكماليين باطلة من أصلها، و أن لا خلافة اليوم، هذا و أن العالم الإسلامي، لا يسكت عن مسألة الخلافة و لا يهمل أمرها، وإن أعظم الرجاء معلق على الأمة العربية أمة كنانة الله، الأمة المصرية العزيزة، مصدر العلم و التهذيب للعالم الإسلامي أيام بؤسها ومصدر الحرية و النهوض، هاته الأيام، أيام عزها و استقلالها، وقد حمل البرق نبأ تعلق علماء الأزهر الشريف على عقد مؤتمر إسلامي لهذا الأمر، و أنه يكون في شهر مارس من السنة القابلة – وإن غدا لناظره قريب – و نحن من المنتظرين و الله ولي المؤمنين ” و لا يمكن فهم آراء الإمام إلا إذا عدنا مرة أخرى لقراءة ما كتب بعد أربعة عشرة سنة خلت من مقالاته السابقة التي يشاطره فيها كل الذين تسكنهم هموم الوحدة الإسلامية و على رأسها الرئـاسة العامة لمسلمي الشرق، وهي الخلافة الإسلامية

و لا يستقيم الموضوع الذي نحن بصدد الحديث عنه إلا إذا عرضت مقالته حول أتاتورك الذي نشره في غرة رمضان 1357 هـ، نوفمبر 1938 م و عنوانه: ” مصطفى كمال رحمه الله “، جاء فيه: (77) في السابع عشر من رمضان المعظم ختمت أنفاس أعظم رجل عرفته البشرية في التاريخ الحديث، وعبقري من أعظم عباقرة الشرق، الذين يطلعون على العالم في مختلف الأحقاب، فيحولون مجرى التاريخ و يخلقونه خلقا جديدا ذلك هو مصطفى كمال بطل غاليبولي في الدردنيل، وبطل سقاريا في الأناضول، وباعث تركيا من شبه الموت إلى حيث هي اليوم من الغنى و العز و السمو.

و إذا قلنا بطل غاليبولي فقد قلنا غالب الإنجليز أعظم دولة بحرية الذي هزمها في الحرب الكبرى شر هزيمة لم تعرفها في تاريخها الطويل، و إذا قلنا بطل سقاريا فقد قلنا قاهر الإنجليز و خلفائهم من يونان، وطليان، وفرنسيين بعد الحرب الكبرى و مجليهم عن أرض تركيا، بعد احتلال عاصمتها و التهام أطرافها وشواطئها.

و إذا قلنا باعث تركيا فقد قلنا باعث الشرق الإسلامي كله.

فمنزلة تركيا التي تبوأتها من قلب العالم الإسلامي في قرون عديدة هي منزلتها، فلا عجب أن يكون بعثه مرتبطا ببعثها، لقد كانت تركيا قبل الحرب الكبرى هي جبهة صراع الشرق إزاء هجمات الغرب ومرمى قذائف الشره الاستعماري و التعصب النصراني من دول الغرب فلما انتهت الحرب، فخرجت تركيا منها مهمشة مفككة تناولت الدول الغربية أمم الشرق الإسلامي تمتلكها تحت أسماء استعمارية ملطفة، واحتلت تركيا نفسها، واحتلت عاصمة الخلافة و أصبح الخليفة طوع يدها، و تحت تصرفها وقال المارشال اللنبي – وقد دخل القدس – ( اليوم انتهت الحروب الصليبية )، فلو لم يخلق الله المعجزة على يد كمال لذهبت تركيا و ذهب الشرق الإسلامي معها، لكن كمالا الذي جمع تلك الفلول المبعثرة، فالتف به إخوانه من أبناء تركيا البررة، ونفخ من روحه في أرض أناضول حيث الأرومة التركية الكريمة و غيل ذلك الشعب النبيل، وقاوم ذلك الخليفة ا لأسير و حكومته المتداعية، وشيوخه الدجالين من الداخل، وقهر دول الغرب و في مقدمتها إنكلترا من الخارج – لكن كما لا هذا أوقف الغرب المغير عند حده و كبح من جماحه و كسر من غلوائه، وبعث في الشرق الإسلامي أمله وضرب له المثل العالي في المقاومة و التضحية، فنهض يكافح ويجاهد، فلم يكن مصطفى محي تركيا وحدها، بل محي الشرق الإسلامي كله، وبهذا غير مجرى التاريخ، ووضع للشرق الإسلامي أساس تكوين جديد، فكان بحق كما قلنا – من أعظم عباقرة الشرق العظام الذين اثروا في دين البشرية و دنياها من أقدم عصور التاريخ.

إن الإحاطة بنواحي البحث في شخصية أتاتورك ( أبي الترك ) مما يقصر عنه الباع، و يضيق عنه المجال، ولكني أرى من المناسب أو من الواجب أن أقول كلمة في موقفه إزاء الإسلام.

فهذه هي الناحية الوحيدة من نواحي عظمة مصطفى أتاتورك التي ينقبض لها قلب المسلم ويقف متأسفا و يكاد يولي مصطفى في موقفه هذا الملامة كلها حتى يعرف المسؤولين الحقيقيين الذين أوقفوا مصطفى ذلك الموقف، فمن هم هؤلاء المسؤولون ؟. . .

المسؤولون الذين كانوا يمثلون الإسلام وينطقون باسمه، ويتولون أمر الناس بمفرده و يعدون أنفسهم أهله و أولى الناس به.

هؤلاء هم خليفة المسلمين شيخ إسلام المسلمين ومن معه من علماء الدين، شيوخ الطرق الصوفية والأمم الإسلامية التي كانت تعد السلطان العثماني خليفة لها.

أما خليفة المسلمين فيجلس في قصره تحت سلطة الإنجليز المحتلين لعاصمته ساكتا ساكنا مستغفرا لله، بل متحركا في يدهم تحرك الآلة لقتل حركة المجاهدين بالأناضول، ناطقا بإعلان الجهاد ضد مصطفى كمال و من معه الخارجين عن طاعة أمير المؤمنين. . .

و أما شيخ الإسلام وعلماؤه فيكتبون للخليفة منشورا يمضيه باسمه ويوزعه على الناس بإذنه و تلقيه الطائرات اليونانية على القرى برضاه، ويبيح دم مصطفى كمال و يعلن خيانته ويضمن السعادة لمن يقتله

و أما شيوخ الطرق الضالون و أتباعهم المنومون فقد كانوا أعوانا للإنجليز وللخليفة الواقع تحت قبضتهم يوزعون ذلك المنشور، ويثيرون الناس ضد المجاهدين.

و أما الأمم الإسلامية التي كانت تعد السلطان العثماني خليفة لها فمنها – إلا قليلا – من كانوا في بيعته فانتفضوا عليه ثم كانوا في صف أعدائهم و أعدائه، ومنها من جاءت من مستعبديها حاملة السلاح على المسلمين شاهرة له في وجه خليفتهم.

فأين هوا لإسلام في هذه ( الكليتيات ) * كلها ؟، و أين يبصره مصطفى الثائر المحارب و المجاهد الموتور بها ؟

لقد ثار مصطفى كمال حقيقة ثورة جامحة و لكنه لم يثر على الإسلام و إنما على هؤلاء الذين يسمون بالمسلمين، فألغى الخلافة الزائفة وقطع يد أولئك العلماء عن الحكم فرفض مجلة الأحكام واقتلع شجرة زقوم الطرقية من جذورها، وقال للأمم الإسلامية عليكم أنفسكم، وعلي نفسي، لا خير لي في الاتصال بكم مادمتم على ما أنتم عليه.

فكونوا أنفسكم ثم تعالوا نتعاهد و نتعاون كما نتعاهد و تتعاون الأمم ذوات السيادة و السلطان.

أما الإسلام فقد ترجم القرآن لأمته ا لتركية بلغتها لتأخذ الإسلام من معدنه أو تستقيه من نبعه، ومكنها من إقامة شعائره فكانت مظاهر الإسلام في مساجده، ومواسمه تتزايد في الظهور عاما بعد عام حتى كان المظهر الإسلامي العظيم يوم دفنه والصلاة عليه تغمده الله برحمته لسنا نبرر صنيعه من رفض مجلة الأحكام، ولكننا نريد أن نذكر الناس أن تلك المجلة المبنية على مشهور و راجح مذهب الحنفية ما كانت تسع حاجة أمة من الأمم، في كل عصر، لأن الذي يسع البشرية كلها في جميع عصورها هو الإسلام بجميع مذاهبه، لا مذهب واحد أو جملة مذاهب محصورة كائنا ما كان، وكائنه ما كانت أو نريد أن يذكر الناس أيضا أن أولئك العلماء الجامدين ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا غير ما عرفوه من صغرهم من مذهبهم، و ما كانت حواصلهم الضيقة لتتسع أكثر من ذلك، كما يجب أن يذكروا أن مصر، بلد الأزهر الشريف مازالت إلى اليوم الأحكام الشرعية – غير الشخصية – معطلة فيها، و مازال ( كود) نابليون مصدر أحكامها إلى اليوم، ومازال الانتفاع بالمذاهب الإسلامية في القضاء – غير المذهب الحنفي – مهجورا كذلك إلا قليلا جدا.

نعم إن مصطفى أتاتورك نزع عن الأتراك الأحكام الشرعية ليس مسؤولا في ذلك وحده، وفي إمكانهم أن يسترجعوها متى شاءوا و كيفما شاءوا، و لكنه رجع لهم حريتهم و استقلالهم و سيادتهم وعظمتهم بين أمم الأرض، وذلك ما لا يسهل استرجاعه لو ضاع، وهو وحده كان مبعثه و مصدره، ثم إخوانه المخلصون، فأما الذين رفضوا الأحكام الشرعية إلى (كود ) نابليون فماذا أعطوا أمتهم ؟ و ماذا قال علماؤهم ؟

فرحم الله مصطفى و رجح ميزان حسناته في الموازين و تقبل إحسانه في المحسنين.

و إلى الأمة التركية الشقيقة الكريمة الماجدة، التي لنا فيها حفدة و أخوال، والتي تربطنا بها أواصر الدين والدم و التاريخ و الجوار، و التي تذكر الجزائر أيامها بالجميل أو ترى شخصها دائما ماثلا فيما تركت لها من مساجد و معاهد للدين الشريف أو الشرع الجليل، إلى تركيا العزيزة نرفع تعازي الجزائر كلها مشاركين لها في مصابها راجين لها الخلف الصالح من أبنائها و مزيد التقدم في حاضرها و مستقبلها.

و إلى هذا فنحن نهيبها برئيس جمهوريتها الجديد عصمت إينونو، بطل ( إينونو) و مؤتمر لوزان و ثني مصطفى كمال، وإن في إجماعها على انتخابه دليلا على ما بلغته تركيا الكريمة من الرشد في الحياة الذي تبلغ به – إن شاء الله – من السعادة و الكمال، ما يناسب مجدها القدموس و تاريخها الحافل بأعاظم الرجال، وجلائل الأعمال. انتهى مقال الإمام ابن باديس أ. هـ.

إن الأسلوب الذي عرض به الإمام عبد الحميد بن باديس آراءه في شخصية بارزة في العالم الإسلامي أثارت جدلا كبيرا بين تيارات الفكر الإسلامي و الوطني هي الدعامة الأولى التي تركتني أعرض المقال بتمامه.

و ثانيا لأن هذا المقال شهادة من شخصية نزيهة مطلعة على أفكار وآراء العالم الإسلامي، وهي جديرة في عصره أن تثير الأحاسيس و الآلام، ولأن عرض كل المقال فرصة لصاحبه أن يكون في الصورة الكاملة، لما سأعرضه من آراء مخالفة و أفكار مناقضة لما ذهب إليه في تمجيد شخصية ” كمال أتاتورك “، بعد رحيله من هذا ا لعالم، وما ترك من آثار في بلاده أولا، ومن صدى في العالم الإسلامي كله و هذا بإلغائه للخلافة في 3 مارس 1924 م.

و نستطيع بعد هذا العرض أن نحدد مجموعة من المحاور الكبرى التي تطرق إليها مقال الأستاذ الإمام وهي:

– مصطفى كمال أتاتورك عبقري من أعظم عباقرة الشرق.

– مسؤولية علماء العصر أكبر فيما حدث بإلغاء الخلافة من كمال أتاتورك.

– فساد الخلافة الإسلامية في عهد السلطان محمد رشاد و تبعيته للغرب.

– فساد رجال الطرق الصوفية، وهوانهم و تبعيتهم للإنجليز.

– إن الانقلاب الكمالي على رمز الخلافة مسألة طبيعية لأن جوهر الخلافة قد زال منذ مدة طويلة فما إلغاء الخلافة في مارس 1924م إلا صورة هينة لإلغاء صورة ميتة.

– أطماع ملك مصر و زعماء العرب في رمز الخلافة يدل دلالة واضحة على أنهم في غير مستوى الوعي السياسي المطلوب في قواعد و أصول النظام السياسي المعروف في الحكومة الإسلامية.

– لقد ألغى مصطفى كمال مجلة الأحكام الشرعية في تركيا لأنها اقتصرت على مشهور مذهب الحنـفية فقط، و الذي يسع الناس هو الإسلام بمذاهبه.

– حرية الأتراك بعد إلغاء مجلة الأحكام الشرعية في العودة متى شاءوا و كيفما شاءوا في إعادة هذه الأحكام من جديد.

– تفاؤل الإمام ابن باديس بالرئيس الذي خلف كمال أتاتورك و مدى قيامه بنفس العمل الذي سار عليه سابقه و رفيقه في الكفاح العسكري و السياسي.

هذه مجمل أفكار الإمام ابن باديس في هذا المقال البليغ و الذي سنحاول تقييمه من خلال ما تمكنا من قراءة الوثائق المعاصرة للحدث.

إن هذه الآراء التي أطلقها الإمام ابن باديس في حق كمال أتاتورك جديرة بعرض الآراء المخالفة لها حتى تستقيم الصورة، فإذا كان الإمام قد وصف أتاتورك جديرة بعرض الآراء المخالفة لها حتى تستقيم الصورة، فإذا كان الإمام قد وصف أتاتورك بأنه من أعظم عباقرة الشرق فهذه المسألة فيها نظر لأن الأحداث و الوثائق تنبئ عكس ما وصف به أتاتورك.

فالذين عاصروا هذا الرجل تحدثوا عن سيرته و نشأته، فقد شككوا في نسبته إلى أرومة تركية، بل هو نفسه قد صرح لصديقه الدكتور رضا نور (78) الذي تعاون معه مدة حياته، بأن مصطفى كان يقول إنــه ” سلافي ” و قد كان يشرب الخمر كثيرا حتى أصيب بالتلف الكبدي في آخر حياته كما كان يلهو بالنساء كثيرا و قد بلغ درك في الفحش لم يطاوله فيها أحد و مغامراته النسائية كما تبرز الوثائق جد لصيقة به، و ما علاقته المشبوهة مع ” خالدة أديب ” الكاتبة التركية الشهيرة، وحدها تقوم مقام الشاهد على فساد كمال أتاتورك الأخلاقي و هي من المسائل الهامة التي لا تليق بأعظم شخصية في الشرق (79) كما وصفه الإمام ابن باديس، وقد يرد ابن باديس على هذه التهم كلها فيقول: بأن هذه التهم كلها جاءت بها قريحة خصومه من الشرق و الغرب.

كما تميزت الأعوام التي أمضاها في الحكم كرئيس للجمهورية بسلسلة من أحط أنواع الغصب والسرقة و استغلال النفوذ و قتل الخصوم، وقد وصفه مصطفى صادق الرافعي بالدكتاتور الذي لم يكن يحتمل أي نقد ولو من أقرب المقربين إليه، وهذه الصفة التي أصبح عليها كمال أتاتورك هي نتيجة طبيعية لما قام به اتجاه خصومه من المعارضين بما فيهم أعضاء الاتحاد والترقي، كما سحق كل الطرق الصوفية و على رأسها زعماء و شيوخ وأتباع الطريقة النقشبندية. و ما مأساة العالم الرباني “بديع الزمان سعيد النورسي ” إلا شاهد عيان على إرهاب دولة كمال أتاتورك و فظاعة تعاملها مع رجال الفكر الإسلامي النزهاء المخلصين كما أ ن نهاية شيخ الإسلام “مصطفى صبري ” * دعامة ثانية على عدم نزاهة هذا الحكم الجديد و الذين جاءوا من بعده لحكم الجمهورية التركية العلمانية المعادية لكل ما يصدر عن النزهاء المخلصين من رجالات الإصلاح السياسي والاجتماعي، والحكام الذين جاءوا من بعده مثلوا القشرة العفنة في الكيان الإسلامي التركي المهزوز على مر العقود الستة.

و إن لا أوافق أخيرا الإمام ابن باديس رحمة الله عليه في وصف كمال بما وصفه، فأقول: إن كمال أتاتورك هو صناعة بريطانية محكمة (80) ليقوم بنفسه وباسم الأمة التركية وبرلمانها المنتخب بإلغاء الخلافة الإسلامية – الشعرة البسيطة التي تجمع الشعور العاطفي و السياج السياسي الذي يجمع الأمة الإسلامية مهما قضم الاستعمار الإنجليزي و الفرنسي، والهولاندي أطرافها.

إن القضاء على الدولة العثمانية و تقسيم أملاكها بين الدول الاستعمارية كان الهدف الذي سارت فيه السياسة الدولية آنذاك، وقد أشار الإمام ابن باديس إلى هذا الأمر ببيان ووصف دقيق لا يحتاج إلى مجلدات لتبيانه، وحتى ندرك خطورة السلطنة أو الخلافة العثمانية، نقول إن الوثائق التاريخية المعاصرة للأحداث تنبئ عن مؤامرة يهودية كانت وراء الأحداث التي عرفتها الخلافة الإسلامية في العقود الأربعة التي سبق إلغاء مصطفى كمال لها من الخارطة السياسية و الروحية للأمة الإسلامية.

لأن الوفاق الصهيوني، الدولي، والمحلي لخلع السلطان عبد الحميد الثاني آخر الخلفاء الذين وقفوا في وجه العلمانيين من حزب و جماعة الاتحاد و الترقي، وشباب تركيا الذين درسوا في الغرب و كذلك وقوفه الصلب في وجه أطماع اليهود في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، كذلك الوقوف بحزم أمام ثورات الأقليات في الأقاليم العثمانية، والتي تحركها أصابع السياسة البريطانية في المنطقة كلها، كانت وراء الصيحات التي انطلقت معارضة حكم السلطان عبد الحميد الثاني سواء من الأتراك أو من باقي القوميات المختلفة، وهذه كلها لعبت دورا فاعلا في مساعدة الدول الأوربية و الحركة الصهيونية لاستغلال هذه لمعارضة، و الاستفادة منها (81).

و تؤكد ” الموسوعة اليهودية ” بأن السلطان عبد الحميد الثاني عامل يهود الدولة العثمانية معاملة طيبة، ومع ذلك كان دور اليهود في ثورة 1908 م و خلع السلطان في عام 1909 م واضحة المعالم بعد نشر الوثائق المعاصرة للأحداث.

و المعلومات التي بين أيدينا تبين أن جمعية الاتحاد و الترقي غير تركية و غير إسلامية، كما أكدت الأحداث المعاصرة عظم نفوذ اليهود و كثرتهم الغالبة في هذه الحركة، و أبرزت الأحداث مدى المهانة التي ألحقت هذه العناصر بالسلطان المظلوم عبد الحميد الثاني، لسبب واحد أنه رفض مغريات اليهود، و في نظر غالبية المؤرخين بعيدا عن العواطف الجياشة أن الخلافة الإسلامية قد تم إهانتها و إلغاؤها في عام 1909م(82)، وليس في مارس 1924م، و نترك السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله يبث شكواه إلى زعيمه الروحي أبي الشامات في دمشق، يؤكد فيها أن سبب خلعه عن العرش إنما لرفضه الموافقة على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين “. . . . بعد هذه المقدمة أعرض لرشادتكم، وإلى أمثالكم أصحاب السماحة والعقول السليمة المسألة المهمة الآنية كأمانة في ذمة التاريخ: إنني لم أتخل عن الخلافة الإسلامية، لسبب ما سوى أنني – بسبب المضايقة من رؤساء جمعية الاتحاد المعروفة باسم “جون تورك ” و تهديدهم – اضطررت و أجبرت على ترك الخلافة الإسلامية، إن هؤلاء الاتحاديين قد أصروا علي بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة – فلسطين – و رغم إصرارهم، و خمسين مليون ليرة إنجليزية ذهبا، فرفضت هذا التكليف بصورة قطعية.

أيضا و أجبتهم بالجواب القطعي الآتي: إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبا فضلا عن مائة و خمسين مليون ليرة إنجليزية ذهبا فلن اقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي، لقد خدمت الملة الإسلامية، والأمة المحمدية ما يزيد عن ثلاثين سنة، فلن اسود صحائف المسلمين آبائي و أجدادي من السلاطين و الخلفاء العثمانيين، لهذا لن أقبل تكليفكم بوجه قطعي أيضا.

و بعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي و أبلغوني أنهم سيبعدونني إلى سلانيك، فقبلت بهذا التكليف الأخير، هذا و حمدت المولى و أحمده أنني لم أقبل بأن ألطخ الدولة العثمانية و العالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة ” فلسطين ” (83).

هذه شهادة مؤلمة، ولا ينسى تاريخ الإسلام و المسلمين الطريقة التي خلع بها السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله، فهي قمة الإهانة و الاستهانة برمز المسلمين في عصرهم، وأنه بعد الخلع هللت الصحف اليهودية في سلانيك للتخلص من ” مضطهد إسرائيل ” على حد قول لوثر (84) في رسالته إلى غراي (85) بتاريخ 29 ماي 1910م.

و الجدير بالذكر أن بعض كبار زعماء المسيحيين السياسيين و الروحيين في لبنان لم يرحبوا كثيرا بعزل السلطان عبد الحميد الثاني، بل أن البطريك الماروني ” إلياس الحوبك ” أوضح قائلا: لقد عاش لبنان وعاشت طائفتنا المارونية بألف خير و طمأنينة في عهد عبد الحميد الثاني، ولا نعرف ماذا تخبئ لنا الأيام من بعده ” (86).

و مذكرات عبد الحميد الثاني (87) حافلة بالشواهد الدامغة التي أثبتت صحتها الوثائق المعاصرة المنشورة على المؤامرة الدولية اليهودية و سقوط زعماء الاتحاد و الترقي في هذا الخطأ القاتل الذي اعترفوا به ولكن بعد فوات الأوان و بعد أن سلخوا تركيا من عمقها الشرقي، و عزلوها من مكانتها و ريادتها للعالم الإسلامي طيلة أربعة قرون من الزمن الحافل، بالأمجاد و الجهاد، وفي زمن الردة و المد الشعوبي القوي، وفي زمن ” الهرولة إلى بني صهيون ” (88).

هان الإسلام و هانت أمته المجيدة، فهل غابت كل هذه الوثائق و المعلومات رغم أن العلامة الأستاذ رشيد رضا في حياة الإمام عبد الحميد بن باديس قد دبج المقالات الكثيرة التي نبه فيها الرأي العام الإسلامي إلى المخاطر التي تحدق بالأمة في العقد الرابع من القرن العشرين، ومع ذلك خالف الإمام عبد الحميد بن باديس كل معاصريه في موقفهم من ” كمال أتاتورك “، و كذلك من خلال موقفه من الانقلاب السياسي الذي عرفته تركيا في عصره، و حتى ننصف الرجل أقول وبالله المستعان: إن الدعاية التي صنعت البطل ” كمال أتاتورك ” قد فعلت فعلتها لأنها تدرك أن ضرب رأس الحية يكمن في ضرب تركيا رمز الإسلام التاريخي، ورمز قوة الإسلام في منطقة الأناضول، كما أن منطلق ابن باديس في موقفه من كمال أتاتورك، تعود حسب اعتقادي إلى موقف ابن باديس من تفسيره الخاص للتضامن الإسلامي و نظريته الخاصة حول السياسية في الإسلام، والتي تطرق إليها من خلال تصوره للحكومة الإسلامية في مقال له تحت عنوان ” الخلافة أم جماعة المسلمين ” (89) قال فيه: ” إن الخلافة هي المنصب الإسلامي الأعلى الذي يقوم على تنفيذ الشرع وحياطته بواسطة الشورى من أهل الحل و العقد من ذوي العلم و الخبرة و النظر وبالقوة من الجنود و القواد و سائر و سائل الدفاع.

و لقد أمكن أن يتولى هذا المنصب شخص واحد صدر الإسلام و زمنا بعده – على فرقة واضطراب – ثم قضت الضرورة بتعدده في الشرق و الغرب، ثم انسلخ عن معناه الأصلي، وبقي رمزا ظاهريا تقديسا ليس من أوضاع الإسلام في شيء.

فيوم ألغى الأتراك الخلافة – و لسنا نبرر كل أعمالهم – لم يلغوا الخلافة الإسلامية بمعناها الإسلامي، وإنما ألغوا نظاما حكوميا خاصا بهم، و أزالوا رمزا خياليا فتن به المسلمون لغير جدوى، وحاربتهم من أجله الدول الغربية المتعصبة للنصرانية و المتخوفة من شبح الإسلام.

علمت الدول الغربية المستعمرة فتنة المسلمين باسم خليفة، فأرادت أن تستغل ذلك مرات عديدة، أصيبت فيها كلها بالفشل، كفى غرورا و انخداعا.

إن الأمم الإسلامية اليوم – حتى المستعبدة منها – أصبحت لا تخدعها التهاويل، ولو جاءتها من تحت الجبب و العمائم (. . . ) نعم ليس – و الحمد لله – في الإسلام بعد محمد صلى الله عليه و آله وسلم شخص مقدس الذات، والقول تدعى له العصمة، ويعتبر قوله تنزيلا من حكيم حميد، و لكن لنا جماعة المسلمين، وهم أهل العلم والخبرة، الذين ينظرون في مصالح المسلمين من الناحية الدينية و الأدبية، ويصدرون عن تشاور ما فيه خير أنفسها بعيدة كل البعد عن السياسة و تدخل، الحكومات الإسلامية ولا غيرها.

لقد كنت كاتبت صاحب الفضيلة شيخ الأزهر الشريف بهذا، ولكنني لم أتلق منه جوابا، وعرفت السبب يوم بلغنا أن إخواننا الأزهريين هتفوا يوما بالخلافة لملك مصر “السابق “، وسيرى صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر، أن خيال الخلافة لن يتحقق، وأن المسلمين سينتهون يوما ما – إن شاء الله – إلى هذا الرأيً.

لقد كانت غاية عبد الحميد بن باديس الكبرى التجديد في معرفة قواعد الحكم الإسلامي بنظرة أكثر واقعية، وقد حدد أصول الولاية في ا لإسلام من خلال قاعدة جوهرية، هي خطبة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه والتي جاء فيها: ” أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددوني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم، ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، و أضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم “.

و قد قسم عبد الحميد بن باديس هذه الجواهر الثمينة في بناء الحكومة الإسلامية إلى ثلاثة عشرة جوهرة هي الأصول و القواعد المعتمدة (90) في النظام الإسلامي الشوري الذي شرحه ابن باديس شرحا رائعا.

هذه هي المنطلقات التي أحسب أن الأستاذ عبد الحميد بن باديس قد انطلق منها في تحليل منصب الخلافة الإسلامية في عصر السلطنة العثمانية، وأحسبه قد توافق في تصوره لمسألة الخلافة في كثير من النقاط مع ا لأستاذ الشيخ الأزهري علي عبد الرازق صاحب الكتاب المشهور في عصره ” الإسلام و أصول الحكم ” (91)، وهذا رغم وضوح الفكر السياسي الإسلامي عند ابن باديس و غموضه عند الشيخ علي عبد الرازق إضافة إلى ملابسات العصر التي شوهت صورة الشيخ الأزهري و عمق الفكرة و نضجها لدى الإمام ابن باديس الجزائري، الذي يتبين لي من خلال آثاره ونظراته للولاية في ا لإسلام أنه: ” ذو تفكير أصيل قلما تميز به معاصروه من الإصلاحيين “.

كان العثمانيون يعتبرون ماضيهم يتطابق مع ماضي الإسلام وهي ظاهرة عادية إجمالا، إلا أن الكماليين لم يكتفوا بإنجازات عسكرية ودبلوماسية لإزالة عار عام 1919 م، فاعتقدوا أنه من الضروري إنشاء تركيا لا علاقة لها بالإمبراطورية العثمانية وبماضيها ا لإسلامي، وقد كان الأتراك عام 1931 م يقيمون خطا فاصلا مع ماضيهم الإسلامي، ويكتشفون لأنفسهم مجددا هوية آسيوية، وتبدو الكتابات المدرسية في عصر كمال أتاتورك بصورتها العلمانية المعادية للإسلام و المحرفة لأخباره والمعادية للعرب، و الموسوعة المدرسية (92) لإصلاح التاريخ التركي لو وقعت بين يدي الإمام عبد الحميد بن باديس لكفته حتى يغير موقفه من ” أعظم رجال الشرق ” كما نعته وعلل تعليله بكثير من البلاغة التي لا يستحقها هذا الرجل الصنم ” الذي قطع الجسور الممتدة بين الأمتين العربية و التركية، ولا تزال إلى اليوم أطروحات الكتابات التاريخية التركية معادية للعرب بارزة للعيان رغم مرور العقود الكثيرة على هذا الانقطاع الخطير الذي أصاب الأمة في العمق.

أما بقية الآراء و الأفكار التي جاد بها يراع الإمام ابن باديس حول زعماء العرب و رجال الأزهر وحكومة مصر الطرقية فلن أعلق عليها لأن الرجل من الثائرين في عصره على الظلمة و أصحاب البدع وأحلافهم من الطرقيين و القبوريين و هي ركن الزاوية التي تقوم عليها ثورة ا لإمام في الجزائر في الثلاثينيات.

و خلاصة القول: إن الإمام عبد الحميد بن باديس المسلم الثائر و الرجل القرآني شخصية ملتزمة بخطها الفكري، وهو مصلح، صاحب نظرة مستقبلية تنبئ عن إخلاصه لدينه و عروبته، وجزائريته وانتمائه إلى أمة شريفة تعيش في عصره السقوط الحضاري، والغزو الفكري، والاستلاب الطرقي و التخلف الاجتماعي والثقافي و الاقتصادي، وهو ذلك الرجل الذي مد الجسور ومتن الحبال التي ربطت بين جيل عصر الإصلاح والتنوير، و جيل النصر و التمكين و لكن بعد استقلال بلاده الجزائر كعبة المجاهدين قطعت الحبال ونسفت الجسور (93). فهل نقدر في هذا الزمن الرديء أن ننصف الرجل، ونقرأ دوره العلمي في بناء هذه الأمة، أم علينا أن نسكت، سكوت الجبناء عبيد الدرهم و الدينار، الذين ركنوا إلى الأرض، و استسلموا للعبودية، أين نحن من أشواق ابن باديس للحرية، وأين نحن من هذا الرجل الرسالي وقضايا العرب والمسلمين؟

لقد كان الإمام عبد الحميد بن باديس أمة تجلت في شخص الإمام فتحدث عن آلامها وآمالها وعبر عن مأساة فلسطين ونبه الأمة إلى الخطر الصهيوني المتربص بالأقصى، وناضل من أجل التضامن الإسلامي ووحدة العرب، ونافح بقلمه عن القضايا العادلة في العالم، ورد على تخرصات المستشرقين وغلاة المستوطنين الاستعماريين المتعصبين فهل أنصفنا الرجل الذي التزم بالآية القرآنية: { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } سورة الرعد / الآية 11.

فرحمة الله عليك أيها الإمام في الخالدين، واجتباك المولى سبحانه و تعالى إلى جانبه مع الصالحين.

 

الإحالات:

(1) – أرسل الداي شعبان رسالة إلى لويس الرابع عشر، مؤرخة في الفاتح من سبتمبر 1694 م، جاء فيها: “إن السلطان العثماني، يعتمد في الحفاظ على إمبراطوريته، على أيالة الجزائر و أسطولها البحري “. انظر: Belhamissi M MARINE ET MARINS

D,ALGER (1518-1830) TOME II (FACE A L,EUROPE) BNA ALGER 1996 PP13-14.

(2) – بسام ( العسلي )، الأمير خالد الهاشمي الجزائري ( انطلاقة الاستعمار من الجزائر إلى العالم الإسلامي – ص 15) ( سلسلة جهاد شعب الجزائر )، دار النفائس بيروت لبنان: 1984.

(3) – عبد الكريم ( بو الصفصاف )، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وعلاقتها بالحركات الجزائرية الأخرى – 1931 – 1945 ( دراسة تاريخية وإيديولوجية مقارنة)، منشورات المتحف الوطني للمجاهد، الجزائر 1996: ص 168 و ما بعدها.

(4) – مالك ( بن نبي ) الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، دار الفكر ( د ت ) ص 16 / مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، الطبعة الخامسة، دار الفكر دمشق 1986 ص 47، مالك بن نبي، شروط النهضة، دار الفكر المعاصر، لبنان، دار الفكر المعاصر، لبنان، دار الفكر دمشق (طبعة مصورة)، 1993، ص25 و ما بعدها.

(5) – د / محمد عبد الباقي ( الهرماسي )، المجتمع و الدولة في المغرب العربي، مركز الدراسات الوحدة العربية، بيروت لبنان: 1987 م: ص 642

د/ أبو القاسم ( سعد الله )، مدارس الثقافة العربية في المغرب العربي – 1830 – 1954. دراسة مركزة على الجزائر ( أفكار جامحة )، المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر 1986، ص 89 و ما بعدها، د/ يوسف مناصرية، الاتجاه الثوري في الحركة الوطنية الجزائرية بين الحربـين العالمتين (1919 – 1939)، المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر 1988 م: ص 35.

Burhan Ghalioun , Le Malaise Arabe ( Etat contre Nation ) collection , SAD , ENAG. ALGER: 1991 p 16.

(6) – محمد ( المبارك )، مقدمة وجهة العالم الإسلامي لمالك بن نبي ص 9. 10

(7) – الإمام ابن باديس شخصية محورية في الحركة الإصلاحية، و أحد الرواد الكبار في نهضة الجزائر.

الحديثة، ومع هذا فإنه لم يحظ بدراسات وافية تنفي عنه غبار الوهم، الذي شوه صورته النظرة (( بفعل فاعل )، ومن الدراسات المؤسسة للكتابة حول هذا الموضوع، كتب الأستاذ: علي مراد، من جامعة السور بون الجديدة، ((ابن باديس مفسر القرآن)) و((الحركة الإصلاحية الجزائرية))، أنظر:

Luc Willy Deheuvels, Islam et pensée contemporaine en Algérie éditions du CNRS PARIS 1994.

A. O. M. 8H 61. Aix -en- Provence -deux Tomes, Tome I-6 Brochures concernants (La vie politique, sociale, économique culturel de l’Algérie), Tome II les partis politiques et association des Oulémas.

أ/ محمد الأمين (بلغيث)، الصراع الفكري في الجزائر المستقلة، من خلال مجلة الأصالة، (1971 – 1981)، ملتقى مولود قاسم، الأوراس باتنة أفريل 1996 م ص: 3

مازن صالح ( مطبقاني )، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين و دورها في الحركة الوطنية الجزائرية 1931 – 1939 رسالة ماجستير جامعة الملك عبد العزيز، قسم التاريخ العربية السعودية 1985.

(8) – خير الدين التونسي ( 1822 – 1889 ) شخصية تونسية، تنتمي إلى النخبة العثمانية التي تبنت الإصلاحات الإدارية و السياسية و العسكرية على النمط الأوروبي و المعروف أن التجارب النهضوية والتنموية التي تبنتها النخبة السياسية في القرن 19 م في مصر: محمد علي باشا، وفي تونس عهد أحمد باي، قد فشلت، فشلا ذريعا، وهذا يعود إلى تقليد الغرب، و عدم فهم الأزمة الحقيقية التي هزت كيان الإنسان المسلم في عصرهم، وحول هذه الإشكالية راجع: أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، لخير الدين التونسي، تحقيق: منصف الشنوف، الدار التونسية للنشر، تونس 1972 ( مقدمة الناشر ).

ساطع ( الحصري)، الكتابة ا لسياسية عند خير الدين التونسي ( الأنتلجنسيا في المغرب العربي ) – مجموعة أعمال بإشراف د/ عبد القادر جغلول، دار الحداثة بيروت 1984 م ص.ص 85، 103، سمير (أمين)، الأمة العربية، موفم للنشر – الجزائر، 1990 ص 52 و ما بعدها.

(9) – فهمي ( جدعان ) أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث، الطبعة الثانية، المؤسسة العربية للدراسات و النشر بيروت 1981 م ص 387.

(10) – فادي ( إسماعيل)، الخطاب العربي المعاصر، ( قراءة في مفاهيم النهضة و التقدم و الحداثة ) (1978- 1987 )، المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن – سلسلة الرسائل الجامعية رقم 3 – أمريكا 1981 م ص 95.

(11)- أنظر Djilali (SARI),Le désastre démographique, SNED ALGER 1982

(12) – د/ أبو القاسم ( سعد الله )، الحركة الوطنية الجزائرية، ( 1830- 1900)، الجزء الأول، الطبعة الأولى، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1992 م ص 79.

محمد الطيب ( العلوي )، مظاهر المقاومة الجزائرية ( 1830- 1954 ) منشورات المتحف الوطني للمجاهد، الجزائر، ص 75 و ما بعدها.

(13) – محمد الخضر ( حسين )، الدعوة إلى الإصلاح، المطبعة السلفية القاهرة 1346 هـ ص 36

BARAKA and Bureaucracy , ( Algerian muslim judges and the colonial state

( 1854 – 1892) by Allan chrestelow P.H.D

(History) university of Michigan – 1977 (456 p) pp. 1 , 333, 334 , 340- 348

(14) – يمكن معرفة أوضاع التعليم و سياسية فرنسا التعليمية من خلال الوثائق الآتية:

A. O. M. 10 H 61. Aix – en – Provence.

Mémoire sur l’enseignement des indigènes en Algérie. (Rapport de 13 pages ,)

A. O. M 14 H 41 – Aix en Provence ( la formation des Algériens à l’université d,el Azhar, lettre du 2- 12- 1916. A. O .M 10h63 AIX en province (copie du rapport de m. de France ,ministre plénipotentiaire, chargé de l’Agence et consul général de France à M. Briand , président du conseil , ministre des affaires étrangères , le Caire 15 -09-1916.

– Bendrissou ( salah ) , Institut «  AL HAYAT «  1925 -1962 ( un exemple d’école réformiste Ibadite au M’zab , Point de repère sur le projet de mémoire de ( D. E. A ) PARIS ( 50 pages ).

د/ تركي رابح، الشيخ عبد الحميد بن باديس – فلسفته وجهوده في التربية و التعليم، الشركة الوطنية للنشر و التوزيع – الطبعة الثانية الجزائر.

د/ عبد الله ( حمادي )، الحركة الطلابية الجزائرية ( 1871 – 1962 )، مشارب ثقافية و إيديولوجية، الطبعة الثانية، منشورات المتحف الوطني للمجاهد الجزائر، 1995: ص 10 و ما بعدها.

د/ عمار ( هلال ) ا لتعليم ا لرسمي في الجزائر خلال العهد الاستعماري الفرنسي 1850 – 1962 ( أبحاث و دراسات في تاريخ الجزائر المعاصرة ( 1830 – 1962 )، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر 1995: ص.ص 104 – 146 ).

د/ أبو القاسم ( سعد الله )، الحركة الوطنية الجزائرية 1900 – 1930 – الجزء الثاني، دار الغرب الإسلامي بيروت، الطبعة الرابعة 1992 ص 62 و ما بعدها. محمد الأمين (بلغيث )، الطلبة الجزائريون بجامع الأزهر و عيون المخابرات الفرنسية بين الحربين من خلال وثائق جديدة ( مجلة الموافقات ) المعهد الوطني العالي لأصول الدين، العدد الرابع الجزائر جوان 1995. ص.ص ( 364 – 378).

Guy ( Pervillé ) , Les étudiants Algériens de l’université Française – 1880 – 1962 populisme et Nationalisme chez les étudiants et intellectuels musulmans Algériens de formation française préface de Charles Robert Ageron édition du ( C N R S ) PARIS 1984 p 75.

(15) – د/عبد الله حمادي، الحركة الطلابية الجزائرية، ص 10.

(16) – عمار أوزقان زعيم ا لحزب الشيوعي الجزائري في مرحلة حساسة من تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية، فضح أساليب فرنسا و عملاءها في كتابه: الجهاد الأفضل.

(17) – أنظر حول سياسة فرنسا التبشيرية بالجزائر الوثائق الآتية:

– Aperçu sur L’Islam Moderne , évolution de nos territoires sous mandat de levant et de nos possessions musulmanes de l’Afrique du Nord depuis 1939. ( Très secret ) , Etat Major Avril 1944.

– Aly El Hammamy, Idris ( Roman) préface en langue Arabe de l’émir Abdelkerim préface en langue Française DE M:CH. Bouamrane , SNED Alger 1976.

– Charnay ( Jean Paul ) , La vie musulmane en Algérie d’après la jurisprudence du la première moitié du XX siècle. P. U. F. PARIS 1991. PP. ( 207 – 251 ).

– Charny , ( J. P). sociologie religieuse de l’Islam , Hachette. PARIS 1994.

(18) – جلال ( العالم )، قادة الغرب يقولون: دمروا الإسلام، أبيدوا أهله: ص 33.

(19) – أبو الحسن ( الندوي )، ( بين الصورة و الحقيقة ) مقالة ضمن كتاب: إلى الإسلام من جديد، طبعة القاهرة – نقلا عن د/ عبد الحليم عويس، الحضارة الإسلامية بين أسباب الجمود و عوامل النهضة ( كتاب الأصالة )، محاضرات الملتقى الثالث عشر للفكر الإسلامي، تمنغست 07/06 شوال 1399 هـ / 30 أغسطس – 08 سبتمبر 1979 م – الجزء الثاني، منشورات وزارة الشؤون الدينية، الجزائر 1995 ص 264.

(20) – لقد عبر الشيخ عبد الحليم بن سماية يوم 25 جويلية 1911 م عن رفضه التام لقانون التجنيد الإجباري للجزائريين، و الذي كان قد طرح قبل هذا التاريخ ( أي عام 1907 ) ثم تطورت الظروف لغير صالح الجزائريين، فكانت النخبة الجزائرية المتفرنجة قد عبرت عن مساندتها للمبدأ ولكن معظم شرائح المجتمع قد عبرت عن مواقفها المختلفة بالتمرد أو الثورة أو الالتحاق بالجبال أو الهجرة إلى المغرب أو المشرق: راجع هلال، ثورة الأوراس ( أبحاث و دراسات ) المرجع السابق: ص179، عبد السلام ( بوشارب )، تبسة: معالم و مآثر، الطبعة الأولى، مطبوعات المتحف الوطني للمجاهد، الجزائر 1996 م ص 26، د/عبدالله حمادي ،الحركة الطلابية الجزائرية، ص 22 و ما بعدها.

(21) – من المصطلحات التاريخية الشائعة في العصر الاستعماري، في مجال البحث، نجد ما يعرف في التاريخ: ” الأشراف أو الشرفاء و المرابطين ” أو أصحاب العمائم، و هذه العائلات المرابطية انحرفت عن رسالتها التاريخية كنخبة في المجتمع الجزائري، وعملت في ركاب الاستعمار، ومن الشخصيات الثقافية التي كان لها المجال الواسع لمعالجة هذه الظاهرة بصورة مميزة، الشيخ صالح بن مهنا القسنطيني، أحد رواد الحركة الإصلاحية الجزائرية، حيث فند هذا الشرف المزيف الذي تدعيه كثير من الشخصيات و القبائل الجزائـرية، كما كان رائدا من رواد نقد المرابطين و انحرافهم العقدي و السلوكي، حيث أصبح هؤلاء منذ العقد الثاني، من القرن العشرين مطية للاستعمار، وساهموا بفعالية في تنويم و تثبيط روح التمرد عند الجزائريين – راجع: بن نبي: شروط النهضة: ص 26. د/ سعد الله، الحركة الوطنية الجزائرية: ( 1900 – 1930)، الجزء الثاني، ص 403، وما بعدها.

د/ هلال، ثورة الأوراس 1916: ص 171. د/ بو الصفصاف، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ص 199. أ / سليمان ( الصيد ) المحامي: صالح بن مهنا القسنطيني، الطبعة الأولى، دار البعث، قسنطينة الجزائر 1982.

(22) – يحمل شكيب ( أرسلان ) حملة قاسية على أدعياء الدين و على المنتسبين زورا إلى علماء المسلمين، وعلى فريق من المعممين لهم ” عمائم مكورة و طيالس محررة مجررة أو رقاب غليظة، و بطون عظيمة ” و لكنهم لا يحفظون حرمة الدين والوطن، بل اتخذوا الدين مصيدة للدنيا، وتزلفوا إلى أهل الجاه السياسي و الجاه المادي فهم ” باعة ضمائر، رواد سفاسف، وطلاب وظائف ” و شكيب أرسلان شخصية لعبت دورا في الحركة الوطنية و الإصلاحية لما له من علاقات متعددة مع زعامات جزائرية كبيرة، كتوفيق المدني والفضيل الورتلاني، والبشير الإبراهيمي ومصالي الحاج، بل يذهب الدكتور سعد الله أبعد من هذا، فيعتقد أن أرسلان أكبر من هذا، بل كان له الدور الفعال في تقريب وجهة نظر العلماء ، مع رجال الحركة الوطنية، ولهذا فشخصية أرسلان في حاجة إلى من ينفض عنها الغبار و يوضح هذه العلاقة القائمة مدعمة بالوثيقة و الدراسة الجادة: أنظر: د/ أحمد ( الشرباصي )، شكيب أرسلان داعية العروبة والإسلام، دار الجيل بيروت 1978، ص 191، د/ سعد الله، الأمير شكيب أرسلان و الجزائر ( مجلة عالم السياسة )، العدد الثالث الجزائر 1992 ص 66. أ / محمد الأمين ( بلغيث ) ـ الطلبة الجزائـريون بجامع الأزهر: ص 375 بوشارب، تبسة، ص25. أحمد توفيق ( المدني )، حياة كفاح ( مذكرات ) القسم الثاني – في الجزائر – 1925 – 1954 – الشركة الوطنية للنشر و التوزيع الجزائر 1977 م ص 232 و ما بعدها، شكيب (أرسلان ) لماذا تأخر المسلمون، و لماذا تقدم غيرهم ؟ مراجعة حسن تميم، منشورات مكتبة الحياة بيروت 1975 ص 75.

(23) – حول شرفاء وزان بالمغرب الأقصى و علاقاتهم بالطيبية في قسنطينة و الغرب الجزائري أنظر:

A. O. M. 30 H 11. Aix – en – Provence (au sujet de la subvention des Chorfa d’Ouzan. 6 pages – voir (( documents d’archives )) .

– Au sujet du Moqaddam des Taibia à Constantine Tanger – le: 07 janvier 1895 – G. G N ° 37 – cabinet – Affaires Indigènes voir notamment A – O M. 30H 9.

(24) – تنتمي عائلة ابن ناصر أو أولاد ناصر إلى العالم الصالح، سيدي ناجي ابن سيدي امبارك، و هذا الجد الأعلى للعائلة، شخصية فاضلة تعود خدورها و أصولها إلى موطنها الأول بتونس، وبعد ذلك اختار سيدي امبارك طريق الهجرة إلى تلمسان في نهاية القرن السادس عشر الميلادي، و اعترضت طريقه بعض قبائل الطوارق في رحلة، له إلى غرب إفريقيا، فعاد إلى الجنوب الشرقي الجزائري، عن طريق مدينة وراجلان، ونجا من الموت بأعجوبة، ثم مر بالوادي، ومنه إلى جنوب الأوراس، حيث معاقل أولاد نابـــــــــــــــــل (NABEUL ) ، وفتيسة، و استقر به المقام بمنطقة تقابل جبال تابردقة في عام 1011 هـ / 1602م، وهناك أسس مدينة ” خنقة سيدي ناجي ” كذكرى طيبة لجده سيدي ناجي، و بعد مرحلة تاريخية قرر أولاده و أحفاده محمد و الطيب بن أحمد بن امبارك و غيرهم الانضمام إلى الطريقة الناصرية و هذا في تمام القرن 17 م، وهي طريقة ا لولي الشهير أحمد بن يوسف الملياني و في كتب ا لتاريخ التي عدت إليها ترجع نسب أولاد ناصر بالخنقة إلى الخليفة الأموي عبد الرحمن ا لناصر (( ق 4 هـ ))، ونصوص أخرى، ترجع نسب هذه العائلة إلى الخليفة الراشدي ا لثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه و أرضاه. و أكبر أولاد ناصر، القائد سي محمد الأزهر بن ناصر المعروف بالقائد الأزهر حول حياته و تعامله، وتعامل أسلافه منذ عهد الدوق دومال – مع فرنسا و محاربتهم لخلفاء الأمير عبد القادر إلى غاية أفريل 1917 م، عصر ابن باديس أنظر:

Marthe , et Edmond Gouvain , Ketab A Ayane El Marharibe Imprimerie orientale Fontaine Frères Alger 1920 p. p ( 50 – 51 – 52 – 53 – 54 ).

(25) – يُنعت هؤلاء العملاء في الإصلاح الفرنسي ب ـ ” خدام فرنسا الأوفياء ”

” Loyaux serviteurs de la France «

أنظر:د: عبد الله حمادي، الحركة الطلابية الجزائرية: ص ص 30 – 31 – 32.

(26) – يقول فيه المؤرخان قوفان و مارث:

” Le kaid lazhar est un esprit cultivé , ami de la France , qu’il aime avec dévouement et (. . . ) il est une impeccable prolité apanage de la famille BEN NACER . .

Rapport du mois d’Avril 1917 (Taberdga et Khangat sidi Nadji) ( Aurés ) Avril 1917 document page 54.

(27) – صلاح الدين ( الجورشي )، ابن باديس ( تجربة في الإصلاح )، الطبعة الأولى دار الراية – تونس 1978 ص 5.

(28) – عبد الحميد ( بن باديس ) دعوة و بيان إلى عموم ا لشعب المسلم الجزائري الكريم، 5 جمادى الثانية 1356 ه، ( آثار الإمام عبد الحميد بن باديس ) الجزء السادس ) الطبعة الأولى، منشورات وزارة الشؤون الدينية الجزائر 1415 هـ / 1994 م ص 173.

(29) – لقد أدرك الإمام الرئيس عبد الحميد بن باديس دور العمل التربوي لإنقاذ الجزائري المسلم من تخلفه ، وانسلاخه من إنسانيته، بفعل العمل الاستعماري و الفعل الطرقي البائس و ضلال النخبة الفرنكفونية (رمز شجرة الزقوم )، فأعاد قراءة خطوات التغبير من خلال منهج الأنبياء و المرسلين، وعلى صراط مصابيح الهدى، انطلق الإمام باسم الله لرسم الطريق الطويل لإنقاذ الجزائر من ا لبؤس و التهميش، للمؤانسة أنظر: أبو جرة ( سلطاني )، خطوات في العمل الإسلامي كما رسمها ابن باديس، الطبعة الأولى دار البعث قسنطينة الجزائر 1982 م، أبو جرة ( سلطاني )، السلوك المثالي في منهج الحركة الإسلامية ( مجلة التضامن ) العدد الثاني، ا لسنة الأولى، الجزائر 1412 هـ 1992 م ص 64.

Mérad ( A) , Le réformisme musulman en Algérie de 1925 à 1940 , Paris , La Haye Mouton , 1967.

د/ أبو القاسم ( سعد الله )، الحركة الوطنية الجزائرية، 1930- 1945 – الجزء ا لثالث دار الغرب الإسلامي بيروت 1992 م ص 83 و ما بعدها، الأستاذ الكبير سيد قطب، كفاح مرير، البصائر العدد 214، السنة الخامسة مذكرات الشيخ محمد خير الدين الجزء الأول، مطبعة دحلب الجزائر 1985 ص.401. الجورشي، تجربة في الإصلاح، ص، Ali El HAMMAMI , ABDEL HAMID. Ben BADIS in ( Ali El HAMMAMI et la Montée du nationalisme Algérien ). par Amar Belkhodja éditions DAHLAB ALGER 1991 (( P 192 – 201 )).

(30) – د / عمار ( الطالبي )، مدخل إلى آثار ابن باديس ( ابن باديس حياته و آثاره ) الجزء الأول، الطبعة الأولى دار مكتبة الشركة الجزائرية، دار ا ليقظة العربية الجزائر، بيروت 1968 ص 79.

(31) – ابن باديس حياته و آثاره / 1/ 79. ( القرآن شفاء و رحمة 1/ 327 و ما بعدها ).

(32) – إن موضوع سياسة فرنسا التعليمية في الجزائر، من الموضوعات الجديرة بالبحث في خزائن ا لأرشيف الفرنسي، وعلى الرغم من المحاولات المتوفرة، فإنها لا تجيب على كل الأسئلة المطروحة حول أسلوب المسخ الحضاري الرهيب الذي قامت به أقلام و معاول الهدم الفرنسي منذ اليوم الأول الذي وطأت فيه أقدام مغول القرن ( فرنسا الاستدمارية ) بلاد الجزائر ا لمقدسة أرض الرباط و الشهادة كما وصفها المرحوم الداي شعبان للتوسع أنظر:

نور الدين ( غولي)، التعليم العربي في الجزائر ما بين 1830 – 1900 – مذكرة السنة التمهيدية للماجستير – إشراف د/ جمال قنان، معهد ا لتاريخ جامعة الجزائر 1985م و لنفس الباحث ( غولي ) سياسة فرنسا التعليمية في الجزائر 1870 – 1904 – مذكرة السنة الأولى ماجستير في التاريخ الحديث بإشراف د/ جمال قنان، معهد التاريخ الجزائر 1986م.

د / أبو القاسم ( سعد الله )، الحركة الوطنية الجزائرية 1830 – 1900 الجزء الأول: ص 89 و ما بعدها.

سعد الله، الاتجاهات الفكرية و الثقافية للحركة الوطنية ( أفكار جامحة )، ص ص 32، 33.

Henri Masset , les études Arabes en Algérie ( 1830 – 1930) Revue Africaine

N°= 356 – 357 Alger 1933.

Deheuvels , Islam et pensée contemporaine en Algérie , op. cit. P 37.

Djeghloul ( A) , M ‘hamed ben Rahal et la question de l’instruction des Algériens ( 1886 – 1925 , in huit études sur l’Algérie: P: 33 pervillé ( Guy ) , Les étudiants Algériens , P 25.

(33) – الجورشي، تجربة في ا لإصلاح، ص 7.

(34) – د/ محمود ( قاسم ) الإمام عبد الحميد بن باديس، الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية، دار المعارف مصر 1979م ص 23.

(35) – محمد البشير ( الإبراهيمي )، خلاصة تاريخ حياتي، ( مجلة الموافقات ) العدد الرابع ص 389 وما بعدها، سعد الله، مدارس الثقافة العربية، ص 95

(36) – د / قاسم، الإمام عبد الحميد بن باديس، ص 29

(37) – الإبراهيمي، حياتي: ص 389.

(38) – سئل الإمام ابن باديس يوما، لم لا تؤلف الكتب ا لعلمية و الأدبية و الاجتماعية ؟ فكان جوابه لهم جواب المؤمن الذي يرى بنور الله، ويستشرف المستقبل من خلال ممارسة الجهاد الأكبر، فأجاب: ” أنا الآن مشغول بتأليف الرجال ” راجع: محمد الطاهر ( فضلاء )، قال الشيخ الرئيس الإمام عبد الحميد بن باديس، الطبعة الأولى، دار البعث قسنطينة الجزائر 1968 ص 20، و حول نفس الفكرة يقول مالك بن نبي “. . . فمأساة الجزائر مثلا حتى سنة 1918 م لم تكن إلا رواية صامتة، أو أثرا من الآثار التاريخية، وضع في متحف، أي في صدور قوم صامتين يعلمون السر الخفي للمأساة، حتى أرقت ضمائرهم، و احتوته أيضا ملفات الحكومة ا لتي كانت تعلم من أمرها ما تعلم حتى ظهرت الفكرة الإصلاحية حوالي سنة 1925م، تحركت المشكلة الجزائرية، و قد أوتيت لسانا ينطق، وفكرة تنير لها الطريق “، مالك بن نبي: شروط النهضة، ص.ص 24، 25.

(39) – يقول الإبراهيمي: ” كان من نتائج الدراسات المتكررة للمجتمع الجزائري بيني و بين ابن باديس، منذ اجتماعنا في المدينة المنذورة: أن البلاء المنصب على هذا الشعب المسكين آت من جهتين متعاونتين عليه، وبعبارة أوضح: من استعمارين مشتركين يمتصان دمه، و يتعرقان لحمه، و يفسدان عليه دينه ودنياه، استعمار مادي، هو الاستعمار الفرنسي، يعتمد على الحديد و ا لنار، و استعمار روحاني يمثله مشايخ الطرق المؤثرة في الشعب، و المتغلغلون في جميع أوساطه، المتاجرون باسم الدين، المتعاونون مع الاستعمار عن رضي و طواعية (. . . ) و مظهرهما معا تجهيل الأمة لئلا تفيق بالعلم فتسعى إلى الانفلات، و تفقيرها لئلا تستعين بالمال على الثورة، انظر: الإبراهيمي: حياتي: ص 391.

AMAR BELKHODJA ( ALI EL HAMMAMI et la Montée du nationalisme ) P 219.

(40) – مالك بن نبي، في مهب المعركة ( إرهاصات الثورة ) مقدمة الشيخ محمود محمد شاكر، دار الفكر الجزائر، دار الفكر دمشق، الطبعة الأولى 1991. ص 14.

(41) – مالك بن نبي: في مهب المعركة: ص 85.

(42) – ا لأستاذ محمد النخلي القيرواني، من الأساتذة الكبار بالزيتونية الذين يجلهم الإمام عبد الحميد بن باديس، وقد حفظ له هذا المقام فقال فيه: ” و أذكر للثاني ( بعد حديثه عن أستاذه الأول حمدان لونيسي دفين المدينة المنورة ) كلمة لا تقل أثرها في ناحيتي العلمية عن أثر تلك الوصية في ناحيتي العلمية، و ذلك إني كنت متبرما بأساليب المفسرين و إدخالهم لتأويلاتهم الجدلية، واصطلاحاتهم المذهبية في كلام الله. . . فذاكرت يوما الشيخ النخلي، فيما أجده في نفسي من التبرم و القلق فقال لي: ” اجعل ذهنك مصفاة لهذه الأساليب المعقدة، وهذه ا لأقوال المختلفة، وهذه الآراء المضطربة، يسقط الساقط، ويبقى الصحيح وتستريح (. . . ) فو الله لقد فتح بهذه الكلمة القليلة عن ذهني آفاقا واسعة لا عهد لي بها ” انظر: ابن باديس حياته وآثاره : 1/ 78، محمد صالح ( الجابري ) النشاط ا لعلمي و الفكري للمهاجرين الجزائريين بتونس، الطبعة الأولى، الدار العربية للكتاب، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر 1981 ص75

(43) – مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي، ص57

(44) – حول الملابسات و الظروف التي نشأت فيها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين راجع: الإبراهيمي: حياتي: ص 389، المدني ( أحمد توفيق المدني )، المذكرات 2/172، محمد خير الدين، المذكرات 1/15، بو الصفصاف، جمعية العلماء، ص 99،

د/ سعد الله، الحركة الوطنية 1930 – 1940 -الجزء الثالث: ص 81 و ما بعدها.

د/ سعد الله، رأي في دور جمعية العلماء ( أفكار جامحة )، ص ص 47 / 54.

A. ,O. M 8. H 61. Aix-en- Provence ( Tome II ) Les Partis politique et l’association des Oulémas.

د/ أسعد ( السحمراني )، مالك بن نبي ” مفكرا إصلاحيا، الطبعة الأولى / دار النفائس بيروت، 1984 م ص: 58 و ما بعدها.

د/ قاسم، الإمام عبد الحميد بن باديس: ص22 و ما بعدها.

د/ عبد اللطيف ( عبادة )، سوسيولوجية الثورة و فلسفتها في الفكر الجزائري المعاصر ( مجلة المستقبل العربي) ،العدد 117 – مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 11/1988 م ص 5.

(46) – رابح تركي، الشيخ عبد الحميد بن باديس، ص ص 173 – 174.

(47) – لمعرفة مدارس جمعية العلماء و نواديها الكثيرة، و تاريخ صحافتها المباركة راجع:

د / تركي رابح الشيخ عبد الحميد بن باديس، ص 349 و ما بعدها، د/ الطالبي، ابن باديس حياته، وآثاره 1/ ص114

– الزبير سيف الإسلام، تاريخ الصحافة في الجزائر، الجزء السادس، ( الصحافة في الجزائر بين الحزبين ( 1920 – 1940 )، الطبعة ا لثانية، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1985، ص 110، MERAD (A) , Le réformisme musulman en Algérie P 138 ) Chrestelow ( Allan ) , culture and politics of Islamic réformisme in Algeria ( Middle East ). Vol 23 jul 1987 N ° = 255 – 273.

(48) – جمال الدين الأفغاني الحسيني، رائد الثورة الإسلامية الشاملة على استبداد حكام المسلمين و على الغرب الصليبي، توفي رحمه الله يوم 9 مارس 1897م، و في شهر مارس الماضي مرت الذكرى المئوية الأولى لوفاته ( 1897 – 1997م)، ومن الملفت للانتباه أن يجتمع أكثر من باحث و مفكر جزائري في التنويه بشخصية هذا الثائر الإسلامي الكبير الذي تعرض لحملات تشويه منكرة لدوره و مسيرته من أدعياء الإسلام أكبر مما تعرضت له أقلام خصومه الطبيعيين و خصوم القيادات الراشدة في العالم الإسلامي،

فأول من نبه إلى عظمة شخصية ا لأفغاني الكاتب الجزائري علي الحمامي ( 1902 – 1949م) فقال عنه مالك بن نبي ” فقد تحدت الكاتب الجزائري ( علي الحمامي المقيم في مصر ) – ( زمن تأليفه للكتاب ) عن السيد جمال الدين الأفغاني في كتاب له عن سيرته فقال: ” لسوف تذكر البلاد الإسلامية جميعا اسم جمال الدين كما تذكر بلاد اليونان اسم ( هوميروس ) بين الخالدين من أبنائها”.

ومن الجزائريين أيضا الذين نوهوا بدور جمال الدين في ا لحركة الإصلاحية الأستاذ مالك بن نبي في نصوص متناثرة تدل على وعي برسالة هذا العالم و المفكر الكبير، أما الشخصية الثالثة الذي نوهت بدور الأفغاني فهو المناضل و الكاتب محمد قنانش ( الظريف ا لتلمساني ) و أهم شخصية جزائرية، عرفت بجمال الدين في مرحلة الاستقلال، المرحوم مولود قاسم و الدكتور أبي القاسم سعد الله أنظر: مالك بن نبي، وجهة ا لعالم الإسلامي، ص 52.

محمد قنانش: المواقف السياسية بين الإصلاح و الوطنية ( في فجر النهضة الحديثة ) المكتبة الشعبية، الشركة الوطنية للنشر و التوزيع الجزائر، مولود قاسم، محاضرة حول السيد جمال الدين الأفغاني ( رمز كفاح أمة) جمع ونشر د/ أحمد بن نعمان، دار الأمة الجزائر 1993) ص ص 106، 117

د/ سعد الله / الاتجاهات الفكرية و الثقافية للحركة الوطنية، ص 33.

Aly El HAMMAMY. IDRIS ( ROMAN ) P 251.

مالك بن نبي، شروط النهضة: ص 26. دار السحمراني، مالك بن نبي: ص 114.

عبد الغني ( بوصنوبرة )، علي الحمامي ( 1902 – 1949 )، من أرشيف الحركة الوطنية الجزائرية ( جريدة الخبر الجزائرية ) يوم الاثنين 03 شوال 1417 هـ: ص 19.

د/ وجيه ( كوثراني )، رشيد رضا فقيه يبحث عن الدولة و ا لإصلاح في إطار الإسلام ( مجلة الباحث العربي ) بيروت 1981 م: ص 18 و ما بعدها.

(50) – مالك بن نبي، شروط النهضة: ص 114.

(51) – محمد السعيد ( الزاهري )، الإسلام في حاجة إلى دعاية و تبشير، الطبعة ا لثانية دار الكتب الجزائر ص 108.

(52) – عبد الحميد بن باديس، دعوة و بيان إلى عموم الشعب المسلم الكريم، ( البصائر) يوم 05 جمادى الثانية 1356 هـ، السنة الثانية العدد 72، 12 جمادى الثانية 1356 هـ – 20 أوت 1937 م ( آثار الإمام عبد الحميد بن باديس ) الجزء الخامس الطبعة الأولى منشورات وزارة الشؤون الدينية الجزائر 1412 هـ /1991 م ص 339.

(53) – محمد قنانش المواقف السياسية: ص 29.

(54) – نفسه: ص 30.

(55) – وقع اختلاف بين المؤرخين حول مصطلح المرابطين اختلافا كبيرا، لضبط المصطلح ضمن دائرة تاريخ الأفكار في المنظومة الثقافية للغرب الإسلامي راجع: محمد الأمين ( بلغيث )، الرُبُطُ بالمغرب الإسلامي و دورها في عصري المرابطين و الموحدين ( رسالة ماجستير في التاريخ الإسلامي ) رسالة مرقونة ( 440 صفحة )، وانظر حول المرابطين أصحاب الزوايا و بداية انحرافهم منذ عصر المازوني، ( أبو زكريا يحي المازوني )، الدرر المكنونة في نوازل مازونة، السفر الثاني مخطوط المكتبة الوطنية الجزائرية رقم: 1336 ورقة 132 /ظ

(56) – الإبراهيمي، سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الطبعة الثانية الجزائر 1982: ص 54. آثار ابن باديس 4/368 و ما بعدها.

بو الصفصاف: جمعية العلماء: ص 214.

(57) – بو الصفصاف: جمعية العلماء: ص 208.

(58) – عبد العزيز ( الثعالبي )، روح التحرر في القرآن، نقله من الفرنسية حمادي الساحلي راجعه ووضع حواشيه، محمد المختار السلامي، دار الغرب الإسلامي بيروت 1985م، ص.83.

(59)-محمد قنانش، المواقف السياسية: ص: 31.

(60) – أنظر: Lahouari ( ADDI ) , L’impasse du populisme , ( L’Algérie collectivité politique et Etat en construction ). E. N. A. L Alger 1990 P 35.

عبد الحميد بن باديس / ” بمخالطة المتمدنين، تترقى في المدنية، الشهاب العدد 16، 12 شعبان 1344 هـ / 25 فبراير 1926 م، ( آثار الإمام عبد الحميد بن باديس ) الجزء الخامس: ص 429 و ما بعدها، ( يقول علي الحمامي أن مشروع عبد الحميد بن باديس قد حقق ( الحركية الاجتماعية، والتاريخ الوطني الجزائر، والجوانب ا لتربوية أي تعليم الشعب راجع ) BEL KHODJA , ALI EL HAMMAMI P 215.

(61) – عبد الحميد بن باديس، حقوق الأمة الجزائرية التي تطلبها من الأمة الفرنسوية ( آثار الإمام عبد الحميد بن باديس ) الجزء الخامس، ص 311 و ما بعدها.

(62) – أبو عبد الله ( الكتاني )، نصيحة أهل الإسلام ( تحليل إسلامي علمي لعوامل سقوط الدولة الإسلامية و عوامل نهوضها ) تحقيق، إدريس الكتاني، مكتبة بدر الرباط 1989 ص 19 و ما بعدها.

(63) – د حمادي عبدالله، الحركة الطلابية الجزائرية: ص 14.

(64) – والدية ( صالح بن عمار ) ( 1879 – 1906م ) من رواد ا لنخبة المستنيرة التي فضحت أساليب الصليبية في المشرق و المغرب وهو بحق يمثل بداية ظهور النخبة الجزائرية المتعلمة الواعية بشخصيتها العربية الإسلامية، أنظر عن حياته و آثاره: د/ هلال، مساهمة الخالد صالح بن عمار في التعريف بالقضية الجزائرية مغاربيا عربيا و إسلاميا فيما بين سنتي ( 1903 – 1906 ) ( أبحاث و دراسات ): مصطفى ( حداد): خوالدية صالح بن عمر أو قضية الانتلجنسيا الجزائرية في بداية القرن الحالي ( محاضرة ) نشرت في دورية د/ عبد الجليل التميمي التونسي، العدد 61، 62 جويلية تونس 1991

Stora et Daoud , Ferhat Abbas. op. cit.: P 43.

(65) – امحمد ( بن رحال ) ( 1857 – 1928 ) شخصية مسكونة بهموم الجزائريين خلال المرحلة الاستعمارية البغيضة، اهتم اهتماما كبيرا بتمدرس الجزائريين وهو الذي اقترح ما يعرف ( بالمدرسة الكوخ l’école Gourbi)حتى تسعف الجزائريين في تعلمهم واستنارتهم و لكن سياسة فرنسا معروفة هي سياسة إبادة و تجهيل. انظر: Djeghloul (A). M’hamed Ben RAHAL et la question de l’instruction des Algériens ( 1886 – 1925 ) op. cit. pp. ( 33 – 74) Ageron (Charles Robert) si M’hamed BEN RAHAL ( 1856 – 1928 ) ou le destin d’un Algérien double culture ( conférence ). Stuttgart 1987.

عبد الرحمن ( الجيلالي )، تاريخ الجزائر العام، الجزء الرابع، الطبعة الرابعة دار ا لثقافة بيروت لبنان 1980 ص ص 463 – 466.

(66) – حول شخصية الأمير خالد: راجع: د/ مناصريه. الاتجاه الثوري: ص ص 45 – 69.

د/ سعد الله، مدارس الثقافة العربية: ص ص 90 – 91.

(67) – فرحات عباس شخصية فاعلة في تاريخ الجزائر الحديث، وقد مثل النخبة المراهنة على ثقافتها الفرنسية إلى أن غيرته رياح التجديد والثورة الجديدة التي عرفتها الجزائر بعد الحرب العالمية الثانية وقد رد ابن باديس ردا صريحا لدحض أطروحته الاندماجية، كما رد علي مواقفه من الشخصية التاريخية للأمة الجزائرية ويمكن اعتبار سنة 1943 م سنة ميلاد جديدة لشخصية فرحات عباس بعد ظهور حزب البيان و لمعرفة منحنيات هذه الشخصية الكبيرة راجع:

BENJAMIN ( STORA) – ZAKYA DAOUD, Ferhat Abbas op. cit.: p 23

Rédha ( MALEK ) , L’Algérie à EVIAN , éditions DAHLAB. Alger 1995.

pp. ( 285 – 287 ).

Abdelkerim ( MEZIANI ) , Le Président Fèrhat Abbas – et le manifeste du peuple Algérien ( Mémoire ) journal El Watan N° = 1897 du jeudi 13 février 1997. pp. 12 – 13.

للإشارة أن أحدث دراسة عالجت تطور شخصية فرحات عباس يمكن مراجعتها من خلال: د/ العربي الزبيري – الحركة الوطنية في مرحلة النضج (1942 – 1954 ). (( مجلة الرؤية )) المركز ا لوطني للدراسات و الأبحاث الجزائر 1994، العدد الأول ص ص 130 – 173.

BELKHODJA (A) ALI EL HAMMAMI p 113 et suite. d’après le discours de Férhat Abbas , secrétaire de l’U. D. M. A . p 113 – 117.

(68) – فضلاء، قال الشيخ الرئيس: ص 6 (الغلاف الداخلي ).

(69) – لقد نظر جيل ( النصر و التمكين ) بعد استقلال الجزائر إلى عبد الحميد بن باديس نظرة قاصرة شوهت المسيرة العظيمة ا لتي بدأها و عبدت للجزائر طريقا واضحا.

فحول الصورة المتباينة لجيل الاستقلال أنظر: حميد ( مزيان )، ذكرى عبد الحميد بن باديس (1889 – 1940)، الدروس التي لم تفهم ( جريدة الحرية) السنة الثانية، العدد 67 من 25 إلى 25 أفريل الجزائر 1996 ص 16، أ/ محمد الأمين بلغيث، الطلبة الجزائريون بجامع الأزهر، ص 374 الهامش رقم 10.

د/ الزبيري، الحركة الوطنية في مرحلة النضج، ص 130 و ما بعدها.

(70) – أنظر: Aperçu sur l’Islam Moderne , p 6

(71) – عبد الحميد بن باديس، هل آن أوان اليأس من فرنسا ( فضلاء – قال الشيخ الرئيس)، المرجع السابق: ص 153 آثار الإمام عبد الحميد بن باديس الجزء الخامس، ص 337 و ما بعدها.

(72) – أنظر: M. LACHREF , L’Algérie nation et société S N ED 1974. pp. 196 – 285. Stora – ZAKYA Daoud , FARHAT ABBAS , op. cit. p 37.

(73) – الزاهري، الإسلام في حاجة إلى دعاية و تبشير: ص 60 و ما بعدها.

(74) – عبد الحميد بن باديس، كتاب امرأتنا للشيخ الطاهر الحداد، 06 رجب 1349 هـ / ديسمبر 1930م ( ابن باديس حياته و آثاره ): 3/475.

و حول مسألة الحجاب و المؤامرة الاستعمارية راجع: د / عبادة، سوسيولوجية الثورة: ص 8 وما بعدها، الزاهري الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير: ص 62 .الشهيد أحمد رضا حوحو، غادة أم القرى، الطبعة الثانية تقديم أحمد منور، ومقدمة بقلم الأستاذ أحمد بوشناق المدني، المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر 1988 (راجع الإهداء ) و مقدمة بوشناق ).

(75) – مجدي عبد المجيد ( الصافوري )، سقوط الدولة العثمانية و أثره على الدعوة الإسلامية، الطبعة الأولى، دار الصحوة للنشر القاهرة 1990 ص 140 و ما بعدها.

أحمد ( الشقيري ) صفحات من القضية العربية، الطبعة الأولى، المؤسسة العربية للدراسات و النشر بيروت 1979 ص 81.

(76) – لقد انخدع أحمد شوقي، كما انخدع الشيخ رشيد رضا صاحب ” المنار ” بحكومة الاتحاد والترقي، وبعد أن كشف الواقع السياسي حقيقة هذه النخبة العلمانية المتفرنجة ا لتي كانت محاضن ا لغرب قد دفعت بها إلى الخلافة و دولة الإسلام لتقويض أركانها و هدم أسس المجتمع الإسلامي وقد تبرم ا لشيخ رشيد رضا بحكومة الاتحاد و ا لترقي، على حد تعبير ابن باديس و أيد عبد العزيز بن سعود في الحجاز فأما شوقي، فقد تعلق بكمال أتاتورك، ومدحه بقصيدته الشهيرة و مطلعها:

الله أكبركم في الفتح من عجب *** يا خالد الترك جدد خالد العرب

أنظر: الصافوري: سقوط الدولة العثمانية: ص 142 آثار ابن باديس 4/208.

محمد قربان نبازيلا: ا لسلطان عبد الحميد الثاني و أثره في نشر الدعوة الإسلامية مكتبة المنارة مكة المكرمة 1988 م (راجع الفصل الخاص بعلاقة السلطان (( بمدحت باشا و هرتزل )).

(77) – ابن باديس حياته و آثاره 4/213 – 217. آثار الإمام ( طبعة الشؤون الدينية ) الجزء السادس: ص 20.

(78) – الدكتور رضا نور، صديق حميم لمصطفى كمال، ومتعاون معه في كامل أعوام الكفاح و في كتابه ” حياتي و ذكرياتي ” يتحدث عن شخصية رفيقه أتاتورك بوضوح بعيدا عن التضخيم و العواطف و قد اعتمد هذا الكتاب الذي لم يلق الرواج الكامل – في دراسة الأستاذ عبد الله عبد الرحمن الموسوم بـ ” الرجل الصنم ” مؤسسة الرسالة الطبعة الرابعة بيروت 1982 م، كما أن كتاب ” الذئب الأغبر ” أمسترونغ، شهادة مهمة لمعرفة هذه الشخصية الخطيرة على أمته و دولته فهو رائد الدكتاتورية العسكرية الجديدة في العالم الإسلامي الحديث، راجع أيضا رشيد رضا، الخلافة، موفم للنشر الجزائر 1992 م ص 237 و ما بعدها.

(79) – الصافوري، سقوط الدولة العثمانية: ص 136.

(80) – الشيخ مصطفى صبري رحمه الله، شيخ الإسلام في أواخر الخلافة العثمانية أهانته حكومة الاتحاد والترقي، كما أهين في مصر و حكومتها الطرقية، و لم يجد الشيخ مساحة صغيرة في جرائد عصره لنشر أفكاره حول الفكر الإلحادي الوافد على ديار المسلمين، صاحب مؤلفات متقنة وهو من العلماء القلائل في عصره ألف في العقيدة و الفكر السياسي و أهم كتبه التي تعالج قضية الخلافة ” ا لنكير على منكري ا لنعمة، من الخلافة والأمة “، كما تظهر شخصية شيخ الإسلام مصطفى صبري في موسوعته الكبيرة: ” موقف العقل و العلم و العالم من رب العالمين و عباده المرسلين ” و قد نشر في طبعة أنيقة في أربعة أجزاء بدار ا لتراث عام 1981م، و أما ” النكير ” فقد قدم له الدكتور مصطفى حلمي في دراسة وافية ضمن عمله ” الأسرار الخفية وراء إلغاء الخلافة الإسلامية “، والعبارة المذكورة في النص هي جزء من تعبير شيخ ا لإسلام يقول: ” تساهل الإنجليز مع مصطفى كمال ليجعلوا منه بطلا في حين تشددوا مع الخليفة وحيد الدين حـتى أعجزوه، وذلك لتعظم الفتنة لكمال أتاتورك في أبصار المسلمين وبصائرهم ” ثم قال: ” و الرجل من لا تجد إنجلترا مثله ولو جدت في طلبه من حيث أنه يهدم ماديات الإسلام و أدبياته و لاسيما أدبياته في اليوم ما لا تهدمه إنجلترا في عام، فاستخلفته لنفسها و انسحبت من بلادنا، راجع: د/ علي حسون، تاريخ الدولة العثمانية، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة بيروت 1983 م ص 273، الصافوري، سقوط الدولة العثمانية، ص14.

(81) – د/ حسان علي ( حلاق )، موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية ( 1897 – 1909 م) الطبعة الثالثة الدار الجامعية، بيروت 1986، ص 282.

(82) – صارع الخليفة العثماني عبد الحميد الثاني ( 1842 – 1918 م) الغرب الصليبي و الصهيونية العالمية و أبناء تركيا المتفرنجين و نصارى الشام رأس الحربة الصليبية في الجسد الإسلامي المنهك بالطعنات المسمومة، فكان خلع السلطان مؤامرة دولية يهودية، شاركت الصحافة و المال اليهودي، والسلطان يدرك هذه المؤامرة و لكن أين المفر وقد طعن من أبنائه ورعيته العربية و التركية قبل اليهود.

و بذهاب هذا الرجل القوي، انتهى الدور الحاسم الذي قامت به الخلافة العثمانية في تاريخ المسلمين في العصر الحديث راجع: عبد السلام ياسين، الإسلام والقومية العلمانية، الطبعة الأولى، مطبعة فضالة المغرب 1989م ص 135، هاملتون جب، هارولد بوود ” المجتمع الإسلامي “، ترجمة أحمد عبد الرحيم مصطفى، دار المعارف بمصر 1971 م ص 41 و ما بعدها. نيازيلا، السلطان عبد الحميد ا لثاني وأثره في نشر الدعوة الإسلامية ( راجع الفصل الخاص بالكواكبي، الأفغاني و ا لقوميين العرب، نصارى الشام، للتوسع حول دور نصارى الشام كحملة للمشروع الغر بي راجع: أليكسي جورا فسكي، الإسلام و المسيحية ترجمة د/ خلف محمد الجراد، راجعه د/ محمود حمدي زقزوق، سلسلة ( عالم المعرفة ) رقم 215، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت (1417 هـ / 1996م ) ( انظر الفصل الخاص ) ( البحث عن وسائل القضاء على التشرذم الطائفي: المنورون المسيحيون. . . و ” أيديولوجية العروبة في ضوء إشكالية العلاقات ا لإسلامية المسيحية المتبادلة في الشرق الأدنى ” ص ص 198 – 226.

(84) – لوثر شخصية محورية في عصر السلطان عبد الحميد الثاني، كان سفيرا بالقسطنطينية، وهو الذي يزود وزارة الخارجية ا لبريطانية بأدق المعلومات عن أحوال الدولة العثمانية من خلال شبكة مهمة من العلاقات مع رجال الاتحاد و الترقي ورجال الصحافة ورؤساء الجمعيات و المحافل الماسونية انظر د/ حلاق، موقف الدولة العثمانية: ص 378 – ص 11 ص 3. أحمد الشقيري، رجال صنعوا وعد بلفور (صفحات من القضية العربية ) ص 75.

د/ فهمي الشناوي، المؤامرة على إسقاط الخلافة العثمانية ( سلسلة الرسالة الطبعة الثالثة بيروت 1986، الخطر اليهودي ( بروتوكولات حكماء صهيون ) ترجمة محمد خليفة التونسي تقديم عباس محمود العقاد، قصر الكتاب بالبليدة الجزائر ص 79.

– الهرولة: قصيدة للشاعر نزار قباني يتهكم فيها من سرعة هرولة زعماء العرب نحو إسرائيل لتطبيع

علاقاتهم مع العدو ا لتاريخي للأمة.

(89) – عبد الحميد بن باديس، الخلافة أم جماعة المسلمين ( ماي 1938 م ) ( ابن باديس حياته و آثاره ) 3/ 410 – 412.

(90) – انظر: شرح الأصول و قوام النظرية السياسية المعاصرة: في قمة عدلها و تجليها و للعجب العجاب أن في عصره، عصر الاستعمار الغربي البغيض، وعصر الشتات الإسلامي المنكر، يتمكن من هذا الفهم الصادق و يستنبط من خطبة أبي بكر الصديق جواهر النظام السياسي المثالي الصالح لأمة ا لإسلام لإعادة بناء مؤسساتنا ا لإسلامية.

راجع: – ابن باديس حياته وآثاره 3/410.

(91) – رغم المآخذ التي تظهر على كتاب ( الإسلام و أصول الحكم )، فإن صدوره قد أثار معركة فكرية كبيرة و لكنها أقبرت أطماع الملك فؤاد في منصب الخلافة، وهو نفس الدور الذي قام به عبد الحميد بن باديس مع الفارق الزمني و فهم المسائل المتعلقة بالنظام السياسي الإسلامي، فلما ثارت مسألة الخلافة من جديد في عهد فاروق كان لابن باديس موقفه الشخصي من أن الخلافة قد ذهبت و لن تعود و قد تحقق رأيه و موقفه إلى اليوم. بخصوص هذه المسائل راجع: الإسلام و أصول الحكم – دراسة و وثائق بقلم د/ محمد عمارة المؤسسة العربية للدراسات و النشر. بيروت 1972 ص 7، د/ يوسف مناصرية، الحزب الدستوري التونسي ( 1919 – 1934 ) دار الغرب الإسلامي بيروت 1988 م ص 216.

Le congre Islamique du Caire pour le KHALIFAT ( AFRIQUE Française ). 35eme année N ° = Mars 1925 PP. 133 – 135.

(92) – حول النظرة الكمالية للعرب و الإسلام انظر: إتيان ( كوبون )، صورة العرب والإسلام عند الأتراك، ( مجلة شؤون الأوسط ) العدد 31 – مركز الدراسات الاستراتيجية، بيروت 1994، ص ص

( 9 – 25 ) ، رشيد رضا، الخلافة، ص 163، 236.

(93) – وردت هذه العبارة في مراسلة خاصة بين الدكتور أبي القاسم سعد الله من مؤسسة آل البيت بالأردن إلى الأستاذ: محمد الهادي الحسني رئيس تحرير مجلة الموافقات بتاريخ 19 ديسمبر 1996 م يدعو فيها الأستاذ سعد الله إلى ترك الإمام ابن باديس وشأنه لأننا لا نقدر الرجل قدره و هذا طبعا حينما استكتبه ليشارك بمقال أو دراسة في الملف الرئيسي الخاص بالإمام الرسالي عبد الحميد بن باديس رحمه الله.

 

الوثائــق:

(1) – الوثيقة الأولى: هي خلاصة فتوى، مفادها أن فرنسا لما استولت على مدينة ( قورارة في الجنوب الغربي و إقليم توات استعانت بكبار مشايخ الإسلام في مكة، للنظر في جواز إقامة المسلمين المغلوبين على أمرهم تحت سلطة كافرة، و الموضوع قديم . **أنظر أيضا :محمد الأمين بلغيث، نماذج من سياسة فرنسا للتوغل في الجنوب الغربي الجزائري وبلاد السنغال،(محاضرة أُلقيت بالملتقى الوطني حول المقاومة الشعبية في الجنوب الجزائري: مدينة عين صالح : في 22 ديسمبر 1997م(أنظر فتوى قورارة).

(2) – الوثيقة الثانية: وثيقة نادرة تنشر لأول مرة و بلغة فرنسا تبرز الأسلوب و الطريقة ا لتي كانت فرنسا تجند بها ا لعملاء أو تحييدهم عن المعركة.

(3) – الوثيقة الثالثة: تدخل شرفاء وزان من الطريقة الطيبية بالمغرب الأقصى في تعيين المقدمين الجزائريين في الشمال القسنطيني ( السمندو – زيغود يوسف حاليا ).

(4) – الوثيقة الرابعة: تفشي ا لسحر و الشعوذة ا لتي تنكرها حتى بعض الطرق الصوفية في فاس و التي لها اليد الطويلة على أتباعها في الجزائر أيضا.

(5) – الوثيقة الخامسة: إعلان الخليفة العثماني محمد رشاد ( محمد الخامس ) الجهاد وهو طبعا الناطق الرسمي للاتحاد و ا لترقي وهو بذلك يكلف أحمد الشريف السنوسي بكل إفريقيا.

 

الوثائق والمراجع:

حول شرفاء وزان: ( ثم الوثائق 1 – 2 – 3 – 4 ) أنظر؛

A. O. M. 30.H 11 Les chorfas de ouzzane – Aix – en – Provence

حول الوثيقة الخامسة أنظر:

Jean-louis Triaud , La légende noire de la sanusiyya ( une confrérie musulmane saharienne sous le regard français (1840 -1930) volume II Institut de recherches et d’études sur le monde arabe et musulman , Aix -en-Provence (IREMAM) éditions de la maison des sciences de l’homme, PARIS FRANCE 1995. p: 973.

آخر التغريدات: