الأستاذ مالك بن نبي والصراع الفكري... حياة المكابدة وجهاد الغربة

الأستاذ مالك بن نبي والصراع الفكري… حياة المكابدة وجهاد الغربة

بقلم: عبد الهادي الشيخ صالح –

لا شك أن  الكثير منا ممن قرأ مذكرات حياة الأستاذ مالك بن نبي، لحظ مليا في سرد مختصر لمراحل حياته ومسيرته الفكرية، كيف كانت الغربة وحياة الهجرة صحبته وأنيسته في حله وترحاله، في سكونه وحركته، في فكره وسياق فعله… حاله حال الكثير من المفكرين في تاريخ البشرية، ممن كانت المكابدة منهجهم، والاجتهاد حقل جهادهم، والغربة قدرهم. حتى وإن لم يتتقبلهم أحد، حتى وإن لم يؤمن بفكرهم ولم يجنح لجناحهم أحد، إلا أنهم لم يأبو إلا التمسك برسالتهم، والمصابرة والاصطبار مع إخوانهم، عسى أن يفتح الله القلوب والعقول يوما… خلال حياتهم أو بعد مماتهم، متهمين أنفسم دوما بالعجز والتقصير. من بين هؤلاء الأفداد يصطف أستاذنا مالك، وإلى طينتهم ينتمي، وإلى سلالتهم ينتسب.

أولئك بحق هم الذين وإن كتب عليهم الموت في حياتهم إلا أنهم يحيون بلا شك في مماتهم.

هو أستاذ مفكر وبحق عالم لم يُعْرَف قدره حقّ المعرفة، ولم يولى فِكره كلّ الاهتمام في حقبته، ولكنه على كل جاهد وكابد مع كل ما تميزت به فترة حياته وسياق وعائه الحضاري من ظلم واستعمار واستبداد ولكنه مع ذلك كان بحق شاهدا على القرن.

كنت أتجول يوما في أروقة معرض للكتاب بالجزائر العاصمة، فلمحت عيني كتابا حول الصراع الفكري للأستاذ مالك بن نبي (الكتاب باللغة الفرنسية عنوانه Textes sur la lutte idéologiques- pour mieux comprendre la guerre invisible) والذي كان عبارة عن محاضرة ألقاها في السنة الأخيرة من حياته صيغت على شكل كتاب. تصفّحت الكتاب باهتمام واندهشت لما يحمل من أفكار وما يبطنه من أهميّة متعلّقة بما نعيش تفاصيله في حيانا اليوم من غزو فكري وهيمنة مَسّت الثّقافة والاقتصاد والسياسة- أو ما يسميه الاستاذ المسيري بالكوكلة والمكدلة والعلمنة للعالم، مقارنة بسياق استاذنا مالك وقد تكلم عن هذا وتحسّس خطره من قبلُ بسنوات، وكذا ما تميّز به من قوة في الطرح ومتانة في التعبير وانسجام بين الافكار، ما جعلني أدرك من خلاله بعدا آخر لغربة مالك بن نبي،  إذ هو اليوم وبعد استقلال الوطن ورغم كون الفرحة والبهجة مرتسمة بشرا وأملا في وجه كل جزائري، يُحذِّر الأستاذ من نوع آخر من الاستعمار والذي اعتبره مواصلة لنفس الفلسفة السابقة لكن بوسائل مختلفة، على شكل حرب شرسة ضروس لكنها خفية لا ترى، إعتبرها أشد فتكا وأشد ضررا من حرب الأسلحة. ما يجعلنا نتساءل: من كان يفهم مالك بن نبي في تلك الفترة؟ رغم كل ما كان يطرح من مفاهيم أساسيّة خطيرة منبعثة من عمق الأزمة ضاربة قاصمة ضمير لأمة وقلبها النابض، المفعم أملا وإخلاصا في تشييد وبناء وطن ومستقل مزدهر من جديد، بخلفية إسلامية ودماء ثورية.

في هذا السياق الصعب من التجارب القاسية والجرعات المريرة، نسج مالك بن نبي كتابه وطرح أفكاره بشأن الحرب الفكرية، بعد أن صاغ من تجاربه الخاصة قناعات خاصة، والتي لم تبلغ لديه في ذلك الوقت حتى درجة الشك في حقيقة كينونتها في الواقع بل كانت قناعة تزداد وضوحا يوما بعد يوم سنة بعد سنة، وهذا ما اشار إليه في الكتاب. ومن أجل ذلك وفي هذا السبيل حاولت صياغة هذا المقال بنية عرض مُقتضَب لبعض الأفكار ومقتطفات المنظومة التي صاغها الاستاذ مالك، عله يكون عرضًا مفتاحيا ومقدمة لكل طالب علم أو باحث لم يطلع بعد على الكتاب ولم يتعرف على طرح الأستاذ وأفكاره بخصوص هذا الموضوع، أن تتم مدارسته والبحث والحفر في أغواره تنقيبا بين بين السطور، بنية عمل تحاول استخلاص القواعد الكلية، وتمثلات الأفكار في واقعنا الحالي بعد كل هذه السنين، طبعا دون اختزالها في جانب أو تخصص واحد بل من مختلف جوانب الحياة المركبة، ومن مختلف التخصصات والخلفيات الفلسفية تحت ظل رؤية كونية توحيدية، مع الأخذ بعين الإعتبار السياق الزمني الذي عرضت فيه (أي سنوات السبعينيات). كما أود أن أعتذر مسبقا عن الاطالة في العرض نوعا ما.

يستهل الاستاذ مالك كمقدمة…

” … إنه من الواجب على كل جزائري، كل حسب تخصّصه، الفلاح في حقل حرثه، المثقف في مختبره أو مكتبه، الجندي في قطعة من أرض لحماية حمى الوطن، كلّ توجّب عليه الإسهام بما يمتلك من وسائل، ليس فقط لتحقيق آمال هذا الوطن، ولكن أيضا لحماية هذه الآمال والحفاظ عليها خالدة راسخة، كي لا يحيد عنها بأي تحريض كان أو أي حيلة كانت. وللأسف… فإن هنالك وسائل شيطانية بين أيادي مختصين، يستطيعون بها التلاعب بالأفراد، أو حتى بالجماعات في بعض الأحيان، من خلال تسخير أمور غير محسوسة. هي أسلحة خفية، أكثر خفية من الأشعة الغير مرئية: إنها الأفكار… ثم يضيف ” يتجلى الاستعمار الحديث أساسا فيما يلي: هو استعمار مرغم على التخلي عن التحكم بالأشخاص، ليتحكم أو يحاول السعي للتحكم بعالم الأفكار. لقد استحق هذا الأمر أن يولى اهتماما كبيرا من جهتنا –كمواطنين- منذ اليوم الأول من استقلالنا.”

يعرض الأستاذ صورة ذهنية حول الفلاح وحقله….

“تعتبر الفلاحة يقينا، من بين الأفعال التقليدية والأساسية بالنسبة للإنسان. فهي مرتبطة بشكل واضح بالشخص أي الفلاح، بوسيلته التقليدية –المحراث- وبعدد معين من الأفكار التي تمثل دوافعه العملية « motivations » أو سلوكيات ومناهج فعله « modalités opératoires».

لتعطيل هذا الفعل أن يَمثُل واقعيًّا في زمن الحرب، أمر بسيط جدا: إما أن نقتل الفلاح أو نكسر محراثه. يعتبر ذلك أبسط مخطط للاعتداء.

ولكن بالمقابل اذا اردنا نعطل نفس الفعل في زمن السلم –و نعني بهذا حينما يتوجب على سياسة الاستعمار الجديد مواصلة حرب الاستعمار بوسائل مختلفة- قد لا يكون من الذكاء قتل الفلاح أو كسر محراثه. ولكن من هنا أن نظن أن العمل الذي نقوم به من زراعة لأرضنا وبناء منازلنا وتشييد مستشفياتنا أو مصانعنا، أضحى بمنأى عن الاعتداءات –لكوننا نعيش في حالة سلم-  فذلك يعتبر استرسالا مبالغا فيه في أوهامنا الطفولية. بل يمكن أن نمنع الفلاح من حرثه أو على الأقل أن نمنع فعالية عمله بولوجنا بكل بساطة في عالم أفكاره.”

يشير الأستاذ إلى فكرتي الاستقلال والاسلام وما تمثلان بالنسبة للجزائريين…

“تاريخ الثورة الجزائرية مرتبط أساسا بفكرتين أساسيتين « idées-forces » اللاتي أثارتا حماس الشعب ودعمتا قوته لمدة سبع سنين. هما فكرتي « الاستقلال » و « الاسلام ».

كثيرون منا شاركوا بأنفسهم في ذلك الاندفاع الشعبي الذي لم يكن بالإمكان مقاومته، مواجهين بذلك القمع في طرقات مدننا أثناء الأيام التي لن تنسى من شهر ديسمبر 1960، بصرخات ”الجزائر مسلمة“ و”الجزائر مستقلة“. لكن ينبغي أن نكون متأكدين، أنه فيما يخص الاستعمار في ذلك اليوم ، فقد فتح بالمقابل عينه أكثر وأرهف سمع أذنه أكثر، وهذا لا ليسجل الوقائع بعناية في أرشيفه، ولا ليحفظ في ذاكرته كل ذكريات الشعب المتقرحة، ولكن لاستخلاص الدروس للأزمنة المقبلة”.

في الأخير…

“نريد أن نقول في الأخير -و هذا بمثابة خاتمة- أننا نعيش في الجزائر، مرحلة مهمة من الصراع الفكري، والذي قد تنفلت تقلباته الغير متوقعة في كثير من الأحيان عن السيطرة طالما أنها تجري في عالم-الأفكار الخاص بنا. كما أريد بالأخص أن أبين أن هذه الاعتداءات ليست مجرد حوادث وليدة الصدفة، إنما وقائع محددة بنية عمليّة، والتي تدرك جيدا هدفها و  تعرف كيف توفر له الوسائل بحسب الوقت و المجال الذي تنشط فيه. ومن هذا المنطلق، فإن نتائجها لن تصبح محسوسة بالنسبة لنا إلا إن ظهرت في عالم-الأشياء، بشكل معين هو من يجعلها مرئية بالعين المجردة”.

يسرد الاستاذ مالك الكثير من الوقائع والاحداث التي جرت معه خلال حياته في هذا السياق تبرز بشكل واضح جهاده ومكابدته…

بعد ان سرد وقائع عدة أشار إلى “… لم أفكر يوما في جعل الأحداث عامة من قبل. غير أنني لا أعتقد أن الصمت بخصوص بعض الأشياء يصب في مصلحة الشعوب المناضلة. أظن بالأحرى أن الصمت يخدم في أغلبية الحالات مصالح المستعمر، لأنه يسمح له بمواصلة تنفيذ مخططاته الشيطانية. أميل بالأحرى إلى القول المأثور “أن الامتثال للصمت هو مطابق للعادة و ليس للعقل”. إلا أنني وجدت نفسي منذ أسبوعين خاضعا لمحاولة اغتيال بوسائل علمية خاصة. من قام بهذه المحاولة خمن بأنها ستؤدي لأحدى هذه النتائج:

– إما أن أغادر العالم العربي ليصفو الأفق كي يسمح بمواصلة السياسة التي يريد الاستعمار تفعيلها اليوم في الجزائر.

– إما أن تكتمل هذه المحاولة الاجرامية في غضون عدة أيام بانهيار عصبي يستهدف صحتي. وسيتم بلوغ الهدف المنشود عندئذ، فيما يتعلق بالصراع الفكري وما ما يحدث في الجزائر، كذا بالنسبة للبلدان المستعمرة بصفة عامة.

آخر التغريدات: