باعث النهضة العربية الاسلامية في الجزائر

باعث النهضة العربية الاسلامية في الجزائر

بقلم : جهاد فاضل –

يحتل عبد الحميد بن باديس العالم والمجاهد الجزائري المعروف، مكانة كريمة في الوجدان الجزائري والعربي والإسلامي استنادا إلى سيرة مشرفة له في الدفاع عن عروبة الجزائر وهويتها الإسلامية بوجه الاستعمار الفرنسي الذي ربض على صدرها أكثر من مائة عام. ويزيد في القيمة التاريخية لابن باديس كونه، وهو المنحدر من أسرة أمازيغية، عروبي الهوى والميول مؤمنا بوحدة العرب في وقت كان الفكر العروبي غريب الدار في بلاد المغرب جميعها.

ومن يقرأ اليوم بعض ما تركه ابن باديس على هذا الصعيد، يذهل لعمق إيمانه بالوحدة العربية وبالفكر القومي العربي. كان هذا في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي والجزائر بلد محتل واقع في أسر استعمار استيطاني ينوي البقاء في الجزائر إلى الأبد.. أما من أين أتى هذا الفكر العروبي إلى ابن باديس، فإن الباحثين في سيرته الناصعة يرون أنه اقتبسه من حجه في العشرينيات إلى مكة المكرمة حيث التقى علماء ورجال دين ومثقفين حجازيين ومشارقة.. ومكة في تلك الفترة كما هو معروف كانت منطلق الثورة العربية الكبرى التي قامت بوجه الأتراك العثمانيين سعيا للتحرر وللوحدة العربية في آن.

ثم أننا أيضا، في تصفحنا لسيرة ابن باديس، نكشف رجل دين من طراز رفيع، وإصلاحيا ومجتهدا كبيرا له نظرات في غاية الأهمية في درس حضارة العصر الجاهلي انطلاقا من آيات القرآن الكريم التي تروي ما كان للجاهلية من مظاهر المدنية والعمران قبل الإسلام. فابن باديس، والحالة هذه نقطة مضيئة في التاريخ الجزائري والعربي والإسلامي، والحديث عنه اليوم بمثابة تحية لصفحة عطرة مشرفة للعلم وللوطنية في آن.

تذكرت كل ذلك وأنا أقرأ كتابا جديدا عن ابن باديس صدر قبل أيام عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت بقلم باحث مغربي هو عبدالعزيز فيلالي، عنوانه الإمام عبد الحميد بن باديس رائد الإصلاح والتحرير في الجزائر، يعيد فيه إلى الذاكرة السيرة الذاتية لواحد من أبرز رواد التحرير والإصلاح في الجزائر في النصف الأول من القرن العشرين، ويلخص الباحث ابن باديس بقوله إنه كان رجل دين ذا فكر إصلاحي تجديدي وصاحب مناهج جديدة للمقاومة والنهضة بالمجتمع ليس في حدود الجزائر وحسب، بل كان لاهتماماته النهضوية والسياسية بعد مغاربي وعروبي أيضا، فتفاعل مع قضايا الوطن العربي في مغربه ومشرقه ومع أحداثه السياسية والاجتماعية والثقافية، وتضامن مع قضاياه الكبرى وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

يشخص ابن باديس العصر الذي كان يمر به وتمر به بلاده الجزائر بقوله: «اجتمع في الجزائر كل أنواع الاستعمار: من استعمار اقتصادي وثقافي وسياسي، فقد وضعت فرنسا يدها على اقتصاديات البلاد كلها وحاصلاتها، وسنت لحمايتها القوانين الجائرة، وطبقتها كلما دعت مصلحتها إلى تطبيقها، وزادت فمكنت للغتها في البلاد فلا لغة إلا لغتها ولا ثقافة إلا ثقافتها، وحتى الدين امتدت إليه يدها، فبسطت نفوذها عليه لتستغله عند الحاجة، كما تستغل المناجم.. أما الإدارة وأجهزتها فكلها في قبضتها، وإذا وجد فيها جزائري ليكون من أعوانها، على إخوانه، وأي احتلال واستعمار أبشع من هذا الذي نعيشه في الجزائر!.

من خلال هذا النص يبدو ابن باديس مطلعا على ما تعانيه بلاده في ظل الاستعمار الفرنسي. هذه الظروف هي التي شحنت صدره وحركت همته وبعثت النخوة والحمية في نفسه ووجدانه، فصارت الحافز القوي الذي دفعه إلى تحمل مسؤولية الكفاح والنضال على عدة جبهات بوضع خطة عمل طويلة المدى للنهوض بالمجتمع على جميع المجالات. ترتكز خطة العمل هذه على عدة محاور منها إصلاح العقل وإصلاح العقيدة وإصلاح التربية واللسان العربي وتحرير الأرض والإنسان الجزائري من ربقة الاستعمار.

عمل ابن باديس على جمع شمل علماء الجزائر، فقرب بين وجهات نظرهم، وكان من رأيه أن العلماء لو اتحدوا على حقهم، كما اتحد غيرهم على بطالهم لسعدت الأمة ونجت من بلاء كبير. واستطاع أن يجمع إلى صفه ثلة من خيرة العلماء فاجتمع بهم سنة 1928 وقام بإملاء خطة عمل للنهوض بالجزائر وشعبها دينيا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا وتخليصها من الاستعمار الأجنبي الذي طال في البلاد وعبث باقتصادياتها وبالهوية الوطنية وبمقومات الشخصية الجزائرية المسلمة، وهي كالتالي: الشروع في إنشاء المدارس الحرة لتعليم اللغة العربية والتربية الإسلامية.

– الالتزام بإلقاء الدروس والوعظ في المساجد الحرة في أنحاء الوطن لعامة المسلمين لتبليغ الدعوة الإصلاحية لعامة الناس.

– الكتابة في الصحف والمجلات لتوعية طبقات المجتمع.

– إنشاء النوادي العربية للاجتماعات وإلقاء الخطب والمحاضرات.

– إنشاء الفرق الكشفية في جميع أرجاء البلاد.

– العمل على إذكاء روح النضال في أوساط الشعب لتحرير البلاد من العبودية والحكم الأجنبي لأن مبدأ الشيخ الإمام هو اتباع مسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي علم أصحابه أولا العقيدة والإسلام، ثم سلحهم بالسيف وأدوات القتال. وكلا السلاحين لا يغني أحدهما عن الآخر!.

إن القرآن والسنة النبوية بالنسبة لابن باديس، كفيلان بتحقيق هذه الغاية السياسية، فبدراستهما والتمعن فيهما، تمكن ابن باديس من اكتشاف منهج علمي، ونهضة حياة، وكتاب مدينة وعمران، استعان به في أعماله ومشاريعه، ووظفه في المجال الفكري والعقائدي.

عند ذلك اكتملت في ذهنه خطة للعمل التربوي الذي بدأ به، لأنه أساس تقدم الشعوب والأمم ونهضتها، ثم انتقل إلى إصلاح العقيدة التي شابتها بعض الشوائب والبدع، وإعادتها إلى مسارها الحقيقي، لمواجهة المشروع التغريبي الفرنسي الممنهج والمدمر للذات الجزائرية وهويتها ومقوماتها، لا سيما في معالجة القضية الوطنية التي تعاني الاحتلال والظلم الأجنبي، ولهذا قال: «تحرير العقول قبل تحرير الأبدان».

والإسلام، كما رأى يدعو إلى اكتساب العلم والمعرفة والتزود بهما وإعداد القوة والتسلح بها لأن المسلم القوي بنظره أحسن من المسلم الضعيف. يستطيع أن يدافع عن نفسه وعن مجتمعه وعن وطنه، فقد ترك المسلمون قبله، وفي عهده، الأخذ في أسباب القوة والعلم فسقطوا في يد الأقوى منهم، وتعرضوا للغزو والاستعباد وأصبحوا آلة لخدمة مصالح الاستعمار.

وعن حرية الاعتقاد والتفكير كان يقول: «لا تعتقد حتى تنتقد»أي لا تأخذ الأفكار والنظريات والعقائد حتى تدرسها وتمعن النظر فيها، وفي أهدافها ومقاصدها تدعيما لحرية الرأي والفكر والمبادئ.

وعن انتماء الجزائر وهويتها الوطنية والحضارية واللغوية والتاريخية، يقول: «إن كل محاولة تحمل الجزائريين على ترك جنسيتهم أو لغتهم أو دينهم أو تاريخهم أو شيء من مقوماتهم، محاولة فاشلة مقضي عليها بالخيبة والواقع دل على ذلك».

لذلك وضع شعارا له ولجمعية العلماء المسلمين الجزائريين: الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا» وأوضح انتماء أهل الجزائر في قصيدة شعرية مطلعها:

شعب الجزائر مسلم             وإلى العروبة ينتسب!

وبذلك قدم تفسيرا للهوية والعلاقة بين الإسلام كعقيدة وشريعة وبين العروبة، وهي رابطة اجتماعية وحضارية، وعن دعوة فرنسا إلى تجنيس النخبة الجزائرية والضغط عليها وإغرائها أحيانا للتخلي عن الأحوال الشخصية الإسلامية بدمجهم في المنظومة الفرنسية المسيحية. ثار ابن باديس ضد هذه الدعوة وعارضها. بل حاربها بكل شجاعة معتبرا أن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت»!.

وحول الوحدة الوطنية.. “نحن الأمة الجزائرية لنا جميع المقومات والمميزات لجنسيتنا القومية، وقد دلت تجارب الزمان والأحوال على أننا أشد الناس محافظة على هذه الجنسية القومية، وأننا ما زدنا على الزمان إلا قوة فيها، ومتشبثا بأهدابها، وأنه من المستحيل إضعافنا فيها، فضلا عن إدماجنا أو محونا”.

وكان يهتدي إلى أحسن الشعارات المؤثرة في المجتمع، التي تتضمن تعبيرا دقيقا في طبيعة المرحلة، فوضع الشعار الثاني على غلاف مجلته «الشهاب» في نهاية العشرينيات، الحق والعدل والمؤاخاة في إعطاء جميع الحقوق للذين قاموا بجميع الواجبات». وكان مدلول شعاره الاحتفاظ بالشخصية الوطنية ومقاومة المسخ والتذويب والتغريب، وبالتالي التمهيد للانفصال عن فرنسا. فهدفه منذ ذلك الحين كان هدفا استراتيجيا لتعزيز المقومات الوطنية والعمل على تدعيمها والحفاظ عليها.

وكان معاصرا في فكره وتعاليمه. فمما قاله: «كن عصريا في فكرك وفي عملك وفي تجارتك وفي صناعتك وفي فلاحتك، وفي تمدنك ورقيك، كن صادقا في معاملاتك بقولك وفعلك، كن ابن وقتك تسير مع العصر الذي أنت فيه بما يناسبه من أسباب الحياة وطرق المعاشرة والتعامل».
وعندما اجتمع ابن باديس بالعلماء المسلمين في مدينة قسنطينة سنة 1928 خطب فيهم خطابا توجيهيا حلل فيه وضع الجزائر ومما قاله لهم..

«والآن أيها العلماء، قد شاء الله أن يهيئكم ويدخركم لهذا الظرف لتتحملوا مسؤوليتكم بكل شجاعة وتضحية، وأن يومكم هذا لشبيه بذلك اليوم الذي وقف فيه البطل المجاهد طارق بن زياد خطيبا في جيش المجاهدين على ربوة جبل طارق بعد أن أحرق سفنهم التي حملتهم إلى الجهاد في الأندلس وقال قولته المشهورة: «أيها الناس أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو من أمامكم وليس لكم غير الموت أو النصر».

وأنا أقول لكم في هذا اليوم، لم يبق لنا إلا أحد الأمرين لا ثالث لهما: إما الموت أو الشهادة في سبيل الله، منتظرين النصر الذي وعد الله به عباده المؤمنين، أو الاستسلام ومد أيدينا إلى الأغلال، وإحناء رؤوسنا أمام الأعداء، فتكون النتيجة لا قدر الله أن يجري علينا ما جرى ببلاد الأندلس».. وقد قصد الشيخ الإمام بذلك التنصير بالقوة أو التهجير ومصادرة الأملاك، كما فعلت محاكم التفتيش في الدولة الإسبانية مع بقايا المسلمين في الأندلس خلال القرن السادس عشر، فنصرت من تبقى منهم قسرا وهجرت من لم يخضع منهم لذلك.

ومن هذا الخطاب السياسي التاريخي يتبين أن ابن باديس كان يملك العديد من المعطيات والحقائق بظاهرة الاستعمار ومخططاتها اللاإنسانية ضد الشعب الجزائري. فقد قام بإقصاء أبناء الوطن من أراضيهم وديارهم إلى أعالي الجبال وكهوفها وإلى أطراف الصحراء القاحلة حيث شظف العيش وقسوة الطبيعة، بينما كان المعمرون وأبناؤهم ينعمون مع أبنائهم وذويهم بمختلف جنسياتهم بخيرات البلاد وثرواتها وبالرفاهية ورغد العيش، في المدن والقرى والمناطق الزراعية في السهول الخصبة.

وكان يعي كل الوعي بما يحيط به من أحداث ومخططات الإدارة الفرنسية ومتابعتها عن كثب وهي أمور تدل على فكر سياسي ناضج، كما كان يؤمن بالعمل الجماعي القائم على التخطيط والتنظيم والبرمجة والدراسة.

وكثيرا ما قال لزملائه العلماء: «أكفوني الأمور الإدارية، أما الاستعمار فأنا أتكفل به وحدي».
لقد كان في الواقع العصب المحرك والقلب النابض للحركة الوطنية بشخصه ولسانه وقلمه وبتلاميذه حتى شبهه أحد الدارسين ببسمارك الجزائر خلال الثلاثينيات، فكان يدير لعبة الدين والإصلاح والنهضة والنضال السياسي كما يدير بسمارك العملية السياسية ولعبتها.

ويقول أحد الباحثين إنه لا وجود لشخصية في العصر الحديث أثرت تأثيرا كاملاً في المجتمع الجزائري كشخصية ابن باديس.. ويقول رفيقه في الجهاد والإصلاح الشيخ محمد البشير الإبراهيمي: «أخي ورفيقي في الجهاد الشيخ عبد الحميد بن باديس أعلم علماء الشمال الأفريقي- ولا أغالي- وباني النهضات العلمية والأدبية والاجتماعية والسياسية للجزائر».

ويرى المؤرخ الفرنسي أندريه جوليان أن ابن باديس أقوى شخصية إسلامية في عصره في المغرب العربي.

ويصفه عمار طالبي بالشخصية المعبرة عن أزمة المجتمع الإسلامي فلا تقارن إلا بشخصية جمال الدين الأفغاني في ثرائها وشمولها وتعبيرها عن جميع جوانب المشكلات الاجتماعية والأخلاقية والسياسية.

حطم ابن باديس أسطورة «الجزائر فرنسية» وواجه الإدارة الفرنسية وسياستها، وحاصر مشاريعها بصدق وفطرة وإخلاص لوطنه ودينه لأنه تشبع بآداب القرآن وأخلاقه ومبادئه حتى النخاع.
لقد حاصر مشاريع فرنسا بهدوء وبعزيمة قوية وصارمة في الوقت الذي كانت فيه الإدارة الفرنسية تظن أنها أحكمت الطوق على الشعب الجزائري ووضعته في أيديها. أدار نضاله ضد فرنسا بمهارة فائقة.

بدأ بمرحلة تهيئة النفوس والعقول، وتأجيج المشاعر بالبرامج الدراسية وبالدروس المسجدية والتعليم وتوعية الأهالي. ثم انتقل إلى مرحلة المواجهة بعد أن وضع قاعدة صلبة من التوعية الوطنية وتهيئة النفوس ضد الأجنبي الدخيل، والدارس للإصلاح في الجزائر يجد ابن باديس مدرسة من تراكم الأفكار والمبادئ والبرامج والعلاقات لأن تأثيره ومنهجه انتشرا على من حوله من رجال الإصلاح حتى بعد وفاته إذ ترك مدرسة باديسية أثرت في بقية أقطار الشمال الأفريقي.

ومجمل القول إن الله بعث إلى الشعب الجزائري عالما عظيما عمل على توعيته وتعليمه واحياء دينه ولغته والدفاع عنه وعن مقوماته الوطنية والحضارية من كيد الاستعمار ومخططاته. كان ابن باديس رجل تلك المرحلة، هيأته العناية الإلهية لأن يكون سلفيا مجددا متفتحا ومفكرا عقلانيا متطورا وعالما قديرا ومعلما وعالما وداعيا نهضويا ومصلحا وخطيبا وكاتبا ومقاوما وسياسيا ثوريا أصلح ورمم في مدة ربع قرن ما أفسده عقل الاستعمار وخططه وآلته في الجزائر خلال مئة وعشر سنوات، أي حتى وفاة ابن باديس سنة 1940.

آخر التغريدات: