الفكر السياسي عند عبد الحميد بن باديس بين الإنصاف… والإجحاف… والاحتراف

بقلم: د. عبد الرزاق قسوم –

سما بالجزائر من درك حضيضها الاستعماري، ومن هوة سقوطها في الجهل ، والتخلف الفكري، فبوأها أعلى الدرجات بين الأمم ، وجعل لها مكانا زكيا في تاريخ الشعوب المجاهدة ، وبعثها من مرقدها ، فإذا هي في ركب الحياة ناهضة ،  تعمل لإعلان كلمة الله وإحياء كلمة الوطن .
لقد وهب نفسه ، وعلمه للجزائر ، فصار هو الجزائر كما قال عنه رفيق دربه في الجهاد الوطني (1) .

إنه عبد الحميد ابن باديس ، هذا العالم الرباني الذي بعثه الله على رأس القرن العشرين ، ليجدد للجزائر أمر دينها، ويخط بمنهجه طريقة إحياء دنياها …

عصامي، ذو شخصية طافحة بالإيمان الخالص ، تفيض بحب الله والجزائر ، فشلت أمامها كل المعايير النفسية والاجتماعية في تحديد مقومات جوانب عظمتها ، لأنها خرجت إلى لحياة على الفطرة، معدة للخير مستعدة للجهاد … حتى إذا لامست شعور الشعب الجزائري ، ونفخت فيه من روحها، أصبح ناهضا متوثبا ، عاقدا عزمه على الحياة .

وإن تعجب فعجب ، من رجل معمم ، لا يعرف غير الزي الجزائري لباسا ، ولا يبغي عنه بديلا ، كثيف اللحية ، يمشي في وقار ، زاهد في كل ملذات الحياة التي تربى عليها ، وترف العيش الذي نشأ بين أحضانه ، ولكنه يحمل بين جنبيه ، روحا ثورية ، تلتهب حماسا ، وتنبض إيمانا ، وتتقد وطنية، وتسيل رقة وحنانا للمستضعفين .

استهان بكل ما حوله ، ومن حوله ، فجعل لمنهجه شعارا دقيقا وعميقا هو : الحق فوق كل أحد ، والوطن قبل كل شيء ، وبذلك الشعار لم يحن الجبين إلا لله ، فعزف عن كل مآثر الجاه ، ومغريات المناصب ، ونذر نفسه في صومعة العلم بالجامع الأخضر بقسنطينة ، يقضي بياض يومه في تعليم الشباب، وسواد ليله في تعليم الكبار بالوعظ والإرشاد .

كان ابن باديس كما قال عن نفسه مشغولا بتأليف الرجال عن تأليف الكتب ، وأنى لرجل مخلص يؤرقه الاستعمار بظلمه، والشعب الجزائري بطموحه المشروع ، أنى له أن يشغله تأليف الكتب عن إحياء شعبه  وتخليص وطنه ، فأخذ العهد على نفسه أن يعمل على إخراج وطنه من نفق الظلم ، ومأزق التشويه والمسخ ، فحقق الله ذلك على يديه ، متعاونا مع ثلة من العلماء العاملين المخلصين تحت راية جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، التي لولاها لكانت جزائرنا، مثل جزائر ” الواق واق ” .

إن هذا الرجل الذي كان أمة ، والذي ارتبط اسمه بتاريخ الجزائر العربية المسلمة المجاهدة ، هو الذي تغرينا سيرته القدوة بالدراسة والبحث … ولئن تبارى الدارسون ، والباحثون من قبلنا في محاولة تبيان معالم شخصيته ، و إبراز مختلف ميادين عَمَلِهِ ، كالجانب العلمي ، والجانب التربوي ، والجانب الاجتماعي ، والجانب السياسي،فإن الأحكام الصادرة في حق بعض الجوانب ما تزال – من جهة نظرنا – في حاجة إلى مزيد من التحقيق ، والتدقيق ، لذلك نعتقد ، أن جانبا هاما من هذه الجوانب على الخصوص ، ما يزال في حاجة أكثر إلى تعميق ، و إحاطة و أن الأحكام الصادرة بحقه ، تتوزع بين الإنصاف ، والإجحاف ، والاحتراف ، وهو ما جعلنا نسهم ولو بكيفية متواضعة ، في محاولة الإثراء هذه  علنا نكشف عن بعض جوانب الإجحاف في حق منهج نعمل على أن يتسم بالموضوعية ، والنزاهة العلمية بعيدا عن كل تعصب أو انفعال أو ذاتية .

إن الفكر السياسي عند ابن باديس ، هو الجامع المشترك الأعظم ، الذي تفضي إليه كل المجالات الأخرى في عمله … ومن هنا فإن معالجته ، لا تكاد تنفصل عن باقي الميادين وهو ما يدفعنا إلى تخصيص هذه الدراسة في مجلة علمية من أبرز خصائصها التحلي بالموضوعية العلمية .

1-تعريف الفكر السياسي عند ابن باديس :

لعل من مميزات الفكر السياسي عند عبد الحميد بن باديس اتصافه بمجموعة من التعاريف ، تتفادى القوالب الجاهزة المتعارف عليها لدى فلاسفة الفكر السياسي في الشرق والغرب على حد سواء ، فإذا كان الفكر السياسي عند معظم الباحثين ، يتجه به أصحابه إلى استنباط نظريات سياسية ، تقدم لمحك التطبيق قصد التأكد من مدى صلاحيتها لذلك ، وخاصة في مجتمعات استكملت هياكل بنائها السياسي، لتكون هذه النظريات تتويجا لها ، فإن الفكر السياسي عند عالمنا ، تختلف مكونات عناصره ؛ بفعل عوامل المكان ، والزمان ، والإنسان . ذلك أن المصدر الرئيسي لتكوين الفكر السياسي عند ابن باديس ، يبقى هو الجزائر بخصاها ، وخصوصياتها .

ففي جزائر تعاني من احتلال الأرض ، ومحاولات تضييع الفرض ، يصبح البحث عن فكر سياسي لها ، ذا دلالة خاصة … لذلك جاء الفكر السياسي كما صوره ابن باديس ، يعتمد على دعامتين اثنين ، أولاهما الدعامة الإسلامية ، التي منها يستوحي المكونات،كمفهوم السلطة وما يتبعها من مفاهيم الشورى ، والعدل والسيادة والوطنية ، ضمن المنظور الإسلامي .

أما الدعامة الثانية فهي الدعامة المحلية ، ونعني بها الدعامة الجزائرية وفقا لمتطلبات إحيائها ، وتلخيصها من الأخطبوط الاستعماري الذي فاء بكلكله عليها .

من هنا فلا عجب أن نجد أن ابن باديس يبحث له عن متكأ – غير سياسي – يعتمد عليه وهو الدين    [ كما يفهمه الاستعمار ] يوظف الإسلام لتمرير الخطاب السياسي المنشود ، وذلك حتى يبقى وفيا  – كعالم دين ، وكرئيس لجمعية العلماء – للقوانين التي بموجبها سمح له بالعمل التنظيمي العام وهو قانون الجمعيات الصادر عام 1905 م .

كما أن ابن باديس يغرف من ينبوع الدين الإسلامي ليصوغ معالم فكره السياسي ، ويستوحي منه مقومه الأساسي لبناء المجتمع الإسلامي الصالح ، وهو في هذا المنحى لا يجيد عن موقف العلماء المسلمين عموما في اعتماده على الكتاب والسنة للتدليل على شرعية ، وطريقة بناء المجتمع الإسلامي الأفضل ، والآيات كثيرة في ذلك وهي التي استند إليها العلماء ومنهم ابن باديس ، ومنها قوله تعالى : { والله يعلم أعمالكم ، و لنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ، والصابرين ونبلو  أخباركم }(2) فالعالم العامل بالقرآن ، هو الذي يضع مثل هذه الآية نبراسا أمامه ، في أي عمل يقوم به ، لإصلاح المجتمع ، ما دام هذا العمل سيعرض على الله ، بعد أن يخضع لامتحان عسير به يتميز المجاهد ، والصابر ، من غيرهما  وذلك{يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ، وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون}(3) .

ومن الآيات في هذا السياق أيضا قوله تعالى:{ ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع ، وبيع ، وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره،إن الله لقوي عزيز } (44) هذه الآيات وغيرها كثير ، تضاف إلى أحاديث كثيرة مثل ” من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ” وقوله عليه السلام : ” لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ” … الخ .

وهي كما نلاحظ تحث العلماء على الخصوص ، بضرورة العمل من أجل إصلاح المجتمع ، و إقامة هياكله على أسس إسلامية .

إن هذا الإطار الإسلامي القانوني، هو الذي وظفه ابن باديس ليجدد في ضوئه العمل الفردي، والجماعي للوطن الجزائري المسلم .

ولقد أخضع شيخنا هذا الواقع الجزائري للتحليل والتأمل ، فتكون لديه – في ذلك – عاملان رئيسيان هما عامل التحدي ممثلا في الاحتلال بكل ما يحتويه من ظلم ، وتجهيل ، وتكفير ، وتفقير ، وتكبيل للحريات  وعامل الاستجابة ممثلا في طريقة الرد على ذلك التحدي الخطير الذي يتطلب أن تكون الاستجابة قوية من حيث جماعية عملها ، وحسن تنظيم صفوفها ، وتحديث وسائل مقاومتها ، ولقد أمكن بفضل ذلك ، استلهام منهج باديسي خاص يتميز بالشمولية أولا ، من حيث الإحاطة بسبل معالجة مختلف مظاهر المحنة الجزائرية ، وبالمرحلية من حيث تحديد الأهداف ، وطريقة التنظيم المجتمعي ، ووضع البنى السياسية الداخلية ، وإيجاد الأطر التنظيمية السليمة ، للتصدي للعمل السياسي الخارجي .

فمن حيث الشمولية ، نلاحظ أن أعراض المحنة الجزائرية ، تتخذ مظاهر شتى ، بعضها نجده في الشتات التنظيمي للأحزاب ، والجمعيات والزوايا ، فكان التصدي لذلك على صعيدين الصعيد الخلقي ، وهو محاربة كل ما يفسد على الناس عقولهم ، أو يضيع أموالهم ، كالخمر ، والميسر ، والبطالة ، والفجور ، وعلى الصعيد العقلي كل ما يضعف العقل الفردي والجماعي ، كالجهل ، والجمود ، والدجل ، والخرافة ، وكل أنواع التضليل باسم الدين أو باسم السياسة ، حتى يكون الجزائريون محترمين من أنفسهم  ومن غيرهم ، يفيدون ، ويستفيدون ، ويعرفون كيف يسوسون وكيف يساسون .

كما أن مظاهر الأزمة الجزائرية تجلت أيضا في فئات حيوية من المجتمع الجزائري ومنها على الخصوص فئة الشباب ، وفئة المرأة ، وكل عمل سياسي بناء ، لا يأخذ بعين الاعتبار هاتين الفئتين ، لاحظ له في النجاح .

لقد وعى ابن باديس إذن – كطبيب روحي واجتماعي – أسباب الداء في المجتمع ، فعمد إلى تشخيص الأمراض ، ووصف الأدوية فكان فكره السياسي ، فكرا واقعيا ، يأخذ بعين الاعتبار عامل الشباب ، ليقوم بصياغة عقله في بوتقة الدين والوطنية ، حتى إذا أعاد بناء هيكله ، جاء بناء صلبا ، لا عوج فيه ، ولا أمتا .

ماذا فعل ابن باديس بالشباب إذن ؟ لقد شخص داءه عندما أعلن : ” ولقد كان هذا العبد يشاهد قبل عقد من السنين هذا القطر قريبا من الفناء ، ليست له مدارس تعلمه ، وليس له رجال يدافعون عنه ، ويموتون عليه … وكان أبناؤه – يومئذ – لا يذهبون إلا للمدارس الأجنبية التي لا تعطيهم – غالبا – من العلم إلا ذلك الفتات الذي يملأ أدمغتهم بالسفاسف حتى إذا خرجوا منها خرجوا جاهلين دينهم ، ولغتهم ، وقوميتهم وقد ينكرونها ” .

إن خطورة التحدي ، قد قابلتها خطورة الاستجابة الباديسية ، فكان التركيز على الشباب في نطاق تكوينه السياسي بمختلف الوسائل ، التعليم ، الإعلام ، الرياضة ، الكشافة ، بل وحتى الموسيقى ، ليكون التوازن في شخصية الشاب الجزائري .

لا غرو إذن أن يخصص الشيخ عبد الحميد بن باديس افتتاحية مجلة الشهاب (5) للشباب ، ومما جاء فيها : ” أعلن الشهاب من أول يومه ، و المنتقد – الشهيد – قبله أنه كان لسان الشباب الناهض في القطر الجزائري الذي أوحى إليه بكل الاهتمام والعناية آنذاك ” .

ولم كل هذا التركيز على الشباب لأن الواقع السياسي كان مأساويا بحق ولم يكن يومذاك من شباب إلا شباب أنساه التعليم الاستعماري لغته ، وتاريخه ، ومجده ، وقبح له دينه وقومه ، وقطع له من كل شيء إلا منه أمله ، وحقره في نفسه تحقيرا . وإلا شباب جاهل أكلته الحانات ، والمقاهي ، والشوارع .

من هنا جاءت صرخة ابن باديس في الشباب :

يا نشء أنت رجاؤنا          وبك الصباح قداقترب

خذ للحياة سلاحها          وخض الخطوب ولا تهـب

ولكي يأخذ الشباب سلاحه الحاسم للحياة الجزائرية أنشأ له باديس ، الفرقة الرياضية ، والجمعية الكشفية ، والفرقة الموسيقية ، وذلك حتى يكون شباب الجزائر المعد للحياة متكامل البناء ، قوي الشخصية ماديا و أدبيا .

إنها فلسفة سياسية علمية ، هذه التي صاغ ابن باديس مكوناتها ، ووضع مهمة تنفيذها على الشباب من العلميين والرياضيين ، والكشفيين ، في محاولة لجمع كل فئات الشباب تحت راية الفكر السياسي ، الجزائري الانتماء ، العربي الثقافة ، الإسلامي الروح .

ولم يكتف ” ابن باديس ” في إعداده لهذا الشباب ، بهذه العوامل التنظيمية ، بل إنه كان يتجاوزها إلى ما هو أخطر كما حكى بعض تلامذته ؛ فقد كان يستجوب الشباب الوافد إليه عن شيء هام ، وهو ما إذا كان قد أدى الخدمة العسكرية عند فرنسا أم لا ؟ فإذا وجد من أداها ، يوصيه بشيء واحد : ” إياك أن تضيع ما تعلمته من استعمال السلاح فسيأتي يوم تحتاج الجزائر فيه إليك ” ، وكذلك أجاب عن سؤال أحد تلامذته ذات يوم : ” كيف يكون خلاصنا من فرنسا يا سيدي ؟ ” فأجابه رحمه الله : ” من هناك يكون الخلاص وأشار بيده إلى الجبال ” .

لقد صدقت فراسة الشيخ المؤمن الذي كان يري بنور الله ، وتحققت معالم فكره السياسي [ فمن جبالنا طلع صوت الأحرار ينادينا للاستقلال ] .

وما فعله ابن باديس بالنسبة للشباب فعل ما يشبهه بالنسبة للمرأة ، إذ اعتنى بتعليمها ، وتنظيمها ، وتوعيتها ، إيمانا منه بأن أي فكر سياسي سليم ، لن يؤتي ثمرته الطيبة ما لم تشارك المرأة في صنعه ، وبذلك أقام الشيخ بناء المجتمع الجزائري على دعامتين أساسيتين هما الشباب ، والمرأة ؛ الشباب المتعلم ، والمرأة الواعية .

أ‌. التنظيم السياسي الداخلي: شعار المقاومة والتنظيم هو ما يمكن اعتباره الخاصية الرئيسية للفكر السياسي عند ابن باديس ، ولقد تجلت المقاومة في كشف المضللين باسم الدين ، والمرتزقة باسم السياسة فالمرتزقة باسم السياسة ، هم – في نظر الشيخ باديس – هؤلاء النواب المحليون ، والأعيان ، وكبار المتوظفين بهذه البلاد الذين يدعون التكلم باسم الأمة الجزائرية المسلمة فيقولون بأن هذه الأمة الجزائرية مجمعة على اعتبار نفسها أمة فرنسية بحتة لا وطن لها إلا الوطن الفرنسي ، ولا غاية لها إلا الاندماج الفعلي التام في فرنسا ، ولا أمل لها في تحقيق هذه الرغبة إلا بأن تمد فرنسا يدها بكل سرعة ، تتلقى جميع ما يحول دون تحقيق هذا الاندماج التام (7) .

ومضى الشيخ باديس في تحليله لواقع الفكر السياسي في الجزائر فيضيف : ” بل لقد قال أحد النواب التائهين أنه فتش عن القومية الجزائرية في بطون التاريخ فلم يجد لها من أثر ، وفتش عنها في الحالة الحاضرة فلم يعثر لها على خبر ، وأخيرا أشرقت عليه أنوار التجلي فإذا به يصيح فرنسا هي أنا ” (8) .

ويعلق الشيخ باديس على هذا الانحراف السياسي لدى بعض المحسوبين على الجزائر فيقول: ” حقا إن كل شيء يرتقي في هذا العالم ويتطور ، حتى التصوف ،  فبالأمس كان يقول أحد المتصوفة :

فتشت عليك يا الله          فوجدت روحي أنا الله

واليوم يقول المتصوف في السياسة :

فتشت عليك يا فرنسا       فوجدت روحي أنا فرنسا

فمن ذا الذي يستطيع – بعد اليوم – أن ينكر قدرة الجزائري العصري على التصور والاختراع ؟ ” (9) .

ثم يخلع الشيخ باديس لباس السخرية والتهكم من المضللين باسم الدين و باسم السياسة من متصوفة الدين  ومتصوفة السياسة ، ليقول : ” لا يا سادة نحن نتكلم باسم قسم عظيم من الأمة بل ندعى أننا نتكلم باسم أغلبية الأمة ، فنقول لكم ولكل من يريد أن يسمعنا ولكل من يجب عليه أن يسمعنا … إنكم من هذه الناحية لا تمثلوننا ، ولا تتكلمون باسمنا ، ولا تعبرون عن شعورنا وإحساسنا ” إن الهوة سحيقة وعميقة إذن بين فكر ابن باديس السياسي ، وفكر النواب ، والأعيان ، والمتوظفين ، ومن وصفهم ” بمتصوفة الدين ، ومتصوفة السياسة ” فإذا كان هؤلاء يقيمون فكرهم السياسي على اعتبار الجزائر أمة فرنسية … و أن لا وجود للقومية الجزائرية في بطون التاريخ ، فإن الفكر السياسي الباديسي يقوم على تهافت هذه الأطروحة التي لا تستند إلى أي دليل تاريخي ، لأن الواقع يرفضها ” إننا نحن فتشنا في صحف التاريخ ، وفتشنا في الحالة الحاضرة فوجدنا الأمة الجزائرية المسلمة ، متكونة موجودة كما تكونت ووجدت كل أمم الدنيا ، ولهذه الأمة تاريخها الحافل بجلائل الأعمال ، ولها وحدتها الدينية واللغوية ، ولها ثقافتها الخاصة ، وعوائدها وأخلاقها … وبكلمة فصيحة ، صريحة : إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا ، ولا يمكن أن تكون فرنسا ولا نريد أن تصير فرنسا ، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت (10) .

لم يقتصر الفكر السياسي الباديسي على التصدي لمتصوفة السياسة بكلمة صريحة كالتي أوردنا ، بل كانت له مواقف جريئة مع تنظيمات كل من متصوفة الدين ، ومتصوفة السياسة ، ممثلة في الجمعيات ، والزوايا ، والأحزاب .

وسر المعركة التي خاضها الشيخ عبد الحميد ضد هذه التنظيمات يكمن في تفشي ظاهرة البدع ، والخرافات وتقديس القباب والأضرحة ، مما يعتبر انحرافا في دور هذه الزوايا الإسلامي الجهادي ، التي عرفت بمقاومتها للاحتلال ، ورفعها لراية الجهاد خلال القرن التاسع عشر الميلادي ، ” فمعظم الثورات التي اندلعت في مختلف أنحاء الوطن كانت تقوم دائما بوحي شيوخ الزوايا ، بدءا بثورة الأمير عبد القادر الجزائري الذي كان واحدا من زعماء الطريقة القادرية ، ومرورا بثورة الشيخ بوعمامة والشيخ المقراني ، ولالا فاطمة نسومر ، والشيخ الحداد وغيرهم ، وكلهم ينتمون إلى زوايا صوفية معينة .

انطلاقا من هذا التقدير لدور الزوايا التاريخي ، عزّ على الشيخ باديس أن يرى بعض هذه المؤسسات الدينية المقدسة ، تسقط في دور العمالة للاستعمار ” وهكذا تحولت الزوايا الجزائرية إلى خدمة الاستعمار من جهة ، والاحتفاظ بامتيازاتها الاجتماعية من جهة أخرى ، ولم تعد لها غاية إلا الحفاظ على نفوذها ، وشهرتها ، والاهتمام بجيوش الفقراء المنتشرين في المساجد والزوايا ، وبإصلاح حالهم ” (11) .

لذلك وجدنا الشيخ باديس يؤكد على أسباب محاربة حركته للطرقية فيقول : ” حاربنا الطرقية لما عرفنا فيها – علم الله – من بلاء من الداخل ومن الخارج ، فعملنا على كشفها وهدمها مهما تحملنا في ذلك من صعاب وقد بلغنا غايتنا والحمد لله ، وقد عزمنا على أن نترك أمرها للأمة هي التي تتولى القضاء عليها … ثم يدنا لمن كان على بقية من نسبته إليها لنعمل معا في ميادين الحياة ، على شريطة واحدة وهي : أن لا يكونوا آلة مسخّرة في يد نواح اعتادت تسخيرهم ” (12) .

إن الفيصل بين المنهج السياسي الإصلاحي الباديسي ، والمنهج الطرقي ، هو الاستقلالية عن الاستعمار والسمو عن العمالة للعدو المحتال ، حتى يكون اللقاء المشترك على الصعيد الجامع وهو صعيد العمل الوطني من أجل الخلاص .

ب- التنظيم السياسي الخارجي : إن المحلل للفكر السياسي الباديسي ، يجده يؤكد على دعامتين هامتين هنا أيضا هما : تلاحم الجبهة الداخلية وفق مبادئ الوطنية والإصلاح العقائدي والديني ، كما جسدته جمعية العلماء ، بالقضاء على عوامل التخلف ، والجهل ، والجمود ، والتضليل باسم الدين ، والعمالة للأجنبيين ، بتوحيد كافة الفئات الاجتماعية ، من شباب ونساء ، وعمال … الخ ، ثم إبراز ذلك كله في شكل تنظيم سياسي خارجي يحسن تقديم وجه الجزائر ، عاكسا تاريخها العريق، ومشخصا داءها العميق ، ومترجما طموحها الدقيق .

وكان لابد لتحقيق هذه الأهداف من العناية بعاملين رئيسيين هما: الإعلام ، والتنظيم السياسي للأحزاب .

1- الإعلام الباديسي : ما ابرع ابن باديس حين اهتدى في تدعيم فكره السياسي إلى وسيلة الإعلام ، فالإعلام الباديسي ، على ضعف إمكانياته المادية ، كان سلاحا فعالا ، لعب دورا أساسيا في بلورة مطالب جمعية العلماء ، وفي بث الوعي الوطني لدى مختلف فئات الشعب ، وفي إيصال صوت المعذبين إلى العالم ، عما يعانونه من بطش الاستعمار ومن محاولات المسخ للشخصية، والطمس للهوية، والتنزيف للمطالب الشرعية.

ولقد أبلى الإعلام الباديسي البلاء الحسن في الصمود أمام شتى المكائد التي كان ينسجها العدو بالتعاون مع بعض السذج أو العملاء من بني جلدتنا، بالتعطيل تارة، أو التنكيل تارة أخرى، ولكن كلما عطلت صحيفة، قانت أختها بتعويضها… فكان {المنتقد والشهاب والشريعة والسنة النبوية والصراط السوي والبصائر أخيرا}(13)، وكلها دخلت التاريخ كمنابر لإيصال الصوت الباطني المكبوت.

فلا غرو إذن أن تجد أن مقاومة ابن باديس السياسية تتجلى في مواقف مختلفة /كان يبرزها قلمه/ فقد كان ينتقد، ويعلق على معظم الخطب السياسية التي تصدر عن الحكام العامين، أو عن رؤساء الحكومات أو رؤساء الجمهورية أو النواب، ويرد عليها سلبا أو إيجابا (14).   
ولعل اللافت للنظر في فكر ابن باديس السياسي، هو المبالغة في الحذر والحيطة فيما يكتبه العالم المصلح، وذلك حفاظا على الهيئة التي أسلمت له قيادة أمورها، وحفظا على المشروع الوطني الكبير المؤتمن عليه من وأده في المهد، لذلك تتخذ كتاباته في بعض الأحيان نوعا من الازدواجية في الموقف، من شأنه أن يربك الدارس في الحكم، ولعل هذا ما أدى ببعض الباحثين، ولا سيما السياسيين منهم إلى اتهام ابن باديس للاتجاه الاندماجي، أو على الأقل المسالم لفرنسا.

ولقد كان ابن باديس صريحا في تحديده لمهام الإعلام الإصلاحي الذي يشرف عليه، لذلك نجده في إحدى كتاباته الاحتجاجية الموجهة إلى الحكومة الفرنسية ضد تكرار تعطيل صحفه التي تكفلت بتبليغ خطاب الإصلاح والوطنية في الجزائر يشرح للحكومة الفرنسية مبادئ هذا الإعلام وأهدافه، ومقاصده، فيبين أن مشروعه يقوم على المبادئ التالية:

1- المبادئ الديمقراطية التي تنادي بها فرنسا، وتتشدق بالدفاع عنها، والتي تكفل حرية الصحافة.
2- المساواة في التمتع بالحقوق المكفولة للفرنسيين وضرورة استفادة الجزائريين منها، ما داموا يمثلون مستعمرة فرنسية.

3- اعتبار ابن باديس نفسه مدافعا عن حقوق الجزائريين بحكم المسؤولية التي وضعها الله على عاتقه كعالم، رسالته قيادة الأمة لما فيه الخير. هذا من جهة، ومن جهة أخرى وقوفه في وجه المستوطنين الفرنسيين، وحماية المبادئ الفرنسية نفسها من السلوك المشين لهؤلاء المستوطنين.

4- رفض أية وصاية للأحزاب الفرنسية، و الإدارة الاستعمارية في الجزائر، على الإعلام في استلهامه مبادئه من مصالح شعبه فقط (15).

وأيا كانت أساليب التقية التي نسجلها لابن باديس في هذه المواقف، فإن الموقع الذي كانت فيه الحركة الجزائرية آنا ذاك و غطرسة الإدارة الفرنسية المستعمرة، و دوسها على كل مبادئ فرنسا نفسها، يجعل الباحث للفكر السياسي عند الشيخ، يتفهم الظروف التي أملت مثل هذه المرونة.
لكن قراءة ما بين السطور في الكتابات الباديسية، تكشف دون عناء المغزى العميق الكامل خلف هذه السطور، في التنفيس عن روح ثورة متأججة هدفها البعيد  تحقيق الخلاص، و التحرير من الاستعمار الفرنسي.

و لئن وجد من الدارسين من يغيب على الشيخ عبد الحميد أنه لم يدرج مطلب “الاستقلال الوطني” ضمن مشروعه السياسي، فإن مثل هذا الحكم، سرعان ما يتهافت، إذا عرض على محك الواقع السياسي آنا ذاك.

فابن باديس قد أعلن منذ يوم خروجه للعمل الوطني، التزامه من مجموعة من الأطر “القانونية” السائدة ومنها:

1- أنه ليس زعيم حزب سياسي هدفه خوض الانتخابات، و تعبئة الجماهير للعمل السياسي، فذلك له نظام آخر خاص، و تحكمه معطيات أخرى، تتكفل بها أحزاب ذات توجه سياسي محض.
2- إن تأسيس جمعية العلماء يخضع لقانون الجمعيات غير السياسية التي يحكمها قانون 1905، و الذي تبعدها أحكام عن أي عمل سياسي.

3- أن طبيعة الموقع الذي يتسم به ابن باديس و صحبه جعلهم يتخذون إستراتيجية سياسية غير معلنة، وهي التكفل بالإحياء الديني و الإصلاح العقدي، وتوعية الإنسان الجزائري بانتمائه العربي الإسلامي، ضمن الشخصية الوطنية التي هي ليست فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا و لو أرادت.

ولنا أن ندرك أبعاد هذا الاختيار في تحقيقه، وما يقود إليه من نزعة استقلالية في الدين و السياسة معا.

من هنا كان “التمرد” على القوانين المعلنة من جانب الشيء ابن باديس في السلوك السياسي في جميع الكتابات، و الخطب، و الأعمال التنظيمية المنجزة.

ولقد كان الاستعمار الفرنسي أذكى من هؤلاء المجحفين في الحكم على الفكر الباديسي السياسي، و الفضل ما شهدت به الأعداء كما يقولون.

قد تفطن الاستعمار للأبعاد الخطيرة التي يحتويها عمل جمعية العلماء، بالرغم من كل المسوح السلمية التي كانت تبدو بها، فتصدى لإعلامها بالتعطيل، و لمدارسها بالغلق و التنكيل، و لرجالها بالسجن و النفي و التشريد… فهل كان الاستعمار غبيا –إلى هذا الحد- عندما صبّ جام غضبه على العلماء، و اعتبرهم أعدى أعدائه في الجزائر؟ وهل من قبيل الصدفة أن يقول أحد الكتاب الفرنسيين وهو إيميل فليكس غوتيه (EMIL FELIX GAUTHIER) يوم موت عبد الحميد بن باديس: “الآن خلصت الجزائر لفرنسا”.

ألم تكن في الجزائر آنذاك أحزاب سياسية و زعماء يرفعون شعار الوطنية، و المطالبة بالاستقلال؟ لماذا لم يحسب لهم حساب بعد موت ابن باديس؟ إن التاريخ وحده هو الكفيل بالإجابة عن مثل هذا التساؤل.

2-التنظيم السياسي للأحزاب: أعلن رئيس جمعية العلماء من أول بدء تأسيسها، أن موقف الجمعية من الأحزاب الجزائرية، موقف يقوم على التعاون لتحقيق الهدف المشترك، ولكنه تعاون لا يخضع للولاء أو الانتماء “فليس للجمعية إذن من نسبة إلا إلى الإسلام، و بالإسلام وحده تبقى سائرة في طريق سعادة الجزائر، و البلوغ بها –إن شاء الله- إلى أعلى درجات الكمال، فنحن نعترف بالجميل لكل من يؤيدنا”.

و مهما حاول ابن باديس حجب الوجه السياسي لحركته إلا أن التحديات و الظروف الاستعمارية القاهرة، قد اضطرته إلى خوضها تحت عناوين مختلفة، وأهمها: ((التشكيلة السياسية المستقلة)) وإن هذا العمل السياسي هو الذي أملى على الحركة الباديسية، “القيام بعمل جماعي مع مختلف التيارات السياسية التنفيذية التي تشمل العناصر الاشتراكية، و الشيوعية ومع الحزب الوطني”(16).

وتعتبر الفترة الممتدة ما بين 1935-1940، من أخصب مراحل العمل السياسي الباديسي في مقاومته للاستعمار الفرنسي، فقد تميزت هذه الفترة ببروز مقومات فكر سياسي ثوري استقلالي، وحتى ما كان يعبر عنه بالرمزية، و الإشارة، و الكناية أصبح جليا في كتابات الشيخ، مثل: الوطن، و الوطنية، والقومية، والحرية، و الاستقلال، والوحدة المغربية، والعلم، والسياسية، كما تعتبر المرحلة التي غير فيها ابن باديس لهجته تجاه الاستعمار:(17).

ما أبعد البون بين ما كان يهابه ابن باديس في بداية الثلاثينات من المطالبة بالاستقلال علنا، وبين جعله الآن حقا مشروعا للجزائريين شأنهم في ذلك شأن كل شعوب العالم.
ففي مقاله المنشور تعقيبا على كلمته الصريحة جوابا عن خصومه الموالين للسلطة الفرنسية يقول: “لكن خصومنا أرادوا أن يفهموا من كلامنا أننا نريد الاستقلال، ورأوا أنهم يحرجوننا إذا وضعوا البحث على بساط الاستقلال، حتى إذا زلّ بنا القدم فوق هذا البساط الأملس، استنزلوا علينا نقمة الحكومة، و طلبوا أن نعامل معاملة الثائرين المهيجين، وأن نذهب ضحية قوانين روني وما سبقها” (18).

يتصدى الشيخ لهذه الأطروحة المغالطة، بصراحة كاملة، و يعلنها صرخة مدوية في وجوه هؤلاء الكائدين فيقول: “لكن خابت آمالهم، فنحن قوم لا نتأخر في الخوض في مثل هذه الميادين، وأنهم لا يزعجوننا إن جرونا للبحث في مسألة الاستقلال” (19) .

كيف ذلك ؟ هنا يكشف ابن باديس عن فكره السياسي الاستقلالي الواضح ، ويعلن دونما مواربة : ” إن الاستقلال حق طبيعي لكل أمّة من أمم الدنيا ، وقد استقلت أمم كانت دوننا في القوة والعلم ، والمنعة والحضارة ، ولسنا من الذين يدّعون علم الغيب مع الله ، ويقولون إن حالة الجزائر الحاضرة ستدوم إلى الأبد ” (20) .

ويمضي الشيخ في إفحامه لتجار الاستقلال ، والمزايدين على الحركة الإصلاحية الوطنية فيقول : ” وليس من العسير ، بل إنه من الممكن أن يأتي يوم تبلغ فيه الجزائر درجة عالية من الرقي المادي والأدبي ، وتتغير فيه السياسة الاستعمارية عامة والفرنسية خاصة ، وتسلك فرنسا مع الجزائر مسلك انجلترا مع استراليا ، وكندا ، واتحاد جنوب إفريقيا ، وتصبح الجزائر مستقلة استقلالا واسعا ، تعتمد عليها فرنسا اعتماد الحر على الحر ” (21) .

ويعتمد زعيم الحركة الوطنية الإصلاحية إلى الجهر بموقفه من الاستقلال ، وإن كان يلقى فيه بورد – كذر للرماد في العيون – نحو فرنسا ، ولكنه يصبح قائلا : ” هذا هو الاستقلال الذي نتصوره ، لا الاستقلال الذي يتصوره خصومنا المجرمون ، استقلال النار والدماء … وهذا هو الاستقلال الذي نستطيع أن نحرر عليه مع الوقت بإعانة فرنسا وإرادتها ، وأننا لا نخشاه ، ولا نخشى البحث فيه ” (22) .

إن هذه اللغة هي التي تصاممت فرنسا عن سماعها ، والتي عناها شاعر كمفدي زكرياء حين قال:

لم يكن يصغى لنا لما نطقنا     فاتخـذنا رنة البارود وزنا

وعرفنا نغمة الرشــاش لحنا     وعقدناالعزم أن تحيالجزائر

هكذا تتجلى مواقف باديس في فكره السياسي، وهو بذلك يدحض حجج المجحفين الغامطين لحقوقه التاريخية، ولعل هؤلاء هم الذين عناهم عندما تحداهم بقوله: “وبعد، فإننا اخترنا الخطة الدينية على غيرها عن علم و بصيرة، و تمسكا بما هو مناسب لنظريتنا… وما كنا لنجد هذا كله، إلا فيما تفرغنا له من خدمة العلم و الدين، وفي خدمتنا أعظم خدمة وأنفعها للإنسانية عامة… ولو أردنا أن ندخل الميدان السياسي لدخلناه جهرا، ولضربنا فيه المثل بما عرف عنا من ثباتنا و تضحيتنا، ولقدنا الأمة كلها للمطالبة بحقوقها ولكان أسهل شيء علينا أن نسير بها على ما نرسمه لها، وأن نبلغ من نفوسنا إلى أقصى غايات التأثير عليها، فإن مما نعلمه، ولا يخفى على غيرنا أن القائد الذي يقول للأمة: (إنك مظلومة في حقوقك و إني أريد إيصالك إليها) يجد منها مما لا يجده من يقول لها (إنك ضالة عن أصول دينك وإنني أريد هدايتك)”.

لقد ارتقى الشيخ عبد الحميد المركب الأصعب وهو مركب الإصلاح الديني، لأنه يتصل بترويض العقول، وتطهير القلوب، وتدريب الجوارح، وهي أصعب الأمور بالنسبة للإنسان. ومن هنا يصح القول بأن كل عالم عامل، نذر نفسه لخدمة وطنه وأمته هو سياسي استقلالي بالقوة و الفعل، ومن هنا يأتي الفرق بين السياسة كما يتصورها و يطبقها العالم، و السياسة كما يتصورها، و يمارسها المحترف للحزبية.

وفي هذا الإطار ينبغي إدراج اقتحام الشيخ باديس للسياسة، بقبوله المشاركة في المؤتمر الإسلامي الجزائري… ولقد كانت هذه المشاركة محل نقاش حاد وطويل… فالمنصفون الذين درسوا الواقع الجزائري بكل إيجابياته و سلبياته، وجدوا فيما أقدم عليه الشيخ عبد الحميد من المشاركة، سياسة إستراتيجية بالغة الأهمية، لأنها محاولة لتوحيد صف الهيئات السياسية الجزائرية على قاعدة المطالب الوطنية المشروعة، التي تسلم بذاتية الجزائر على أساس من الأصالة العربية و الإسلامية، ومن الاعتراف بالاستعمال للغة العربية، وفصل المساجد عن فرنسا بأوقافها، واستقلالية القضاء بإسناده إلى هيئة علمية إسلامية، الخ، وإن في هذا –لو تحقق-لاعترفنا بنوع من الاستقلال الذاتي للجزائر، في نطاق المرحلية التي قلنا بأنها من خصوصيات الفكر السياسي عند ابن باديس.

أما المجحفون و المرجفون من الباحثين، قد وجدوا في مشاركة باديس في المؤتمر الجزائري الإسلامي العام، انحرافا عن الخط الديني للجمعية، أو تقزيما للمطالب الوطنية… وإذا كان هذا الطرح صحيحا، فكيف رضيت الأمة الجزائرية به، ورفضه الاستعمار؟ ألم يكن الأحرى بفرنسا أن تقبل بهذه المطالب ما دامت لا تمس بهذا السيادة الفرنسية بالجزائر، لعدم تضمن المطالب، المطالبة بالاستقلال الوطني؟

لقد أدركت فرنسا أن هذه المطالب لو تحققت، لفتحت الباب، وبأسرع وقت ممكن نحو المطالب الكبرى، وأهمها الاستقلال الوطني، لذلك قابلت كل مطالب المؤتمر الجزائري الإسلامي العام، بالرفض المطلق.

كما أن الحركة الوطنية الإصلاحية، كانت تدرك هي الأخرى أن هذه مجرد فرصة لاختبار مدى استعداد فرنسا المستعمرة، لتلبية المطالب الجزائرية، لذلك علق باديس على هذا الحدث السياسي التاريخي، بأنه كان وسيلة لنقل القضية الجزائرية من محليتها الضيقة، إلى نطاق عالمي أشمل، شمل الدوائر الفرنسية الرسمية و الشعبية، وشمل وسائل الإعلام العالمية الأخرى… ويؤكد الشيخ على هذه الحقيقة بقوله :”ولقد كدت تكون –أيها الجزائري التاريخي القويم و المسلم الصميم- مجهولا عندهم تمام الجهل، ولكن بأعمالك العظيمة، وبما قام به الوفد، سرت معلوما لدى من يعرف الحق، ويحترم الكريم، و ينصف المظلوم”(23).

و يضيف الشيخ في هذا السياق، لإقامة الحجة المجحفين و المحترفين للحزبية، قوله: “أيها الشعب، إنك بعملك العظيم الشريف، برهنت على أنك شعب متعشق للحرية وهائم بها، تلك الحرية التي ما فارقت قلوبنا منذ كنا نحن الحاملين للوائها، و سنعرف في المستقبل كيف نعمل لها، وكيف نحيا و نموت لأجلها”(24).

إن مثل هذا العهد لا يصدر إلا عن فكر آمن بأن قضية الحرية و الاستقلال، هي قضية حياة أو موت بالنسبة إليه، و إن مجرد هذه المطالب إن هي إلا فرصة و اختبار للنوايا “إننا مددنا –إلى الحكومة الفرنسية- أيدينا و فتحنا قلوبنا، فإن مدت إليها يدها، وملأت بالحب قلوبنا، فهو المراد، وإن ضيعت فرنسا فرصتها هذه فإن نقبض أيدينا، و نغلق قلوبنا، فلا نفتحها إلى الأبد”(25).

وقد ضيعت فرنسا –بالفعل- فرصتها إلى الأبد وكانت النتائج مع الجزائر و غير الجزائر، ما سجله التاريخ عليها من هزائم عسكرية و سياسية في جهاد نوفمبر و في هزيمة ديان بيان فو، والبقية تأتي.

2-أصول الفكر السياسي عند ابن باديس

إن المتأمل في مكونات الأصول الفكرية السياسية عند الشيخ عبد الحميد بن باديس، لا يدهشه هذا التمازج العجيب في صياغة نظريته، بين الينبوع الإسلامي كما تمثله الأصول الثلاثة كعشر للحكم المستوحاة من خطبة أبي بكر الصديق في السقيفة، و الينبوع الاجتماعي كما يحدده ابن خلدون في تقسيمه لأطوار الدولة، وبين العامل العلماني في ممارسة الحكم كما تجسده تجربة مصطفى كمال أتاتورك في تركيا.
ففي بسطه في لنظريته السياسية في الحكم، يتخذ ابن باديس خطبة أبي بكر الصديق بعد مبايعته، فيجعلها قاعدة ككل حكم صحيح، ليستخلص منها أصول ولاية في الإسلام، و يجمل هذه الأصول في ثلاثة عشر أصلا هي:

1- أن الأمة هي صاخبة الحق و السلطة في الولاية و العزل، فلا يتولى أحد أمرها إلا برضاها [إني وليت عليكم].

2- الكفاءة و المقدرة، قبل الخيرية في السلوك الشخصي و التقوى [ولست بخيركم].

3- تولي الولاية، لا يمنح الحاكم أفضليته على الأمة و وإنما الخيرية تنال بالسلوك و الأعمال.

4- حق الأمة في مراقبة أولي الأمر، ما دامت هي مصدر سلطتهم.

5- حق الوالي على الأمة فيما تبذله من عون إذ تبتت استقامته [إن رأيتموني على حق فأعينوني].
6- حق الوالي على الأمة في نصحه وإرشاده و دلالته على الحق إذ ضل عنه، و تقويمه على الطريق إذا زاغ في سلوكه [إن رأيتموني على باطل فسددوني].

7- حق الأمة في مناقشة أولي الأمر وفي محاسبتهم على أعمالهم، و حملهم على ما تراه هي لا ما يرونه هم.

8- على من تولى أمر من أمور الأمة أن يبين لها لحظة التي يسير عليها ليكونوا على بصيرة [أطيعوني ما أطعت الله فيكم].

9- لا تحكم الأمة إلا بالقانون الذي رضيته لنفسها و عرفت فيه قائدها.

10- الناس جميعا سواسية أمام القانون و فرق بين قويهم و ضعفيهم.

11- صون الحقوق، حقوق الأفراد و حقوق الجماعات.

12- حفظ التوازن بين طبقات الأمة عند صون الحقوق [ ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، و أضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه].

13- شعور الراعي و الرعية بالمسؤولية المشتركة(26).

إن هذه الأصول هي التي جعلت ابن باديس يقارن بين الملك النبوي و الملك البشري في علاقتهما بالمجتمع الذي يتوليان رعايته، وصيانته.

ولذا كان من خصائص الملك النبوي، في المنظور الباديسي: الالتزام بالحق و نصرته حيثما كان بإقامة العدل في القول و الحكم و الشهادة بين جميع الناس المعادين و الموالين، وبالوفاء بالعقود و العهود بين الأفراد و الجماعات، ومن طبيعته أيضا بث الخير بين الناس، بنشر الهداية و الإحسان دوت تمييز بين الأجناس و الألوان..الخ، فإن الملك البشري على العكس من ذلك تميزه نقائص و عيوب تتمثل في تفشي الاستبداد في الحكم وما يتبعه من مظالم و أنانية و اغتصاب لحقوق الرعية …الخ.

ولذلك يرى ابن باديس أن الملك البشري يصنف إلى صنفين: [1] صنف عادل يحقق الحق و يسهر على مصالح الرعية. [2] وصنف لا يدافع إلى على مصالحه الخاصة و يكون مصدر قلق، و جشع وخوف للرعية أو الشعب(27).

وانطلاقا من هذه النقائص في الملك البشري، فإن الشيخ عبد الحميد، يضع شروطا لا بد أن تتوفر في الحاكم “فلا يصلح لقيادة الأمة و زعامتها إلا من كان عنده من بعد النظر، و صدق الحدس و صائب الفراسة، وقوة الإدراك للأمور قبل وقعها، مما يمتاز به عن غيره، ويكون سريع الإنذار بما يحس وما يتوقع”(28).

لذلك نجد ابن باديس “يركز في أماكن متعددة من آثاره على الملك البشري حسب قانون التطور الذي لا يلغي الإيمان بالله، ويؤمن بالعلم الذي يكون في خدمته: (29).

ولعل من هذا التطور، جاء تعاطفه مع الفكر السياسي العلماني لمصطفى كمال أتاتورك الذي ينظر إليه كقائد ثائر، و كمحي لتركيا، بل وللشرق الإسلامي كله لأنه هزم الإنجليز، وأعاد لتركيا حريتها و استقلالها… نقرأ هذه الإعجاب بشخصية أتاتورك في الكلمة التأبينية التي كتبها الشيخ باديس(30).

ومما جاء فيها: “في السابع عشر في رمضان المعظم، ختمت أنفاس أعظم رجل غرفته البشرية في التاريخ الحديث، و عبقري من أعظم عباقرة الشرق، الذين يطلعون على العالم في مختلف الأحقاب فيحولون مجرى التاريخ، و يخلقون خلقا جديدا”(31).

“وإذا قلنا باعث تركيا فقد قلنا باعث الشرق الإسلامي كله”… فقد بعث في الشرق الإسلامي أهله، و ضرب له المثل العالي في المقاومة و التضحية فنهض يكافح و يجاهد، فلم يكن مصطفى في تركيا وحدها، بل في الشرق الإسلامي كله”.

وفي رده عما يتهم به مصطفى كمال أتاتورك من علمانية معادية للإسلام، يقول الشيخ باديس: “لقد ثار مصطفى كمال ثورة جامحة، ولكنه لم يثر على الإسلام بل ثار على هؤلاء الذين يسمون بالمسلمين، فألغى الخلافة الزائفة، وقطع يد أولئك على الحكم، فرفض مجلة الأحكام و اقتلع شجرة زقوم الطرقية من جذورها، وقال للأمم الإسلامية عليكم أنفسكم وعلي نفسي، لا خير لي في الاتصال بكم، ما دمتم على ما أنتم عليه”(32).

وإذ توجه الشيخ ببعض النقد لأعمال مصطفى كمال فإنه يصوغ نقده في أسلوب خفيف جدا فيقول: “لسنا نبرر صنيعه في رفض مجلة الأحكام، ولكننا نريد أن يذكر الناس أن تل المجلة المبنية على مشهور وراجح مذهب الحنفية ما كانت تسع حاجة أمة من الأمم في كل عصر لأن الذي يسع البشرية كلها في جميع عصورها هو الإسلام بجميع مذاهبه لا مذهب واحد”(33).

بهذا التعاطف مع فكر مصطفى كمال أتاتورك وقع المزج في منهج ابن باديس السياسي، بين الدولة الثيوقراطية كما حددها الخلفية الأول المسلمين، و الدولة الديموقراطية كما وضع أسسها في المجتمع الإسلامي زعيم تركيا العلماني.

وبين هذه المنظورين أوجد الشيخ باديس حلقة الوصل بين النظامين مستوحا ذلك من نظرية ابن خلدون في الدولة، فهذه الدولة في الفكر السياسي الباديسي، “كالإنسان تمر بثلاثة أطوار وهي: [1] طور الشباب [2] طور الكهولة [3] طور الهرم أو الشيخوخة”(34).

وإذ استندنا إلى باحثين جامعين هما عبد الكريم أبو الصفصاف، وبوعلام وناس، فإننا نجد “أن ابن باديس بالرغم من اعتماده التحليل السلفي في نظرته لنشوء الدولة و تطورها، ثم انقراضها، فأنه متأثر بالنظرية الخلدونية في الدولة و تطورها، ثم انقراضها، فانه متأثر بالنظرية الخلدونية في الدولة حيث تعتبر مقدمته المصدر الأساسي في فلسفة التاريخ، وعلم الاجتماع، و يظهر تأثره هذا في تحليله لأطوار الأمم في تفسير آيات الاجتماع، وفي تطور الدولة و اندثارها، و في سعة النفود و قوة السلطان، و في انتشار الضعف و الفساد” (35)
هذه هي إذن مقومات الفكر الإسلامي عند عبد الحميد بن باديس كما عرفتها آثاره، وكما فهمها باحثون، بقي علينا أن نستعرض هذه الأفكار في ضوء نماذج من أحكام المنصفين، والمجحفين، و المحترفين من الباحثين،حتى تكتمل الصورة التي أردنا رسمها لعالم الفكر السياسي الباديسي.

3- الفكر السياسي الباديسي في منظور الدارسين:

لم يحدث أن آثار فكر جزائري من النقد و الاختلاف، ما أثاره الفكر الوطني الإصلاحي عموما، والفكر السياسي الباديسي منه على الخصوص.

فقد توزع الدارسون عموما، و السياسيون منهم بصفة أخص بين منسلب بالفكر الباديسي، إلى حد يجعله فوق مستوى النقد، أو هو من الكمال و المثالية بحيث لا يوجد فيها ما ينفذ. وبين فريق ثان –على العكس من سابقه- لا يرى في الفكر الباديسي، إلا فكرا دينيا محدودا في مطالبه التي لا تتعدى تعليم الجزائريين لغتهم و دينهم، ولكنه لا يرقى على أية حال إلى مستو الفكر السياسي الوطني “النضالي” المطالب بالاستقلال الوطني، و الانفصال عن فرنسا.

و أنصف فريق ثالث من الباحثين فكر عبد الحميد بن باديس السياسي،فنقدوه حيث يجب نقده، و أنصفوه حيث يجب إنصافه، ولعله الفريق الذي خدم الفكر الباديسي أكثر، ووضعه في مكانته التاريخية اللائقة به.

و إننا بدافع من هذا التباين في الآراء حول الفكر السياسي عند ابن باديس، نحب بهذه المساهمة المتواضعة أن نعمل على تخليص الفكر الباديسي من ظاهرة القداسة التي غالبا ما تحجب عن الأعين كل مظاهر النقص التي لا يخلو منها أي فكر حتى ولو كان الفكر الباديسي.
لكننا بالمقابل، نحب أيضا أن نحرر هذا الفكر من خانة الإجحاف التي يضعه البعض فيها إما يجهلهم بالمعطيات التاريخية، و المجتمعية، و السياسية التي نشأ الفكر الوطني الإصلاحي بين أحضانها، فطبعته بخصوصيات، و خصائص معينة، وإما لطغيان ظاهرة الاحتراف السياسي و الحزبي التي يحرجها أن يكون في تاريخ العمل السياسي، من ينافسها عمق التجربة، و أصالة المطلب.

ومهما يكن فإننا نود أن نبدأ بتقديم أهم المعطيات التي هي –من جهة نظرنا- الأرضية الضرورية المهددة لدراسة هذا الفكر السياسي، و الكفلية بالقيام بالتحليل الموضوعي، واستخلاص النتائج المناسبة و استصدار الأحكام المنصفة، النزيهة و أهمها:

[1] البدء قبل دراسة الفكر السياسي الباديسي بوضع هذا الفكر ضمن النسق التاريخي السياسي العام، و المحلي منه بصفة أخص، فمثل هذا التموقع من شأنه أن يفضي إلى مجموعة من المعطيات لعل أبرزها:

أ. تفشي الغطرسة الاستعمارية الفرنسية، وإحكام قبضتها على كل ميادين الحياة الجزائرية، والتي لم تترك أي متنفس للشعب الجزائري، بحيث إن مجرد الإعلان عن حركة وطنية إصلاحية في مستوى جمعية العلماء يمثل تحديا خطيرا للاستعمار آنذاك.

ب. بداية تلاشي ظاهرة المقاومة في الشعب الجزائري بعد انقضاء مائة سنة على الاحتلال، جرب فيها المستعمر كل الوسائل المبيدة لروح المقاومة، وخاصة منها محاولة طمس كل معالم الشخصية من منع تعليم اللغة العربية ووضع اليد على أوقاف المسلمين، و التحكم في مساجدهم، ومحاكمهم، ومقابرهم.

ج. الوعي بحالة الضعف السياسي المتمثل في انعدام التنظيم الوطني الكفيل بتوحيد الأمة تحت لوائه لشن المقاومة الشاملة التي لا تقتصر على الشعار السياسي وحده، وإنما تنفذ إلى صميم النفسية الجزائرية بتوعيتها،بعقيدتها ولغتها و مميزات شخصيتها، كي يسهل عليها القيام بالوثبة المطلوبة.

د. سيادة القوانين الجائرة التي تقف بالمرصاد لكل تنظيم يشتم منه رائحة المقاومة السياسية… وذلك بالقضاء عليه في مهده.

[2] ظاهرة الجهل بالفكر السياسي الإسلامي ماضيا و حاضرا، فنوعية التكوين الذي كان يسمح به الجزائريين، كان في معظم الأحيان يقتصر على فئة اجتماعية معينة، هي فئة أبناء المقربين من السلطة الاستعمارية، وحتى هذا التكوين فإنه لا يتعدى المستوى الثانوي في أغلب الأحيان، غير أنه تكوين أعرج لا ينظر إلى تاريخه أو شخصيته إلا بالمنظار الفرنسي المجحف… و يمكن على سبيل التدليل فقط، الاقتصار على تقديم نموذجين من هذا الإجحاف امتد أثرهما إلى ما بعد الاستقلال … [ أولهما ] الكتاب المدرسي الخاص بجغرافية المغرب العربي ، الجزء الثاني حيث يصف التلاميذ الجزائريين العرب بالغزاة… و الأمازيغ بانحدارهم من أصل يهودي .

[ثانيا] دليل الشباب الرياضي الجزائري الذي طبيعته وزارة الشبيبة الرياضية عام 1997، ووزع في الألعاب العربية بلبنان، فهذا الدليل صف الشعب الجزائري بأبشع أنواع الأوصاف وهو ما اضطر الحكومة الجزائرية إلى سحبه من التوزيع بعد إعلان الفضيحة.

[3] طغيان ظاهرة التقزيم للكبار في بعض الأوساط الجزائرية و ذلك بالانتقاص من كل أعمالهم، فباديس طرقي، و فرحات عباس اندماجي، ومصالي الحاج خائن، و الأمير عبد القادر انهزامي…الخ.

إن مثل هذه الأحكام السياسية التي تورث للأجيال الفتية، تربك الشباب، وتشوه لهم الحقائق التاريخية، وتقزم في أعينهم صانعي تاريخهم كما أنها تربك الدارسين خارج الجزائر الذين لا يملكون المعطيات التاريخية الكاملة.

4- الوضع المزري للواقع العربي الإسلامي:

إن من أهم امتدادات الفكر السياسي الباديسي، هو البعد العربي الإسلامي،  لكن هذا البعد العربي الإسلامي ، كان يمتد في فضاء يتسم بالجفاف والقحط… فقد كانت تخيم على الوطن العربي والعالم الإسلامي آنذاك ظلال الاحتلال و التبعية وما ينجز عنها من شتات و فرقة و تختلف اقتصادي، و جهل ثقافي، وهو ما لا يخدم الرسالة الباديسية التي كانت في حاجة إلى هذا الفضاء العربي الإسلامي… لذلك حرم الفكر السياسي الباديسي دعما عربيا و إسلاميا هاما ، كانت الجزائر أحوج ما تكون إليه ، لو أن الأوضاع العربية الإسلامية كانت على غير ما كانت علية .

ومهما يكن فإن من الإنصاف القول بأن الفكر الوطني الإصلاحي بقيادة ابن باديس ، لم يغفل هذا الواقع العربي الإسلامي  في ممارسته و اعتبره عاملا مكملا للنضال الوطني الجزائري.
فالآثار الباديسية، كانت دوما تؤكد على الانتماء القومي الإسلامي للجزائر، وكانت تسارع إلى العناية بكل قضايا العروبة الإسلام، ناهيك أن شعار جمعية العلماء قد تمثل في هذه الثلاثية المقدسة [الإسلام ديننا و العروبة لغتنا و الجزائر وطننا]، كما أن شعار جريدة البصائر لسان حال الجمعية كان هو [العروبة و الإسلام].

كما أن ابن باديس ما فتئ يتغنى بأمجاد العرب و المسلمين، كتعميق للانتماء الوطني الجزائري مثل صرخته المدوية: لمن أعيش؟ أعيش للإسلام و الجزائر.(36) ونشيده المجد لله ثم المجد للعرب.

من هنا كان المنصوفون من الباحثين العرب و المسلمين يتزايدون مع الأيام كلما تم لقاؤها بالفكر الوطني الإصلاحي الباديسي.

ولا عجب أن يصف د/محمود قاسم في مصر عبد الحميد بن باديس بأنه الأب الروحي لحرب التحرير الجزائرية(37)، وأن يعتبره د/محمد عمارة ضمن قائمة [المسلمين الثوار](38)، وأن يعتبره باحثون آخرون من [نوابغ العرب](39).

إن الذين صنفوا عبد الحميد بن باديس ضمن هذه التصانيف الفكرية، لم يصدروا أحكامها من فراغ، ولم تكن آرائهم واقعة تحت تأثير الانفعال العاطفي، فكتابات الشيخ، وأقواله خير شاهد على ذلك.

فعندما نقرأ للشيخ عبد الحميد بن باديس قوله : “لو قالت لي فرنسا قل لا إله إلا الله ما قلتها” (40) ندرك أي فكر هذا الذي حمله ابن باديس.

وفي نفس السياق الثوري، نقرأ عنه في كتاب د/عمار طالبي عن حياة ابن باديس و آثاره قوله:”صرح الشيخ في اجتماع خاص مقسما فقال: والله لو وجدت عشرة من عقلاء الأمة الجزائرية يوافقونني على إعلان الثورة لأعلنتها”(41)، ويضيف ابن باديس في مكان آخر: وهل يمكن لمن شرع في تشييد منزل أن يتركه بدون سقف، وما غايتنا من عملنا إلا تحقيق الاستقلال (42)، ويقول في مكان آخر: وحينما حمي وطيس الحرب العالمية الثانية اجتمع به جماعة من أنصار حركته ومريديه فقال لهم: عاهدوني، فلما أعطي له العهد بالمصاحفة قال: إني سأعلن الثورة على فرنسا عندما تشهر عليها إيطاليا الحرب (43).

إن هذه الروح الثورية التي يحملها ابن باديس بين جنبيه والتي تتقد حماسا ووطنية، هي التي أملت عليه مواقفه الإصلاحية التغييرية الهادفة إلى محاربة الجمود، والتضليل باسم الدين باسم الدين. فقد وجدناه يحاول نقل الإصلاح إلى باقي البلدان الإسلامية الأخرى ومن ذلك مخاطبته لعلماء الزيتونة ذات يوم بقوله: يا معشر علماء الزيتونة، انشروا الزيتونة [فكرها] في الآفاق، ولا تبقوا حَبِيسِي المنابر وعرصات المساجد، تدرسون الأصول والقواعد، فإنه سيأتي يوم يقضي فيه على الزيتونة وتكونون من القواعد (44).

بهذا التجديد تميز الفكر السياسي عند ابن باديس. إنه تجديد تغييري، لم يقتصر على المحلية وإنما تجاوزها إلى العروبة والإسلام والإنسانية، ولم يقف عند المضمون بل تجاوزه إلى الأداء والمصطلح… ولعلنا نشير في هذا السياق إلى أن وصف الاستعمار بالشيطان، قد كانت الريادة في إطلاقه للشيخ عبد الحميد حيث نجده مناسبات عديدة يكني الاستعمار وعملاءه بالشياطين… فهو يقول في محاولة إثارة النعرة الطائفية بين العرب والبربر: إن ما جمعته يد الله لا تفرقه يد الشيطان وإن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام منذ بضعة عشر قرنا…حتى كونت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصرا مسلما، جزائريا، أمه الجزائر وأبوه الإسلام (45).

ويقول في موضع آخر أثناء شرحه لإستراتيجية عمله: إننا نعلم النحو والفقه والأصول، وما أشبهها، طيلة النهار، أما التاريخ والجغرافية وكل ما له علاقة بالوطن والوطنية، فإننا نتركه لليل عندما تنام الشياطين.

هذا هو ابن باديس، الذي وجدنا له في كل جانب من جوانب الوطنية باعا بل إن تنبؤاته قد صدقت في معظم الأحيان، لأنه كان يرى بنور الله، زاده طهارة القلب، وسلاحه الإخلاص، والصدق، والشجاعة.

وحتى وإن قسا عليه بعض المجحفين، أو المحترفين للسياسة: فإن التاريخ نهر لا يسبح فيه إلا الباحثون من ذوي المجاذف الصلبة الحصينة، وإن التاريخ لصحائف، لا يخلد فيها إلا جميل الذكر {فَأَمَّا الزَبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً، وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الاَرْضِ} صدق الله العظيم.

 

الهوامش:

(1) الشهيد العربي التبسي الذي قال: لقد كان الشيخ عبد الحميد هو الجزائر فلتجاهد الجزائر –الآن- لتكون هي الشيخ باديس انظر مقال الأستاذ محمد الصالح الصديق مجلة الرسالة العدد 2/3 إبريل 1983 ص61.

(2) سورة محمد الآية 31.

(3) سورة النحل الآية 111.

(4) سورة الحج الآية 40.

(5) عدد مارس 1938.

(6) المصدر السابق.

(7) كلمة صريحة: (ابن باديس حياته وآثاره، الجزائر دار ومكتبة الشركة الجزائرية، ط1 -1968 ج3 ص 307).

(8) المصدر السابق ص308.

(9) المصدر السابق ص308.

(10) المصدر السبق ص308-309.

(11) عبد الكريم أبو الصفصاف: الأبعاد الثقافية والاجتماعية والسياسية في حركتي محمد عبده، وعبد الحميد بن باديس، أطروحة مقدمة لقسم التاريخ، بجامعة قسنطينة للحصول على دوكتوراه الدولة 1996/1997 جــ2 ص475 وانظر أيضا كتاب:  CH. : André Robert Ageron , l’Histoire de l’Algérie contemporaine (1871-1954). P.U.F 1974 . P.174.

(12) ابن باديس حياته وآثاره، جــ4 ص369.

(13) عبد الكريم أبو الصفصاف، ص 654.

(14) المصدر ص 660.

(15) عبد الكريم أبو الصفصاف، المصدر السابق ص665.

(16) عبد الكريم أبو الصفصاف، المصدر السابق ص 713.

(17) المصدر السابق ص737.

(18) الإمام ابن باديس حياته وآثاره، جــ3. ص320.

(19) المصدر السابق.

(20) المصدر السابق.

(21) المصدر السابق ص321.

(22) نفس المصدر السابق.

(23) ابن باديس، حياته وآثاره، جـــ3.ص332.

(24) نفس المصدر السابق.

(25) المصدر السابق، جـــ3. ص332.

(26) الشهاب ج 11 م 19 – دو القعدة 1356 يناير 1938.

(27) عبد الكريم أبو الصفصاف ص 854.

(28) المصدر السابق ص 855.

(29) المصدر السابق ص 856.

(30) مجلة الشهاب ج 14،9 –ص 130- 134 غرة رمضان 1357هـــ نوفمبر 1938م.

(31) ابن باديس حياته وآثاره جزء4 ص.213-214.

(32) المصدر السابق ص 215.

(33) المصدر السابق ص 216.

(34) عبد الكريم أبو الصفصاف ص 856.

(35) المصدر السابق صفحة 856، وانظر أيضا بوعلام وناس، الأخلاق عند الحميد بن باديس النظرية والتطبيق –رسالة ماجيستير في الفلسفة- جامعة الجزائر 1988 صفحة 23.

(36) ابن باديس، حياته وآثاره ج 3 ص 233.

(37) محمود قاسم، الإمام عبد الحميد بن باديس الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية. القاهرة. دار المعارف مصر 1968.

(38) محمد عمارة. مسلمون ثوار. بيروت. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، فبراير 974.

(39) مجموعة من الأساتذة والباحثين العرب: عبد الحميد بن باديس سلسلة [نوابع العرب] الكتاب 14 بيروت. دار العروبة 1950.

(40) عبد الله شريط ومحمد الميلي. الجزائر في مرآة التاريخ. ط.1. قسنطينة. الجزائر مكتبة البعث 1965.

(41) ابن باديس حياته وآثاره. ج1 ص 89.

(42) نفس المصدر السابق.

(43) نفس المصدر السابق .

(44) نقلا عن أحد علماء الزيتونة الذي كان حاضرا بالمجلس.

(45) مجلة الشهاب سنة 1939.

 

الموافقات ، العدد السادس ، السنة السادسة ، 1418 ه ، (1997 م )

آخر التغريدات: