أحمد رضا حوحو

أحمد رضا حوحو

بقلم: محمد الهادي الحسني –

ذكرني الأخ الأستاذ فوزي مصمودي بعد أمّة، فكلمني في الهاتف، مسلّما، مستفسرا عن الصحة والأحوال، ثم دعاني لحضور الملتقى الذي تنظمه كل عام “الجمعية الخلدونية” بمدينة بسكرة، وأخبرني أن ملتقى هذا العام سيكون عن الأديب أحمد رضا حوحو، الذي وصفه أستاذنا الدكتور أبو القاسم سعد الله – رحمه الله – بأنه كان “خفيفا على الأذن، قريبا من القلب”. (دراسات في الأدب الجزائري الحديث ط1. ص 91).

شكرت الأخ فوزي، ودعوت له بالفوز في حياته المهنية والثقافية، وبالنجاح للملتقى، وقد ألقيت معاذيري عن عدم تلبية الدعوة الكريمة، التي ما منعني من تلبيتها إلا ظروفي الخاصة، فتكرم بقبول اعتذاري، ورجا لي ما يرجوه كل مسلم لأخيه المسلم.

إن أحمد رضا حوحو جدير أن تقام له ملتقيات لا ملتقى واحد، لأنه متعدد النشاط، والاهتمامات والمواهب.. وهو -على تفتحه على الآداب الأجنبية – متجدر في تربة وطنه، عكس “فقاقيع الأدب”، الذين يتميزون بـ “تخنّث الأسلوب، وتخنّث الشخصية”. (سعد الله – ص 89)، وذهاب المروءة والشرف فيما يكتبون ويقولون، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا..

ولد أحمد رضا حوحو في سنة 1911 في بلدة سيدي عقبة، وفيها تلقى مبادئ اللغتين العربية والفرنسية، ثم التحق بمدينة سكيكدة فازداد توسعا في اللسان الفرنسي، قبل أن يتوجه إلى الحجاز في منتصف الثلاثينيات، فنجاه الله مما أرادته فرنسا، التي كما قال أحد أبنائها في حقل التعليم: “ليس الغرض من فتح المدارس الفرنسية في شمال إفريقيا أن نُكوّن عقولا مثل عقل مونتيسكيو، أو روسو، أو فولتير، وإنما لنبدل لغة بلغة، وعادات بعادات”. (صالح خرفي: أحمد رضا حوحو في الحجاز. ص 29)، وقد نجحت فرنسا في ذلك، وبعض هذه السياسة يطبق الآن على أيدي من كوّنتهم “المدرسة الفرنسية”، ولو عن بعد.

وفي الحجاز، وفي المدينة المنورة بالذات، التحق الشاب أحمد رضا حوحو بمدرسة العلوم الشرعية في عام 1934، ليتخرج فيها بعد أربع حجج، وقد اعترف حوحو بفضل هذه المدرسة عليه، فكتب مقالا عنها تحت عنوان “اعتراف بالجميل”، ومما جاء في هذا المقال: “لقد تربيت يامدرستي العزيزة في مدارس أجنبية، واكترعت من علوم أجنبية كنت مغترا بها، ظانا أنها العلوم التي يفتخر بها الإنسان، وبها تكون سعادته، ولمّا منّ الله عليّ بالهجرة إلى هذه الديار المقدسة.. وجدت نفسي غريبا بين قومي، شاذا في معلوماتي، متطرفا في أفكاري، وحيدا في عاداتي، فريدا في أطواري، فأدركت آنئذ أني كنت تائها في بيداء الغرور، غارقا في بحر الأوهام، وعلمت ساعتئذ أنه لا فخر للإنسان إلا بلغته وقوميته، أنه لا شرف له إلا بعلومه وآدابه، وأصبحت من يومي أطوف يمينا وشمالا باحثا عمن يعلمني لغتي، مفتشا عمن يعلمني علوم قومي وآدابهم..”. (أنظر المقال في: صالح خرفي -المرجع السابق – صص 266 – 267).

وقد عمل حوحو في المدرسة نفسها أستاذا..

في أثناء دراسة أحمد رضا حوحو في مدرسة العلوم الشرعية صدرت مجلة في المدينة المنورة في فبراير 1937، فانضم إلى كتّابها عن طريق مؤسسها عبد القدوس الأنصاري الذي كان أستاذا لأحمد رضا حوحو في مدرسة العلوم الشرعية، ثم عين سكرتير تحرير للمجلة، مما يدل على كفاءة الأستاذ حوحو، وعلى ثقة صاحب المجلة فيه علما وخلقا، وقد أثرى حوحو المجلة بمقالاته الإبداعية والمترجمة.

وفي عام 1946 عاد أحمد رضا حوحو إلى وطنه، وهو يعلم أنه عائد إلى “سجن كبير”، بسبب سياسة فرنسا التي تعجز اللغات جميعها – بما فيها “أم اللغات” عن وصفها، والتي يحاول الفرنسيون اليوم وأولياؤهم في الجزائر أن يصوروها على غير حقيقتها. وإن عودة حوحو إلى الجزائر – بعد جرائم 8 ماي 1945 – لتدل على وطنية حقيقية، وغير “منافقة”، وهي التي “يتمظهر” بها “خدام فرنسا” في الجزائر.

أدرك الإمام الإبراهيمي قيمة أحمد رضا حوحو فضمّه إلى الجمعية، وعينه مديرا لإحدى مدارسها، قبل أن يسند إليه “الكتابة العامة”، للمعهد – المنارة، معهد عبد الحميد ابن باديس.. فلم يؤده القيام بتلك الأمانة، حتى أتاه اليقين على يد المجرمين الفرنسيين في أحد أيام شهر مارس من سنة 1956.

لقد أثرى أحمد رضا حوحو الحياة الثقافية بمقالاته وقصصه ومسرحياته الهادفة إلى نشر الوعي الديني، والوطني، والاجتماعي، والأدبي، وقد وصفه الأستاذ شيبان – وكان من أقرب أصدقائه إليه – بـ “فقيد الأدب والفن”، كما وصفه صديقه الأستاذ محمد الصالح رمضان بـ “شهيد الكلمة”، وقال عنه أستاذنا أبو القاسم سعد الله إنه “كان مثال الأديب الذي عاش نظيفا ومات نظيفا”.

وقد ترك الأستاذ أحمد رضا حوحو مجموعة من الآثار في مختلف الموضوعات الأدبية، ينسلك أكثرها في سلك “الأدب الاجتماعي”، الذي لا يشيع الفاحشة، ولا يخشى الحياء، ولا “يُعّهر” اللغة العربية الشريفة، وينشر القيم النبيلة.

مما تميز به الأستاذ أحمد رضا حوحو طبيعته المرحة، غير المسفّة، وهذا مما قرّبه إلى الناس، وحبّبه إليهم، ومما رواه لنا الشيخ عبد الرحمان شيبان، وكان أستاذا في معهد ابن باديس، وكان حوحو أمينا عاما له، أن بعض أساتذة المعهد توسلوا بالأستاذ حوحو عند الإمامين الإبراهيمي والتبسي في شأن رفع أجورهم.. التي لا تكاد تكفي الضروري من المصاريف..

وعد الأستاذ حوحو أولئك الأساتذة بعرض رغبتهم على الإمام الإبراهيمي، باعتباره رئيسا لجمعية العلماء الوصية على المعهد، وعلى الشيخين العربي التبسي ومحمد خير الدين باعتبارهما نائبين لرئيس الجمعية ومشرفين على معهد ابن باديس.

لم تكتمل فرحة الأساتذة، لأن حوحو أردف كلامه قائلا: ولكنني سأرفق طلبكم باقتراح مني أصنف فيه الأساتذة إلى أربعة مستويات:

– أساتذة ممتازون يستحقون أن ترفع أجورهم لكفاءتهم العلمية، ولنشاطاتهم في التدريس، وفي النشاطات الأدبية مع الطلبة.

– أساتذة لا يُزاد لهم في أجورهم، ويحتفظون بها كما هي لعدم بذلهم المزيد من الجهد في العلم والعمل.

– أساتذة تنقص أجورهم لتقصيرهم علما وعملا، مع القدرة على العطاء أكثر

– أساتذة يدفعون مالا لإدارة المعهد “لقصورهم”..

ضحك الأساتذة من ملاحظة الأستاذ حوحو، وطلبوا منه أن يصرف النظر عن اقتراحهم، لأنهم أدركوا أن الجمعية لو وجدت لأغنتهم..

وأخبرني الشيخ عبد الرحمان شيبان أنه قال للأستاذ حوحو في سنة 1955، بعدما أعلن الشعب الجزائري جهاد ضد فرنسا، كما دعا إليه العلماء في سنة 1937 على لسان محمد العيد آل خليفة:

فقم يا ابن البلاد اليوم وآنهض  ||| بلا مهل، فقد طال الرقود

وخض يا ابن الجزائر في المنايا  |||   تظلّلك البنود أو اللحود

وأن الاستقلال قاب قوسين أو أدنى..

قال له حوحو: ذلك وعد الله بنصرتن ينصره، وذلك ما نبغي.. 

فقال شيبان ممازحا حوحو: وماذا نعمل في اليوم للاستقلال؟

فأجاب حوحو متبسّما: نضع الشيخ العربي في “الإقامة الجبرية”، حتى لا “يفسد” علينا – بصرامته وجدّيّته – بهجة الفرحة بهذا الاستقلال..

وقضى ربك – عز وجل – أن يذهب كل من الشيخ التبسي والأستاذ حوحو شهيدين في سبيل الله، وفي سبيل كرامة الجزائر، التي “يعبث” بها اليوم “الصبيان” في العقول، “الشارفون” في العمر – الذين يحبون فرنسا أكثر من حبهم لأنفسهم.. رحم الله حوحو، والتبسي، وبوشمال.. وجميع شهداء الجزائر ضد الصليبية الفرنسية.. ولتذكر هذه الأجيال الحاضرة والمستقبلة كل جرائم فرنسا ضد العباد والبلاد، ولتذكر هذه الأجيال أن هذا الاستقلال ليس “منحة” من فرنسا، فقد أخِذ غلابا كما أخذت الجزائر من أجدادهم اغتصابا.

آخر التغريدات: