الشيخ الطيب العقبي والوهابية في ميزان التاريخ

الشيخ الطيب العقبي والوهابية في ميزان التاريخ

بقلم: التهامي مجوري –

في شريط بإحدى الفضائيات الجزائرية حول السلفية في الجزائر، لفت انتباهي عبارة للدكتور بوزيد بومدين مدير الثقافة الإسلامية في وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، متعلقة بتأثر الشيخ الطيب العقبي بالحركة الوهابية، وهي قوله: “العقبي أقرب إلى الحركة الوهابية وأقرب إلى التكفيريين”، وهي عبارة تحمل في طياتها حكما على شخص انطلاقا، من تصور معين لحركة. فالشخص هو الشيخ الطيب العقبي، والحركة هي الحركة الوهابية، وهو حكم غير دقيق؛ لأن الكلام عن الحركة الوهابية، يحتاج إلى الكثير من البحث والتدقيق؛ لأن هذه الحركة أنشئت منذ أكثر من قرنين من الزمان، وطرأت عليها تغييرات وعلى أهلها تحولات، وكذلك الكلام عن الشيخ الطيب العقبي، الذي –إن سلمنا جدلا بتأثره بها-، كان في الربع الأول من القرن العشرين. فمن الإجحاف أن نتكلم عن مرحلة تاريخية تفصلنا عنها بين القرن والقرنين ونصف؛ لأن التاريخ كما حفظت عن أحد أعمدة الدعوة في الجزائر قوله “إن التاريخ لا يروى بصيغة الحاضر”؛ لأنه تاريخ، والتاريخ ماضي لا يفهم إلى بالانتقال إلى زمنه الذي وقع فيه.

ولكن يبدو أن الدكتور بوزيد انطلق من إدانة “الحركة الوهابية” اليوم في طبعتها الجديدة، وأدان وهابية ذلك الزمان، ثم أسقط تلك الإدانة على الشيخ الطيب العقبي رحمه الله المتوفى منذ أكثر من نصف قرن، الذي قدم إلى الجزائر من الجزيرة العربية، قبل ذلك بما يقارب النصف قرن أيضا، وذلك في سنوات العشرينيات. وإصدار حكم واختزاله بهذه الطريقة في مثل هذه الحالة خطأ من عدة وجود.

صحيح ان في الوهابية اليوم وقبل اليوم أيضا مبالغات وتطرف في بعض الأمور، ومع ذلك ليس من الإنصاف إعدام حركة هكذا بجرة قلم، ومحو من تأثر بها من غير الرجوع إلى تفاصيل الأمور.

ومن بين ما ينبغي الوقوف عنده في هذا الموضوع في تقديري هو:

أولا: أن الحركة الوهابية التي نشأت في الجزيرة العربية، كما نشأت عشرات الجماعات في العالم، لتدارك من فقدته الأمة من أصول وفروع دينها، بسبب التخلف الذي أصابها والبدع والتحريفات التي طالت دينها، ومن تلك الجماعات، الحركة السنوسية في ليبيا، والحركة المهدية في السودان، والجماعة الإسلامية وجمعية العلماء في شبه القارة الهندية، وجماعة الإخوان المسلمين في مصر، والحركة السلفية في المغرب، وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الجزائر، والحزب الإسلامي في أندونيسيا وفي ماليزيا…إلخ، وكان لكل حركة من هذه الحركات الموزعة في العالم الإسلامي انشغال تميزت به، منها من انشغل بالعمل السياسي، ومنها من اهتم بالتربية والتعليم، ومنها من جمع بين الأمرين، ومنها من اهتم بالتعليم الديني فقط وركز عليه…، وكان ما تميزت به الحركة الوهابية في جزيرة العرب، هو محاربة مظاهر الشرك، التي كانت مستشرية في العالم الإسلامي يومها، كدعاء القبور والتوسل بها والتمائم والتعويل على الكرامات واعتبارها آيات صلاح الناس، والتقليد الأعمى والتعصب المذهبي العقدي والفقهي…إلخ، فاعتمدت المذهب الحنبلي في الفروع والأصول، وانطلقت من إسقاطات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، باعتباره من أبرز من تصدى لمحاربة البدع والخرافات في عصره، وبناء الدين على أصوله التي كان عليها أهل القرون الثلاثة الأولى، وما زاد من قوة الحركة الوهابية وفاعليتها وانتشارها، هو التحالف الذي وقع بين آل الشيخ وهم عصبة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وآل سعود الذين يحكمون البلاد، أحدهما يمثل السلطة الدينية، والآخر يمثل السلطة السياسية، وقد تميزت الحركة الوهابية بهذه الميزة دون غيرها من الحركات في العالم الإسلامي، بفضل هذا التحالف، وأبرز الدولة السعودية على أنها هي الدولة الإسلامية الوحيدة في العالم، وفي ذلك نظر بطبيعة الحال.

والوهابية حركة لها وعليها، مثل غيرها من الجماعات التي أشرنا إليها وغيرها، فهي كأي تجربة إنسانية بشرية، ليست كوكبة من الملائكة، وفريقا من الشياطين، ولذلك أصابها ما أصاب جميع المجموعات البشرية، من اختلاف وتنوع وتنازع وتفرق..إلخ.

وهو ما يحتاج إلى لفت الانتباه اليوم؛ لأن الحركة الوهابية لم تبق على نفس النهج والانضباط، اللذين كانت عليهما، ولا بقيت على التقيد بأصول الفكر الإسلامي، المستمد من فكر ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية رحمهما الله، إذ سرعان ما تقهقرت المبادئ والتطبيقات، بحيث لم يبق من الحركة الوهابية الإحيائية، إلا أشكال من التدين ومظاهره الخاوية من روح الوحي وجوهره، لما طرأ فيها على ممارسات التدين من جفاف وظاهرية مفرطة، مما جعل الحركة الوهابية نفسها تنقسم عبر الزمان إلى وهابيات مختلفة، ومجموعات متخصصة في التكفير والتفسيق والتبديع إلى الجرح والتعديل، فيما يعرف اليوم بالسلفية العلمية والسلفية الجهادية والتكفيريين…إلخ، حتى أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الذي بلغ مستواه الفكري إلى طرح فكرة إبطال المنطق الأرسطي، في كتابيه العظيمين: “نقض المنطق” و”الرد على المنطقيين”، هذا العالم العظيم اختُزِل في مسائل كلامية وفقهية خلافية منذ الصدر الأول، وقُزِّم إنتاجه الفكري في قضايا كثير منها لا يسمن ولا يغني.

وعندما نقول إن الوهابية ليست على نسق واحد من تأسيسها إلى اليوم، فإن ذلك يحتم علينا التفريق بين المراحل الزمانية والفوارق التي بينها وما بقي من أصولها وما اندثر، وما هو صالح وما فسد، فإننا نقع في التعميم الذي يرفضه العلم والإنصاف.       

ثانيا: أن الشيخ الطيب العقبي وإن سلمنا جدلا كما قلت أنه تأثر بأصول دعوة محمد بن عبد الوهاب في الخليج، فإنه لم يكن مقلدا أعمى وإنما كانت له اجتهاداته التي لم يعرفها الوهابيون في زمانه ولا مَنْ جاء بعدهم، فالوهابيون إلى عهد قريب يحرِّمون التصوير، والشيخ الطيب كان “يتصور”، التصوير الشمسي والسمعي البصري، وينشر الصور في جريدته “الإصلاح”، ولا يجيزون العمل الجماعي خارج إطار السلطة، والشيخ الطيب كان من المؤسسين لجمعية العلماء، وهم كانوا لا يخرجون في العموم على المذهب الحنبلي، والشيخ الطيب كان في الجزائر منضبطا بأصول المالكية، ويخرج عن المذهب عندما تقتضي الفتوى ذلك، كغيره من إخوانه العلماء، الذين يمقتون التعصب.

لقد كان الشيخ الطيب العقبي رحمه الله ابن عصره في حركته الإصلاحية، إذ كان يمارس السياسة عندما كان في مكة يرأس تحرير جريدة القبلة، وأبعد من الحجاز إلى تركيا لأسباب سياسية، وعندما عاد إلى الجزائر أول ما قام به هو إنشاء جريدة الإصلاح في بسكرة، وبدأ نضاله كغيره من المصلحين، بالالتقاء مع من يشاركونه الهم الإصلاحي الدعوي، ثم دعي إلى العاصمة من قبل جماعة من أعيانها عندما أسسوا نادي الترقي ليلقي فيه الدروس، وبدأ درسه في التفسير واستمر فيه إلى أن توفاه الله في ستينيات القرن الماضي، وكان من المؤسسين لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان في وفد المؤتمر الإسلامي الذي سافر إلى فرنسا؛ بل كان أشد الناس بلاء إلى جانب أخويه الشيخين عبد بن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي، حيث اتهم باغتيال مفتي العاصمة الشيخ كحول بن دالي رحمه الله الذي أغتيل في شارع “لالير”، بوزينة أحمد حاليا، في الوقت الذي كان تجمع المؤتمر قائما يعرض أعماله، بحضور الطبقة السياسية الوطنية كلها ومنهم الشيخ الطيب العقبي.

عندما جاء الشيخ الطيب العقبي إلى العاصمة لم يكن  هناك أي نشاط ظاهر في الساحة، وإنما كان هناك تدين تقليدي، يغلب عليه التدين الشعبي الطرقي الخافت، فلما جاء العقبي أحدث حركية لم تكن من قبل، فأصبح يدرس في المساجد ويغتنم الأعراس والمآتم وكل اللقاءات الاجتماعية لإلقاء كلمة تذكيرية تذكرهم بالله وبالعبادة وبعلاقات الرحم والجوار والأخوة الإسلامية المتينة… وحكى لي الحاج مشنوعة رحمه الله وهو أحد مريديه، أنه كان يرافقهم إلى أماكن يتعاطى فيها الناس الخمور لينهاهم ويذكرهم، بحيث تشكل فريق من أولئك الشباب الذين كانوا “ضائعين” من الذين أنقذهم الشيخ الطيب مما كنوا في من انحراف، وأصبحوا يسمون “بالجيش الأزرق”؛ لأن هؤلاء الشباب الذين اتبعوه كانوا من العاصميين معتادين على لبس “بلو دو شونغاي” البدلة الزرقاء التي يعرفها كهول وشيوخ القصبة إلى اليوم، وهو لباس يعرف به عمال البحر. قال لي ذات الأستاذ أرزقي بسطة وهو من ضباط جيش التحرير وهو عاصمي من أبناء القصبة “إن الشيخ الطيب العقبي أول ثوري في الجزائر”، ذلك أنه أعلن الثورة على الخرافة والتدين الزائف الذي لبس به الخرافيون على الناس، قبل أن تعلن الثورة على فرنسا.

فالشيخ الطيب لم يكن من هوات تكفير الناس، ولا من المنشغلين بمعاصيهم، بقدر ما كان مهتما بدعوتهم إلى الدين الخالص والتوحيد الصافي…، ولكن المتضررين من خطابه هم الذين أشاعوا عنه تهمة الوهابية، وهي تهمة ألصقت بكل الإصلاحيين، كما ألصقت بهم العبداوية –نسبة لمحمد عبده-، والمتتبع لحركة الإصلاح في الجزائر يلاحظ أن الكثير من العلماء ممن لم يعرفوا الوهابية ولا كانت لهم علاقة بها، أنهم كانوا أشد محاربة للبدع وأقسى على الطرق الصوفية المنحرفة، من الشيخ الطيب الذي أشتهر بذلك دون غيره، أمثال الشيخ أبو يعلى الزواوي والشيخ مبارك الميلي والشيخ العربي التبسي والشيخ محمد البشير الإبراهيمي.

إن حياة الشيخ الطيب العقبي رحمه الله شخصية غنية، لا تزال غير مبحوثة بالقدر الكافي، ورغم أن الدكتور أحمد مربوش له دراسة أكاديمية هامة، إلا أن هذه الدراسة غير كافية لأنها لا تتجاوز ما نشر عن الرجل أو بعض المقابلات، في حين أن شخصية الشيخ الطيب لها تشعباتها وشبكة علاقاتها، في مجتمع لا يكتب، تضيع الكثير من الحقائق، إلا ما حفظ عن طريق المذكرات التي تصدر بين الحين والآخر.

آخر التغريدات: