الشهيد بوشْمال الساعد الأيمن لابن باديس

الشهيد بوشْمال الساعد الأيمن لابن باديس

بقلم: محمد عباس –

الشهيد أحمد بوشمال من رجالات الظل التي لعبت دورا رائدا في الحركة الإصلاحية، وللتدليل على ذلك يكفي أن نذكر: ❊ أن “المطبعة الإسلامية الجزائرية” – السند الحاسم لأفكار هذه الحركة وجهدها- أشتريت باسمه – مناصفة مع رفيقه وصديقه خليل  (الزواوي) بالڤشي. ❊ أنه رابع أربعة شهداء من معهد ابن باديس وهم على التوالي: أمينه العام أحمد رضا حوحو، ومديره الشيخ العربي التبسي والشيخ محمد العدوي من أساتذته، فضلا عن مقتصده الشيخ أحمد بوشمال. ومن غريب الصّدف أن المطبعة التاريخية للحركة الإصلاحية تم شراؤها في 16 أبريل 1925 الذي صادفته وفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس – في نفس اليوم – بعد تمام 15 سنة، وهي الذكرى التي أصبح يحتفل بها سنويا غداة الاستغلال باسم “يوم العلم”.

ولد الشهيد أحمد بوشمال بقسنطينة في 25 يناير 1899، وسط أسرة نزحت إلى المدينة من شمال المنطقة؛ فوالده إسماعيل ينحدر من عرش بني عمران (الطاهير – جيجل)، بينما تنحدر والدته من عرش أولاد عطية (القل – سكيكدة)..

تعلم مبادىء القراءة والكتابة بكتّاب “سيدي ياسين” في حي سيدي جليس، وواصل تعليمه التقليدي به إلى أن ختم القرآن الكريم.

ورغم تعطشه للدراسة ورغبته القوية في المزيد، إلا أن حاجة والده -صانع الأحذية التقليدية- إلى مساعدته أفسدت عليه مشروعه في هذا الباب، ووجهته إلى تعلم وإتقان حرفة آبائه، ومع ذلك ما لبث طريقه أن تقاطع مع طريق الشيخ عبد الحميد بن باديس العائد من جامع الزيتونة والذي بدأ في غضون الحرب العالمية الأولى وبعدها يتلمس نهجه في الإصلاح التربوي والديني، ويبحث عن مريدين وتلاميذ لمساعدته في حمل الأمانة الثقيلة.

كان ذلك في كُتّاب صالح الجنّان والد صديقه ورفيقه في الحركة الإصلاحية عبد الحفيظ جنّان، حيث شرع ابن باديس في التدريس، قبل أن يستقر بها المقام بالجامع الأخضر الشهير.

مطبعة أسناد الحركة الإصلاحية

كان ابن باديس يومئذ مجددا في علمه ولغته وأسلوبه التربوي، ما جعل الشاب أحمد -أسوة بالعديد من أندانه- يتعلق به إلى حد الشغف رغم انشغاله في حرفة والده، وما لبث هذا التعلق أن تجسد في تطوع لمؤازرة هذا الرائد، حامل لواء الإصلاح التربوي والديني. وكانت البداية الواعدة باشتراء ما أصبح يعرف “بالمطبعة الإسلامية الجزائرية” في ربيع 1925 -كما سبقت الإشارة- وهي الخطوة الأولى التي تلتها مباشرة خطوة إصدار صحيفة “المنتقد” التي أصبح أحمد بوشمال مدير نشرها، أسوة بـ “الشهاب” التي خلفتها بعد فترة قصيرة.

كان بوشمال في تلك الانطلاقة الجريئة -المستقلة- والصعبة في نفس الوقت أحسن عون لحامل قضية الإصلاح، رفقة مدير المطبعة المصفف السّابق خليل بالڤشي وإسمايل صحراوي مدير المستخدمين.

مغزى هذه الانطلاقة -التاريخية- وأبعادها لم تكن لتخفى على إدارة الاحتلال وأوفيائها في الحركة الطرقية خاصة، لذا جاء رد فعلها سريعا كما يشهد بذلك الاعتداء الذي استهدف اغتيال بن باديس في 14 ديسمبر 1926، وكذلك الاعتداء الذي استهدف بوشمال نفسه ناحية الجلفة سنة 1927.

وعندما أسس ابن باديس جمعية التربية والتعليم التي فتحت مدرسة بنفس الاسم، كان بوشمال إلى جانبه في كل ما يتعلق بالإجراءات الإدارية.. أسوة بملحقات المدرسة بعد أن أضافت الجمعية الأم بندا إلى قانونها الأساسي، يخول لها تأسيس مدارس فرعية بمختلف أنحاء عمالة قسنطينة في كامل شرق البلاد..

وشهد عام 1935 تدشين مقر جديد لجمعية التربية والتعليم بفضل جهود الشيخ بوشمال دائما، وما لبث هذا المقر أن أمسى زاخرا بالنشاط، بعد أن أصبح يحتضن ناديا للشباب وإلقاء محاضرات أسبوعية، فضلا عن فتح أقسام لتعليم الصغار، وبعد وفاة العلامة ابن باديس سنة 1940 آلت رئاسة الجمعية إلى شيخنا، بعد خلافة أولى لم تكن موفقة كثيرا.. وعندما اتفق رفاق الرئيس الراحل على اسناد أمانة جمعية العلماء إلى الشيخ البشير الإبراهيمي وهو في منفاه بآفلو (الأغواط)، واصل الشيخ بوشمال نفس المهام التي كان يضطلع بها مع سلفه وبنفس الوفاء والحماس.

طرفة العالم.. والمعلم

ومما يذكر في هذا الصّدد أن الحرب العالمية الثانية ما فتئت أن ألقت بمتاعبها على النشاط السياسي والثقافي بالجزائر، وامتد ذلك إلى “المطبعة الإسلامية الجزائرية” التي يديرها شيخنا فكسدت معاملاتها، لكنه عز عليه أن يسرح عمالها، بعد أن وجدوا أنفسهم في بطالة تقنية رغم تزايد تكاليفهم وأعبائهم، وللخروج من هذا المأزق الاقتصادي الاجتماعي استشار بعض رفاقه، ومنهم الشيخ محمد الصالح رمضان الذي أشار عليه بإعادة طبع صحيفة الشهاب حسب تبويبها، مع تخصيص كتاب لكل باب منها، على أن يقرن ذلك بإحياء ذكرى صاحبها الشيخ ابن باديس..

وقد تجسد هذا المشروع فعلا وتم إصدار كذا من كتاب تحت عنوان: “تفسير ابن باديس”، وذلك بمساعدة عدد من أساتذة الجمعية، أمثال الشيوخ محمد العابد الجلالي ومحمد الغسيرية ومحمد الصالح رمضان فضلا عن شاعر الجمعية محمد العيد آل خليفة..

ومن المواقف الطريفة الذي عاشها الشيخ بوشمال في ربيع 1944 إضراب عدد من طالبات المرحلة الإكمالية، على أستاذهن الشيخ أحمد حماني صديق الشيخ وصهره، فبعد أن ذهبت جهود مدير مدرسة التربية والتعليم في إقناعهن أدراج الرياح، استعان برئيس جمعية المدرسة الشيخ بوشمال الذي تطوع لهذه المهمة الدقيقة وحاول إقناعهن بالحجة التالية: أن لا حق لهن في الإضراب على أستاذ حائز على شهادة العالمية من جامع الزيتونة، وهي أعلى من شهادة التطويع التي كان يحملها الفقيد ابن باديس نفسه!

وكان رد إحدى الطالبات مفاجئا حقا: لقد ردت باختصار “نعم يا سيدي! نحن لم ننكر أن يكون أستاذنا عالما، لكن أنكرنا فقط أن يكون معلّما!”..

وجاءت مجازر 8 مايو 1945 بعد نحو سنة من ذلك، فطالت ويلاتها أطراف ائتلاف “أحباب البيان والحرية” بدون تمييز بين وطني أو إصلاحي… سارعت إدارة الاحتلال بغلق مدارس جمعية العلماء في 14 مايو، مباشرة بعد حل الإئتلاف الوطني الإصلاحي.

لكن بمجرد إعلان السلطات الفرنسية إجراءات العفو العام في مارس 1946، سارع شيخنا بعقد ندوة لأعضاء الجمعية والمعلمين الأحرار العاملين بمدارسها، قررت إعادة فتح هذه المدارس دون انتظار الإذن بذلك من أحد.

وفي صائفة نفس السنة عقدت جمعية العلماء إجتماعا عاما، جددت فيه هياكلها استعدادا لفترة ما بعد الحرب وآفاقها. وبموجب ذلك انتخب الشيخ بوشمال عضوا في المجلس الإداري (المكتب التنفيذي)، ثم أمين مال مساعد للشيخ محمد خير الدين وبناء على ذلك أصبح بمثابة المسير الفعلي لمالية الجمعية، المكلف كذلك بالسهر على تنظيم اجتماعاتها الدورية. وما لبث أن كسب ثقة الرئيس الثاني لجمعية العلماء الذي كان كثيرا ما يصطحبه في تنقلاته عبر الوطن، فضلا عن تفويضه مهمة الاتصال بمختلف الجمعيات المحلية وشعب الجمعية، وعندما قررت رئاسة جمعية العلماء إعادة التعليم الثانوي إلى قسنطينة ـ بعد أن نقل مؤقتا إلى تبسة إثر وفاة ابن باديس ومضايقات ظروف الحرب ـ عين الشيخ في لجنة إنجاز مشروع معهد ابن باديس الذي فتح أبوابه في ديسمبر 1947. كما كلف لاحقا في إطار استكمال هذا المشروع بإنجاز دار للطلبة مجهزة بمطعم، أصبحت جاهزة للاستقبال خلال 1953، علما أن الطلبة كانوا يتوافدون على المعهد من مختلف أنحاء البلاد..

(مطبعة في خدمة جبهة التحرير)

وغداة إعلان ثورة فاتح نوفمبر 1954، وتبين الخيط الأبيض في أمرها ومن يقف وراءها، استطاعت جبهة التحرير الوطني أن تنشئ خلايا تابعة لها، بكل من المعهد ومطبعة الجمعية ودار الطلبة.

وفيما يخص الشيخ بوشمال فقد وضع المطبعة في خدمة الجبهة، لنشر فداءاتها وإعداد بعض وثائقها الإدارية، على غرار بطاقات جنود جيش التحرير الوطني.. وكانت الجبهة بدورها ـ بواسطة الولايات الثانية ـ لا تبخل بالمساعدة، مثل دعمها لمعهد ابن باديس بمبلغ 5 ملايين فرنك (قديم، أي سنتيم) بعد أن وجد صعوبة في دفع مستحقات مستخدميه، باختصار وجد شيخنا نفسه في دوامة ثورة التحرير، مستقطبا مثل العديد من رفاقه شبهات الأمن الاستعماري، لا سيما بعد “انكشاف أمر الخلية الرئيسية بالمعهد، والتحاق معظم عناصرها بتونس خاصة” وقد أصبح الشيخ في احتكاك مباشر برجال الأمن الذين كانوا كثيرا ما يطرقون باب مكتبه للسؤال عن هذا الأستاذ أو ذاك.

وأثناء إضراب الأيام الثمانية مطلع 1957 فضل الشيخ أن يرابط بدار الطلبة ـ طوال مدة الإضراب ـ لتطمين سكانها الذين وجدوا فيه نعم السند المعنوي.

حضر الشيخ عقب ذلك اجتماعا طارئا سريا بالعاصمة، للبقية الباقية من مسؤولي جمعية العلماء، بعد اختطاف الشيخ العربي التبسي نائب رئيس الجمعية مساء 4 أبريل من نفس السنة. وقد توج الاجتماع الذي حضره كذلك الشيوخ علي مغربي وعبد اللطيف سلطاني وأحمد حماني ومولود النجار ومحمد الطاهر الساحلي ـ ببيان يحمل السلطات الفرنسية مسؤولية اختطافه وما يمكن أن ينجم عنه، بعد أن سجل أن المختطفين الذين افتحموا أسوار مسكن الشيخ ببلكور، كانوا مسلحين يرتدون الزي العسكري الفرنسي. 

تقرير مصير “عدو ذكي”!

ويبدو أن سلطات الاحتلال بقسنطينة قررت مصير الشيخ بوشمال ـ “العدو الذكي” في نظرها ـ حيث كان في مهمة بتكليف من قيادة الولاية الثانية، كان ذلك في 11 أوت 1957. وعندما نقل الأسير إلى قسنطينة لاستكمال التحقيق معه ـ تحت سياط التعذيب ـ بعد أربعة أيام قال له جلادوه إن الشيخ بوشمال سارع إثر اعتقاله إلى الاتصال بمقر جمعية العلماء في العاصمة للاستفسار عنه. وما لبث أن ألحق به في 17 أوت بمركز العبور والفرز في حامة بوزيان. وقد رآه الشيخ حماني عن بعد دون التمكن من الحديث إليه.

وبعد أيام معدودة بالمركز أفرج عنه، لعدم توفر ما يبرر حبسه من وقائع أو أدلة.

وفي ربيع 1958 اعتقل من جديد وعذب عذابا شديدا، دون الحصول منه على ما يمكن أن يدان به. وقد غادر المعتقل بعد فترة، مقوس الظهر هذه المرة جراء ما عانى من تعذيب، وكانت الخاتمة مساء 13 سبتمبر 1958، عندما اختطف من بيته تحت جنح الليل، ولم يظهر له أثر بعد ذلك. وقد علم أقاربه لاحقا أنه اقتيد مباشرة إلى مزرعة أمزيان (حي الشهداء حاليا)  منكودة السمعة، بعد أن حول القمع الاستعماري اسطبلاتها إلى أوكار للتعذيب والقتل بدون محاكمة. وفي هذا الوكر الرهيب دعي ذات ليلة من قبل جلاديه، ليختفي إثر ذلك إلى الأبد، ولتضليل عائلة الشهيد لم تتحرج إدارة هذا الوكر من ترويج إشاعات، تفيد باحتمال نقله إلى معتقل وادي العثمانية تارة، ومعتقل فج مزالة (فرجيوة) تارة أخرى.

وفي 17 أكتوبر الموالي تحسست زوجته الخطر، فراسلت العقيد “أَشْت” مدير مركز الحامة للعبور والفرز تسأل عنه، فأحالها على العقيد “جاني” قائد قطاع قسنطينة الذي رد على الزوجة المعذبة زاعما أن المعني أفرج عنه في 2 أكتوبر أي بعد نحو أسبوعين من اعتقاله، وذلك لعدم ثبوت ما يدينه!

وبعد حوالي سنتين أعادت الزوجة الحائرة الكرة بمراسلة عامل قسنطينة، وذلك في 30 أوت 1960، وقد ذكّرت السيد العامل بما حدث لزوجها المختفي منذ اعتقاله مساء 13 سبتمبر 1958 وكان الجواب بواسطة رئيس ديوان العامل الذي زعم أن الشيخ بوشمال أفرج عنه بعد دراسة حالته في 20 أكتوبر 1958.

وهكذا أصبح يوم الإفراج المزعوم تاريخا لاستشهاده!

والعبرة مما حدث للشهيد بوشمال أن العدو كان شرسا مع “أعدائه الأذكياء” ولم يكن حاله كذلك بكل تأكيد مع “أعدائه الأغبياء”.. طمعا في احتمال تحويلهم إلى أعداء للقضية التي ثاروا من أجلها! أي أن العدو يقرأ كذلك حساب الجهل، وإمكانية تحويله إلى سلاح فتاك ضد “الأعداء الأذكياء”!

آخر التغريدات: