الثوابت والمتغيرات في الفكر الباديسي

بقلم: محرز زيتوني –

أوحى الله إلى موسى – عليه السلام – فقال: ( يا موسى إني أعظك بحكمتي، فإن انتفعت بها، فعظ الناس، وإلا فأستحي مني… ).

قليل هم الرجال في عصور الانحطاط …وقليل هم الثابتون في وجه الموت، والانحلال، والتميع …ومن هؤلاء القلة، كان الشيخ عبد الحميد بن باديس – رحمه الله -، عاش مجاهدا ومات مجاهدا، عاش للجزائر ومات لها، وهب للجزائر نفسه، وشبابه ،ووقته، فوهبته الخلود في قلوب الصادقين، وغصة في صدور الجاحدين، حيث وهبه الله قدرة على كسب القلوب، قبل كسب المواقف ،وقدرة عجيبة على تجميع الأمة حول هدف أسمى، فكان إرهاصا لثورة نوفمبر الخالدة  ،وكان تلاميذه قادة لثورته المباركة المظفرة.

كأن الرسول – صلى الله عليه وسلم – يتحدث عنه في قوله رحم الله خلفائي ،قال الصحابة: ألسنا  خلفائك يا رسول الله ؟ قال: انتم أصحابي، ولكن خلفائي الذين يأتون بعدي،ويتعلمون سنتي، ويعلمونها الناس).

لن نتناول – في هذه المقالة – حياة- ابن باديس– رحمه الله، ولكن سنحاول التطرق إلى الثوابت، والمتغيرات في فكر هذا العلامة.

الإشكالية:

إن الحقيقة الإسلامية للمعرفة، مبنية على أبعاد ثلاثة لا محيص عنها، وهي: التاريخ ،والغيب، والمنبع(1)وعلى هذه الأبعاد الثلاثة، قام قانون الثوابت والمتغيرات ؛ فالثوابت هي الإطار، والمتغيرات حركة داخلية داخل الإطار  واحد (2)وقد تتعدد ألوانها، وأشكالها، وأصبغتها، لا ينفصل الإنسان عن الكون والحياة، فهو فاعل فيهما، متفاعل معهما، ومن هنا نقول أن الكون في صورته العامة، ثابت ولكنه في الواقع متحرك  )ليل ، نهار ، ظلام ، نور…) وهكذا جوهر الإنسان ثابت، رغم تباين واختلاف أعضائه.

ولكن عند الغرب، يأخذ المفهوم معنى آخر هذا المفهوم للثوابت والمتغيرات، فقد نادى أرسطو بالثبات المطلق، الذي ساد حتى عصر النهضة، ونادى داروين بالتطور المطلق في نظريته المشهورة – نظرية النشوء والارتقاء – ونادى هربرت سبنسر بالتطور الاجتماعي، وهيجل رأى أن الحياة تتغير كلها، في نظرية التغير المطلق، وللأسف في الفكر الغربي، ليس هناك أفكار ثابتة، فحتى فكرة الله ،والحق ،والرسالات غير ثابتة، فالإنسان عندهم كلما ارتقى معرفيا، يمكنه أن يستغني عن الله.

إن من أهم أسس قانون الثوابت والمتغيرات في الإسلام:

1- ثبات الفطرة: فعلى الرغم من تغير مصالح الحياة الخمسة ( المال، الدين، الحياة، العقل، النسل) ؛ فالفطرة هي دون تغير، منذ خلق الله عز وجل آدم عليه السلام وإلى الفناء.

2- ثبات السنة الإلهية في حركة الكواكب، وفي نظام الحياة: تتغير الأساليب، ويبقى الجوهر واحد (كسب المال، كسب العلم، مثلا …)

الإنسان في الإسلام، ثابت الجوهر، متغير الصورة، ثابت الهدف، متغير الوسائل، ثابت الإطار، متغير الأطراف(3) قانون الثبات دعامة أساسية، لقيام كيان الأمة، فكيف يكون البناء في الفراغ ؟ فالنهضة مهما قويت لبانتها، واستحكمت عراها، مآلها الزوال والتلاشي، إذا كانت قاعدتها هشة.

ومن أهم مظاهر الثبات في الإسلام:

أ- القرآن: مثل الكعبة يطوف حولها الحجاج، فكل حركة في الإسلام، يكون وراءها القرآن وإلا فقدت صفة –الإسلامية-، حتى حركات الفرد المحدودة في حياته و معاشه، متى خرجت على نطاق القرآن،عدت إثما ومعصية، وفقدت شرعية وجودها،والقرآن في مفهومه الواسع، يعني الإسلام بكل أبعاده.

ب – اللغة: فمن خصائص العربية ( لغة القرآن الكريم )، ثبات حروفها  الأصلية  رغم تغير صيغها واشتقاقها (4).

ج-الوطن: ولا نقصد به تلك الرقعة الجغرافية، التي أصبحت عند البعض وثنا يعبد، ولكنه ذلك الوطن الإسلامي الواسع، وهو الامتداد الزماني، والمكاني لصوت المؤذن، وهو كل أرض يرفع فيها – لا اله إلا الله محمد رسول الله –

وطني الإسلام  لا وطن لي سواه وإن تغنوا بقيس أو تميم.

هل معنى هذا إن في الإسلام ثبات مطلق ؟ وطبعا الإجابة واضحة:

إن الأصول ثابتة ؛لأنها ربانية والتطبيق وضعي؛ لأنه بشري … فأبواب الاجتهاد مفتوحة، لذوي الاجتهاد، والعقل سياحته مطلقة، والإنسان مطالب بالحركة، لخدمة أمته وحضارته، ولكن دائما في الإطار العام للإسلام، وإلا تشوهت الصورة، واستحالت الحياة.

ما هي الثوابت في فكر بن باديس؟

وما هي المتغيرات التي تحرك من خلالها، لإيصال رسالته الربانية؟

• كيف وازن – ابن باديس – بين الثوابت والمتغيرات، وقدم صورة ناصعة للإسلام الواقعي؟

تمهيد:

ولد عبد الحميد بن محمد بن المصطفى بن مكي بن باديس – رحمه الله –ليلة الجمعة الرابع من شهر ديسمبر 1989، بمدينة قسنطينة، والده من أعيان قسنطينة وأشرافها، وأمه من أسرة مشهورة بالعلم والأخلاق(5) ، حفظ القران الكريم، وعمره 13 سنة ،ثم تلقى العلم على يد الشيخ – حمدان لونيسي – ثم بجامع الزيتونة على يد محمد النخلي، ومحمد الطاهر بن عاشور، وغيرهم كثير… رحل في عام 1908 إلى تونس للدراسة، وفي عام 1913رحل إلى بيت الله الحرام، ثم طاف ببعض بلدان الشام، ولعل من أهم العوامل التي كونت شخصيته الإسلامية نذكر(6):

قدرة أساتذته ونصحهم له، ومن هؤلاء من أوصاه أن يتعلم العلم لا للرغيف، ولا للوظيفة

مساعدة رفاقه في جمعية العلماء له، ومما قاله ذات يوم: إخواني الأقوياء، مهما وقفت موقفا إلا وجدتهم معي.

تأثره بالقران الكريم، حفظه وعمره 13 سنة، وأتم تفسيره في جوان 1938.

* شخصية ابن باديس الخصبة الثرية، أو قل مواهبه وقدراته الفطرية، فقد كان بليغا، وصحفيا نشيطا، وشاعرا مؤثرا،ومصلحا دينيا عاملا.

* أصيب –رحمه الله – بسرطان الأمعاء، ولم يتفرغ لعلاجه ،فقضى عليه ليلة الثلاثاء 8 ربيع الأول 1359ه الموافق لـ 16 أبريل 1940 م، ودفن بمقبرة آل باديس ،رغم إلحاحه في وصيته بدفنه في مقبرة شعبية عامة(7).

* من أهم أثاره: تفسيره للقرآن الكريم – رجال السلف ونساؤه – مجموعة دروسه، التي  ألقاها في المسجد الأخضر بقسنطينة – العقائد الإسلامية.

* أسس – رحمه الله – مع رفاقه، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي ترأسها في 5 ماي 1931، قبل إرهاصات الثورة التحريرية المباركة.

الثوابت في فكر ابن باديس:

لقد أجملها -رحمه الله –في مقولته الشهيرة: )الإسلام ديننا، والعربية لغتنا ،والجزائر وطننا ( أو في قوله شعرا: شعب الجزائر مسلم  …. ……  وإلى العروبة ينتسب.

أولا الإسلام:

لننطلق ونقول معه)الإسلام، هو الأساس الذي يجب أن يبنى عليه كل عمل للجزائر، والنهج الذي يجب أن يسير فيه، كل من يتولى قيادة ناحية من نواحي سيرها في الحياة، وكل من حاد قولا ،أو عملا، فإنه يعد خائنا للأمة، ويجب أن يعامل بما يستحق الخائنون (، لم يكن – رحمه الله – كما يصوره البعض، رجل زاوية، وشيخ طريقة،الذين أماتا الإسلام في طقوس تعبدية، بعيدة عن معترك الحياة، بل نجده يقارن في إحدى مقالاته الصادرة بالشهاب، بين الإسلام الذاتي، والإسلام الوراثي فيقول:( إن الإسلام لا يمكن أن ينهض بالأمم، إنها لا تنهض إلا بعد تنبه أفكارها، وتفتح أنظارها، والإسلام الوراثي ؛مبني على الجمود والتقليد، فلا فكر فيه ولا نظر، أما الإسلام الذاتي؛ فهو إسلام حياة، وفكر، وإيمان، وعمل …(.

• ويرى ابن باديس أن نهضتنا، نهضة بنيت على الدين أركانها، فكانت سلاما على البشرية، ) لا يخشاها والله، لا النصراني لنصرانيته، و لا اليهودي ليهوديته، بل و لا المجوسي لمجوسيته، لكن يجب و الله، أن يخشاها الظالم لظلمه، والخائن لخيانته، و الدجال لدجله..(. (8)، هذا هو الإسلام، لا يعادي أصحاب الديانات، إذا كانوا مسالمين ؛فهو عدو للظلم في جميع أشكاله، و من أي مصدر كان، و لو كانوا أهله، هذا هو التصور الباديسي (القرآني)، للقضية الكبرى، لم ينظر للقضايا الاجتماعية  المتعفنة، و راح يطبب، و يرقع بتمزيق الدين، بل قدم الحل الجذري، و الدواء الشافي الكافي، الذي يستأصل شأفة الشر، و يقتص جذوره، فقال -رحمه الله -: )إن القرآن الذي كوّن رجال السلف، لا يكثر عليه أن يكوّن رجالا من الخلف – لو أحسن فهمه، و تدبيره، و حملت الأنفس على منهاجه( ثم يصرخ بصوت مدوي، وكأني به يعيش بيننا، أين كثر الناعقون،و اختلط الحابل بالنابل: – ) لا نجاة لنا  إلا بالرجوع إلى القرآن، إلى علمه، و هديه، وبناء العقائد، والأحكام، والآداب عليه(، وقد تشبع- رحمه الله – بالإسلام الشامل، فكان يتحرك على جميع الأصعدة، حتى على الصعيد العسكري، و قد يرى البعض أن هذا تهويل، و تضخيم، لدور الرجل، فلا بأس أن نذكر – لعل الذكرى تنفع المؤمنين – إن ابن باديس صرح أوائل 1940 قبل وفاته: )و الله، لو وجدت عشرة من عقلاء الأمة الجزائرية، يوافقونني على إعلان الثورة، لأعلنتها(.(9)

و من  الشهادات على عمل بن باديس- رحمه الله -:

قول أحد المستعمرين: )إن ازدياد نفوذ العلماء، هو الخطر الحقيقي على السيادة الفرنسية في الجزائر، لأنهم يكونون الإنسان المسلم الحقيقي، الذي يتحتم أن يجهل، و يحتقر كل من هو غير إسلامي(.(10)

ولإبراز مواقف أخرى مشرفة للعلامة ابن باديس، أحيلكم على كتاب:جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ودورها في تطور الحركة الوطنية الجزائرية من 1931- 1945 (11).

نجمل القول، أن الإسلام الذي نادى به بن باديس واقعي، باعتباره يتوفر على خصائص واقعية للدعوات: الذاتية، الشمول، التقدمية.

ثانيا: اللغة العربية

في فكر بن باديس، لا بقاء للإسلام إلا باللغة، فيقول: (أعلموا أن لا بقاء للإسلام إلا بتعليم عقائده،  و أخلاقه، وآدابه، وأحكامه، وإنه لا تعليم له، إلا بتعليم لغته، فناصبوا تعليمها العداء، و تعرضوا لها، ولمن يتعاطها بالمكروه والبلاء).

ومن هنا، نعرف لماذا كثرت الدعوات إلى  اللهجات،  و ضرورة جعلها لغات رسمية، و إحياء التراث الشعبي، وتشجيع البحوث في هذا الميدان ؟؟؟ …. إن الهدف الرئيسي تحطيم الإسلام، فكيف يفهم القرآن إذا غابت اللغة العربية؟

لقد كان لقانون 8 مارس 1938، الذي أصدرته الإدارة الفرنسية، تمنع فيه التدريس باللغة العربية، وقعا بليغا على  العلامة الرائد عبد الحميد بن باديس، فقد كتب آنذاك،كتابا مفتوحا إلى السيد الوالى العام، محذرا له من مغبة مس شعور الجزائريين في دينهم ،ولغتهم …فقد كانت اللغة ،إحدى ثوابت الأمة في فكر ابن باديس، (لأنها لغة الدين الذي هو سبب حياتنا، ومنبع سعادتنا …)، وكان لقانون – شوتان – أثرا بالغا في منع التعليم العربي، واعتبار اللغة العربية لغة أجنبية  في الجزائر، لا تعلم إلا بترخيص خاص، على أساس أنها لغة أجنبية في البلد … فماذا كان موقف ابن باديس؟ لقد كتب – رحمه الله – في جريدة البصائر: ( لقد فهمنا – والله – ما يراد بنا، وإننا نعلن لخصوم الإسلام والعربية، أننا عقدنا على المقاومة المشروعة، وسنمضي – بعون الله – في تعليم ديننا، ولغتنا رغم كل ما يصيبنا،ورغم كل شيء، ولن يصدنا عن ذلك شيء، فالإسلام والعربية قضى الله بخلودهما ،ولو اجتمع الخصوم كلهم على محاربتهما).

لم يكتف ابن باديس بهذا البيان، بل وقع جملة مطالب رفعها إلى المؤتمر الإسلامي، ومنها : اعتبار اللغة العربية، لغة رسمية مثل اللغة الفرنسية، وتكتب بها مع الفرنسية كل المناشير الرسمية، وتعطى الحرية في تعليمها في المدارس الحرة كالفرنسية(12).

ثالثا- الوطن :

سأل – ابن باديس- نفسه، فقال: لمن أعيش ؟ فكان جوابه واضحا وضوح السؤال: ( أعيش للإسلام، وللجزائر.) وحتى لا تفسر إجابته تفسيرا خاطئا، يهتف بنا ( قد يقول قائل : إن هذا ضيق  في النظر، وقصور في العمل، وتعصب للنفس ،وتقصير في النفع … فليس الإسلام وحده دينا للبشرية، ولا الجزائر وحدها وطن الإسلام، ولكل دين من أديان الإنسانية حقه من الاحترام، ولكل وطن حقه من التقدير …فأقول: نعم) ، ويشرح هذا الموقف بالقول: الإسلام يحترم كل الإنسانية، ويقرر التساوي والأخوة، ويدعو إلى التعاطف، والتراحم، ويقرر التضامن الإنساني العام، ويعترف بالأديان الأخرى، ويقرر شرائع الأمم، ويأمر بالعدل العام، ويحرم الاعتداء … فلما علمنا هذا في الإسلام، فهو دين الإنسانية الذي لا نجاة لها ولا سعادة إلا به، وأن خدمتها لا تكون إلا على أصوله، وإن إيصال النفع إليها، لا يكون إلا عن طريقه ( فإذا عشت للإسلام، فإني أعيش للإنسانية لخيرها، وسعادتها في جميع أجناسها وأوطانها، وفي جميع مظاهر عاطفتها وتفكيرها، فهذا قولي، أعيش للإسلام …)، أما قوله: أعيش للجزائر، فيقول – ابن باديس – رحمه الله- فيشرحه : (  أما الجزائر.. هي وطني الخاص، الذي  تربطني به روابط من الماضي، والحاضر ، والمستقبل بوجه خاص، وكل مقوماتي مستمدة منه … وهكذا،ي كون من واجبي أن تكون خدماتي أول ما تتصل بشيء، تتصل به مباشرة ، فأنا في حاجة إلى رجاله، وإلى ماله، وإلى حاله، وآلامه، وآماله، فكل من يعمل لوطنه، يجد نفسه مع وطنه الخاص في مثل هذه المباشرة والاتصال)، وهذه الخدمة للوطن الضيق، تعود بالفائدة على جميع أوطان المسلمين في زمان ومكان …( فنحن إذا نخدم للجزائر، فلسنا نخدمها على حساب غيرها، أو للإضرار بسواها).

وبعد ذلك يقول في تأكيد وعمق : ( هذا  هو مرادي بقولي: إني أعيش للإسلام وللجزائر. فهل تعيشون مثلي للإسلام وللجزائر ؟ ) فيردد أتباعه دون تردد : ( نعم، نعم ) فيصادق الإمام على البيعة فيقول: ( فنقل كلنا : يحيا الإسلام. تحيا الجزائر … ) (13).

ويقرر –رحمه الله – في موضع آخر: ( إنما ينسب للوطن أفراده الذين ربطتهم، ذكريات الماضي، ومصالح الحاضر، وآمال المستقبل…والقيام بواجباته من نهضة علمية ،واقتصادية، وعمرانية، والمحافظة على شرف اسمه،  فلا شرف لمن لا يحافظ على شرف وطنه، ولا سمعة لمن لا سمعة لقومه…) فالوطن عند – ابن باديس – ، من الثوابت لا يقبل التجزئة ولا القبلية ولا الجهوية … فالكل عليه أن ينصهر فيه. ويكتب (رحمه الله) على رأس جريدة ( المنتقد ): الحق فوق كل احد، والوطن قبل كل شيء ) (14).

المتغيرات عند ابن باديس – رحمه الله -: كتب في رأس صفحة العدد الأول من الشهاب الشهري، هذه العبارة: )تستطيع الظروف أن تكيفنا، لكن لا تستطيع بإذن الله إتلافنا((15). واستمرت الشهاب في الصدور … فقد يغير المسلم أساليب عمله، ولكن الهدف يبقى واحدا، وهو مرضاة الله عز وجل.

كان منهج التغيير عند ابن باديس  – رحمه الله –، يرتكز على: )لا يصلح آخر هذه الأمة ،إلا بما صلح به أولها ( مقولة العلامة مالك بن أنس الشهيرة، فكانت خطوات المنهج الخمسة (16):

1- الإحساس بالمشكلة.

2– تحديد المشكلة ( حقيقة الإسلام الناصعة، وصورة المسلمين المشوهة).

3– افتراض الحلول؛ فقد كان يسير في منهجه التغييري ببطء، فقد غير شعار المجلة من ) العدل والمساواة في إعطاء جميع الحقوق، للذين قاموا بجميع الواجبات ( إلى شعار جديد هو  )على أنفسنا، ولنتكل على الله (.

4-تجريب الإمكانيات؛ ففي حسن فهم الإسلام، وحسن تدبره، وحمل النفوس على منهاجه، آمن ابن باديس بالثوابت، ثم راح يتحرك في الحياة عاملا لدينه، وأمته ، فالحياة باتساعها مجال الحركة … ففي ذروة الأزمة والصراع مع مشاريع الاستيطان والإستدمار، يكتب مع تقدير الأولويات / الإيمان هو:القاعدة – الأخوة – العزة في الله.

5- تطبيق المنهج.

خطوات التغيير عند ابن باديس:

كما بينها الأستاذ سلطاني في كتابه ( خطوات في العمل الاسلامي كما رسمها ابن باديس ):

1- مرحلة جس النبض:بدأ أولى الخطوات مباشرة بعد عودته من تونس، فقد حاول إلقاء دروس عامة في الجامع الكبير من كتاب الشفاء.

2- مرحلة التربص المغلق: عند رحيله من الجزائر للحج ( حوالي ستة اشهر ) ،التقى مع الشيخ البشير الإبراهيمي، وطرحت فكرة تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان التربص في البقاع المقدسة مفيدا؛ حيث ألقى دروسا في المسجد النبوي الشريف، أبرز فيها ما حل بالعالم الإسلامي من ويلات وظروف قاسية.

3 – مرحلة إعداد الأنصار: وذلك بتعليم الصغار القراءة،والكتابة، والقران، ومبادئ الدين. وهنا يبرز دوره في محاربة الطرقية المميتة، التي كان شعارها – اعتقد ولا تنتقد – فكانت مواجهة مفتوحة مع أتباعها،كادت أن تهلكه، حيث حاولوا اغتياله في قسنطينة.

4 – مرحلة الدعوة المنظمة: أسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وفرنسا تحتفل بمئوية احتلال الجزائر، وذلك في نادي الترقي بالعاصمة الجزائرية، مع ثلة من أنصاره ومحبيه، إلى حين وفاته –رحمه الله-  بعد مرض عضال،لم يتفرغ لعلاجه في 16 أبريل 1940.

الخاتمة:

أختم هذه  المحاولة في تتبع الثوابت والمتغيرات، في فكر ابن باديس  بقوله – رحمه الله-بما قاله:

)أيها الشعب الجزائري المسلم: حذار… من الذين يمنوك ويخدعونك، حذار… من الذين ينومونك، حذار… من الذين يأتون بوحي من غير نفسك  وضميرك، ومن غير تاريخك، ومن غير دينك، وملتك، وأبطال دينك، وملتك … استوح الإسلام، ثم استوح تاريخك، ثم استوح قلبك …(.

)أيتها الأمة الكريمة … تناسوا الحزازات، وامحقوا الشخصيات، برهنوا للعالم إنكم أمة تستحق الحياة، برهنوا لفرنسا، أنكم كما وقفتم في وجهها اليوم، لن تخضعوا لظلمها يوما…هذا وأنا كمسلم جزائري، قد أديت واجبي في الوقت الحاضر، والله المستعان على القيام ببقيتها(.

 

الهوامش:

– (1)أنور الجندي : دراسات إسلامية معاصرة – الثوابت والمتغيرات ، ط 1  ، منشورات المكتبة العصرية ، صيدا ، بيروت ، 1982 ، ص 227 .

(2)  -المرجع السابق ، ص 227.

– (3) المرجع السابق ، ص 231.

(4)- المرجع السابق ، ص 234.

-(5)الزبير بن رحال : الإمام عبد الحميد بن باديس – رائد النهضة العلمية والفكرية من 1889- 1940 ، ط1 دارالهدى ، عين مليلة ، 2009 ، ص 27.

(6)- تركي رابح : الشيخ عبد الحميد بن باديس :- رائد الاصلاح  والتربية في الجزائر ،ط3 ، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع  ، الجزائر ، 1981 ،ص195.

(7)- عمار طالبي : ابن باديس – حياته وأثاره أربعة أجزاء ، ط1 ،   دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر ، 1968 ، ص 557.

– (8)مجموعة أساتذة وباحثين : نوابغ العرب ، الكتاب 14 – عبد الحميد بن باديس ، دار العروبة بيروت 1976 ، ص 95 .

(9)-بوالصفصاف عبد الكريم : جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في تطور الحركة الوطنية الجزائرية من 1931- 1945 ط1 ، دار البعث ، قسنطينة ، 1981 ص 317

-(10)المرجع السابق ، من ص 325 إلى ص 327

-(11)بسام العسلي : المرجع السابق ، ص 120 .

-(12)عمار طالبي : ابن باديس – حياته واثاره  – ج 3 من ص 234 إلى ص 237.

-(13)تركي رابح : مرجع سابق ص 189.

-(14)الزبير بن رحال ، مرجع سابق ، ص 56.

-(15)أبو جرة سلطاني : خطوات في العمل الإسلامي كما رسمها ابن باديس ، ط1 ، دار البعث قسنطينة ، 1983 ، من ص 58 إلى ص 90 .

-(16)أبو جرة سلطاني : المرجع السابق من ص 96 إلى ص 125.

 

– مقال نشر بالعدد الأول من مجلة جيل العلوم الإنسانية والاجتماعية ص 41.

للأستاذ محرز زيتوني/ جامعة الطارف، الجزائر

آخر التغريدات: