مالك بن نبي.. احترامه لابن باديس

مالك بن نبي.. احترامه لابن باديس

بقلم: معمر حبار –

كتاب “ابن باديس حياته وآثاره”، للأستاذ عمار طالبي، الجزء الثاني، طبعة 2009، دار الامة، الجزائر، من 534 صفحة.. إحتوى على رسالة للمفكر مالك بن نبي باللغة الفرنسية ومن 06 صفحات، حول الشيخ ابن باديس رحمة الله عليه. وبعد قراءتها كانت هذه الملاحظات..

كتبت الرسالة بتاريخ 08/04/1966، أي 26 سنة بعد وفاة ابن باديس، و07 سنوات قبل وفاة مالك بن نبي، و04 سنوات بعد إسترجاع السيادة الوطنية، وكان عمر مالك ب نبي 61 سنة أثناء كتابته للرسالة.

يتضح من خلال ذكر هذه الأرقام ، أن بن نبي كان في كامل نضجه العقلي، ومسؤول عن كلامه وموقفه من ابن باديس، بالإضافة إلى كونه كان في 07 سنواته الأخيرة، بعد أن إنتهى من كتابة جل كتبه، خاصة تلك التي رسمت حياته، كـ..

“الظاهرة القرآنية” و”لبيك”، و”الفكرة الإفريقية الآسيوية”، و”شروط النهضة”، و”وجهة العالم الإسلامي”، و “بين الرشاد والتيه”، و “ميلاد مجتمع”، و”الصراع الفكري في البلاد المستعمرة”، ناهيك عن المذكرات التي كتبت ضمن هذه الفترة.

ولم يبقى غير كتب “المسلم في عالم الاقتصاد”، و”مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي” ، و”دور المسلم في الثلث الأخير من القرن العشرين”.

الرسالة تعبّر بوضوح عن التواصل بين الطالب عمار طالبي وأستاذه مالك بن نبي، وأن جهد بن نبي لم يذهب سدى ، واتضحت آثاره الطيبة في الإنتاج العلمي لتلميذه عمار طالبي، والكتاب “ابن باديس حياته وآثاره”، ثمرة من تلك الثمرات، ناهيك عن مقالات أخرى سبق للقارئ المتتبع أن اطلع عليها.

يتضح من الرسالة إعجاب بن نبي الشديد بابن باديس، وهو يعلم أن الذين عايشوا المرحلة مازالوا أحياء، مؤكدا على أنه يتفق مع بعض جوانب المرحلة ويختلف في بعض جوانبها.

يمر على مؤتمر 1936 عن غير عادته ويثني على ابن باديس، لأنه في نظره ابن باديس قاوم صاحب مقالة “أنا فرنسا”. فكان يومها رجل سلم واستطاع أن يعيد الهدوء، لكنه لم يقبل تشويه اليهود لمسجد.

يثني على مجهوده الشعري ويصفه بالشاعر الملهم، حين ألف أشعاره التي تعيد للشعب الجزائري أبعاده الحقيقية في التاريخ الاسلامي، في وقت كان الاستدمار الفرنسي يلقن لصغار الجزائريين نشيد « nos ancêtres les gaulois »

يصف ابن باديس بأنه كان معلما، مؤمنا، وصبورا، وطبيبا وهو يعود للأصول ويحاول الربط بين أصله ومصادره التي ضاعت في أواخر الفكر الإسلامي.

وبن نبي يقارن ابن باديس بابن تومرت، حين يقول.. كان المجدد ومهندس تاريخ هذا الوطن، وكان المجدد الذي أعاد وجهة العالم الاسلامي، كما كان من قبل ابن تومرت في إفريقيا الشمالية، لأن ابن تومرت كان ضد الفكر الضيق للفقيه، لذلك استطاع  أن يعيد الوعي الاسلامي إلى القرآن والسنة.

ويعترف بن نبي أن ابن باديس لاقى صعوبات كبيرة في تحرير العقول، حين واجه  الاستدمار والقابلية للاستدمار، التي أفسدت المجتمع وجعلت من مهمة المصلح في غاية الصعوبة.

ويرى أن الاصلاح الجزائري الممثل في ابن باديس يعتمد على قوله تعالى” إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم”،  ويعترف أن هناك صعوبة في التطبيق الحرفي لدى النشاط السياسي. والذي يقرأ تراث بن نبي، يدرك جيدا لماذا ذكر هذه الملاحظة بالذات، لأنه ظل يعيب على السياسيين تقديم الحقوق على الواجبات، وكان ينصحهم دوما، أن مشكلتنا في القابلية للاستدمار، وإذا عولجت تم طرد الاستدمار.

ويعترف بن نبي وهو يعيد قراءة تراث ابن باديس ويستحضر أيامه ، فيقول .. لايمكن محاكمة المصلح ابن باديس حسب القواعد العلمية الصارمة التي تعتمد على الافتراضات وتضع الافتراضات في مواجهة قواي التاريخ والمجتمع. وكأنه يريد أن يقول أن ابن باديس كغيره من الرجال، يصيب ويخطئ، وينظر إليه ضمن  ظروف عامة ، تراعي الظروف التي عاشها. 

ويرى أن ابن باديس جاء في فترة سيطرة الدراويش الذين جددوا دورة الموحدين، والتي لم يعتمدون فيها على الفقه والرباط. لذلك تجده يقارنه بان تومرت، باعتباره عاش في فترة سيطر فيها الدراويش على المجتمع.

ثم يقول.. وبالاضافة الى دوره لدى الراي العام، كذلك ساهم ابن باديس في تكوين جيل من المتعلمين تعليم حر وكذا شعرائنا من أمثال حمة العيد.

وطالب بن نبي بضرورة إعادة قراءة وتحليل دروس ابن باديس، المتمثلة في مجالس التذكير، لما امتازت من حرية وفكر. وقد نقل عينة من شرح ابن باديس عبر آية 15-16 من سورة المائدة، موضحا خلالها أن ابن باديس لم يعتمد على التفسير الحرفي للآية، بل يظهر من خلال تفسيره، ذلك المدافع عن دينه والناقد، والباحث، والمصلح، والصوفي الذي يتحدث باستمرار وباحترام.

يختم رسالته بقوله.. على القارئ أن يدرك جيدا أن ابن باديس كذلك مفكر يعيش غبنا في مجتمعه وحضارته بطريقته الخاصة، وأن ابن باديس أعاد نشر كتاب “العواصم من القواصم”، لابن العربي بأمواله الخاصة رغم مافي الكتاب، مايدل على أنه شخصية متفاعلة مع تاريخ الحضارة.

ومن الملاحظات الشخصية التي يبديها القارئ، وهو يقرأ رسالة مالك بن نبي حول ابن باديس، هي..

مجهودات ابن باديس كانت تصب في التحضير للثورة الجزائرية.

يشبه ابن باديس بابن تومرت، لان كلاهما عاش في فترة الانحطاط ، وكلاهما جدد الدين معتمدا على الكتاب والسنة.

رغم إختلاف بن نبي مع ابن باديس خاصة في المواقف السياسية تجاه الاستدمار الفرنسي، ومنها مشاركة جمعية العلماء في مؤتمر باريس 1936، والاستنكار الشديد الذي أبداه في مذكراته وكتبه السابقة، إلا أن بن نبي ومن خلال هذه الرسالة التي كتبها سنة 1966، يبدو أنه كان رحيما مع ابن باديس ومحبا له، ويرفض محاكمته وفق القوانين العلمية الصارمة. وهذه الملاحظة في غاية الأهمية، لمن وقف على كتب بن نبي، واستطاع أن يقارن بينها وبين هذه الرسالة.

يبدو واضحا من خلال الرسالة، أن بن نبي يبدي إحتراما كبيرا وتقديرا جليا، لابن باديس، رحمة الله عليهما جميعا.

المطلوب من المجتمع الجزائري إحياء تفسير ابن باديس والمعروف بمجالس التذكير، عبر المساجد، والدروس ،والمحاضرات ،والمقالات، والكتب ،والشرح المناسب.

آخر التغريدات: