عبد الحميد بن باديس معلّم الأجيال

عبد الحميد بن باديس معلّم الأجيال

بقلم: فاطمة الزهراء بولعراس –

ياسيدي الجليل

أستسمحك عذرا يا شيخنا الجليل وإمامنا الفاضل يا ابن باديس في أن أتخيّل نفسي أجلس بين يديك وأقول ما أريد قوله بأدب جم وحياء شديد فأنا لا أستطيع أن أتخيل نفسي إلا وأنا أقبل رأسك وأنحني أمامك بكل احترام وإجلال ، أُجِلّ فيك علمَك الكبير ،وخُلقَك الرّفيع وجهادك في سبيل الله بالكلمة الصادقة الواعية والدروس المباركة التي جمعت حولها التواقون إلى النور. لقد كنت يا شيخنا الجليل ذلك الضوء الساطع الذي أضاء سماء الجزائر الحالكة آنذاك بليل الاستعمار الطّويل وكنت شعاع ليلة الألف شهر التي ظلت الأجيال تنتظرها جيلا بعد جيل بعد جيل، فا لتمع بريقها من بين يديك وتلألأت أنوارها في مسجدك المبارك ذاك ،حين كانت أفواج المؤمنين تصدح بالذكر والقرآن وتتهجد الألسنة ليلة بعد ليلة بعد ليلة طوال شهور القرآن.

وشهورا أخرى وأعوام أخرى أيضا كانت كلها في سبيل الله

يا معلّم الأجيال !

لقد قارعتَ الاستعمار وكنت مستميتا في مقارعته، دون أن ترفع سيفا أو تخوض معركة أو تخزّن سلاحا،وكان المعمّر يعرف أى قوة أنت في ضعفك و أى هدير أنت في هدوئك، وأي ماض كريم كنت وأي مستقبل أنت تخطط له لما أحطتَ نفسك ببراعم الغد، تتلو عليها آيات الله ،وتزرع فيها حب العلم المقرون بالعمل، فراحت ببركات دعواتك وانتهاج سليم منهاجك تخطط لما يجب أن يخُطط له لقهر عبودية الأوطان بعزم وحزم ليس عليهم غريبا وهو إعلاء راية الله وتوطين رسالته من جديد في دار الفتح، جزائر المعجزات، ومن هناك من قسنطينة النور والإيمان، من الجامع الأخضر أينعت خضرتك في أجيال عجنتها بماء السلسبيل العذب والذكر المشتهى من الكتاب الخالد، الكامل، نهلتَ أنوار الهدى وأردت أن يشمل ألقها كل الأبناء وكل الأحفاد، فكان لك ما أدركت وما جنينا وكان لنا ما دبرتَ وما وعينا،فكيف نوفيك حقك يا إمام المؤمنين؟ وبأية لغة سندرك المنتهى عندك ونوصل إليك المشتهى عندنا، وما هي الكلمات التي نليق بجلال مكانك وطيب ذكرك وبركة جهدك المبارك وجهادك الكبير ؟

يا إمام الهداة في جزائر الطغاة

طوبى لنا ولك بذلك الجهد الخلاّق، طوبى لنا بفكرك الثاقب وعقلك الرحب وإيمانك الخصيب الذي أسس حرما آمنا من التربية والتعليم لأمهات الأجيال، فكانت بذرة كأحسن البذار أتت أكلها في حينها طيبة كأحلى ما يكون الجني والحصاد، وأنبتت رجالا هم للوطن حماة ولمجده بناة دفعوا الأرواح قبل الأموال والأبناء التي هي مهج هذه الأرواح . طوبى لنا ببعد نظرك الذي خطط لمقارعة الطغاة عندما رأيتهم يعبثون بمقدسات الأمة ويحصرون دينها في الزوايا و(الطرق)

أيها المربي الفاضل:

عندما امتزجت صلابة مازيغ بصدق يعرُب أعلنتَها مدوية لا لـوْي ولا تأويل،وأرسلتها في الآفاق أنا ضد فرنسا وأفكار فرنسا وإدماج فرنسا ولا لفرنسا وأنا أتساءلُ أي إلهام نزل عليك وأنت تؤكد أنه لو قالت لك فرنسا قل لا إله إلا الله لما قلتَها أي إلهام بسط عليك شراعه عندما أدركتَ أن فرنسا لا تخاف إلا من الشهادة والعبادة فأسرعت لتسد عليها كل المنافذ وأي منفذ كان أقرب إلى قلبك المؤمن من قول لا إله إلا الله ،وأي سهم وجهتَ لكبريائها وهي تحتفل بمئويتها التي اعتقدت أنها ضمنت لها البقاء في الفردوس وأنت تعلن هدا الصرخة التي تعلن أن الأمم الحرة لا يطال المسخ أبناءها

و كانت الصرخة الخالدة التي زلزلت كيانها وأجبرتها على إعادة حساباتها التي كانت تصب كلها في رصيد النصر الأكيد والنجاح البين في القضاء على الهوية العربية في الجزائر

شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب!

هذه الصرخة المدوية أعادت التوازن إلى القلوب والأمل إلى النفوس فرددتها كما الصلوات والأدعية في سرها وجهرها لكنها في الوقت ذاته أخلطت أوراق فرنسا المملوءة بالزيف والكذب والتحريف.وأربكت ساستها الدين اعتقدوا أن بذور الشر والإدماج أينعت وحان قطافها.متناسين كل قوانين الطبيعة التي تنفي الخلط بين الماء والنار وغافلين عن أن سكون البراكين لا يعني اختفاؤها بل يؤكد أنها تستعد ليوم مشهود

و هكذا ووحدك في ليل داج ،وضعتَ الثوابت الراسيات على درب أجيال تقاذفتها أمواج التجهيل والتغريب والتمزيغ ثالوت آخر أسس له فرنسا وأرادت تطبيقه بكل مل أُوتيتْ من مكر وحيلة وأنت أكثر من يدري مكر فرنسا وحيلتها فكنت ذلك الصنهاجي الأمازيغي الذي عرّبه الإسلام ،وقادته فطرته السويّة إلى الاحتماء بهذا الدين العظيم محاربا الطرقيّة بما أفهمك له جل وعلا: أن على الطريقة استقم! فاستقمتَ على الصراط، وأدركت الشّهاب وهناك في مجالس التحكيم أدليتَ بدلوك، وأفضتَ من عقلك، وأزكيتَ من فضلك، ما لو جالسوك فيها لكانوا من العلماء!كيف لا وأنت رئيس العلماء

أيها الشيخ الرئيس!

لقد كنت معجزة المؤمنين في الجزائر، حينما لم يجدوا في صحراء النصارى ما يشْفي غليلهم وحين رأوا أن الاستعمار يريد أن يجعل دينهم من الماضي والإرث القديم، بفعل حنكة العدو ودهاء المُعين،لقد فكر وقدر ثم فكر وقرر فقُتل كيف قدر وخسئ فيما قرر، فقد وجدك شوكة في حلقه وعثرة في دربه وسدا منيعا أمام ما ارتجله من تمسيخ أو ترسيخ وما خططه من ردة أو تفسّخ

من رام إدماجا له رام المحال من الطلب

فانقلب على عقبيه يبحث كما عهده عن حيل أخرى،ودسائس قد تعينه على تنفيذ أهدافه الخسيسة في القضاء على كل ما يدل على الانتماء والأصالة لهذه الأمة التي أبت الموت وحاربت الإدماج وتصدت للشعوذة والدروشة بفضل علمك وتعليمك وبفضل نباهتك وإدراكك لحقائق الأمور وحسن تبصرك بأولوياتها

في تلك الأزمنة العصيبة رحت تعضّ بالنواجذ، على ما ترك فينا من كتاب وسُّنة فما ضعتَ وما ضِعنْا بل تحلّقتْ حولك الأجيال ترتوي بنور علمك، الذي لا زال يتلألأ وتنهل من ينابيعه الرقراقة، أقلَّ منها من أقلَّ و أكثر من أكثر، و لا تزال روحك هناك في عليائها راقية وشاهدة على المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ولم يبدّلوا تبديلا.ومازالت أفكارك مرجعا لكل أبي غيور على دينه يستنير بها كلما ادلهمت الخطوب واسودت الدياجير

يا إمامنا الجليل!

رسالتك كانت عظيمة، وكنت تدرك أن فوائدها عميمة، و جهادك كان الجهاد الأكبر جهاد العلماء الفقهاء في جمعية العلماء! يسرتَ للأمة دينها فعصمت به أمرها وعسرت للعدو مهمته الحادة في القضاء عليها وإدماجها. جهادك كان جهاد الصالحين في أزمنة الفساد والردة والفسخ.جهاد الثابتين على الحق والعدل والهدى، ورغم أن العمر لم يمهلك فرحلتَ وأنت في أوج العطاء إلا أن الحروف دانت لك والألقاب أصبحت قاب قوسين أو أدنى من القطوف الدّانية والقطاف أتت بعض الأكل وكان طيبا حلالا، لكن قدّر الله وما شاء فعل،فقد رحلتَ والأسس للتمكين مكينة لأنك تركتها في أيد أمينة، و لقد غسل الخلَفُ عار الجهل بثورة النصر التي زرعتَ بذورها في أكنانِه، ورواها الشباب بدمائه الزكيّة وحدب عليها تحت أعطافه الرويّة فأنبتت وأزهرت كجنان الفردوس التي ندعو أن تكون من ساكنيها مع الصديقين والشهداء. ولقد لعلعت الفصحى في أرض الجزائر كما أردتَ لها، وتعلمت الحرائر العلم والأخلاق كما خططت لهن وارتأيتَ وصدح الجميع بما كنت به تصدح، من العروبة والإسلام والتاريخ المجيد

يا صاحب الندى والشمم

نداك هو ندى آخر لا تتلقّفه الأيدي وتنبهر به العيون، لكنه ندى ينير العقول وينشئ الصدور، هو ندى موروث من قصور صنهاجة الفيحاء حيث الفل والياسمين والكروم والدوالي وظلال التين والزيتون حيث البحيرات والنوافر تتلألأ بمياه اللجين على جوانب الرحبات. وحيث المآذن تعلو بلا إله إلا الله محمد رسول الله والمساجد تصدح بالذكر الحكيم تطلقها حناجر تعهدت بأن تزلزل الدنيا بما تحفظ من كلام الله وما تقرأ من آياته العظيمة ،هو ندى موروث كابرا عن كابر ارتفعتَ به وارتفع بك، حتى لمنعد ندري أيهما ارتفع بالآخر كيف لا وأنت من يقول بفخر ها أنذا وبكبرياء كان أبي وجدي

أيا عطرا من الغابرين

وصل شذاك المتقدّمين والمتأخرين وتلقفت نداك أجيال بعمر الوطن الذي أبى أن ينحني لغير الحرية والعيش الكريم متكأ على أفكارك النيرات ،وأفضالك الخيرات ، وخطك القويم الذي بالمهجة رسمتَه وبالفؤاد وسمتَه فكان خير سناء للأجيال لا زال ظلا ظليلا يرتشف الصادقون من نوره ويتفيأ به كل المسافرين في استجلاء الرؤى من معين الإله العذب في مجالس التحكيم وصراط المستقيمين وشهاب المحلّقين.

طوبى لك في رحاب الجنان تُحبر وطوبى لنا بما أبقيت نتنور، وسلام عليك في الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، سلام عليك من الأولين

والآخرين، ،طوبى لك بجوار طيب أمـين تناله بما قدّمته للأمّة تنال به شفاعة سيد المرسلين آمــين

آخر التغريدات: