مالك بن نبي: دورة الحضارة والمواعيد الضائعة

مالك بن نبي: دورة الحضارة والمواعيد الضائعة

بقلم: د.مصطفى بن حموش*

قد تكون من سنن الحياة في عالم الفكر والعلم ألا تعطي الأفكار العميقة ثمارها إلا بعد أن يتوفى الله صاحبها، وهو ما حدث لكل من مالك بن نبي وعبد الرحمن ابن خلدون وغيرهم كثير.
ومن الطريف أن يعلم ابن نبي ذلك حيث حدثني الأستاذ محمد الهادي الحسني أن صاحب مكتبة في الجزائر العاصمة كان يرى من حين إلى آخر مالك بن نبي حزينا ومنفعلا أمامه بسبب أن كتبه لا تجد رواجا في السوق حينذاك ولا تلقى الاهتمام الذي كان يصبو إليه، فكان يواسيه بالتي هي أسوأ حيث يقول له: اطمئن فسوف تشتهر كثيرا بعد أن تموت!

مالك بن نبي هو أحد أعلام الفكر المعاصر في الجزائر وفي منطقة شمال إفريقيا والعالم العربي. وباستثناء بعض الأكاديميين والمفكرين وطلبة الجامعات فإنه من المؤسف أن الكثير من أفراد الشعب الجزائري ناهيك عن المجتمع العربي لا يعرف هذه الشخصية. ولعل الباحث في سبب هذا الجهل يجد عدة عوامل متشابكة منها ما هو ذاتي يتعلق بالدائرة الجغرافية والتاريخية والإيديولوجية التي كان يعيش فيها هذا المفكر، ومنها ما هو موضوعي يرتبط بطبيعة الفكر الذي يطرحه.

فمن الصنف الأول استعماله اللغة الفرنسية في بداية حياته، بحكم هيمنة الإحتلال الفرنسي وتكوينه الجامعي في باريس مما جعل جمهوره يقتصر على عدد ضئيل من المثقفين بالفرنسية. هذا مع العلم أنه أصبح آخر حياته يكتب باللغة العربية. كما أن جميع كتبه السابقة قد تُرجمت من الفرنسية بمساعدة زملاء له ونشر معظمها بدار الفكر بدمشق تحت سلسة ندوة مالك بن نبي. ومع وفرة إنتاجه الأدبي بعد وفاته سنة 1973 حيث زادت الكتب التي تركها عن العشرين كتابا، فإننا لا نجد تفسيرا لغياب أعماله في الحياة الثقافية العامة بالجزائر إلا ذلك التعتيم الإعلامي والثقافي والسياسي الذي مارسته عليه النخبة الإشتراكية الشيوعية والفرنكفونية بعد الإستقلال.

أما العوامل الموضوعية لعدم شهرته فتعود –في رأيي- إلى طبيعة خطابه الموجه خصيصا إلى طبقة النخبة وابتعاده عن المهرجانات الكلامية والسياسية طيلة حياته، ثم هدوء أسلوبه المرتكز في الغالب على العقل والمنطق.

بين ابن خلدون ومالك بن نبي

جاء في تمهيد لإحدى كتب مالك بن نبي قول الدكتور محمد المبارك (عميد كلية دمشق سابقا): “أنا لا أقول إنه (نبي) لكني أقول أنه ينهل من نفحات النبوة، ويتابع الحقيقة الخالدة”. ولذلك فلن نكون مغالين في تشبيه مالك بن نبي بالعلاّمة ابن خلدون في عمق تفكيره وإسهامه في تقعيد الفكر الإسلامي. ومن الطريف أن يمتد هذا التشابه كذلك إلى الظلم الاجتماعي الذي تعرض له كل من المفكرين الذي طوى النسيان إسميهما ودثرت الأيام والسنون أعمالهما. وإذا أدركت المجتمعات العربية والإسلامية ونخبتيهما أهمية كتابات ابن خلدون بفضل المستشرقين الأوربيين فإن أعمال مالك لا تزال قابعة في الرفوف تنتظر من يفتحها وينمي ما فيها باستثناء بعض الملتقيات المحتشمة التي تنعقد هنا وهناك للثناء والترحم عليه.

ولا يقتصر الشبه بين ابن خلدون ومالك بن نبي في ظُلم المجتمعات لهما، وإنما يمتد إلى اشتراك جذورهما الجغرافية وسيرتهما العلمية وطريقة طرحهما للأفكار. فطروحاتهما الفكرية تكاد تؤسس مدرسة فكرية إسلامية متميزة قد يكون للعامل الجغرافي أثر في نحتها. ولعل أبرز نقاط الشبه بين فكريهما اشتراكهما في الكثير من المصطلحات الأدبية والعلمية التي تهيكل خطابيهما والتي تختلف لفظا وتشترك في المعنى ألا وهي: العمران البشري ومشكلات الحضارة ودورة التاريخ والتقنين للصيرورة البشرية، والتداول الحضاري. ولذلك فلن نكون مبالغين إذا قلنا أن مالك بن نبي هو ابن خلدون عصرنا أو على الأقل استمرارية لفكر ابن خلدون في زماننا وصورة حديثة وتطويرية له.

روافد فكر مالك بن نبي

لعل ما مّيز فكر مالك بن نبي وإنتاجه الأدبي تكوّنه المزدوج بين الثقافتين الغربية والعربية الإسلامية نتيجة لما كان يسود الجزائر من صراع بين الثقافتين التي كانت تجسد التصادم بين الانتماء الحضاري من جهة والرغبة في التطور من جهة أخرى. وقد ترك ذلك أثرا بالغا في نفسه وفي كتاباته التي تتميز بالتزاوج بين المصدرين. فبجانب الاستدلال من التراث والتاريخ الإسلاميين مثل حادثة عمر بن الخطاب مع المرأة التي جادلته في الصداق، وحادثة صفين بين علي ومعاوية، نجد الحديث عن مفكرين معاصرين في أوربا والعالم مثل البريطاني تونبي والألمانيان كيسرلنج وشاخت وأعمال الهندي ماهاتما غاندي وغيرهم. وبجانب الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي كان يستدل بها في نصوصه والتي تلقاها في الزوايا والمدارس الأهلية، نجد المعادلات الرياضية والتفسيرات الفيزيائية والكيميائية للظواهر الاجتماعية التي تنم عن فكر رياضي وتقني دقيق وحاد. وقد كان في هذا الجانب لرصيده التعليمي في مجال الهندسة الكهربائية بدون شك أثر في استعارته تلك الوسائل الرياضية والمعايير الحديثة من بيانات إحصائية ودوال ومعادلات غيرها.

وللمزيد من التأكيد على هذه الميزة، يمكن المقارنة بين كتب مالك بن نبي وسيد قطب من حيث الأسلوب والاستدلال. فقد تجسد هذا الاختلاف في حوار غير مباشر دار بينهما حول مفهوم الحضارة، حيث يرى مالك الحضارة إنتاجا بشريا يشترك فيه المسلمون بغيرهم يتطور بفعل التراكم والتجربة، بينما يقيّد سيد قطب مفهوم الحضارة بالمسلمين ويرى أن تقدم غيرهم تطور مادي تقني محض.

وثمة مصدر آخر لإرهاصات مالك بن نبي الفكرية تتمثل في تلك الوضعية المزرية للشعب الجزائري الذي كان يعيش تحت القمع الفرنسي وفي دائرة التدني الحضاري العربي والإسلامي في تلك الفترة. غير أنه كان ينظر إلى هذه الوضعية بعين التفاؤل ويحاول أن يؤثر في الأحداث بأفكاره. وقد عاصر حينها حركة الإصلاح التي قادها آنذاك الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي وأعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في وطنه مثل ابن باديس والإبراهيمي والعربي التبسي. ورغم تفاعله الكامل مع الحركة إلا أنه كان دائما يحتفظ بحياده العلمي وفكره المتميز الذي كان يدعوه إلى نقد أعمال الإصلاحيين أحيانا، بل وتخطئتهم. فقد اعتبر مثلا مشاركة جمعية العلماء المسلمين في انتخابات البرلمان الفرنسي قبل الحرب العالمية الثانية نكسة في مسيرة الإصلاح وتوجها إلى التهريج السياسي لأناس ليس لهم باع في الميدان. ولعل ما ساعده على هذا الوضع الاستطلاعي والنقدي هو تكوّنه المكثف في أحضان الدولة المستعمِرة وزواجه من فرنسية مسلمة.

وهكذا فقد كان من أهم اهتماماته كشف وسائل الاحتلال في إخضاع الشعب وتخدير العقول ومسخ الهوية، والاجتهاد في وضع الوسائل الناجعة للمقاومة الفكرية والتي كانت تغيب على علماء الشريعة بحكم تكوينهم التقليدي. وقد وضع لذلك كتابا عن الصراع الفكري في البلدان المستعمَرة لفضح تلك الوسائل.

محاور مالك بن نبي الفكرية

يمكن اعتبار الإطار العام لفكر مالك بن نبي مسألة الحضارة. فقد عنون جميع مؤلفاته تحت شعار كبير هو “مشكلات الحضارة”. وتكاد محاوره الفكرية تكون واضحة من خلال العناوين الفرعية التي اختارها لكتبه التي تزيد عن العشرين كتابا. ففي فترة ما يقرب من عشرين سنة من التأليف (1946-1967) أخرج إلى النور “شروط النهضة” و”وجهة العالم الإسلامي” و”مشكلة الثقافة” و”الصراع الفكري في البلدان المستعمَرة” و”البناء الاجتماعي الجديد” و”ميلاد مجتمع” و”تأملات في البناء الجديد” و”مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي” و”الظاهرة القرآنية” و”المسلم في عالم الاقتصاد” و”الفكرة الإفريقية الآسيوية” وغيرها من الكتب.

ولذلك فيمكن توزيع أعماله على عدة مجالات علمية أهمها فلسفة التاريخ والسياسة الثقافية والاقتصاد وعلم النفس الاجتماعي والفكر الإسلامي. وكما توزعت أعماله على مختلف المجالات كذلك توزعت جغرافيا في عدة عواصم ابتداء من الجزائر وباريس ثم القاهرة ودمشق وبيروت.

وقد تبلورت أفكار مالك بن نبي في مصطلحات علمية معدودة تعتبر مفاتيح كل إنتاجه الأدبي. فالحضارة بداية هي عبارة عن معادلة رياضية من ثلاثة متغيرات هي التراب والإنسان والزمن. فكل حضارة على وجه الأرض -الماضي منها والمستقبل- ما هي إلا صياغة متميزة لهذه المعادلة. لكن التفاعل بينها لا يكون إلا بفكرة دينية تلعب دور الوسيط الكيميائي بين أطراف المعادلة. ويجب فهم مصطلح الدين هنا بمعناه الواسع الذي قد يشمل أية عقيدة أو أيديولجيا أو مبدأ أخلاقي. وبذلك يمكن اعتبار الاشتراكية والليبرالية والديمقراطية أديانا جديدة، كونها ترتقي عند أصحابها إلى درجة التقديس وتتفاعل مع وجدانهم وتدفعهم إلى بذل كل جهد لتحقيقها كغاية سامية. ويعتبر مالك كغيره من المؤرخين ابتداء من ابن خلدون إلي الإنجليزي توينبي أن للحضارة دورة كاملة تتكوّن أساسا من ثلاثة مراحل مثلما هو حال البشر. فمرحلة النشأة تتميز بميلاد فكرة سامية أو مثل عال يكون مناصروه في أوج عطاءهم الوجداني والعاطفي، وذلك لما لهم من محفِّزات نفسية قوية تدفعهم للتضحية والبذل، ثم يتبع ذلك مرحلة الازدهار التي يكون الرجحان فيها للعقل حيث تنمو العلوم وتزدهر الحياة المادية بالعمل والجد والوفرة، وأخيرا تأتي مرحلة الهرم الحضاري التي تتغلب عليها نزعة الشهوة الجسدية والغرائز الطبيعية، حيث تدخل الأمة مرحلة الاستهلاك المحض لمنجزاتها الحضارية. وهنا تكون الحضارة عاجزة عن إصلاح نفسها رغم ما تراه من سير نحو الفناء والاندثار. ولذلك فإن أية أمة وأي شعب يمكن تصنيفه من حيث موقعه من الدورة الحضارية. وقد تكون بعضها بهذا التصنيف خارجة عن دورة الحضارة. ولكون فكر مالك بن نبي قد انصب في الغالب على الأمة الإسلامية والعرب، فإنه يرى أن تاريخنا يمكن تقسيمه إلى ثلاث مراحل.

فالأولى مرحلة ما قبل معركة صفين التي كانت الأمة فيها مشحونة بالإيمان والقيم الروحية، والثانية هي ما بعد هذه المعركة التي دخلت فيها نزعة السلطة والتنافس المادي وانقلبت فيها السلطة إلى ملك عضوض، والتي امتدت رغم ذلك بحكم العقل إلى عهد ابن خلدون واستلام دولة الموحدين الحكم، والثالثة هي ما بعد الموحدين أو المرحلة التي انتهى فيها الإبداع واستسلمت الأمة لغرائزها، واستهلكت فيها مكتسباتها وضاعت منها وافزها النفسية ومبررات وجودها. وذلك ماكان إيذانا بخروجها من دورة الحضارة. وبقول آخر فنحن حاليا خارج دائرة الحضارة.

وبنوع من التفاؤل كان مالك بن نبي يرى أن المجتمعات العربية والإسلامية هي بصدد بناء حضارة جديدة مغايرة للتي كان عليها أسلافنا بحكم تقدم الزمان، والتي يقودها الغرب حاليا بحكم القيم الروحية والمعنوية التي نحملها. وقد وضع مالك بن نبي لهذه الحركة الحضارية محورا جغرافيا (ينطبق على محور عدم الانحياز الذي انطلق من مؤتمر باندونغ) يمتد بين طنجة وجاكرتا، يوازي حضاريا محور نيويورك-موسكو. ولذلك يمكن بسهولة تفهم معاني العناوين التي كان يختارها لمؤلفاته مثل “ميلاد مجتمع” و”شروط النهضة” و”تأملات في البناء الجديد” و”الفكرة الإفريقية الآسيوية”. ومن خلال هذا المنظور الجيو-استراتيجي كان جهده منصبا فيما يعتقد أن الأمة –بما فيها الجزائر- بصدد بنائها الحضاري، بعد خروجها من دائرة الاستعمار.

ولا بد هنا أن نلتفت إلى مصادر مالك بن نبي العلمية لندرك أن هذه النظرية ليست من إنشاء مالك بن نبي وهو يذكر ذلك بكل أمانة حيث يعود دائما إلى مفكرين سابقين له كابن خلدون وكيسرلنج وشبنجلر وتوينبي. لكن إبداعه يتمثل في تطبيقه لهذه النظرية على تاريخ العرب والمسلمين، واستخراج الجانب العملي الميداني والبراغماتي في النظرية المتمثل في البناء الحضاري.

وعلينا هنا أن نعرج على المفكر الإنجليزي كارل بوبر الذي يدحض هذه النظرية بقوة ويرى سذاجة القول بوجود سنن تاريخية وإمكانية تكرر التاريخ أو وجود دورة له. ومن نتائج هذه النظرية لدى مالك بن نبي تقسيمه للمحيط الحضاري إلى ثلاث عوالم هي عالم الأفكار وعالم الأشخاص وعالم الأشياء، التي قد تكون تنطبق على المراحل الثلاث من الحضارة. ويبني مالك بن نبي على هذه التقسيم أفكاره في تشريح حالة الأمة تشخيص أمراضها. فأكبر مشكلة تعانيها هي مشكلة التقصير في إنتاج الأفكار. ولذلك هي حاليا منغمسة إما في التعلق بالأشخاص وتأليههم وإما في الحالة الأسوأ بالأشياء. ولذلك يمكن تسمية الحالة الأخيرة بحضارة الأشياء التي تنحو فيها الأمة -بما لها من خيرات وسيولة مالية- إلى تكديس الأشياء ظنا منها أنها باقتنائها تلك الأشياء ستنضم إلى ركب الحضارة الغربية.

والواقع أنها أصبحت بمفهوم العصر سوقا للبضائع لتغلب اقتصاد البازار على مسيرتها التنموية المزعومة. وبشيء من الاستعارة الأدبية يضرب مالك بن نبي المثل في بناء المسكن الذي يستحيل بناؤه بمجرد جمع الرمل والإسمنت والحديد والحجارة وباقي مواد البناء لأن البناء يتطلب أفكارا هندسية وتخطيطا يبعث التفاعل الكيميائي الحي بين هذه الأشياء. وفي هذا السياق يحذر مالك بن نبي العرب والمسلمين من اعتبار استيراد المنتجات الغربية من سيارات وآلات وعمارات وغيرها من الأشياء مؤشرات حضارية نقيس بها مدى تقدمنا. فالمنطق يقضي أن الحضارة هي التي تلد منتجاتها. و”سيكون من السخف السخرية حتما أن نعكس هذه القاعدة حين نريد أن نصنع حضارة من منتجات نقتنيها”. وفي الوقت نفسه يرى أنه من العبث أن نضع ستارا بين الحضارة الجديدة التي ننشدها وبين الحضارة الغربية الحالية. ولذلك فإن القناة الأسلم للاستفادة من محيطنا المعاصر الذي تتغلب عليه الأشياء المصنوعة في الغرب، هو الاهتمام بالأفكار ومحاولة غربلتها وصياغتها وفق مشروعنا الجديد. ويجب أن يندرج موضوع استيرادنا للأشياء ضمن هذا المنظور التحليلي ومن منطلق الاحتياج الآني المرحلي. وقد يكون مالك بن نبي متأثرا في هذا المنحى بتوجهات غاندي في حث الشعب الهندي على حرق المنتجات البريطانية مقاطعتها كسلاح مسالم لنيل الاستقلال. كما لا نستبعد كذلك تأثير التجربة اليابانية في فكر مالك بن نبي، في كيفية الانطلاق من الأشياء نحو الإبداع الفكري.

وأستحضر قول أحد ساتذتي –عمر برامة- الذين عايشوا مالك بن نبي حيث ذكر لهم أنه حين كان يأوي إلى أحد الأحياء السكنية الجامعية في باريس في الخمسينات كان الطلبة الجزائريون يجتمعون في إحدى الغرف فيقضون ليلهم في المسامرة ولعب الورق بينما كانت هناك غرفة مجاورة للطلبة اليابانيين الذين كانوا يجتمعون كل أسبوعين فيترجمون محاضراتهم ودروسهم من الفرنسية إلى اليابانية ويرسلونها إلى بلادهم.

تشخيص لبعض الأمراض المجتمعية

يرى مالك بن نبي أن مصدر التخلف الحضاري الذي يعيشه الفرد العربي المسلم في الأساس داخلي حيث يعود إلى تشكيلة عقله وشخصيته الحالية. ويفسر ذلك انطلاقا من مفهوم الثقافة. فالثقافة في تعريفه هي مجموعة من الصفات الخُلُقية والقيم الاجتماعية التي يلقاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أولي في الوسط الذي ولد فيه.

وهي على هذا المحيط الذي يشكل في الفرد طباعه وشخصيته. وبتطبيق هذا المفهوم على المجتمعات العربية والإسلامية فإن العطالة التي يتميز بها الفرد تعود في الأساس إلى جرعات الأفكار والاعتقادات التي يتلقاها طوال مراحل حياته المتسلسلة. ويساعدنا المنظور التاريخي (وفق الخط البياني الحضاري السابق) أن ندرك بسهولة أن الرواسب الثقافية السلبية التي تراكمت من عهود الانحطاط التي بدأت منذ زمن طويل قبل فترة الاحتلال الغربي هي التي تسيطر على المناخ الثقافي المعاصر. وسنحاول شرح ذلك من خلال بعض التحاليل الاجتماعية والأمثلة الحيّة المتنوعة التي جاءت في مختلف مؤلفات مالك بن نبي التي لا يزال أغلبها ينطبق على واقعنا الآني.

فمن أمثلة ذلك ما نراه في حياتنا اليومية من اللافاعلية في أعمالنا، إذ يذهب جزء كبير منها في العبث والمحاولات الهازلة. فبمقارنة بسيطة بين الرجل الأوربي والرجل المسلم والتساؤل أيهما ذو نشاط وعزم وحركة دائبة؟ نجيب بكل صراحة وأسف أنه ليس الرجل المسلم برغم ما يأمره القرآن بالقصد في المشي (سورة لقمان). ولذلك فإن أهم ما ينقص الفرد المسلم هو شحذ همته بمنطق العمل والحركة.

ولعل أوضح مثال حي في حياتنا اليومية هو مجال الاقتصاد والتجارة. فحين يتعرض مالك بن نبي إلى المال بصفته المحرك الاقتصادي للأفراد والمجتمعات يفرق بين الرأسمال والثروة (وكأنه يستشرف واقع العرب المعاصر). فيقول أن “الثروة معرفة بطابع مكاسب الشخص غير المتحركة وغير الداخلة في الدورة الاقتصادية ، فهي شيء محلي مستقر في حقل صاحبه أو داره أو حول خيمته (أو في إحدى البنوك الغربية حاليا). وليس لها من عمل مستقل بوصفها قوة مالية تدخل في بناء الصناعات وتمويلها، أو في تجارة التصدير الإستيراد أو غير ذلك من الميادين الاقتصادية كما هو الشأن في رأس المال”. وهذا يدفعنا إلى القول أن المال العربي سواء العام أو الخاص يمكن تصنيفه في الغالب في خانة الثروة وليس الرأسمال.

ومن الأمراض الاجتماعية التي يشكو منها الفرد العربي المسلم في نفس مجال العمل والإنتاج تعلمه لغة الحقوق قبل لغة الواجبات. ولعل أهم مصدر لهذا المرض تلك الشعارات التي تهيمن على الخطاب السياسي (ابتداء من عهد الاحتلال إلى يومنا). فالشخصيات والنقابات والأحزاب والتنظيمات السياسية بمختلف اتجاهاتها تنحو في الغالب أثناء الحملات الانتخابية وعرض برامجها إلى الضرب على وتر الحقوق الضائعة لاستمالة أصوات الناخبين. ولذلك فإن ذهن الفرد تعوّد على هذه اللغة التي أصبحت حجة وذريعة لعدم القيام بواجبه في عمله تجاه مجتمعه أو غياب الجودة فيه. ومن أمثلة التذرعات اليومية التي يرددها الفرد العربي في الغالب قلة المواصلات والحاجة إلى مسكن مقابل الـتأخر والغياب عن العمل أو الخروج المبكر، وتدني الأجور مقابل بذل الجهد اللازم، وغياب المحفزات مقابل الجودة في العمل، إلخ.

ولمالك بن نبي حاسة مرهفة في تحسس مواطن التخلف والسلبيات في مجتمعاتنا التي تظهر في كل المستويات بما فيها الحس الجمالي. فيرى مثلا أنه “لا يمكن لصورة قبيحة أن توحي بالخيال الجميل، فإن لمنظرها القبيح في النفس خيالا أقبح، والمجتمع الذي ينطوي على صور قبيحة لا بد أن يظهر أثر هذه الصور في أفكاره وأعماله ومساعيه”. ومن أمثلة ما تعرض له مالك بن نبي في هذا المجال الفن السينمائي حين كان مقيما في القاهرة. فهو ينقد مثلا السينما المصرية بكون أغلب أفلامها غير هادفة. فيقول معلقا عنها “لا أريد أن أعتقد بأن الشعب المصري قد تجرّد من حاسة التفرقة بين الجد والهزل…”. وينقد كذلك إحدى صور الكتاب المدرسي المصري (قبل الثورة) التي يظهر فيه طفل صغير ترافقه أخته وهما ذاهبان إلى المدرسة ووراءهما خادم يحمل لهما حقيبتيهما. فيرى أن هذه الصورة “… تبعث في نفس الطفل وأخته روح الاتكال واحتقار العمل والعاملين، وكأن الكسل أصبح من ميزات الفن الجميل عندنا”. وللسائل أن يسأل عن هذه المظاهر في بلداننا العربية التي وصفت منذ ما يقرب من الثلاثين سنة هل زالت أم ازدهرت.

ولا يبرئ مالك بن نبي البلدان الاستعمارية في دورها في إبقاء الشعوب في مرحلة ما قبل الحضارة أو الخمول. فالمستعمِر (في زمن الاستعمار) يفرض على حياة الفرد عاملا سلبيا يمكن أن نسميه بالمصطلح الرياضي المُعامِل الاستعماري، وهو بكل بساطة الشعور بالنقص من قيمة الشعوب المستعمَرَة، وتحطيم قواهم الكامنة فيهم، واستعمال واقع الفقر والقلة للاستدلال على ذلك. وفي مقابل هذا المُعامِل الخارجي المتمثل في دور البلدان المسيطرة، كذلك هناك مُعامل داخلي فينفس الفرد العربي والمسلم المعاصر يسميه مالك بن نبي “مُعامِل القابلية للاستعمار” (coefficient de colonisabilité). فالمعامل الاستعماري اعتبار خارجي يرينا كيف يؤثر الاستعمار على الفرد من الخارج ليخلق منه نموذج الكائن المغلوب على أمره، أما المعامل الداخلي فهو الذي ينبعث من باطن الفرد الذي يقبل لنفسه تلك الصبغة والسير في تلك الحدود الضيقة التي رسخها المستعمر، وحدد له فيها أفكاره وحياته.

ويقودنا الكلام عن هذه الوضعية الانهزامية إلى دور الغرب في بث هذه الروح فينا بواسطة ما يسميه مالك بن نبي بالصراع الفكري، وهو محاولات عزل المجتمع عن مصادر الأفكار الحية بطمس مصادرها وذلك بعزل مفكريها بواسطة موانع مباشرة وغير مباشرة، ابتداء بهدم الأفكار الصادرة عنهم والتشويش عليها ثم بإحاطة المفكر بالمغريات وانتهاء بالإشاعات والدعايات التي تنال منه. وقد ذكر في كتابه “عن الصراع الفكري” تجارب شخصية تمثلت في إرسال فتيات شقراوات له إلى البيت للسؤال عن مسائل علمية ودينية، ووضعه في مواضع مشبوهة ثم تصويره فيها، وتسميم علاقاته الاجتماعية والخاصة. وتقديمه في الجرائد والملتقيات بأسماء توحي إلى الجمهور بمعان غير محبّذة كمستشرق أو مفرنس يدرس الإسلام. ومع التسليم بوجود حصار فكري على المثقفين العرب والمسلمين الملتزمين بقضايا أمتهم، فإن علينا أن نفتح هنا قوسا لنقد هذا الرأي ولو جزئيا. فالاعتقاد القوي بهذه الأمور يجرنا في بعض الأحيان إلى تبني أسلوب المؤامرات والتواطؤ في تفسير الأمور والعوائق التي تواجه المثقفين العرب والمسلمين. وقد حكى لي ابن الأستاذ عبد الرحمن الصابوني حادثة عن مالك بن نبي حين زار دمشق لإلقاء محاضرة هناك أنه أقام في غرفة بفندق وكان في الغرفة المجاورة له مقيم آخر أطلق العنان للموسيقى طوال الليل، فبقي مالك منفعلا طوال تلك الليلة وأخبر الأستاذ الصابوني أن ذلك لا يمكن تفسيره إلا بأنه مؤامرة للتشويش عليه ولمنعه من التفكير، فلم يجد الأستاذ المضيف ما يجيب عليه! وعند تعرض مالك بن نبي لمشكلة الأفكار التي يعتبرها الأساس لكل ما سبق فهو يعتبر أن تراثنا وعقولنا (كما أن فيهما قيما حضارية إيجابية قادت الحضارة في السابق) فهما يزخران بأفكار خاملة أو معيقة لمسيرة التطور. ومن المصطلحات التي وضعها مالك بن نبي لتشخيص هذا الوضع التفريق بين الأفكار الميتة والأفكار المميتة. فالأولى هي التي تسكن العقول ولا تدفع حاملها إلى أي مجهود أو نشاط وإنما هي مجرد معلومات عقيمة متوارثة.

ويعتقد مالك أن هذا النوع في تراثنا كثير، ولا يزال بعضه منذ عهد ما بعد الموحدين إلى يومنا، وهو أحد أسباب انحدار الخط البياني الحضاري في الأمة. أما النوع الثاني فهو الأفكار التي تقتل الإبداع في نفوس أصحابها بما لها من عطالة وكبح لجماح العقول والهِمم. ولعل إسقاط ذلك على واقعنا المعاصر تجد لها أمثلة كثيرة. منها ذلك الفكر الخرافي الذي يستند إلى الدين، ومنها حركات التصوف التي ينزوي أصحابها عن مجتمعات بحجة الاجتهاد في العبادات أو بسبب فساد الزمان. ومنها في الحركات الإسلامية المعاصرة نشر ثقافة الفَرْق بين الفِرق الإسلامية القديمة أو المندثرة (أشعرية-معتزلة-مجسمة) التي لا يجني من ورائها الشاب إلا الجدل. وفي الغالب تركب هذه “الثقافة” حجة تصفية العقيدة من الشوائب أو أولوية إنشاء النشء على العقيدة الصحيحة قبل أي تربية أو تكوين إسلامي. ويمكن في هذا المجال أن نستحضر قول أحد أعلام الفكر في الأندلس -الإمام الشاطبي- الذي يذكر في موافقاته أن كل علم ( حتى ولو كان من الدين) ليس وراءه عمل لا يستحسنه الشرع، للتأكيد على رسوخ مذهب العمل في مدرسة الغرب الإسلامي.

ولعل من نتائج هذا المرض المضاعف في الأمة الإسلامية ما يذكره مالك من مواقف فكرية للفرد العربي المسلم من تسهيل السهل وتصعيب الصعب. فالكثير منا مصاب باستسهال الأمور مما يدفعه إلى عدم القيام بها لتفاهتها في ميزان عقله المختل وذلك رغم ضرورتها في حياتنا الخاصة أو الاجتماعية. وفي المقابل يرى الكثير منا الأمور الصعبة خارجة عن نطاقنا مما يدفعنا إلى التخلي عنها. وأهم مصدر لذلك غياب القدرة التحليلية لفهم المشكلات المعقدة (تماما مثل المعادلة المركبة التي لا نستطيع حلها إلا بتجزيئها إلى أطرافها الأولية). ويضرب مالك بن نبي المثل بالرجل الأوربي الذي يتمتع بالجد والنشاط المتواصل والمثابرة التي تجعل أمامه كل صعب سهلا بالعمل المتواصل وكل عمل واجبا يجب القيام به مهما كان سهلا.

ولهذا كله يعتقد مالك بن نبي أن المجتمعات الإسلامية اليوم في ساعة الخطر، لا لأنها تحت الهيمنة الغربية ولكنها فقدت مبرراتها التي رفعت من شأنها في القرون الماضية. ولذلك فقد أصبح موقعها زمنيا في عهد ما قبل الحضارة. ومع إحساس هذه المجتمعات والقيادات بهذا الوضع فإن الحلول التي تنتهجها لا تبشر بالخير كثيرا، لانعدام الهمة الحضارية فيها. ويمكن باختصار تشبيه هذه المساعي بمثل الطفل الذي يواجه مشكلات الحياة بمنطق الأشياء لا بمنطق الأفكار. ومنه نستنتج ضرورة تغيير المعادلة الشخصية للفرد العربي والمسلم قبل الشروع في بناء بلداننا وتنميتها. 

وفي نظرة تفاؤلية يعتقد مالك بن نبي أن الإحساس بالصعوبات علامة صحة في المجتمع. فهو من الناحية النفسية أوضح دليل على النهضة واليقظة. ويستدل في ذلك بإحساس كل من نفسه وأبيه وجده. فهو يتعجب حين يذكر جده وهو مرتاح سعيد هادئ مع أنه كان يعيش تحت وطأة المستعمر الفرنسي محروما من الكثير من حقوقه. وأما أبوه فقد كان يشتكي دوما من الوضع المزري ولكنه لا يجد تفسيرا لذلك. وبعدها جاء دور جيل مالك بن نبي الذي أصبح يحس بالضيق والصعوبات ويشخص العلل وهو ما أدى إلى اندلاع الثورة الجزائرية. وقد استعار ذلك من كلام المؤرخ البريطاني توينبي الذي يقول أن “الصعوبات هي تحدّ خلاّق لأنه يستحدث الردّ عليه”. ولا شك أن هذا الرد لا يمكن أن يكون إلا بالسعي للتغيير. ومن هنا فقد كان شعار مالك بن نبي آية 11 من سورة الرعد {إن الله لا تغّير حالة قوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم}.

ولا شك أن هذه الصعوبات والإحساس بها والتوترات الناجمة عنها تدفع إلى نشأة مبررات في نفس الأفراد وحركة المجتمع نحو التغيير. وقد استدل من التاريخ بالمجتمع الإسلامي الأول الذي أحس بضرورة إيصال الرسالة إلى المجتمعات الأخرى و إخراجها من الوثنية. فقد كانت لدى الأفراد مبررات قوية وجامحة دفعتهم للخروج خارج الجزيرة العربية نحو كل الاتجاهات. لكنه عندما فقد المجتمع هذه المبررات توقفت حركته في التاريخ. وكذلك الاستعمار الأوربي في القرن التاسع عشر كانت له مبررات وراء الاكتشافات وحركة التعمير (ومنها جاء مصطلح الاستعمار). وبذلك فقد كان يعتقد أفراده أن الاستعمار رسالة حضارية يجب تبليغها إلى الشعوب الأخرى.

وما نخلص إليه في هذا العرض المشتت لأفكار مالك بن نبي هو ضرورة طرح مشكلة التأخر الحضاري كنتيجة عطالة داخلية في الفرد والمجتمع قبل أن تكون مسألة إمكانيات مادية. وعلى النخبة بالتالي تشريح هذه الظاهرة ومعرفة أشكالها في نفس الفرد وحياة المجتمعات قبل الانطلاق في أي برنامج تنموي، لأن ذلك سيكون مجرد تكديس للمنتجات الحضارية. وتكون أول خطوة في هذا السياق ضرورة التزام الفرد والمجتمع بممارسة النقد الذاتي لكشف مواطن الضعف والخوار. والله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم. 

 

* أستاذ مساعد بجامعة البحرين، يمكن التواصل مع الكاتب على البريد الالكتروني التالي: mbenhamouche@eng.uob.bh

آخر التغريدات: