البعد السياسي والاجتماعي في فكر الشيخ الإبراهيمي

البعد السياسي والاجتماعي في فكر الشيخ الإبراهيمي

بقلم: محمد شواشان –

إن الحديث عن الشيخ محمد البشير الإبراهيمي هو حديث عن الجزائر أصالة وحضارة وصموداً ونـهضة وتحرراً، فقد جسّد الجزائر في شخصيته نشأةً وتكويناً وإشعاعاً وقولاً وكتابة وسلوكاً.

«ومثل العلماء المصلحين كمثل الماء المعين، هذا يسوقه الله إلى الأرض الجرز فتهتز بعد همود وتربو بعد جمود فتنبت ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأولئك يبعثهم الله في أمته فيؤذنون فيها فتستيقظ بعد رقود، وتتحرك بعد ركود، وتنهض بعد قعود، وتنشط بعد خمود، وترشد بعد غواية، وتتآلف بعد تخالف، وتتعارف بعد تناكر، وتتصالح بعد تدابر، وتنسجم بعد تنافر، وتتوحد بعد تفرق، وتلتئم بعد تمزق، وتتخلق بعد انحلال، وتنتظم بعد اختلال، وتصح بعد اعتلال، وتـهتدي بعد ضلال، وتتذكر بعد نسيان، وتتآخى بعد عدوان» [محمد الهادي الحسني].

ولعله من العسير على الدارس أن يتمكن من جمع آثار الشيخ البشير كلها وكتاباته المختلفة المتعددة، ولا سيما وأنه قد قضى حياته كلها في التنقل والترحال في مواطن كثيرة من العالم، وبين بلدان عربية وغير عربية يخطب ويقيم المحاضرات ويحرر الرسائل السياسية والإخوانية، ويحضر المؤتمرات والندوات، فيتكلم بارتجال حول قضايا متنوعة ومشكلات سياسية واجتماعية وأدبية وغيرها.
ولهذا فإن للشيخ إنتاجاً غزيراً ما زال لم يجمع وبالتالي لم يطبع.35
ومن خلال هذه المداخلة المتواضعة سنحاول التركيز على تحليل بسيط لفكر الشيخ الإبراهيمي من خلال كتاباته حول البعدين الاجتماعي والسياسي والبعد الفكري لهذا الرجل العالم.

‏1- البعد الاجتماعي

إن رجل الإصلاح هو رجل ثورة، وسلاح الثورة يتعدد بتعدد نوعيات هذه الثورة وبحسب الميادين والساحات التي تدخلها بغية التطوير والتغيير.
والإبراهيمي يجعل من الكلمة الاصطلاحية سلاحاً وعنصراً مكوناً للثورة، فتكتسب كتاباته مدلولاً يؤكد هذا المنحى؛ لأن أي فكر لا يحقق مفعوليته داخل كيان المجتمع، ومن خلال تطوره يظل قاصراً وأقرب إلى التصور المثالي والنظري المجرد. وهذه الميزة قد حواها فكر الإبراهيمي، وأخذت سمتها في البعد الإصلاحي؛ لأنه عايش المجتمع الجزائري بواقعه، وعرفه حق المعرفة وهو يقول:
«من أراد أن يخدم هذه الأمة فليقرأها كما يقرأ الكتاب، وليدرسها كما يدرس الحقائق العلمية. فإذا استقام له ذلك، استقام له العمل وأمن الخطأ فيه، وضمن النجاح والتمام له. فإن تصدى لأي عمل يمس الأمة من غير درس لاتجاهها ولا معرفة بدرجة استعدادها كان حظه الفشل»  .
ومن هنا يمكن تحديد معالم الفكر الإصلاحي عند الإبراهيمي وهو يتمثل في:
أ) المنهج الإصلاحي: ويقوم هذا المنهج بعملية التحديد من ناحيتها الإيجابية والسلبية وتشخيص الداء والدواء للمجتمع، وهو تحديد يستند على قاعدة حضارية سهلة التمثيل:
1- السلبية الأخلاقية في المجتمع.36
2- الإيجابية الموصلة إلى الحياة الكريمة  .
وفي هذا الإطار يرسم الإبراهيمي طريق الفكرة الإصلاحية للمجتمع هادفاً من وراء ذلك إلى تحقيق مسعى جوهري للجزائر كما أورده على لسان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين «نريدها أمة عربية مسلمة كما هو قسمها في القدر وحظها في التاريخ وحقها في الإرث وحقيقتها في الواقع والمصطلح ».
ولا شك أن ظهور المنهج الإصلاحي عند الإبراهيمي وإخوانه كان وليد ظروف امتصت دم الشعب الجزائري وأفسدت عليه دينه ودنياه. كما يصفها الإبراهيمي:
«استعمار مادي هو الاستعمار الفرنسي يعتمد على الحديد والنار واستعمار روحاني يمثله مشايخ الطرق المؤثرون في الشعب والمتغلغلون في جميع أوساطه، المتاجرون باسم الدين المتعاونون مع الاستعمار عن رضىً وطواعية»  .
ويتجلى في فكر الإبراهيمي أن الإصلاح الديني هو نقطة الانطلاق، ولعل من المسوغات التي تشفع لهذا الاختيار في تقديم الإصلاح الديني على الإصلاح العلمي ما يراه الشيخ من «اعتراض ضرورة اقتضاها طغيان الفساد في العقائد حتى أصبح من آثاره اللازمة التزهيد في العلم»  .
ومن هنا يمكن استنتاج أن الإبراهيمي يحدد مشكلات البعد الاجتماعي من ناحيتين:
1- يحددها في ضوء حالة المجتمع في زمنه القائم.37
2- يحددها في ضوء مصير المجتمع.
ويبدو أن هذا التحديد يستند إلى منطق فكرة الإصلاح في منهج الإبراهيمي، وهذا يعني بالتفسير التاريخي الفصل بين عهدين: عهد الضياع والخمـول وعهـد النشاط والحضارة، فالفكر الاجتماعي عند الإبراهيمي يتلخص في الصراع المحصور بين الركون إلى الوضع القائم بالخطر الذي يهدد حالة الشعب وبين مرحلة التجاوز، بالالتحام ووصل حركة التاريخ وإحياء شعور الاعتزاز بالنفس»  .
ب) تصحيح المفاهيم:
«ويا ويح الجاهلين – أيريدون من كلمة الإصلاح أن نقول للمسلم قل: لا إله إلا الله مذعناً طائعاً، وصلِّ لربك أواهاً خاشعاً، وصم له مبتهلاً ضارعاً، وحج بيت الله أواباً راجعاً، ثم كن ما شئت نـهبةً للناهب وغنيمةً للغاصب ومطية ذلولاً للراكب – إن كان هذا ما يريدون فلا ولا قرة عين» ، ثم يعقب معللاً: «وإنما نقول للمسلم إذا فصلنا: كن رجلاً عزيزاً قوياً عالماً هادياً محسناً كسوباً معطياً من نفسك آخذاً لها عارفاً للحياة سباقاً في ميدانـها صادقاً صابراً هيناً إذا أريد منك الخير، صلباً إذا أردت على الشر، ونقول له إذا أجملنا: كن مسلماً كما يريد منك القرآن وكفى»  .
فمنهج الإبراهيمي في الحركة الإصلاحية هنا يقوم على دعامة منطقية لا تكتفي بإنتاج الأفكار؛ وإنما ترصدها بالتوجيه المنظم لمهمتها الاجتماعية التي تريد تحقيقها. وهذه الدعامة هي التي يسميها بعض المفكرين «الجهاز»، وهذا الجهاز حين يتحرك38يحدد مجرى التاريخ نحو الهدف المنشود، وفي هذا تكمن أساساً فكرة توجيه الإنسان الذي تحركه دوافع دينية، أو كما يقول المفكر مالك بن نبي بلغة الاجتماع: «الإنسان الذي يكتسب من فكرته الدينية معنى (الجماعة) ومعنى الكفاح»  .
فالإصلاح الاجتماعي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بخيط الفكرة الدينية في منهج الإبراهيمي الإصلاحي، ومرد هذا أن الدين الإسلامي هو المرجع الأول في هندسة حياة الإنسان في كل جوانبها وفي تحديد مصيره، وهو بذلك يحدد مصير هذا الإنسان ويهيئه إلى تحمل مسؤوليته أمام الله وأمام نفسه وأمام العباد.
وينـزل الإبراهيمي إلى مشاكل اجتماعية تمس الحياة اليومية مسّاً مباشراً، ويبدي لها علاجها الاجتماعي، ومن ذلك تناوله مثلاً لمشكلة الزواج التي يقول عنها أنـها أعضل مشكلة وأعمقها أثراً في حياة الأمة وأبعدها تأثيراً في تكوينها، فبعدما يستعرض أهمية الزواج في المجتمع وخطورة إعراض الشباب عنه وما ينتج عن هذا الإعراض من موبقات اجتماعية ومفاسد أخلاقية، فإنه ينهي حديثه بربط قضية الزواج بقضايا وطنية وقومية كقوله: «أيها الشباب! إنكم لا تخدمون وطنكم وأمتكم بأشرف من أن تتزوجوا فيصبح لكم عرض تدافعون عنه، وزوجات تحامون عنهن وأولاد يوسعون الآمال، هناك تتدربون على المسؤوليات وتشعرون بـها وتعظم الحياة في أعينكم، وبذلك تزداد القوميةفي نفوسكم. إن الزوجة والأولاد حبال تربط الوطني بوطنه وتزيد في إيمانه، وإن الإعراض عن الزواج فرار من أعظم مسؤولية في الحياة، ولمن تخدم الأوطان؟ إذا لم يكن ذلك لحماية من على ظهرها من أولاد وحرم ومن في بطنها من رفات وأمم؟  .39
ومن هنا فـالإبراهيمي لا ينظر إلى مشكلة الزواج بأنـها تلك العلاقة العادية التي تربط بين المرأة والرجل كما هو في عرف الناس، وإنما ينظر إليها من حيث أنـها السبب الأول في بذرة الوطنية وإقامة القومية، ومن ثم كان البعد الاجتماعي في كتابات الإبراهيمي يؤسس الفكر الاجتماعي الذي يسير عليه الشيخ نفسه ويسبر بواسطته أغوار مجتمعه وخباياه، ولم يكن المشكل في فكر الإبراهيمي اجتماعياً محضاً بل كان ذا بعد سياسي كذلك.

2- البعد السياسي

إن الاتجاه الواقعي الذي ظهر بعد الحرب العالمية الأولى، والذي امتازت به الكتابات ما بعد الحرب، والذي تناول قضايا الثورة والحرية والعدالة الاجتماعية؛ هو الاتجاه الذي اتسم به فكر الشيخ الإبراهيمي وكتاباته التحررية، وتظهر هذه الصفة (الواقعية) في موضوعات الإبراهيمي الحساسة التي تكون عنده زوايا البعد السياسي وأهمها:
1. موقفه من الاستعمار:
ليس غريباً على أي استعمار أن يسلب الإنسانية حريتها ويطوقها وينتزعها بمخالب من حديد، ولكن الغريب أن الاستعمار يستعمل ألفاظ الرحمة أو بعض اشتقاقاتـها في سلب هذه الحرية، هذه السطوة الفظيعة والقبضة الوضيعة كانتا دائماً من صنيع الاستعمار الذي يقول عنه الشيخ:
«جاء الاستعمار الفرنسي إلى هذا الوطن كما تجيء الأمراض الوافدة، تحمل الموت وأسباب الموت»، والاستعمار سلّ يحارب أسباب المناعة في الجسم الصحيح «وكلامنا موجه إلى فرنسا الاستعمارية وإلى آلات الاستعمار من عقول وأفكار ورجال وهيئات، فلا تتجاوز الظنون بنا هذه الدائرة»  .40
وهكذا يأخذ البعد السياسي في كتابة الإبراهيمي تركيزاً مباشراً لا يميل إلى التلميح أو الترميز؛ لأن الموقف يستوجب الخيار بين أمرين:
– إما الخضوع للسلطة الاستعمارية والحصول على الامتيازات.
– أو التوجه إلى الشعب مما يؤدي إلى غضب السلطة.
فاختار الإبراهيمي الخيار الثاني، مما دفعه إلى تبصير الشعب بحقيقة الخطر وإلى تعبئة الغافلين وقهر دعاة الاستعمار وأنصاره.
«يا هؤلاء! إن الاستعمار شيطان، وإن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً، وإن الاستعمار شر ومحال أن يأتي الشر بالخير، ومحال أن يجنى من الشوك العنب»  .
إن الطابع العام للفكر السياسي عند الإبراهيمي يرسم حقيقة الوعي الإنساني، على الرغم من أن السمة الأساسية التي تميز نوعية التفكير عند الإبراهيمي هي السمة الإصلاحية وهي سمة غالباً ما تأخذ قيمتها الشعورية عن طريق الوازع الديني.
2. موقفه من حرية الجزائر:
ليس هناك انفصام في فكر الإبراهيمي من خلال مواقف جهاده بالكلمة، سواءً كانت هذه المواقف تـهتم بالإصلاح الاجتماعي، أو تقاوم الاستعمار، أو تسعى جاهدةً لنيل الحرية، أو تقف تدافع عن الشخصية العربية الإسلامية من أجل تثبيتها، فكلها تتحد في فكر الإبراهيمي داخل إطار شمولي.
وموضوع الحرية في الفكر الجزائري يمثل حقيقة الصراع القائم بين الظلم والعدل، وبين الحقيقة والباطل، وبين الاغتصاب والشرعية. ولعل هذه المعاني يوضحها الإبراهيمي في موقفه من حرية الجزائر قائلاً: «هل أتاكم نبأ أمة تعيش في زمانكم بغير أدوات الحياة في زمنكم؟ وهل أنتم على بصيرة من وضعيتها الناشزة41الغريبة الشاذة في قواميس زمنكم؟ هل أتاكم نبأ 10 ملايين من سلائل البشر الراقية تحكمها فئة تعادل عشرها ليس بينهم من الجوامع إلا الآدمية، ولا من الصلات إلا صلة القوي بالضعيف، ولا من الضعيف إلا امتصاص الأقل لدم الأكثر» ، هذا السؤال والجواب يقول الشيخ: «إن الشعب الأعزل محكوم عليه بالموت شاهداً وغائباً، وإن الشعب الذي لا يشارك أبناؤه في الإدارات الحاكمة، ولا رأي له في تشريع ولا تنفيذ، لا ينتظر إلا أمثال هذه الحالة يحيا مع الحيات فيجاورها وتجاوره، وهو لا يدري متى تساوره، ويعطيها من دمه فتعطيه من سمها».
ومن خلال هذين النصين فإنه من يستنطق كتابات الإبراهيمي في هذا الموقف سيجد أنه يمثل أب الاستقلال الجزائري، فهو يهمل المواجهة على المستويات السطحية، ويركز على الوصول بصوته إلى دخيلة الشعب التي تشكل المعين الذي لا ينضب لأي فكرة تحرر. وإذ يقوم بـهذا مع القضية الجزائرية فإنه سيقوم به كذلك مع القضية الفلسطينية.
3. موقفه من تحرير فلسطين:
شغلت القضية الفلسطينية فكر الإبراهيمي، ومثلت في كتاباته حملاً ثقيلاً، وكونت عنده العصب الحساس في بعده السياسي، ولم يغب فكره عن فلسطين لحظة واحدة منذ أن أصيبت وأصيب هو معها بجرح لم يندمل:
«يا فلسطين! إنه في قلب كل مسلم جزائري من قضيتك جروحاً دامية، وفي جفن كل مسلم جزائري من محنتك عبرات هامية، وعلى لسان كل مسلم جزائري في حقك كلمة مترددة: فلسطين قطعة من وطني الإسلامي الكبير قبل أن تكون من وطني العربي الصغير. في عنق كل مسلم لك – يا فلسطين – حق واجب الأداء وذمام متأكد الرعاية…»  .42
ومن خلال استقراء كتابات الشيخ حول هذه القضية يتخذ موقفاً أخيراً – لتحرير فلسطين – بعدما تفهم برؤية عميقة أن اغتصاب فلسطين وحريتها كان بالقوة، ومحال أن يسترجعها إلا بـهذه بالقوة، فهو يرى أن اغتصاب فلسطين وصمة عار في جبين الإنسان العربي والمسلم، وذنب لا يغتفر، ومهزلة تاريخية وخيمة إذا لم يعلنها العرب حرباً لا هوادة فيها وجهاداً في سبيل الله لفتح جديد لفلسطين.
كل هذه المعاني جعلت الإبراهيمي ينذر نفسه لفلسطين التي أوجدت في فكره مناخاً حالكاً يقطع عليه حبال تفكيره، فلم يجد بدلاً من أن يصرخ بأعلى صوته:
«أيها العرب! أيها المسلمون! إن فلسطين وديعة محمد عندنا، وأمانة عمر في ذمتنا، وعهد الإسلام في أعناقنا، فإن أخذها اليهود منا ونحن عصبة، إنا إذن لخاسرون»  .
فالإبراهيمي بـهذه الصرخة ينقل القضية إلى قضية معركة قائمة تحتمت أن تكون قدراً من أقدار هذه الأمة العربية الإسلامية تمتحن فيها أصالتها وجدارتـها بالحياة.

3- البعد الفكري

إن صلة الإنسان بمجتمعه وبالظروف التي ينشأ فيها هي التي توجه تفكيره ونموه وتطوره، وعلى هذا الأساس يمكن أن يعد التفكير ظاهرة اجتماعية أكثر منها فردية شخصية. والغرض من هذا الاستنتاج هو الوقوف عند القضايا التي يستخلصها الباحث من كتابات الإبراهيمي من ناحية الجانب الفكري ومنها:
1. نزعته العربية الإسلامية:
إن الإطار الحضاري الذي يتحرك داخله الإبراهيمي ويستمد منه مادته الخام هو إطار الحضارة العربية الإسلامية بمفهومها العام، ومن شرايين هذه الحضارة تستقي43شخصيته الأدبية والفكرية شعورها القومي وروحها الإسلامية اللذين يكونان عنده الوتر الحساس والعرق النابض رغم ليل الاستعمار الطويل الذي يحاول جاهداً خنق ووأد هذا الاتجاه.
ويلخص الإبراهيمي هذه النـزعة بقوله:«وقومي هم العرب أولاً والمسلمون ثانياً، فهم شغل خواطري وهم مجال سرائري، وهم مالئو أرجاء نفسي ومالكو أزمة تفكيري…»  .
وحينما يخص العرب بالتفكير يقول: «وأفكر في قومي العرب فأجدهم يتخبطون في داجية لا صباح لها، ويفتنون في كل عام مرة أو مرتين، ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون. وأراهم لا ينقلون قدماً إلى الأمام إلا تأخروا خطوات إلى الوراء، وقد أنزلوا أنفسهم من الأمم منـزلة الأمة الوكعاء من الحرائر، عجزت أن تتسامى لعلاهن أو تتحلى بحلاهن، فحصرت همها في إثارة غيرة حرة على حرة، وتسخير نفسها لضرة نكاية في ضرة…»  .
والإبراهيمي هنا يجرد العرب من كل معنى إيجابي في زمنهم الراهن، ثم يعود لتشخيص أعراض الداء فيقول: «وأفكر في علة هذا البلاء النازل بـهم وفي هذا التفرق المبيد لهم؛ فأجدها آتية من كبرائهم وملوكهم ومن المعوقين منهم الذين أشربوا في قلوبـهم الذل، فراموا الضيم والمهانة، واستحبوا الحياة الدنيا فرضوا بسفاسفها، ونزل الشرف من نفوسهم بدار غريبة، فلم يقم. ونزل الهوان منها بدار إقامة، فلم يرِمْ….»  .44
ومن هذه النفسية يظهر الإبراهيمي أنه مصاب بأزمة فكرية، والتي تصيب كل مثقف حين لا تجري الأمور كما يشتهي وكما يريدها الفكر الحر الواثق من صلابة أصالته وبعدها الحضاري.
وعن المسلمين يقول الإبراهيمي: «وأفكر في قومي المسلمين فأجدهم قد ورثوا من الدين قشوراً  بلا لباب، وألفاظ بلا معان، ثم عمدوا إلى روحه فأزهقوها بالتعطيل، وإلى زواجره فأرهقوها بالتأويل، وإلى هدايته الخالصة فموهوها بالتضليل، وإلى وحدته الجامعة فمزقوها بالمذاهب والطرق والنحل والشيع… وقد نسوا حاضرهم افتناناً بماضيهم… ولم يحفلوا بمستقبلهم؛ لأنه – زعموا – غيب والغيب لله، وصدق الله وكذبوا….»  .
وهنا يحدد الإبراهيمي سلبية إستراتيجية المسلمين في التمسك بالقشور والابتعاد عن الجوهر واللب مما جعل نفسيته تتعذب لما آلت إليه أحوال المسلمين حين يقول: «وهم على ذلك إذ طوقتهم أوروبابأطواق من حديد، وسامتهم العذاب الشديد، وأخرجتهم من زمرة الأحرار إلى حظيرة العبيد، وورثت – بالقوة والكيد والصولة والأيد – أرضهم وديارهم، واحتجنت أموالهم وخيرات أوطانـهم، وأصبحوا غرباء فيها، حظهم فيها الحظ الأوكس، وجزاؤهم فيها الجزاء الأبخس…»  .
وظلت نزعة الإبراهيمي العربية الإسلامية تعبر عن وجود فكرة تضمن للأمة العربية والإسلامية حياتـها ورقيها بين الأمم عامة، وتعني لشعب الجزائر مضموناً شمولياً في الدفاع عن الوطن في اللغة والحضارة والمستقبل  .45
2. دعوته إلى اللغة العربية:
تكون اللغة العربية في كتابات الإبراهيمي حصيلة التفاعل الملموس مع نزعته العربية الإسلامية، وتؤثر في اتجاهه الفكري تأثيراً بيناً صريحاً؛ لأنه يتخذها مبدأً جوهرياً ومكوناً رئيسياً من مكونات هويته الأصلية.
فيقول عنها في الجزائر:«اللغة العربية في الجزائر ليست غريبة ولا دخيلة، بل هي في دارها وبين حماتـها، وهي ممتدة الجذور مع الماضي، مشتدة الأواخي مع الحاضر، طويلة الأفنان في المستقبل، ممتدة مع الماضي؛ لأنـها دخلت هذا الوطن مع الإسلام على ألسنة الفاتحين، ترحل برحيلهم، وتقيم بإقامتهم. فلما أقام الإسلام بـهذا الشمال الإفريقي إقامة الأبد، وضرب بجرانه فيه أقامت معه العربية لا تريم ولا تبرح ما دام الإسلام مقيماً لا يتزحزح، ومن ذلك بدأت تتغلغل في النفوس، وتستساغ في الألسنة واللهوات، وتنساب بين الشفاه والأفواه…»  .
والإبراهيمي بمنهج تاريخي وفكر ذكي يقيد الحقائق في ضوء التاريخ للغة العربية، ويكون من هذه الحقائق صخرة تتكسر عليها أمواج الباطل، وهو لا يغفل المحاولات الاستعمارية الدؤوبة لإقامة صراع عنصري على أساس العروبة والبربرية فيقول: «وطار إلى البربر منها قبس لم تكن لتطيره لغة الرومان، وزاحمت البربرية على لسان البربر، فغلبت وبرزت وسلطت سحرها على النفوس البربري، فأحالتها عربية. كل ذلك باختيار لا أثر فيه للجبر، واقتناع لا يد فيه للقهر، وديمقراطية لا شبح فيها للاستعمار…»  .46
ومن هنا يستخلص الإبراهيمي بأن مسألة المفاضلة بين البربرية والعربية غير واردة إلا بما تمتاز به كل منهما بخصال حضارية وجاذبية فطرية، وهو ما عبر عنه الإبراهيمي «بالسحر» الدافع إلى عملية الاختيار والاقتناع الذاتي.
وفكر الإبراهيمي في هذا المجال منطقي، وهو يرد على دعاة التغريب بقوله: «من قال: إن البربر قد دخلوا الإسلام طوعاً فقد لزمه القول بأنـهم قبلوا العربية عفواً…»  .
ولم يفوت الإبراهيمي فرصة التنويه بفضل اللغة العربية على كثير من الأمم حينما يقول: «فاللغة العربية منذ دخلت في ركاب الإسلام على الأمم التي أظلها ظله كانت سبباً في تقارب تفكيرهم وتشابه عقلياتـهم، وتمازج أذواقهم وتوحيد مشاربـهم. وإن هذا لمن المناهج السديدة في توحيد الأمم المختلفة الأجناس، فلولا العربية لاختلفت الأمم الإسلامية في فهم حقائق الدين باختلاف العقليات الجنسية. ولقد وقع بعضه ولكنه من القلة بحيث لا يظهر أثره في الحركة العامة للأمة…»  .
وهذا ما يهدف إليه من وراء هذا الرأي السديد الذي ينم عن بعد نظر وعن فكر عميق في تفهم ماهية اللغة العربية وعظمتها في التاريخ الإنساني.
فيا ليتنا رجعنا إلى علمائنا ومفكرينا لنغوص في أفكارهم وطروحاتـهم. ولو فعلنا لحللنا مشاكلنا، وساهمنا في حل مشاكل غيرنا عن اقتناع، ولكنا من المفلحين.
والله من وراء القصد…47

المراجع:

جامعة أدرار – الجزائر

· آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، جمع وتحقيق: د. أحمد طالب الإبراهيمي، دار الغرب الإسلامي 5 مجلدات، بيروت، 1997م.
· مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، ترجمة عبد الصبور شاهين، بيروت، دار الفكر، د.ت.
· عمار الطالبي. ابن باديس حياته وآثاره. ش ون ت الجزائر 1996م.
· أبو القاسم سعد الله. منطلقات فكرية، الدار العربية للكتاب تونس 1976م.
· محمد الطاهر فضلاء. الإمام الرائد الشيخ محمد البشير الإبراهيمي. مطبعة البعث، قسنطينة1969م.
· محمد عباس. البشير الإبراهيمي أديباً. د م ج الجزائر 1987م.
· مجلة البصائر. من 1935 إلى 1953م.48

آخر التغريدات: