علاقة شيوخ جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين بشيوخ الزّوايا

بقلم: محمّد بومشرة –

لمّا دُعيت لأكون أحد المحاضرين بهذا الملتقى الدّولي الأوّل عن الشّيخ – محمّد بن يلّس التّلمساني-، وسُلّمت لي بعض العناوين لأطّلع عليها كسائر المدعوّين السّادة المحاضرين، اقترحتُ على مدير الملتقى الأستاذ “عبد الرّزّاق جعلوك” أن يكون العنوان لمحاضرتي كالتّالي: “علاقة شيوخ جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين بشيوخ الزّوايا في الحركة الوطنية”، فأُعجب به وطلب إليّ أن أتحدّث في صُلب الموضوع حتّى لا نفرّق بين أبناء هذا الوطن الواحد، هذا صوفي وهذا وطني وهذا باديسي وهذا إبراهيمي، وهذا إسلامي وهذا طرقي…

فبدأت في البحث عن المراجع لأرسم خطةَ عمل لهذه المحاضرة، فوجدت بعضها تتحدّث عن الصّراع الذي كان بين جمعية العلماء والطّرق المنحرفة عن التّصوّف السّنّي. فندمت على اختيار هذا الموضوع لندرة المراجع، غير أنّني كنت متيقّنا في صميمي أنّه كانت علاقة متينة بين الشّيوخ قويّة من أجل الدّعوة إلى الله تعالى، ومن أجل الدّعوة إلى الجهاد لطرد الاستدمار، كلّ وطريقتُه في العمل ومنهاجُه في الحركة الوطنية مستأنسا بمقولة الأستاذ الدّكتور- أبو القاسم سعد الله – رحمه الله : “نحن شعب يحسن صناعة التّاريخ، ولكنّه لا يجيد روايته، والتّاريخ لما يصنعُه”.

ويقول الأستاذ – محمّد الهادي الحسني -: “ما ظلم تاريخنا كما ظلمناه نحن الجزائريّين، حيث لم نهتم إلاّ ببعض فتراته، ولم نُعن إلاّ ببعض رجالاته، مقتصرين في ذلك على القضايا السّياسية والعسكرية، مهملين – جهلا أو تجاهلا- علماءنا ونوابغنا في شتّى الميادين إهمالا يكاد يكون تاما.

لقد استغلّت المدرسة التّاريخيّة الفرنسية هذا الإهمال فراحت تتّهم شعبنا –عبر تاريخه- بالعقم الفكري، وسار على درب تلك المدرسة العنصرية بعض التبع منّا ومن إخواننا عن يمين وشمال على طول العالم العربي”. -موقع مركز الأصالة للدّراسات.

ولم أيأس ولم أمل بل زدت رغبة في البحث عن المراجع حتّى وجدت ضالتي وبغيتي كما كنت أتصوّر العلاقة بين الشّيوخ الكبار علما ومعرفةً في المراجع التّاريخية الحديثة معظمها طبعتها وزارة المجاهدين وهي مشكورة على هذا الجهد.

فمن خلال هذه المحاضرة أردت أن أزيح الغبار عن بعض الزّوايا العلمية التي بقيت في زاوية تتلقّى الضّربات واللّكمات وقيل عنها الكثير جهلا أو جحودا، وبما أنّ الجزائر بلدة طيّبة تحتاج لأبنائها اليوم أكثر ممّا مضى ضدّ التّيّارات الهدّامة باسم الدّين تارة، وباسم حبّ الوطن تارة أخرى، ومن الحبّ ما قتل -كما يقال-.

سمعتُ من شيخنا الفاضل – بن يونس آيت سالم – أنّ – الشّيخ عبد الرّحمن الثّعالبي- مرّ بمدرسة قرآنية فسمع طفلا يقرأ الآية:{بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ}[سبأ:15]؛ فقال الشّيخ هنا أُقيم بإذن الله تعالى.

فكان لزاما على الشّيوخ والأئمّة أن يعملوا ويدعوا للجهاد بمنظورهم الذي يرونه أنجع في تلك الفترة، فجعلوا العدوّ واحدا والهدف واحدا، وكلٌّ وطريقته في العمل لأنّ الطّرق تختلف:{وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}[المطفّفين: 26].

1- التّعليم في الجزائر:

بادئ ذي بدء كانت نسبة الأمّيّة في الجزائر قبل الاحتلال الفرنسي صفرا بالمائة.

وإذ يشهد شاهد من أهل فرنسا إذ يقول أحدهم وهو “ألكسيس دي طوفيل”: “إنّنا جئنا لإضاءة الشّموع فأطفأنا الموجود منها”.

ويشهد شاهد آخر من أهل الحياد وهو الرّحالة الألماني “فيلهلم شيمبرا” حين زار الجزائر في ديسمبر 1831م، يقول: “لقد بحثت قصدا عن عربي واحد في الجزائر يجهل القراءة والكتابة، غير أنّي لم أعثر عليه، في حين أنّي وجدت ذلك في بلدان جنوب أوروبا، فقلّما يصادف المرء هناك من يستطيع القراءة من بين أفراد الشّعب”.

كان التّعليم في الجزائر قبل الاحتلال في المساجد والكتاتيب والزّوايا يتمثّل في حفظ القرآن وتعليم الفقه الإسلامي على مذهب الإمام مالك بشرح وتحفيظ متن ابن عاشر ومختصر خليل، وتعليم اللّغة العربية قراءة وكتابة والحساب والفلك وعلومٍ أخرى كان شيوخُ الجزائر روادا فيها، وقائمة أسمائهم طويلة.

يقول الأستاذ – عبد القادر حلوش- في كتابه سياسة فرنسا التّعليمية في الجزائر طبع دار في الأمّة، الصّفحة 134: “كان التّعليم السّائد والمنتشر هو التّعليم العربي الإسلامي التّقليدي”.

2- تعريف الزّوايا:

الزّوايا جمع زاوية، “وفي أصل الكلمة هي ركن البيت أو الحُجرة، كما يقصد بها أيضا المسجد الصّغير، يوجد فيه غرفةٌ للصّلاة، ومحراب أو ضريح لأحد المرابطين أو الأشراف، تعلو الزّاوية قبّة، وبه أيضا قاعة لتلاوة القرآن الكريم وتحفيظه، كما به غرف لضيوف الزّاوية، وحتّى لعابري السّبيل من المسافرين وغيرهم، وكانت الزّاوية تقوم كذلك بالدّور الاجتماعي، ومن مهامها أيضا التّربية والتّعليم، إلى جانب القيام ببعض أعمال البرّ والإحسان، وكان لها دور أثناء الثّورة التّحريرية حيث انضمّ عدد كبير من طلبتها عن طواعية”.

وننبّه إلى أنّ الزّاوية لا تستعمل بالمفهوم الدّيني وحده كما هو الشّائع اليوم أو كما أصبح شائعا لَدَى بعض الطّرق الصّوفية، بل الزّاوية كانت مؤسسة كاملة فيها السّكن والطّعام والملجأ والتّعليم والعبادة، وكان بعضها يُعتبر مدارس عليا لمواصلة التّعليم الذي بدأه الفتيان في المكاتب أو المدارس القرآنية.

ومن الزّوايا ما هو خاص بفئة اجتماعية مثل الأشراف والأندلسيّين، والزّوايا في الرّيف تضيف إلى ذلك دورا اجتماعيا هاما، وهو الإصلاح بين الناس وتأمين الطّرق ونحو ذلك، ويعرف أساسا أن الزّاوية هي الرّباط الذي قام على مبدإ الجهاد ونصرة الدّين وردّ الأعداء.

وللإضافة كانت لبعض الزّوايا أبواب قصيرة ليتمكّن الزّائر عند دخوله بالانحناء، ليُبدي الخنوع والخشوع؛ وحتّى يُعرف مكان الزّاوية ترفع على بابها وقبّتها رايات خضراءُ وأعلام، كما يحملوها المريدون والأتباع عندما يكونون في مسيرة، ليُعرفوا فلا يؤذَوْن. وهذا ما تفعله الأحزاب السّياسية الوطنية والدّولية والجمعيات كذلك رافعين رايات رُسِم عليها شعاراتٌ تبيّن انتماءاتهم وهدفهم. وحين تطوّروا رُسمت هذه الشّعارات على شكل وسام صغير وهي الآن تُباع بمبلغ رمزي يرجع مدخولها لفائدة الحزب أو الجمعية، وتُعلّق على الصّدر يتشرّف بها المنتمي إليها؛ ولا غرابة في ذلك.

3-تعريف الحركة الوطنية:

“الحركة الوطنية” مصطلح سياسي حديث التّداول لكونه ارتبط تاريخيا بظهور حركات التّحرير الوطنية في الكثير من البلدان التي تعرّضت للحركة العدوانية المعروفة بالمدّ الاستدماري في القرن التّاسع عشر.

“الحركة الوطنية” كمفهوم عام تتمثّل في التّعبير عنها كجملة ردود الفعل الوطنية اتجاه الواقع الاستدماري الذي كان يلقي بأعبائه على المجتمع الجزائري.

وفي هذا السّياق فإنّ الحركة الوطنية تمثّل كلّ مظاهر وأشكال الرّفض للاستدمار، كالمقاومة الشّعبية المسلّحة التي امتدّت لعقود عديدة، والمقاومة السّياسية التي قادتها النّخبة الحضرية في بداية الاحتلال والهجرة الجزائرية نحو المشرق العربي.

ويمكن إضفاءُ المصطلح بمفهومه العام لَدلالة على جملة من ردود الفعل الجزائرية، الجماعية منها والفردية، المنظّمة منها والمعزولة؛ ولأنّها كانت تنطلق من قاسم مشترك واحد يتمثّل في رفض التّجنيس والتّهجين الثّقافي (المتمثّلة في سماحة الإمام عبد الحميد بن باديس)، ورفض التّجنيد الاجباري (المتمثّلة في فضيلة الشّيخ محمّد بن يلّس)، المطالبة باسترجاع الأوقاف والدّفاع عن القضاء الإسلامي، والمطالبة بفصل الدّين عن الدّولة الفرنسية (المتمثّلة في العلاّمة الشّيخ البشير الإبراهيمي)؛ وغير ذلك من أشكال الاحتجاج والصّمود”(المتمثّلة في الشّعب الجزائري عامّة).

والدّارس للمقاومة الشّعبية والكفاح والنّضال ضدّ الاحتلال يجد أنّ الوطنيّين شاركوا في الحركة الوطنية، كما جاء في قول الأستاذ المناضل-مفدي زكريا -:

أصالةُ هَذي البلادِ الْكريمةِ تُجِلُّ كفاحَ النُّفوسِ الْعَظِيمَةِ

وقد جمع الأستاذ – أبو القاسم سعد الله- هذه المقاومات والحركات الشّعبية ضدّ الاحتلال منذ دخوله غير الشّرعي أرض الجزائر في مجلّدات تاريخية وعنونها بالحركة الوطنية، تحدّث عن كلّ الذين شاركوا في الجهاد بالقلم أو بالسّيف أو بالبندقية موثّقا ذلك بدون انحياز لأيّ جماعة.

4- دور الزّوايا في الحركة الوطنية:

كما كان للزّوايا دور في الحفاظ على ما نحن عليه وبأمانة، فكان لها كذلك الدّور البارز والهام في الحركة الوطنية من منطلق الإيمان بالله تعالى والجهاد في سبيله للتّمكين لدين الله تعالى وهو الأسمى عند شيوخ الزّوايا، ومن التفّ حولهم وفي حضرتهم الموقّرة ونهل من علمهم ونال من شجاعتهم وتضحيّاتهم على بساطتهم.

وعندما احتل الفرنسيّون الجزائر سنة 1830م بعد انهيار الدّولة الجزائرية احتفظت الطّرق الصّوفية السّنّيّة بمكانتها بين جماهير الشّعب الجزائري رغم ما أصاب البلاد من هدم وخراب.

وهكذا أصبح رجال الطّرق الصّوفية السّنّيّة الملجأ الأمين لقيادة الجماهير الشّعبية للدّفاع عن هويّتها ووجودها أمام استعمار غربي يودّ القضاء على كلّ شيء. [1]

ويقول: “كانت الطّرق الصّوفية السّنّية هي المؤسّسة الوحيدة التي بقيت متواجدة بعد انهيار المؤسّسات الرّسمية أمام ضربات الاستعمار الفرنسي. وقد ظلّت قائمة خصوصا في الأرياف تؤدّي دورها الدّيني والتّعليمي والعسكري أيضا (ويكفي أن نذكر في هذا المجال أهمّ فروع الزّاوية الرّحمانية والقادرية، والشّيخية والسّنوسية والطّيبية)”.

“لقد بحثَت جماهير الشّعب الجزائري عن قوى تقودها لمواجهة عدوّ متفوّق عسكريا، فلم تجد سوى زعماءِ الطّرق الصّوفية الذين كان الشّعب يعتبرهم رجال دين أتقياء ورعين همّهم خدمة الإسلام والذّود عنه”.

“كان الجزائريّون يعلمون أن جهاد الكّفّار من أعظم القربات إلى الله تعالى وكانوا يعرفون أنّهم إمّا قاتلون أو مقتولون، وهم في كلتا الحالتين من الفائزين.”

“وهاهو أحد زعماء تلك المقاومات يدعو إلى الجهاد في رسالته إلى القبائل (بشرى بإعلان الجهاد في سبيل الله على سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ضدّ الكفّار الفاسقين الفرنساويّين لعنهم الله، الذين صالوا علينا، وتعدّوا وشرعوا في إهانة ديننا الحنيف -لا أراد الله- بعدما فسقوا في أرضنا وأحلّوا ما حرّم الله، فها نحن رفعنا اللّواء المحمّدي، وبشّرنا كلّ مسلم بالجهاد، راجين من المولى سبحانه وتعالى أن ينصرنا على الكفّار المخزيّين)” في الصّفحة: 93. يقول أحد الضّبّاط الفرنسيّين: “إنّ مختلف الانتفاضات عند القبائل والعرب التي واجهناها في الجزائر، قادها دائما مرابطون حقيقيون أو مدّعون”.

ويقول آخر: “كلّما قامت انتفاضة إلاّ وكان قادتها إخوانا مرابطين”.

ويقول ثالث: “إنّه وبالفكرة الدّينية يُسيّر القانون، وبالاستجابة للدّيانة الإسلامية أصبح الزّعماء الأوائل لهذا المجتمع محاربين”.

وفي الأخير ختم صاحب المحاضرة بقوله: “هكذا إذن حافظت الطّرق الصّوفية خلال العهد الاستعماري على الهوية الوطنية من خلال مواجهتها للعدوّ الأجنبي في معارك طاحنة قدّم فيها الشّعب الجزائري النّفس والنّفيس، ومن خلال احتضانها للّغة العربية والدّين الإسلامي في المدارس والزّوايا في وقت كانت فيه الأوضاع مزرية والأفواه مكمّمة، والحرب معلنة شعواءَ على كلّ ما يمتّ بصلة لأصالة الشّعب وهُويته الوطنية”.

5- دور الزّوايا في الحفاظ على ثوابت الأمّة وهويتها وشخصيتها:

لا ينكر أحد أنّ الزّوايا كان لها اليد الطويلة والأسبقية في الحفاظ على ما جاء به الفاتحون من خيرات الدّين والدّنيا للبلاد والعباد، منذ أمد بعيد، عن طريق التّعليم الحرّ في المساجد والكتّاب والزّوايا…

يقول الأستاذ- محمّد الصّالح الصّدّيق-: “الزّوايا التي أسّست لعبادة الله تعالى وتحفيظ القرآن الكريم، وتعليم الدّين، ونشر القيم والفضائل الإسلامية، ودراسة العلم، وهذه في الحقيقة مدارس للتّربية والتّعليم وتهيئة النّشء للمعاهد الإسلامية العالية”.

ويقول الأستاذ – محمّد الصّالح الصّديق-: “ومؤسّسوا هذه الزّوايا والمعلّمون فيها أصحاب رسالة وذوو وزن عند الله تعالى، وعند النّاس، لأنّهم صانِعو أجيال وبناةُ مجد، احتفظ التّاريخ في صفحاته المضيئة المشرقة بأسمائهم لنذكرهم بالإعجاب والتّقدير، ونترسّم خطاهم ونحذو حذوهم”.

ويضيف الأستاذ الفاضل- محمّد الصاّلح الصّديق- في نفس المرجع في الصّفحة 41: “بسطنا القول في رسالة الزّوايا في الجزائر، في ضوء الإسلام إلى حد الخشية أنّنا أطنبنا إطنابا يشعر معه القارئ الكريم بالملل، والذي دعانا إلى هذه البسطة وهذا الإطناب أمور:

أوّلها: لنبيّن دور الزّوايا في التّعليم العربي الإسلامي في هذا البلد.

ثانيها: لنؤكّد أهمّية هذا النّوع من التّعليم في خدمة العقيدة الإسلامية والقيم والأخلاق.

ثالثها: ليتصوّر القارئ فعّالية هذا التّعليم في الحفاظ على الشّخصية الجزائرية الإسلامية، تلك الشّخصية التي ظهرت قوّتها وقدرتها على المقاومة والتّحدي في عهد الاحتلال البغيض، كما سنتحدث عن ذلك مستقبلا.

رابعها: لنخرس ألسنة أولئك الذين يستهينون بهذه الزّوايا العلمية ويَطعنون فيها، ويقولون بملء أفواههم إنّها “دماميل” في جسم الجزائر أو أنّها مصادر ضعف وخمول وجمود”.

وفي المرجع نفسه للأستاذ محمّد الصّالح الصّديق في الصّفحة 37 يقول: “وكثير من هؤلاء لم يقتصروا على تعليم الطّلبة وتربية العامّة بل هجروا المحابر، وحلقات الدّروس، إلى جبهات القتال دفاعا عن الإسلام والمسلمين، وتحريرا للوطن من براثن الاستعمار”.

ويقول في المرجع نفسه في الصّفحة 41-42: “وهناك دور آخر هام يذكر للزّوايا، وهو أنّها كانت في عهد الاحتلال الفرنسي، مأوى المجاهدين وملتقاهم، فيها يخطّطون لمعاركهم وكمائنهم، كما شاهدنا ذلك وعشناه في ثورة التّحرير الكبرى، وكم كنّا نلتقي مع أبطال أوّل نوفمبر في زاوية سيدي عبد الرّحمن اليلولي، وكان الأبطال: اعميروش، ومحمدي السّعيد وإعزورن محمّد، وقاسي حدادن وسي الشّريف كثيرا ما خطّطوا في هذه الزّاوية للأعمال الثّورية، وفيها كوّن العقيد اعميروش لجنة الأوقاف”.

يقول الدّكتور – مبخوت بودواية- من قسم التّاريخ بجامعة أبي بكر بلقايد بتلمسان، بمرجع أعمال الملتقى الوطني الأوّل والثّاني حول دور الزّوايا إبّان المقاومة والثّورة التّحريرية طبعة خاصّة وزارة المجاهدين، في الصّفحة 131: “لقد أشهرت أغلب الطّرق الصّوفية سيوفها في وجه الفرنسيين الذين وطأت أقدامُهم أرضَ الجزائر عام 1830م”.

وفي المرجع نفسه يقول الدّكتور –عبد القادر شرشار- قسم الأدب العربي جامعة وهران، في مقال بعنوان: “دور الحركة السّنوسية في مقاومة -الشّريف محمّد بن عبد الله- في الصّفحة 170: “إنّ الزّوايا في الجزائر هي التّراث والرّمز الأعظم لهذا الوطن، لأنها حفظت طيلة عهد الاحتلال لهذه الأمّة المسلمة قرآنها ولغتها وأخلاقها الإسلامية، بالإضافة إلى ما قامت به من جهاد ودعت إليه وجنّدت له أتباعها، إذ ما من ثورة أو انتفاضة أو مقاومة أو جهاد إلاّ وهو مقرون باسم شيخ أو زاوية أو زوايا، ويشهد التّاريخ أنّ شيوخ الزّوايا وأبناءَهم بالنّسب أو الانتساب من تلاميذٍ ومريدين كانوا أسرع من غيرهم مبادرة لجهاد العدوّ الإسباني والفرنسي بمغربنا الكبير”، ويضيف قائلا: “وقد سجن كثير من شيوخ الزّوايا وأبنائهم وعذّبوا ونفوا واستشهد بعضهم، وأحرقت ودمّرت زوايا عديدةٌ في بلادنا”.

إذًا من خلال هذا البحث المتواضع طالعت مراجع تتحدّث عن الزّوايا إبّان الاحتلال كجبهة قائمة بذاتها للدّفاع عن هويتها وشخصيتها بروح إيمانية إمّا حياة سعيدة أو شهادة في سبيل الله أثناء المعارك التي خاضوها معبّرين عن رفضهم لهذه الجرثومة أن تتوغّل في جسم طاهر يدعى الجزائر.

فقاوموا واستشهد من استشهد وعذّب من عذّب وشرّد من شرّد وهجّر من هجّر واعتقل من اعتقل، كما أدركت أنّه لا تخلوا أي ثورة من خونة كان لهم نصيب في ضرب الزّوايا لإضعافها.

“والتّاريخ لا يرحم” كما يُقال، فهناك بعض من تزعّموا المشيخة في غياب الشّيوخ الأجلاّء، وأسّسوا لأنفسهم قببا كأنّها زاوية تدعوا للدّجل والخرافات والبدع، وما أشبه البارحة باليوم، فاليوم ظهرت جماعات من هنا وهناك تدّعي الاختصاص في الرّقية، فمنهم من يشتري قارورة ماء أو يحضرها من منزله فيقرأ ما تيسّر من القرآن العظيم ليسلّمها للمريض بمبلغ أكثر ممّا اشتراها، وهناك من يصنع “عَقدة” مصنوعة من العسل والجوز والكاكاو واللّوز… ويقرأ فيها ما تيسّر من القرآن العظيم ويضعها في علب بلاستيكية ويلصق عليها وريقة تبيّن للمريض أنّها تعالج جميع الأمراض كالسكّر والضّغط والمرأة العاقر وأمراض أخرى على أنّ هذه “العَقدة” تشفي كلّ هذه الأمراض، مع ترك الطّبيب الاختصاصي طبعا. وهناك من يقول للمريض أو المريضة وما أكثرهنّ، حين زيارة الرّاقي مباشرة أنّ بهم مسّ من الجنّ، ولا يمكن إخراجه إلاّ بالضّرب المبرح بالنّعال أو العصا أو اللّكمات… فينهال على من بين يديه ضربا، ليجنوا الأموال من المغفّلين. ومنهم من نصّب نفسه راقيا يُضاهي الحكيم في الفحص والعلاج بتسعيرة كالطّبيب الذي درس في الجامعات أكثر من ستّ سنوات.

يقول الأستاذ – مالك بن نبي- بتصرّف في كتابه شروط النّهضة في الصّفحة 28: -كمن يأكل أمواس الحلاقة أو ينام على المسامير ويُدخل المخيط في خدّه الأيمن ليخرجه من الخدّ الأيسر، وهناك من يتمرّغ على صفائح من أشواك التّين الهندي ثمّ يأكل منها، ناهيك عمّن كان يداعب الأفاعي بالمزامير ويقبّلها على أنّه ولي صالح له كرامات إن لم يقل للمغفّلين من الجهلة أنّها من المعجزات، ويثقون به ليقتنوا منه الحروز ذات الخوارق والمعجزات وبعض التّمائم. ليأتوه بالعجل أو التّيس، فإن لم يجدوا فيكلّفون على أنفسهم ليقدّموا بين يديه ما يملكون.-

يقول المؤلّفان في كتاب مسيرة الحركة الإصلاحية بتلمسان 1907-1931-1956 وملحق، الطّبعة الثّانية، للأستاذ مختار بن عامر، والحاج خالد في الصّفحة: 187 “وكثيرا ما كان المستشرق “الفريد بال” يحضر هذه المهرجانات ويشجّعها، وقد قام بتصوير أحد مشاهدها كلّها، وبعث بالشّريط إلى فرنسا، وبعض الدّول الأخرى، وحتّى إلى الأمم المتّحدة بعد تأسيسها. وزعم لهم بأنّ الجزائريّين هم أناسٌ متوحّشون، وأنّهم لا يستطيعون العيش في حرّيّة واستقلال، وأنّ فرنسا تقوم بتأديبهم وتحضّرهم، وإخراجهم من هذه الفوضوية، والهمجية المتوحّشة “.

فهؤلاء سامحهم الله فقد ضلّوا وأضلّوا في الأماكن التي غُلب النّاس على أمرهم تحت أعين الإدارة الفرنسية مع مساعدتهم على انتشارها في غياب شيوخ الزّوايا لانشغالهم بالجهاد ضدّ المحتل بالقلم أو بالسّلاح أو التّهجير. فكان المعمّر أو المدمّر -أحسن- يبني بنيانا مربّع الشّكل عليه قبّة مطلية باللّون الأخضر أو الأبيض ليخيف به ذوي القلوب المريضة حتّى لا يقتربوا من المزارع التي استحوذوا عليها.

فبالله عليك قل لي يا سيّدي أين هؤلاء المشعوذون من أولئك الشّيوخ المرابطين والمربّين على كتاب الله وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم؟

كما سجّل التّاريخ عن الزّوايا وشيوخها معارك ضارية في أنحاء الوطن، فسجّلتُ باختصار تواريخ وأسماء المعارك وزعمائها الشّيوخ.

يقول الأستاذ محمّد الصّالح الصّديق في كتابه: كيف ننسى وهذه جرائمهم؟ في الصّفحة 62-63-64: “وها هي بعض من تلك الثّورات التي فجّرها الشّعب الجزائري في مختلِف أنحاء القطر، ردعا لظالمه، وطلبا لحريّته، وإعلانا للعالم أجمع أنّه لم ولن يرضى بالاستعمار، وأنّ موته عن آخره خير له من حياته تحت وطأة الاستعمار، وأنّه ما يزال يحفظ قول الشّاعر العربي الأبي:

وَحَارِبْ إِذَا لَمْ تُعْطَ إِلاَّ ظُلامَةً

شَبَا الْحَرْبِ خَيْرٌ مِنْ قَبُولِ الْمَظَالِمِ.

“شَبَا الْحَرْب” أي نار الحرب.

ثورة الأمير عبد القادر، 1832-1847م.

ثورة الزّعاطشة، 1849م.

ثورة أبي بغلة، 1851-1855م.

ثورة محمّد عبد الله بالأغواط، 1852م.

ثورة البطلة لالّة فاطمة انسومر، 1854م (جان دارك).

ثورة أولاد سيدي الشّيخ، 1864م.

ثورة المقارنة، 1871م.

ثورة الشّيخ بوعمامة، 1881-1883م.

ثورة الأوراس، 1916م.

وأُضيفُ ثورة جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين الإصلاحية والتّعليمية، 1931م.

6- تفطُّن الاستدمار لدور الزّوايا ضدّه:

منذ أمد بعيد الاستدمار الفرنسي يدرك الدّور الذي قام به شيوخ الزّوايا ويقومون به بلا ملل ولا كلل انطلاقا من قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ}[سورة الأنفال:65].

وتيقّن المحتل أنّه ينال ضربات موجعةً عند الالتقاء بهم في المعارك… أو عند المقاطعة لبعض بضائعهم التي لا تسمن ولا تغني من جوع، كالتّبغ والخمور، بعد كلّ هذه المدّة من الاحتلال ملؤها التّجهيل والتّفقير والتّقتيل والتّشريد، وعمليات المدّ والجزر بين الزّوايا والاحتلال. فكَّر المحتل وخطّط لإضعاف هذه الزّوايا العلمية بنفي زعمائها وشيوخها وحتّى مريديها النّشطين، وتهجيرهم، وقام المستعمر بتضييق الخناق على دور الزّوايا بحرق البعض منها والجرأة على كلّ ما يمتّ بصلة بها.

وسعى الاحتلال لتشتيت شمل الزّوايا، وتطبيق سياسة فرّق تسد، كقصّة أكلت يوم أكل الثّور الأبيض، ولكنّها لم تنجح نسبيا.

غير أنّها نجحت في جزء كبير من لؤم هذه الخطّة حتّى تنكّر بعضهم لبعض وتفرقت الطّرق كما جاء في كتاب أعمال الملتقى الوطني الأوّل والثّاني حول دور الزّوايا إبّان المقاومة والثّورة التّحريرية ما بين 1931-1935م، حيث يقول الدّكتور – محمّد القورصو- في مقال له في الصّفحة 212: “إنّ عدد الطّرق الدّينية وانقسام الواحدة منها إلى عدّة زوايا، والعِداء الذي ساد بين شيوخها (انقسام الطّريقتين القادرية والدّرقاوية في تلمسان، غلام الله ضدّ العريبي في تيارت، شنتوف ضدّ شرقي في معسكر، ابن طكوك ضدّ ابن عليوة في مستغانم…) زاد الجزائريّين انقساما وضعفا فاتّسعت الشّروخات بين سكّان نفس المدينة… فتقطّعت الرّوابط الرّوحية إربا إربا وانقلب سكّان المدينة الواحدة على بعضهم البعض، فهان على الدّوائر الاستعمارية المختصة، خرق صفوف الطّرق الدّينية وتوجيه مُقَدِّمِيها وشيوخها، توجيها يتماشى وخطّتَها السّياسية…”

فَقَدَ الشّعب الجزائري الدّور التّربوي والتّعليمي والاجتماعي والجهادي، في رجال ادّعوا المشيخة وحلّ في بعض المناطق الرّيفية التّطرف والشّعوذة والتّمائم والدّجل والخرافات والبدع نتيجة الجوع والمرض والجهل والموت البطيء بمساعدة ومباركة الإدارة الفرنسيّة لهم، والويل لمن يتعرّض لهم.

ويقول في الصّفحة: 213-214، أعمال الملتقى الوطني الأوّل والثّاني حول دور الزّوايا إبّان المقاومة والثّورة التّحريرية ما بين 1931-1935م :”…وأخيرا هناك صنف ثالث يتكوّن من سواد…”

واصل الاحتلال الفرنسي في حربه على الشّعب الجزائري في دينه ومدارسه ومساجده وزعمائه وشيوخه، وزاد الاحتلال في حماقته ممّا زاد الشّعبَ الجزائريَّ فطنةً، ألا وهو يوم احتفال المحتل بالذّكرى المِائوية لاحتلال فرنسا للجزائر، فقاموا بحفلات ومهرجانات وخطابات لمدّة ثلاثة أيّام أو أسبوع يشربون فيها الخمور ويأكلون ما لذّ وطاب ويرقصون ويغنّون تحت الأضواء المختلفة الألوان غير مُبالين بمشاعر الشّعب الجزائري.

ومن خطبهم النّابعَة من الحقد والمكر يقول أحدهم: “إنّنا اليوم لا نحتفل بالذّكرى المائوية لاحتلال الجزائر فحسب، بل نحتفل بوأد الإسلام في أرض الجزائر.”

ويقول آخر: “بعد عشرين سنة لن تجدوا في الجزائر إلاّ من يعبد المسيح”.

إذًا ظهرت فرنسا بالوجه الصّحيح نازعة اللّثام ليظهر منه اللّؤم والقُبح بعد قرن من الزّمن، وكشّرت عن أنيابها، وظنّت أنّ الشّعب الجزائري مات ومن بقي اندمج.

وراحوا يعبّرون عن انتصارهم المزعوم في تقاريرهم الإدارية وخطبهم السّياسية، ويغيضون به من كانت لهم قلوب حيّة، حتّى أنّ بعض الدّول العربية ظنّت أنّ الجزائر هي الأندلس الثّانية، إذْ صار من البدهي ومن المعقول في نظرهم أنّ الجزائر فرنسيّةٌ قلبا وقالبا.

وللإشارة فقط يقول الشّيخ البشير الإبراهيمي عن هذا الحفل المستفز للمشاعر: “إذا كانت فرنسا قد احتفلت بمرور مائة عام على احتلال الجزائر فإنّها لن تُعاود”.

7- ظهور جمعية العلماء وعلاقتها بشيوخ الزّوايا:

بعد كلّ هذه الشّطحات والاستعراضات الفرنسية والاستفزازات بمشاعر سلفنا الصّالح من الشّعب الجزائري ، ناسين سنّة الحياة أنّ كلّ جسم غريب يلج جسما سليما إلاّ وانتفخ وتورّم وأُخرج بالعلاج، أو بالعمليات الجراحية رغما عنه، وإن استدعى الأمر يُبترَ العضوُ ويُقطعُ ليستريح من ألم الدّخيل الغريب وأوجاعه. ناسين كذلك أنّه أحيانا تهبّ الرّياح بما لا تشتهي السّفن، وسبعة أشهر بالكمال والتّمام ظهرت “جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين” إداريا مباشرة بعد الاحتفال بالذّكرى المِائوية لاحتلال الجزائر، وذلك في اليوم الخامس من شهر ماي 1931، وهي الذّكرى استشهاد المجاهد البطل – الحاج محمّد المقراني-، الذي استشهد يوم 05 ماي 1870.

وكأنّ إعلان التّأسيس بهذا اليوم ليس اعتباطا ولا ضربة حظّ، وإنّما رسالة موجّهة لربط الماضي بالحاضر، ودعوة للجهاد على طريقة الحاج “محمّد المقراني” وأقرانه من زعماء الزّوايا العلمية والجهادية ضدّ المحتل الفرنسي حتّى النّصر أو الاستشهاد.

لا ننكر أنّه كانت صراعات في أوّل الأمر بين جمعيّة العلماء وبعض الطّرق التي انحرفت وخافت على مصالحها الخاصّة، والامتيازات والمنافع الكثيرة من وراء “لقب المقدّم” سامحهم الله على كلّ حال، وهذا بإيعاز من فرنسا والنّفخ فيه. ولا أتحدّث عن هذه الصّراعات في تلك الفترة مع مثل هؤلاء الشّواذ لأنّها مرحلة انقضت وبال أمرها ولم يبقى لها أثر حين حلّ محلَّها طلب العلم النّافع والعمل به.

وهذه الصّراعات لم تكن من الشّيوخ أنفسهم وإنّما من البسطاء الجهلة، الذين كانوا يبالغون في ذكر مكارم الشّيوخ حتّى وصل بهم الأمر ذكرهم لبعض الأمور لا نعلم صحّتها لكونها خاصّة بالأنبياء والرّسل. ولا يخالفني شخص عاقل وحكيم ورشيد أنّ الأئمّة والشّيوخ الكبار في نظرنا كانت بينهم شحناء وضغائن وأحقاد تصل بهم إلى العداوة الأبدية، وإن كان كذلك فلا يستحقّون ذكرَهم مع الخالدين كهؤلاء الذين نذكرهم لنمجّدَهم أمام هذا الجيل الصّاعد.

ظهرت جمعية العلماء إلى الوجود حقّا بعلماء شهد لهم بذلك القاصي والدّاني، كان من مؤسّسيها شيوخ من الزّوايا ومن منطقة ميزاب، وحين شرعوا في العمل بدأوا يصولون ويجولون في أنحاء الوطن، وكانت فيه لقاءاتٌ مع بعضهم البعض، كما جاء في كتاب بعنوان: ابن باديس فارس الإصلاح والتّنوير للدّكتور – محمّد بهي الدّين سالم-، بالصّفحة: 68، يقول: “..وكانت هذه الجولات تهدف إلى التّعرّف على وطنه الجزائر لأنّ المشاهدة خير من السّماع، وقد كان يزور الزّوايا ليناقشهم في العقيدة والفكر الإسلامي، ومن ذلك زيارته لزاوية أحمد بن عليوة، وقد تحدّث في هذه الزّيارة عن الأولياء وموقف الإسلام من ذلك.”

وجاء في مقال للأستاذ الدّكتور – محمّد القورصو- في المرجع أعمال الملتقى الأوّل والثّاني حول دور الزّوايا إبّان المقاومة والثّورة التّحريرية، بالصّفحة: 215-216 ناشرا وصايا الجمعية في ثلاثيته المشهورة: “تعلّموا، تحابّوا، تسامحوا داعيا خصومه للائتلاف وتوحيد الصّفّ حتّى في ظلّ وجود خلافات جزئية في ردّه على أنصار “الطّريقة العليوية” وهو في ضيافة شيخها، رفع الشّيخ – ابن باديس- النّقاب على إستراتيجيته تجاه الطّرقيّين قائلا: ” لا نجعل القليل ممّا نختلف فيه سببا في قطع الكثير ممّا نتّفق عليه، وإنّ الاختلاف بين العقلاء لابدّ أن يكون، ولكن الضّار والممنوع المنع البات هو أن يؤدّي بنا ذلك الاختلاف إلى الافتراق.”

ويقول في الصّفحة: 218 من نفس المرجع الدّكتور – محمّد القورصو-: “حدّثنا المرحوم- الهبري الشّافعي-، كان عمره سنة 1932 ستّاً وعشرين سنة ينتمي إلى الزّاوية الهبرية وعضوا في الجمعية الخيرية السّنوسية قائلا: كان الشّيخ- ابن باديس -أوّل شخصية من جمعية العلماء، زارت تلمسان. جاء ليُطلعنا عن تأسيس الجمعية ويوزّع علينا قانونها الأساسي كخطوة أولى نحو فتح شعبة في تلمسان، لكن الأمور لم تتم كما تصوّرنا لأنّ الإدارة منعت المساجد على الشّيخ – ابن باديس-.” ويضيف قائلا: “استدعى السّوبريفي الشّيخ – ابن باديس- ليبلغه أنّه لا يمكنه إلقاء الدّرس في المسجد الكبير لأنّه ضدّ (لا إله إلاّ الله) وكان يقصد الطّرقيّين. ومع ذلك تمكّن أعضاء “جمعية السّعادة” من الحصول على رخصة لاستعمال قاعة حفلات البلدية، تقدّم بها الشّاب الهبري الشّافعي باسم الجمعية الخيرية السّنوسية. ولم تتفطّن الإدارة للحيلة، وقبل ساعة تقريبا من بدء الدّرس، جاب مُناد شوارع المدينة يُعلم سكّانها أنّ عالما جليلا سيُلقي درسا في قاعة الحفلات التي كساها الهبري بالسّجّادّات ممّا جعلها شبيهةً بقاعة الصّلاة، حيث صلّى فيها الشّيخ – ابن باديس- ركعتين قبل أن يُلقي درسه.”

ويوم مجيء الشّيخ – البشير الإبراهيمي- تلمسان قام بدروس ما يفوق السّنة بالزّاوية الهبرية، حيث التحقت مجموعةٌ من الشّباب من الزّاوية نفسها، من بينهم الشّيخ – بومدين دالي يوسف- رحمه الله تعالى، الملقّب بـ: – السّي بومدين التّاجر- لأنّ مهنته تاجر.

يقول الشّيخ – محمّد الصّالح رمضان- في كتاب مسيرة الحركة الإصلاحية بتلمسان 1907-1931-1956 وملحق، الطّبعة الثّانية للأستاذ – مختار بن عامر- و- الحاج خالد مرزوق-، الصّفحة 86: “والإبراهيمي في تلمسان يحاضر ويدرّس العامّ والخاصّ في المساجد الرّسمية حتّى مُنع منها فتحوّل إلى النّوادي والمساجد الحرّة، وبعض الزّوايا وقد أتمّ بها شرح صحيح مسلم ومُسند التّرمذي وغير ذلك من أمّهات الكتب قبل أن يؤسّس مدرسة دار الحديث 1937.”

وكان مجيءُ – ابنِ باديس- تلمسان إلاّ بدعوة من – محمّد الصّغير مول السّهول الشّافعي ابن الحاج البشير مول السّهول الشّافعي- وهو من الجمعية السّنوسية. ويوم حضور الشّيخ – ابن باديس- حضي باستقبال حار من العائلة، وفي نفس المرجع يقول صاحب الكتاب: “نزل الشّيخ – ابن باديس- ضيفا على – الحاج البشير الشّافعي-، وبعد العصر طلب زيارة -سيدي أبي مدين شعيب-، فذهبنا إلى العبّاد وعند الوقوف أمام الضّريح دعا له بالخير.”

وفي المرجع كتاب أعمال الملتقى الأوّل والثّاني حول دور الزّوايا إبّان المقاومة والثّورة التّحريرية، بالصّفحة: 209-213 يقول الدّكتور محمّد القورصو: “…منها الزّاوية الهبرية للشّيخ – ابن يلّس- الذي هاجر إلى الشّام في سنة 1908، ناصر أتباعُه الحركةَ الإصلاحية منذ ظهورها الأوّل في العمالة.”

حيث كان – الشّيخ محمّد مرزوق- رئيس شعبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين بتلمسان بدوره يدرّس بزاوية الشّيخ ابن يلّس.

9- دور شيوخ جمعية العلماء وشيوخ الزّوايا في الظّرف الحالي:

انطلاقا من قوله تعالى:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً}[سورة آل عمران: 103].

وممّا جاء في الحكمة المعروفة: “هم آباؤنا زرعوا فأكلنا، ونحن الأبناء نزرع ليأكل أحفادنا”، ففي الظّرف الحالي الذي تعيشه الأمّة الإسلامية من صراعات خارجية وداخلية كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، وجب علينا أن نتّحد أكثر ممّا مضى لنحافظ على المذهب الذي حافظ عليه الأوّلون ممّن يدعون للتّعصّب المذهبي أو الذين يدّعون “اللا ّمذهبية”، والحفاظ على القرآن العظيم من التّحريف والتّزييف بقراءة ورش عن نافع وهي قراءة أجدادنا، ولنوحّد الفتوى من علماء وشيوخ الجزائر لمن يُخوّل لهم ذلك، حتّى نضيّق الخناق على من ليسوا أهلا للفتوى، وحتّى نقضي على فتاوى على الهواء عبر الأقمار الصّناعية من الأقطار الخارجية، ومواجهة التّنصير بالحجّة الدّامغة، وسدّ الطّريق على “التّغريبيّين”. وهنا يقول الله عزّ وجلّ:{..إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[الأنفال:70].

أيّها الشّيوخ الكرام والعلماء الأفاضل أعيد عليكم عبارةً ذاتَ أهمّية بالغة قالها الإمام العلاّمة – الشّيخ عبد الحميد بن باديس-رحمه الله، سنة 1937 وكأنّي بها حديثة لأنّ الإنسان هو الإنسان يقول: “أيّتها الأمّة الكريمة، أيّها النّوّاب الكرام، تناسوا الحزازات، اِمحَقوا الشّخصيّات، برهنوا للعالَم أنّكم أمّة تستحقّ الحياة.”

وأعيد عليكم أيضا ما قاله الدّكتور – عبد الرّزّاق قسّوم- مباشرة في اليوم الموالي بعد انتخابه رئيسا جديدا للمكتب الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريّين في استجواب له بجريدة الشّروق اليومي – ضاع منّي رقم عددها- يقول: لابدّ أن ننسى الصّراعات القديمة مع الزّوايا …

ومن هذا المنبر العلمي ندعو أنفسنا وإيّاكم إلى العمل بجدٍّ في سبيل إظهار الحقّ وإبطال الباطل من الكتاب والسّنّة واجتهاد العلماء العاملين.

يقول الشّاعر الحكيم:

إنّا وإن كرمت أوائلنا

لسنا على الأحساب نتّكل

نبني كما كانت أوائلنا تبني

ونفعل فوق ما فعلوا

وإن كان من الخلاف بدّ بين شيوخ وأئمّة جمعية العلماء والزّوايا العلمية فنستعين بقول الله تعالى وهو أصدق القائلين:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النّساء: 59].

يقول الشّاعر الحكيم:

كن ابــن من شئت واكتسب أدبا

يغنيك محموده عن النّســـــب

إن الفتى من يقــــــول هاأنـــــــذا

ليس الفتى من يقول كان أبي

10- الكلمة الختامية:

إن من وراء هذا العنوان للمحاضرة: “علاقة شيوخ جمعية العلماء بشيوخ الزّوايا في الحركة الوطنية” ليس النّبش في الماضي المظلم، وإنّما وصلة بين شيوخ جمعية العلماء وشيوخ الزّوايا حاضرا ومستقبلا. لنتّحد للحفاظ على مذهب الإمام مالك وقراءة القرآن العظيم برواية ورش عن نافع، والحفاظ على اللّغة العربية، وأعرافنا وعاداتنا وتقاليدنا.

ولا أسمّيه صُلحا لأنّه لم يكن الشّيوخ في يوم من الأيّام متخاصمين، ولكن الاستدمار اللّعين الذي فعل فعلته، ووجد منفذا وفجوةً ولج منه للتّشتيت والتّفريق تحت شعار: “فرّق تسُد”.

وعلى إخواننا الأساتذة والدّكاترة، الباحثين في التّاريخ والتّراث الجزائري أن يقرّبوا بين الشّيوخ في تلك الفترة ببحوثاتهم العلمية والعملية لتوحيد الجهود خدمة للبلاد والعباد.

فإذا كان الحوار مع الأديان بين الشّيخ بن يلّس، أو مع بعض الشّيوخ في العالم مع المسيحيّين، فنحن المسلمون أولى بالحوار فيما بيننا.

روى الإمام البخاري، والإمام مسلم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلم: “لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ”.

وهذا ما استطعت أن أجمع القليل من الكثير عن علاقة شيوخ جمعية العلماء بشيوخ الزّوايا في فترة الحركة الوطنية، انطلاقا من قوله تعالى:{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}[التّوبة:105]، وقوله تعالى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب}[المائدة:2]، وكذلك في قوله تعالى:{وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}[المطفّفين: 26].

وأختم بقوله تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ * وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت:30/36].

والله من وراء القصد وهو يهدي السّبيل.وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

 

قائمة المصادر والمراجع:

القرآن الكريم،

صحيح البخاري وصحيح مسلم.

الحركة الوطنية الجزائرية ج3، للدّكتور الأستاذ أبو القاسم سعد الله،

تاريخ الجزائر الثّقافي 1830-1954 ج3، للدّكتور الأستاذ أبو القاسم سعد الله.

أعمال الملتقى الوطني الأوّل والثّاني حول دور الزّوايا إبّان المقاومة والثّورة الجزائرية، طبعة خاصّة وزارة المجاهدين.

منطلقات وأسس الحركة الوطنية الجزائرية 1830-1954 سلسلة المشاريع الوطنية للبحث، طبعة خاصّة وزارة المجاهدين.

كيف ننسى وهذه جرائمهم، للأستاذ محمّد الصّالح الصّدّيق، دار هومة.

مسيرة الحركة الإصلاحية بتلمسان 1907-1931-1956 وملحق، الطّبعة الثّانية، للأستاذ مختار بن عامر، والحاج خالد مرزوق.

مذكّرات، للشّيخ محمّد خير الدّين ج1، المؤسّسة الوطنية للكتاب.

حياة دار الحديث العامرة تلمسان، 1927-2010، للأستاذ محمّد بومشرة.

شروط النّهضة، للأستاذ مالك بن نبي، دار الفكر.

صحف التّصوّف الجزائرية 1920-1955، للأستاذ محمّد الصّالح آيت علجت، ديوان المطبوعات الجزائرية.

إلياذة الجزائر، للأستاذ الشّيخ مفدي زكريا، المؤسّسة الوطنية للكتاب.

هناك بعض المعلومات التّاريخية نقلتها -بتصرّف- عن شيخنا الفاضل بن يونس آيت سالم، النّائب الثّالث لرئيس المكتب الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريّين.

آخر التغريدات: