دور جمعية العلماء في ترسيخ المرجعية الدينية والهوية الوطنية 5

دور جمعية العلماء في ترسيخ المرجعية الدينية والهوية الوطنية 5

بقلم لقدي لخضر

كان ابن باديس عالما مجتهدا مفسرا للقرآن شارحا للحديث فقيها مفتيا مصلحا بارعا، حمل عبء إيقاظ أمة، وإنهاض سنة، وإماتة بدعة، ومحاربة جهل مطبق، ومناوأة مغير قوي ضار غشوم.

وأسس جمعية العلماء مجموعة من العلماء الجزائريين مالكيون وإباضيون مصلحون وصوفية، موظفون وغير موظفين، وانتخب الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيسا، والشيخ محمد البشير الإبرهيمي نائبا، ومحمد الأمين العمودي كاتبا عاما، والطيب العقبي نائبا للكاتب العام، ومبارك الميلي أمينا للمال، وإبراهيم بيوض نائبا لأمين المال.

وضمت في صفوفها خيرة علماء الجزائر، واتجهت لإصلاح الأمة، وركزت اهتمامها بالتعليم والتربية، فلا يمكن أن تصلح الأمة إلاّ إذا صلح العلم والتعليم والمعلم، (فصلاح التعليم أساس الإصلاح، ولن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم …ولن يصلح العلماء إلاّ إذا صلح تعليمهم …. ولن يصلح هذا التعليم إلاّ إذا رجعنا به للتعليم النبوي في شكله وموضوعه وفي مادته وصورته..)- آثار ابن باديس (3/ 217).

وكانت المرجعية المعتمدة لدى الجمعية الكتاب والسنة وهدي التابعين وتابعيهم، وفي هذا يقول ابن باديس: الواجب على كل مسلم في كل مكان وزمان أن يعتقد عقدا يتشربه قلبه وتسكن له نفسه؛ وينشرح له صدره، ويلهج به لسانه، وتنبني عليه أعماله، أن دين الله تعالى من عقائد الإيمان، وقواعد الإسلام، وطرائق الإحسان، إنما هو في القرآن والسنة الثابتة الصحيحة، وعمل السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين – آثار ابن باديس (3/ 163).

والجمعية فهمت بعد تشخيص دقيق لحال الجزائر، أن الأمة كاملة كانت نهبًا مقسمًا بين استعمارين متعاونين على إبادتها:

استعمار مادي متسلط على الأبدان-فرنسا- واستعمار روحاني متسلط على العقول-الطرقية المنحرفة- يلتقيان عند غاية واحدة، يتقارضان التأييد، ويتبادلان المعونة، كل ذلك على حساب الأمة الجزائرية المسكينة، أولئك يضلّونها، وهؤلاء يذلّونها، وجميعهم يستغلّونها- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (5/ 141).

وهذ االتشخيص الدقيق للداء يستلزم وصف المناسب من الدواء، فعملت على إثارة الهمم الرواكد، واستفزاز العزائم الفاترة، وصححت ما اندثر من الحقائق والعقائد.

ولكي نجلي المرجعية الدينية عند ابن باديس والجمعية نسوق الملاحظات التالية:

أولا: جمعية العلماء كانت إطارا عاما يلتقي فيه الجزائريون الذين بغيتهم الإصلاح وهدفهم خدمة الجزائر ومحاربة الاستعمار، ولذلك نجد الجمعية قد ضمت إلى صفوفها كل من يؤمن بالرسالة التي ذكرناها، والعلامة ابن باديس، استطاع جمع المسلمين الجزائريين بعيدا عن الطائفية، واحتوى رجال الصوفية وعلماء المذهب الإباضي بروح الأخوية، فكان -الرئيس: عبد الحميد بن باديس، و-نائب الرئيس: محمد البشير الإبراهيمي، -الكاتب العام: محمد الأمين العمودي، و-نائب الكاتب العام: الطيب العقبي، و-أمين المال: مبارك الميلي، – نائب أمين المال : إبراهيم بيوض، وهو إباضي.

ونشرت جريدة البصائر مقالا للشّاعر الجزائري المعروف “مفدي زكرّيا” كتبه وهو في شبابه، أرسله إلى جريدة “البصائر” وحظي مقاله بالنّشر وبالإعجاب، وقد كتب “مفدي زكريّا” في مقاله ما يلي: فكان لكلّ عالم مسلم جزائري حقّ الدّخول فيها كعضو عامل، ولكلّ مسلم جزائري حقّ الانتساب إليها كعضو مؤيّد، فتأسّست وهي تشتمل على المصلحين والطّرقيين والمالكيين والإباضييّن، لم ينظر فيها إلى مذهب دون آخر ولا إلى طريقة دون غيرها، ولا غاية للمصلحين ولا أمل لهم غير الاتّفاق والاتّحاد، نظرا لأنّ الجمعيّة جمعية علماء، وهم أقرب النّاس إلى الحقّ وأعرف النّاس بطرق التّفاهم. -جريدة “البصائر” العدد 46 ـ ص 2.

ثانيا: عملت الجمعية على ربط المسلمين مباشرة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى فهم الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان والأئمة المرضيين والعلماء العاملين، فقد (كان علماء السلف يرجعون في كل شأن من شؤون الدين إلى القرآن، بل كان خلقهم القرآن، ولما ضعف سلطان القرآن على النفوس، وأصبح العلماء لا يلتزمون في الاستدلال بآياته ولا ينتزعون الأحكام منها إلا قليلا – آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (5/ 315).

ثالثا: الجمعية لم تسلم من الكثير ممن ناوءها من الطرقية وأتباع الاستعمار الفرنسي، كما لم تسلم من الغمز واللمز من الكثير ممن يدعي السلفية ويدعي الانتساب لها.

فمنهم من اتهمها بأنها وهابية وهم بعض الطرقيين، ومنهم من اتهمها بأنها لم تشارك في الثورة، ومنهم بعض التيارات المنحرفة التي لا ترى للإسلام دورا ولا للعلماء بذلا، وتناسوا أنها دعمت وشاركت وكان رجالها وقودا للثورة، وكثير منهم من شهدائها وأبطالها، بل أول بيان صدر بعد بيان أول نوفمبر كان بيان الجمعية، فقد أصدر الشيخ البشير الإبرهيمي بيانا مؤيدا للثورة يوم 2 نوفمبر 1954، عنوانه ”مبادئ الثورة”، وقعه معه الشيخ الفضيل الورتيلاني.

وتبعه بيان آخر يوم 15 نوفمبر 1954 بعنوان: نداء إلى الشعب الجزائري جاء في مطلعه: نداء إلى الشعب الجزائري المجاهد … نعيذكم بالله أن تتراجعوا …

وهذا عبد اللطيف سلطاني بعد اندلاع الثورة طلبت منه “لجنة التنسيق والتنفيذ” المسيرة لها في العاصمة، أن يتولى جمع المال لها من أبناء الوطن المخلصين لها، فقام بذلك، مع الدعوة لها في المسجد “الرويسو” الذي كان يَؤُمُّ فيه. وفي شهر جوان 1956م، طلبت منه اللجنة أن يسمح لها بعقد اجتماعاتها في منزله فلبى ذلك على خطورته الشديدة لكونه يسكن في حي أكثر سكانه أوربيون، فكانت تلك اللجنة تعقد اجتماعاتها – ومنها الحربية – في منزله، بإشراف البطل الشهيد عبان رمضان، مع الإخوة: بن يوسف بن خدة، وتمام عبد المالك، وإبراهيم شرقي وغيرهم، وقد حرر مقرر مؤتمر الصومام المشهور بمنزله، وهذا سمعته منه رحمه الله وساقه في مذكراته، ومنهم من فسقها وبدعها ورأى لها أخطاء فشنع وفسق وبدع، غير آبه ولا مراع للظروف التي كانت تعمل فيها.

خامسا: في مجال علم العقيدة وعلم الفقه وعلم التربية والسلوك كانت الجمعية معتدلة معتمدة على المعلوم المعروف المنتشر في بلادنا وسائر بلاد الشمال الإفريقي، مع اجتهادات مناسبة، فرجالها علماء وشيخها ورئيسها ونائبه من فحول العلماء رحمهم الله جميعا.

وفي الحلقة القادمة مزيد بيان وتوضيح.

آخر التغريدات: