دور جمعية العلماء في تحصين الفرد والمجتمع من الزيغ الفكري

دور جمعية العلماء في تحصين الفرد والمجتمع من الزيغ الفكري

بقلم: أ. محمد مكركب –

المجتمعات الإسلامية عامة ومنها العربية خاصة تتعرض ومنذ زمن بعيد، من القرن الأول الهجري لغزو فكري وإلحادي واقتصادي وسياسي وعسكري. وصفحات التاريخ مليئة بحوادث يكاد الحزن على ما خسره المسلمون، عبر تاريخهم الطويل لو ألقي على الجبال الراسيات لأذابها أسفا وحسرة. ولا تزال هذه الشعوب، تتعرض لنفس الهجمات، ثم إن هذه الشعوب تكرر نفس الغلطات، وتسقط في نفس الخطيئات، فأرادت جمعية العلماء وهذا من صميم واجبها، أن تقف وقفة الإمام الرائد الصادق مع قومه، من حين لآخر، عاملة بما بينه الرسول، عليه الصلاة والسلام، وبما قام به في مسيرة دعوته الصادقة، حتى أخرج من شاء الله تعالى من الظلمات إلى النور.

ليست هذه هي المرة الأولى التي أتوجه فيها بدافع واجب النصح والإرشاد إلى الأمة الإسلامية عامة والشعب الجزائري خاصة لبيان الأخطار المحدقة ببلداننا والمنذرة بشر مستطير، فأنا كواحد من جمعية العلماء، التي كانت منذ نشأتها(17/ 12/ 1349هـ) وهي تقول للناس أجمعين: يا ناس الإسلام ديننا، يا ناس الطريق من هنا. ما زلت أقول لكل البشر: الإسلام ديننا، إسلام التربية والإدارة والاقتصاد، إسلام العمران والسياسة والمدنية، وفي ظلال شمولية الإسلام يستقيم أمرنا، وننهض نهضتنا.

ماذا يعني الإسلام ديننا في دعوة جمعية العلماء؟ يعني أننا جميعا نحن معشر الشعوب العربية ومنها الشعب الجزائري، جميعا ننتمي للإسلام، ولا دين غيره ينفعنا، والضعف الذي أصابنا، وبسببه تطاول الكفار علينا، وفرضوا علينا التبعية لهم بقيود بالغة المكر والمكيدة، قلت السبب هو: هو ابتعادنا عن جزء كبير من قيم الإسلام وأحكامه ومبادئه. (وهذا جوهر الدعوة في مسألة، تحصين الفرد والمجتمع، من الانحراف الفكري) رأينا نحن في جمعية العلماء، كما رأى واقتنع العلماء الأئمة الأولون الذين أسسوا الجمعية، بأن تحصين الأفراد والأمة يتحقق بالدين الإسلامي، الذي هو دين الدولة كلها، والحكومة كلها، والوزراء جميعهم، كما نبينه في بصائرنا، وندواتنا ودروسنا ومحاضراتنا، ونقول للشباب بأن اللغة العربية التي تعصمنا من الانحرافات ليست فقط مادة تُدَرَّسُ في المدارس، وإنما أن تكون لسان الأمة جميعا، ولغة تعليمها وإدارتها، وإعلامها، وثقافة حياتها،..والوحدة الوطنية، في مواطنة منسجمة متكاملة، ولنا في أهدافنا وبرامجنا في جمعية العلماء، بيان الأسباب المدنية والحضارية لبناء وطن يتناسب وشف الجزائر.

لكن هل علمتم كيف يحدث الانحراف وتلتبس المعالم الهادية أمام الشباب وأمام السياسيين، وإذا عرف السبب بطل العجب؟ يحدث ذلك عندما يتسلل إلى ساحة المسلمين عنصر غريب عن جسم الأمة يتموه بشيء من الزي الظاهري، والسلوك التعاملي، ويريد أن يبعدنا عن الإسلام الحق، وتتجاوب معه نبتات طفيلية شاذة، على المستوى السياسي فتسري سياسة ترقيعية فاشلة، وعلى المستوى الشبابي بتدين مستورد مغشوش. ومن هنا تبدأ الفكرة التضليلية بنقد الطرفين، فيخرج من ينتقد ويعارض الزيغ السياسي، بزيغ آخر، ويخرج من يعاتب جماعة من المسلمين، ثم معاتبة المسلمين جملة، ثم الطعن في الإسلام، ثم تنبت المذهبية، ثم الفرقية الطائفية، ثم الفرقية النحلية، ثم يخضع الناس لأمر واقع هو الإسلام الشعائري وحسب، والإسلام المذهبي، ويبعد من ذهن الناس مفهوم الدين كنظام شامل للحياة، وتُبْعَدُ الشريعة الإسلامية بكل أحكامها كالتزام رسمي في المنظومة التشريعية للحكم في المجتمع الإسلامي.

وانقسم المسلمون إلى سنة، وشيعة، وخوارج، ثم انقسم كل هؤلاء على بعضهم، والغريب العجيب أن كل المنقسمين يذمون الانقسام، ويرفضونهم بأفواههم، وهم مع ذلك يحدثونه بإرادتهم، ويرضون به ويدعون له. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ما هذه الغفلة بل ما هذه السفاهة؟ أخطر مرض وقع فيه المسلمون هو الانقسام إلى مذاهب، ثم إلى فرق، ثم إلى أحزاب، ثم إلى عداوة وغلاب، ثم إلى أسباب الخراب.

فأنفقوا الأموال الطائلة لمحاربة بعضهم، وأعداؤُهم يضحكون عليهم. وهكذا ترون أن الفساد الحسي من خمور ومخدرات وسرقة واختلاسات، وفواحش وسائر الموبقات، تبدأ من الفساد الفكري، فإننا ننادي الأمة كلها بالعودة إلى أصولنا وثوابتنا وقيمنا ضمن الشعار الثلاثي للجمعية العلمائية الجزائرية التي هي المرجعية الفكرية للشعب الجزائري.

وكان النبي عليه الصلاة والسلام ينذر ويحذر من المصائب والفتن التي تهلك العباد، إن طغوا في البلاد، وأكثروا فيها الفساد. ففي الحديث:[لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ] وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَامِ، وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ زوجه زينب: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَهْلكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ:[«نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ] (رواه مسلم في كتاب الفتن). ووجه الاستدلال بهذا الحديث، هو جواب أمنا زينب على سؤالها:(أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟) كان الجواب الواضح والصريح: [«نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ] والخبث الفكري الفرقي، والخبث السياسي الجاهلي أخطر أنواع الخبائث، أخطر من أكل الميتة، وشرب الخمر، وإن كانت كلها خبائث.

فتحصين الفرد والمجتمع يبدأ بدعوة الجميع إلى فهم وحسن الانتماء للإسلام، وأن الدين الذي اسمه الإسلام يشمل الحياة كلها، وأن الناس داخل الإسلام يتفاوتون في درجات العمل بشعب الإيمان، يدورون في مجال الطاعات وقد تصيبهم بعض أشواك المعاصي والموبقات، ويتوب من يتوب وينجو من النار، ويصر من يصر على الذنوب إلى أن يحكم بينهم العزيز الغفار.

وفي الحديث مما رواه الإمام مسلم [إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمَهُ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ، فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَدْلَجُوا فَانْطَلَقُوا عَلَى مُهْلَتِهِمْ، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ](مسلم كتاب الفضائل).

إننا ندعو جميع الجزائريين إلى أن يثبتوا على ولائهم لله تعالى، مقتدين بالرسول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، الذي ترك فينا كتاب الله تعالى، وأن نقلع عن كل التسميات والانتماءات التي تفرق صفوفنا وتمزق أفكارنا وتشعل نار العداوة بيننا.

ومن دعوتنا [ العربية لغتنا] ووجه الاستدلال في تحصين الفرد والمجتمع بالعربية هو: أن خمسة أصول أساسية في تكوين ثقافة الجيل مرهونة باستعمال العربية.

الأصل الأول: وحدة الفكر وصفاؤه، فمن اللغات السامية التي ظلت محافظة على خصائصها هي العربية، بل إن العربية هي أصل كثير من اللغات، ومنه كان استعمالها حافظا لصفاء الفكر.

الأصل الثاني: توحيد الخطاب بين أبناء المسلمين بلغة واحدة جامعة ضمان لوحدتهم وتماسكهم.

الأصل الثالث: أنها لغة القرآن والسنة والعبادة.

الأصل الرابع: أنها لغة نبينا صلى الله عليه وسلم، فهي من شخصيتنا الإسلامية.

الأصل الخامس: أن العربية كانت هي لغة العلم الأولى في العالم، فلما هجرها أهلها بسفههم واتبعوا أوروبا، وظنوا أن العربية انحطت بانحطاطهم، أو أنها تخلفت كما تخلفوا، والحقيقة أن العربية ما تخلفت ولا انحطت ولا ضعفت ولا استكانت ولا وهنت، وإنما غدر بها أهلها المتسلطون عليها، وعاداها عن غير قصد من قالوا إنها ليست لغة أجدادنا، فتشبثوا بلغة أجدادهم عاطفيا، وهجروا لغة نبيهم ظلما وعدوانا، ونسوا أو تناسوا عاطفيا أيضا، أن النبي أولى عند المؤمن الحق من الأجداد والأولاد والعرق والنسب والبلاد.

وفي الحديث الشريف الصحيح لمن يصدق ويعمل بالحديث الصحيح، قبل قول أبيه أو جده،.قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ] كيف تعادي لغة حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم، ومن حارب لغة القرآن فكأنما حارب القرآن، ومن حارب القرآن حارب الإسلام،..قال محاوري مرة لتركي، لما جعلتم اللغة التركية الرسمية وأقصيتم لغة القرآن لغة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لم يكن جواب التركي بأن اللغة التركية مثلا هي أحسن، (وهي ليست كذلك) أو أنها مستعملة في العالم بنطاق أوسع من العربية (وهي ليست كذلك) أو، أو. وإنما قال له: التركية لغة أجداد الترك فهي أولى..فقيل له: أأجدادكم أحب إليكم من القرآن والرسول والدين، لماذا عندما اسْتَهْزَأَ الكفار برسول الله صلى الله عليه وسلم كلكم صرختم: فداك أبي وأمي، يا رسول الله؟ أم أن ذلك للإشهار السياسي فقط؟. وقيل للإيراني: لماذا لا تستعملون لغة أهل البيت هي اللغة الرسمية بما أنكم تحبونهم حسب ادعائكم إلى درجة التقديس؟ فما وجد جوابا يجيب به، ومن ثم تبين بأن حبهم لآل البيت مجرد موقف سياسي وحسب.

عيب يا شباب القرآن في آسيا وإفريقيا وأوروبا، أن يصبح المسلم في وطن الإسلام، في بلد القرآن منذ أربعة عشر قرنا من الزمان وهو يقرأ القرآن ولا يزال يقرأ تفسير القرآن بغير لغة القرآن؟ عيب يا شباب أن يوجد شباب جاءوا بعد عشرين جد كلهم مسلمون ولا يعلمون أولادهم لغة القرآن ولا يتخاطبون بها في الأسرة ولا في الإدارة؟ قال الله تعالى:﴿ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. وقال تبارك وتعالى:﴿ إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.

ومن دعوة جمعية العلماء:[الجزائر وطننا] لماذا الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا؟ لأن هذه هي الأصول الكبرى لإقامة كيان الدولة القوية، والأركان الكبرى للأمة المتماسكة العظيمة: أيها الشاب المسلم لا تنس هذه الأركان الكبرى ولا تخرج عنها فتضيع، [الدين الإسلامي: عقيدة وشريعة وأخلاقا، واللغة العربية: لسانا وفكرا وثقافة، والوطن الجزائري: وحدة إقليم، ووحدة شعب، ووحدة مؤسسات، ووحدة سلطة، ووحدة راية].

عندما يجمعنا الدين الواحد وهو الدين الحق، الإسلام. وتجمعنا لغة واحدة في التعلم والإدارة والتخاطب والإعلام، وعندما يجمعنا وطن واحد، حباه الله من كل الخيرات والبركات. حينها نعيش الأمن بكل أبعاده، ونعيش عصرنا بكل مقتضياته. وحينها وفقط نستحق أن نكون خير أمة أخرجت للناس.

وطننا من الطارف وسوق اهراس إل تندوف وبشار، ومن جنات وعين أم الناس، إلى البحر الأبيض المتوسط. كل ذلك لشعب واحد موحد، هو الشعب الجزائري المسلم الموحد ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ لا يكفي هذا المقال لبيان كل دور الجمعية في كل ما يجب نحو تحصين الفرد والمجتمع من الانحرافات وتثبيته على الصراط المستقيم، وإذن نحن معكم كل أسبوع في رحاب البصائر. لتبيان العلاج كاملا، إن شاء الله تعالى، وهو على ما يشاء قدير، وهو الحكيم الخبير.

آخر التغريدات: