دور جمعية العلماء في ترسيخ المرجعية الدينية والهوية الوطنية 3

دور جمعية العلماء في ترسيخ المرجعية الدينية والهوية الوطنية 3

بقلم: لقدي لخضر

رسخت جمعية العلماء فكرة الوطن والوطنية، فجعل شعار جريدة (المنتقد) “الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء”، بدل شعار “الدين لله والوطن للجميع”، الذي كان يرفعه اللادينيون.

وفي ذلك يقول الشيخ عبد الحميد بن باديس، متكلما عن شعارها: بهاتين الجملتين منذ نيف وعشر سنين توجنا الشهيدة، وجعلناهما شعارا لها تحمله في رأس كل عدد منها- آثار ابن باديس (3/ 366).

وكان -رحمه الله- يستغل كل مناسبة للتذكير بهذه الحقيقة، فهو يقول في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير: روى البخاري ومسلم واللفظ له عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ، أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا:- تعني وضعها على الأرض كما فسرها سفيان بالعمل -، وقال : “بِاسْمِ اللهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا”.

يقول ابن باديس ولو أننا عرضنا هذا الخبر عند الناس، لقال المتخلف القاصر: تربة المدينة بريق النبي- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- شفاء ما بعده من شفاء.

وقال الطبيب المستغرب: هذا محال، في التراب مكروب، وفي الريق مكروب، فأنى يشفيان مريضاً أو ينفسان عن مكروب؟!.

وقال الكيماوي: ها هنا تفاعل بين عنصرين، ودعوا التعليل، فالقول ما يقول التحليل.

وقال ذوو المنازع القومية والوطنية، ولو كانوا يدينون بالوثنية، آمنا بأن محمداً رسول الله، فقد علم الناس من قبل أربعة عشر قرناً أن تربة الوطن معجونة بريق أبنائه، تشفي من القروح والجروح، ويقرر لهم من منن الوطن منّة كانوا عنها غافلين، فقد كانوا يعلمون من علم الفطرة أن تربة الوطن تغذي وتروي، فجاءهم من علم النبوة أنها تشفي، فليس هذا الحديث إرشاداً لمعنى طبي، ولكنه درس في الوطنية عظيم.

ثم قال ابن باديس: ولو أنصف المحدثون لما وضعوه في باب الرقى والطب، فإنه بباب “حب الوطن” أشبه -تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، (ص: 378).

وينقسم الناس باعتبار علاقتهم بأوطانهم إلى عدة أقسام:

– فقسم لا يعرفون إلاّ أوطانهم الصغيرة فهؤلاء هم الأنانيون.

-وقسم يعرفون وطنهم الكبير ويعملون ويضحون من أجله.

– وقسم زعم إنكار الأوطان وأنكروا وطنيات الأمم الأخرى، فهم فاشلون بمعاكستهم لفطرة الاستيطان والتوطن البشرية.

– وقسم آمن بقيمة الوطن ومكانته في الحياة السوية، وهم أهل الوطنية الإسلامية.

· التاريخ والجذور وراهن الأمة:

-التاريخ: هو الجسر الذي يربط بين حاضر الأمة وماضيها، وقد عملت فرنسا كل جهدها لترسّخ في الآذان فرنسية الجزائر، واعتبرتها ولاية تابعة لها.

ولعبت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين دورا مهما في الحفاظ على الهوية الوطنية للشعب الجزائري، وعملت كل ما في وسعها على صيانة عناصر تكوينها من دين ولغة وعادات وتقاليد، وأبلت في ذلك البلاء الجميل، إذ تصدت للهجمة الاستعمارية الشرسة، وكانت لكل مشاريعها الهدامة بالمرصاد، ووقفت سندا منيعا في وجه المشروع الاستعماري الذي كانت تطمع قوى الاستعمار إلى تحقيقه على أرض الجزائر العربية المسلمة.

وجندت الجمعية وسائل عديدة منها: المعلم والمدرسة والصحيفة، والخطيب، والمحاضر والواعظ، والشاعر، وكل من كانت تتوسم فيهم الإخلاص للدين والوطن حفاظا على كيانه من التلاشي والذوبان أمام ضربات القوى الاستعمارية المصممة على ضربه في العمق ولكن هيهات.

وكان ابن باديس يرى أن تاريخ الجزائر تشكل عبر حقب الماضي، يبرز ذلك في مقاله الشهير بعد المؤتمر الإسلامي سنة 1936م “هل آن أوان اليأس من فرنسا”، الذي عرض فيه مقومات الأمة الجزائرية بتاريخها الثري والطويل الضارب في أعماق الحضارة.

وفي محاضرة له بعنوان “لمن أعيش؟”، أجاب فيها قائلا :” أعيش للإسلام وللجزائر”، ومما جاء في محاضرته القيّمة تلك، قوله: “أما الجزائر فهي وطني الخاص الذي تربطني بأهله روابط من الماضي والحاضر والمستقبل بوجه خاص، وتفرض علي تلك الروابط لأجله فروضا خاصة، وأنا أشعر بأن كل مقوماتي الشخصية مستمدة منه مباشرة”- آثار ابن باديس (3/ 236).

ووعت جمعية العلماء أن عليها أن توقظ الذاكرة في الشعب الجزائري، وترسم له تاريخه الصحيح، وذلك بتذكيره بإسلامه وعروبته، يقول العلامة عبد الحميد بن باديس في ذلك:

شعب الجزائر مسلم … وإلى العروبة ينتسب

من قال حاد عن أصلـ … ـه أو قال مات فقد كذب

أو رام إذ ما جاله … رام المحال من الطلب

يا نشء أنت (رجاؤنا) … وبك (الصباح) قد اقترب

الرجاء والصباح فرقتا الكشافة بقسنطينة.

· وفي خاتمتها:

هذا لكم عهدي به … حتى أوسد في الترب

فإذا هلكت فصيحتي … تحيا (الجزائر) و(العرب).

عبد الحميد بن باديس

-وألّف العلامة مبارك بن محمد الميلي (المبارك الميلي)، كتابا في تاريخ الجزائر في القديم والحديث.

وبعث الأستاذ عبد الحميد بن باديس إلى المؤلف رسالة أثبتها في المقدمة جاء فيها: ((حصن الماء)) مساء الثلاثاء 15/ 1/ 1347.

الحمد لله أخي مبارك!

سلام ورحمة، حياك الله تحية من علم وعمل وعلم، وقفت على الجزء الأول من كتابك ـ[تاريخ الجزائر في القديم والحديث]ـ فقلت لو سميته ـ[«حياة الجزائر»]ـ لكان بذلك خليقا، فهو أول كتاب صور الجزائر في لغة الضاد صورة تامة سوية، بعدما كانت تلك الصورة أشلاء متفرقة هنا وهنالك. وقد نفخت في تلك الصورة من روح إيمانك الديني والوطني ما سيبقيها حية على وجه الدهر، تحفظ اسمك تاجا لها في سماء العلا، وتخطه بيمينها في كتاب الخالدين.

أخي مبارك!

إذا كان من أحيا نفسا واحدة فكأنما أحيا الناس جميعا، فكيف من أحيا أمة كاملة؟، أحيا ماضيها وحاضرها وحياتهما عند أبنائها حياة مستقبلها.

– و دبّجه أمير البيان شكيب أرسلان، واعتمدته جمعية العلماء المسلمين الجزائيين في تدريسها للتاريخ الجزائري.

آخر التغريدات: