ابن باديس ..ذلك المجهول!!..2/2

يقلم: حسن خليفة –

تناولنا، في إيجاز عابر، في الموضوع الأول المعنون “ابن باديس..ذلك المجهول” بعض ما يستوجب البيان؛ من حيث كون الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس “مجهولا ” في قومه وبني وطنه الصغير الجزائر، وفي وبني أمته عموما، وقد كان التركيز -في المقال السابق – على “المنهج ” الذي نزعم أنه واحد من المناهج المتفرّدة في مجال التغيير الحقيقي الناجز الناجع المؤثر المتحقق، الذي إن اعتُمد سيقود -حتما- إلى نتائج باهرة في الميدان؛ لأن التجربة أثبتت نجاعته، في ظروف أعسر وأعقد وأصعب، زمن الاستدمار الظلوم، ولكنه، مع ذلك نحج؛ لأنه استند إلى القوانين والسّنن (تغيير النفوس) مصداقا لقوله تعالى: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم “(الرعد ….) .

فابن باديس الذي وطّن نفسه على ثغور: التربية والتعليم، والتزكية، والتأهيل والتكوين والإعداد للحياة، على مدار أكثر من خمسة وثلاثين عاما من حياته القصيرة، والذي كان يُدرّس نحوا من 14 درسا في النهار وجزء من الليل(صلاح الدين الجورشي: ابن باديس، طبع تونس)، والذي كان يخطب، ويكتب، ويراسل، ويراجع، ويطالع، ويقود، ويجمع(ولا يفرّق)..هذا الإنسان جدير بأن يكون نمطا فريدا في نسيجه النفسي والعقلي، ونمطا خاصا في عمله، وقبل ذلك في تفكيره وتصورّه وفهمه..وهو جدير -ذلك كله- بأن يُدرَس دراسة مخصوصة، وتُستنتج من حياته وأعماله وطريقته في العمل التغييري الهاديء المكين، ومن أسلوبه في الدعوة إلى الله تعالى وإحياء فضائل الإسلام المشعّة في النفوس والعقول والقلوب..نعم جدير بأن يُدرَس منهجه على نحو عملي وظيفي، تستخلص منه المبادئ التي تسمح بتكوين “دليل عملي” في الدعوة والتمكين لدين الله تعالى في النفوس، واستنتاج الفضائل المميزة لذلك المنهج الذي سمح لتلك الكوكبة الطاهرة من العلماء الأبرار العاملين بالانتصار على: الشيطان، والنفس، والهوى، والاستدمار، والظروف الصعبة، ونقص الإمكانات، والاحتلال الاستيطاني، والبرامج الجهنمية الاستئصالية، والجيوش الجرارة من أهل الشر والتجهيل والاستعلاء(المستدمر وأعوانه) ..إنّ منهجا ينتصر على كل هذه الجبهات لمنهَج جدير بكل احترام واهتمام ومدارسة وتطبيق وتفعيل، وإننا لآثمون إن لم نستأنس به ونسلك سبيله في الهدى والرشاد.

وأحب أن أقول هنا بوضوح، في ضوء فهم ولو غير متعمق لمدرسة ابن باديس ونهجه في التغيير والعمل الدعوي والتربوي..أحب أن أقول: إني لأحتقر تلك الكتابات السطحية التافهة التي تقول عن ابن باديس أنه ليس رجل حوار، وأن ابن باديس كان مع فرنسا وكان مهادنا، وأن الجمعية لم تقف مع الثورة ولم تشارك فيها..وبعض من التّهم الباطلة الخاطئة التي تدل فعلا على أن “الجهل ” هو العدو الفتّاك للإنسان، إنه لبهتان عظيم وافتراء بغيض على الحقائق الساطعة الناطقة، ولكن جحود بعض البشر يمكن أن يصل إلى حد تجاهل الشمس في رابعة النهار.

إن مما نلحّ عليه هنا هو بذل بعض الجهد في القراءة والتقصّي والبحث وطلب المصادر والمراجع، وقد لا يكون الأمر بحثا متعمّقا مجهدا، ربما تكفي إطلالات سريعة على بعض الدراسات، لمن يقرأ بنزاهة وتدبّر، مثل :”الشيخ عبد الحميد بن باديس: وعيه بالاستعمار وبالثقافة الغربية -من خلال أرشيف الاستخبارات الفرنسية- ، و”صور ووثائق الإمام عبد الحميد بن باديس”، و”اعتداء اليهود على أهل قسنطينة -سنة 1934- و”الإمام بن باديس: شهادة الإمام الإبراهيمي فيه “و”وثائق جديدة عن جوانب خفية في حياة ابن باديس الدراسية “و”إسهام شيوخ معهد عبد الحميد بن باديس وطلابه في ثورة التحرير “…وغيرها كثير من الكتب والمستندات الزاخرة بالوثائق، وهي -بالمناسبة- كلها من إصدارات مؤسسة ابن باديس التي يشرف عليها الدكتور عبد العزيز فيلالي، فضلا عن عشرات من الدراسات هنا وهناك. والمشكلة أننا لا نقرأ…وتلك في حد ذاتها مصيبة جزائرية أخرى، ورذيلة “توسّخ” بياضنا الإنساني وتمنعنا من كثير من الصالحات.

دعنا نشير هنا إلى جوانب غير معروفة من حياة الإمام وهي تتصل بجهوده العلمية التي تكشف لنا عن سعي لا ينقطع من أجل تعليم الأجيال، وتمكينها من التحصيل العلمي والإعداد المستقبلي، يستوي في ذلك الذكور والإناث، ولنتذكر أن هذا يعود إلى سنة 1937م ، وكيف يستفيد الإمام من المعلومات التي يقرأها في الصحف للتواصل والاستفادة من أي فرص، لتمكين الجزائريين والجزائريات من التعلّم والتكوين المتين، في بلدان بعيدة .لنقرأ ونتأمل الدلالات التي توحي بها هذه الرسائل.الرسالة الأولى موجهة إلى سيدة فاضلة رئيسة جمعية أدبية في دمشق.

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وآله
قسنطينة في 9 جمادى الأولى 1357 هـ سنة 1937
حضرة السيدة الجليلة رئيسة جمعية دوحة الأدب المحترمة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد، فاسمحي لي يا سيدتي أن أتقدم إلى حضرتك بهذا الكتاب (=الرسالة) من غير تشرف سابق بمعرفتكم، غير ما تربطنا به الروابط العديدة المتينة التي تجمع بين القطرين الشقيقين: الشام والجزائر.
يسرك سيدتي أن تعرفي بأن بالجزائر نهضة أدبية تهذيبية تستمد حياتها من العروبة والإسلام غايتها رفع مستوى الشعب العقلي والأخلاقي. ومن مؤسسات هذه النهضة جمعية التربية والتعليم بقسنطينة، ولما علمت إدارتها بجمعيتكم المباركة بما نشرته عنها بمجلة الرابطة العربية رغبت أن ترسل بعض البنات لتعليمهن في مدرسة الجمعية، فهي ترغب من حضرتكم أن تعرفوها بالسبل إلى ذلك.
تفضلي بقبول تحيات الجمعية وإخلاصها والسلام من رئيس الجمعية عبد الحميد بن باديس .
العنوان بالحرف .
Benbadis13A .lamibert ; constantin Algerie

الرسالة الثانية موجهة لشيخ الجامع الأزهر
لسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم
قسنطينة في 16 ربيع الثاني سنة 1356، 25 يونيو (جوان)سنة 1937
إلى جناب صاحب الفضيلة مولانا الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر الأستاذ الإمام محمد مصطفى المراغي أدامه الله للمسلمين ركنا ركينا ولتراث الإسلام حافظا أمينا.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أما بعدُ، فإن الخلافة الإسلامية العلمية عرشها اليوم هو الأزهر وفضيلتكم، بحق تبوأ هذا العرش الرباني، خليفة للمسلمين العلمي.ولو أن المسلمين -وهم كلهم يعترفون بهذا- أبرزوا إلى حيز العمل والتنفيذ لاستردوا أعظم ما هم بأشد الحاجة إليه من معاني الخلافة. وأحسب أن من أحسن الوسائل لإبراز هذا المعنى وتحقيقه اتصال الأزهر بالأمم الإسلامية من أقطاب الأرض بالمتفقدين يرسلهم إليها وبالبعثات العلمية ترسلها إليه.ومن فضل الله أن هذا قد شرع فيه فعلا من بعض الأقطار كالهند، نرجو أن يتم في بقيتها.
ولما كانت جمعيتنا (يقصد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) قد أخذت على نفسها خدمة المسلمين الجزائريين في دائرة العلم والدين رأت أن واجبها أن تسعى في إيجاد بعثة لكرع (=نهل ) العلم من مناهل الأزهر الشريف.
ومما يسهل علينا ذلك أن تعرف أن الأزهر يأوي تلك البعثة من البعثات الإسلامية الأخرى، فلهذا أتقدم باسم الجمعية لفضيلتكم ملتمسا إبداء رأيكم السديد ونصحكم الأبوي وإنني في انتظار التشرف بجوابكم الكريم أدامكم الله للإسلام والمسلمين .
والسلام عليكم ورحمة الله: من عبد الحميد ابن باديس-رئيس الجمعية .
وأختم هذه السطور بهذه اللطيفة الخَفية الخاصة جدا في حياة الإمام وهي رسالة تكشف مدى “الاحتياج ” والظروف الصعبة التي كان يمرّ بها، في بعض الأحايين؛ حيث تحيط به الديون؛ لأنفاقه في الخير، وليس على نفسه .
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الكريم سيدي محمد بن سيدي مولى القرقور المعظم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أما بعدُ، فقد أحاطت بي ديون بسبب ما أنا قائم به من المشاريع الخيرية العامة، لا بسبب شخصي. ولما ثقُل عليّ حملها التجأت، بعد الله، إلى خواص أحبائي الذين أثق بمودتهم وتقديرهم للأعمال وكتمهم للأسرار فجعلت على كل واحد منهم ألف فرنك إن شاء الله عطية وإعانة على الخير وإن شاء الله سلفة إلى مدة عام.
وأنا أنتظر جوابكم شاكرا سواء أجبتم أو اعتذرتم. ودمتم سالمين.
والسلام من أخيكم – الشيخ عبد الحميد بن باديس

آخر التغريدات: