دور جمعية العلماء في ترسيخ المرجعية الدينية والهوية الوطنية 1

بقلم لقدي لخضر –

في القرن التاسع عشر ظهرت في العالم الإسلامي حركات إحياء أدبية واجتماعية وسياسية وإسلامية وتحررية، جاءت أغلبها كرد فعل على ظاهرتي التخلف والاستعمار والسيطرة الأجنبية المفروضة.

وفي إطار حركات الإحياء الإسلامي جاءت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهي جمعية إسلامية جزائرية أسسها مجموعة من العلماء الجزائريين بعد تشاور خلال النصف الأول من القرن العشرين.

وجمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين مؤسّسة فكريّة وتربويّة ودينيّة كبيرة، وهيئة سياسيّة متألّقة تعتمد الثقافة والعلم والفكر سبيلاً لها في تحقيق أهدافها، وإجراءً في نشر أفكارها وآرائها.

وهي هيئة لم يعرف التّاريخ الثقافيّ ولا السّياسيّ مثيلاً لها في الجزائر، فقد تأسّست في العِقد الأخير، أحزاب كثيرة وكبيرة حاولت أن تصل الحزب الكبير الأوّل في الجزائر، لكن من العسير، بل ربما يكون من المستحيل نِشْدانُ هيئةٍ فكريّة وثقافيّة وتربويّة في مستوى جمعيّة العلماء التّاريخيّة: شجاعةَ نضالٍ، وتألّقَ فكر، وبيانَ تبليغ، وسَعةَ نشاطٍ، وقوّةَ إعلام، وامتدادَ نفوذ، وعظمةَ مكانةٍ في السّاحة الوطنيّة كلّها- من مقال للدكتور عبد المالك مرتاض.

وتأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في 5 ماي 1931، بنادي الترقي في الجزائر العاصمة كرد فعل على احتفال فرنسا بمرور مائة سنة على احتلال الجزائر (السانطونير centenaire)، معتبرة-أي فرنسا- احتفالها جنازة للإسلام في الجزائر.

وقد أحدث المشروع الاستعماري الفرنسي في الجزائر جروحًا عميقة في بناء المجتمع الجزائري، حيث عمل على إيقاف النمو الحضاري والمجتمعي للجزائر، وحاول طمس هوية الجزائريين الوطنية، وضرب وحدة المجتمع الجزائري، واتبع سياسة تبشيرية هدفها القضاء على دينه ومعتقده الإسلامي، وإحياء كنيسة إفريقيا الرومانية، وعادى العروبة والإسلام، وعمل على محو اللغة العربية، وطمس الثقافة العربية والإسلامية، فأغلقت المدارس والمعاهد، ومنع تعلم اللغة العربية، ونشر الثقافة واللغة الفرنسية…..

وقد حددت جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين الأهداف التي ترمي إلى تحقيقها، في منشور للجمعيّة نشره الشّيخ ابن باديس في جريدة البصائر، في العدد 160 الصادر في السابع من أفريل 1939.

وجمعية العلماء تختلف عن كثير من حركات الإحياء الإسلامية بأنها جمعت بين الدعوة إلى النّهوض بالشّعب الجزائري وإحيائه، وإصلاح المجتمع الجزائري، وزَرع القيم والأخلاق السّامية، والحفاظ على الهوية الإسلامية الجزائرية لِتتجلّى مكانتها بين الأمم.

ولم تفصل بين إحياء الدين وبث جذوة محبة الوطن في النفوس، كما عملت على الحفاظ على هوية الجزائر العربية الإسلامية، والمقومات الحضارية للشخصية الجزائرية، عبر مواجهة خطط الاستعمار الفرنسي التغريبية، والتصدي للخرافات والبدع التي شوهت الإسلام.

(وتشمل أهداف الجمعية: “التّعليم والتربية، وتطهير الإسلام من البدع والخرافات، وإيقاد شعلة الحماسة في القلوب بعد أن بذل الاحتلال جهده في إطفائها حتى تنهار مقاومة الجزائريّين، وإحياء الثقافة العربية ونشرها بعد أن عمل المستعمر على وأدها، والمحافظة على الشخصية الجزائرية بمقوماتها الحضارية والدينية والتاريخية، ومقاومة سياسة الاحتلال الرامية إلى القضاء عليها”.

والشعوب تختلف بمقوماتها ومميزاتها كما تختلف الأفراد، ولا بقاء لشعب إلا ببقاء مقوماته ومميزاته، فالجنسية القومية هي مجموع تلك المميزات والمقومات، وهذه المقومات والمميزات هي اللغة التي يعرب بها ويتأدب بآدابها، والعقيدة التي يبني حياته على أساسها، والذكريات التاريخية التي يعيش عليها وينظر لمستقبله من خلالها، والشعور المشترك بينه وبين من يشاركه في هذه المقومات والمميزات). آثار ابن باديس (3/ 352).

والملاحظ في عمل الجمعية (من خلال: رجالها وبرامجها وتراثها)، أن العلماء المنتسبون إليها جمعوا بين التدين الصحيح والوطنية الحقة.

وكثير من المثقفين يخلطون بين الدين والتدين– إما عن جهل أوعن سوء قصد- فينظرون إلى حال المسلمين ويحكمون على الإسلام.

والدين هو الإسلام وهو دين الله الذي ارتضاه للبشرية كافة وجعله آخر الأديان، وأما التديّن فهو الإلتزام بالدين، والتمسك بعقيدة معينة يلتزمها الإنسان في سلوكه ويتفاوت الناس في ذلك قوة وضعفا، ولا شك أن هناك تلازماً ضرورياً وحتمياً بين التدين الصحيح والخلق القويم.

وقد كان ابن باديس –ومعه الجمعية ورجالها- يحب ويعمل لكي يكون إسلام الجزائري ذاتيا: إسلام من يفهم قواعد الإسلام ويدرك محاسن الإسلام في عقائده وأخلاقه وآدابه وأحكامه وأعماله، ويتفقه- حسب طاقته- في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويبني ذلك كله على الفكر والنظر فيفرق بين ماهو من الإسلام بحسنه وبرهانه، وما ليس منه بقبحه وبطلانه فحياته حياة فكر وإيمان وعمل، ومحبته للإسلام محبة عقلية قلبية بحكم العقل والبرهان كما هي بمقتضى الشعور والوجدان….

ولا يكون إسلاما وراثيا وهو الإسلام التقليدي الذي يؤخذ من دون نظر ولا تفكير وإنما يتبع فيه الأبناء ما وجدوا عليه الآباء، ومحبة أهله للإسلام إنما هي محبة عاطفية بحكم الشعور والوجدان -آثار ابن باديس (3/ 240-241).

كما كان ابن باديس–ومعه الجمعية ورجالها- يرسخون فكرة الوطنية ويبينون هوية الجزائر، فالجزائر ليست فرنسا ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت -آثار ابن باديس (3/ 309).

والأمة الجزائرية المسلمة متكونة موجودة كما تكونت ووجدت كل أمم الدنيا، ولهذه الأمة تاريخها الحافل بجلائل الأعمال ولها وحدتها الدينية واللغوية، ولها ثقافتها الخاصة وعوائدها وأخلاقها، بما فيها من حسن وقبيح، شأن كل أمة في الدنيا- آثار ابن باديس (3/ 309).

والهوية الدينية والهوية الوطنية عند جمعية العلماء متكاملتان، هدفهما واحد وغاياتهما مشتركة، والتوحيد والوحدة قرينان وتوأمان.

ونأسف لوجود نفر من الناس ممن تشرب ثقافة معينة من يأنف ويتَقَزَّز من الوطنية ويتحرج من الحديث عنها، كما نأسف لوجود بعض الناس من يتنكر لدينه أومرجعيته ظانا أنه وجد في غيرها ما هو خير منها.

ومن أجل إعادة بعث فكر الجمعية الإصلاحي، وإعادة محبة الوطن والعمل لصالحه، نكتب هذه الورقات ذكرى تنفع المؤمنين، وتبصرة تنير طريق الغافلين عن دينهم وتراثهم ووطنهم ورجالات بلدهم لعلنا نوفيهم بعض حقهم.

وللحديث بقية.

آخر التغريدات: