عقلانية ابن باديس.. تبارك علمانية أتاتورك

عقلانية ابن باديس.. تبارك علمانية أتاتورك

بقلم: حمدوش محمد أرزقي

رد عن سؤال الدكتور محمد نور الدين جباب: عبد الحميد بن باديس: هل كان علمانيا؟

دكتورنا الكريم، لقد طرحتم هذا السؤال القيّم في وقت ضاعت فيه القيم، كيف لا، و الظاهرة التي دعوتم للتوقف عندها وتأملها وبحثها بعمق تعد من أخطر المآسي التي أصابتنا في الصميم ولم نعرها أي اهتمام، إنها طامة كبرى أتت على الرصيد الفكري الجزائري، وجعلت منا متنكرين لمكاسب قيّمة، بل لأسس منيعة كانت تمثل دعائم المناعة الفكرية في زمن التشرذم والاجترار الفكري، حقيقة إن التنكر للموروث في زمن لكل إرث ثمنه والتنصل من الأصل يعد أخطر من التقليد والتبعية بما أن الضعيف مولع بتقليد القوي.

هذا التشخيص، يعد دلالة واضحة لما آلت إليه مناعتنا من التحلل، سواء كان على المستوى الفردي الخاص أو على مستوى المجتمع بمؤسساته، فطمس أثار الإرث وعدم الاعتراف به ونكرانه أحيانا وتقزيمه وتجاهله بل ومحاربته أحيانا أخرى عمل دنيء هو نتيجة انحلال خلقي وضعف في الشخصية.

هذا التشخيص ينطبق تماما على وضعنا الفكري الحالي، فالتخبط الفكري الذي نحن فيه ليس إلا نتيجة لتفريطنا في مرجعية فكرية، علمية حضارية، عقلانية عملية يمثل المفكر ابن باديس أحد أعمدتها. هذا التفريط الذي أوقعنا في فراغ رهيب فسح المجال لأفكار دخيلة خطيرة وسمح بظهور فئات وطوائف أفرزت ضجيجا فكريا تداعياته فد تأتي على الأخضر واليابس، على غرار الوهابية والسلفية والأحمدية ولما لا الزراوية ؟؟؟.

لقد كانت لنا أسوة حسنة في رسولنا الكريم ومناعتنا في فكر الشيخ الجليل عبد الحميد بن باديس الذي وضع النواة لمناعة فكرية دينية جزائرية خالصة، حقيقة كانت صمام الأمان والإسمنت الثقافي المكمل للكفاح المسلح الذي ارتكز عليه الجزائريون وقادتهم في الكفاح من أجل الاستقلال والسيادة والدولة الوطنية.

· عقلانيــــة ابن باديـــــــس تبـــــــــــــــارك علمانيــــــــة أتاتــــــــــوك..

أعلم جيدا ومسبقا أن مثل هذا العنوان سيحدث صدمة في عقول الكثير من القراء الكرام، خاصة منهم الذين لم اطلعوا على كتابات المفكر الإصلاحي الإمام عبد الحميد ابن باديس، خصوصا وأن الموضوع يتعلق بمصطفى كمال أتاتورك، الذي يقدمه التيار السلفي على أنه العدو اللدود للأمة الإسلامية.

لكن لما نتمعن ونتمكن من قراءة مواقف وأفكار الرجل المصلح ابن باديس، سوف نجد أوجه التقارب بين الرجلين، بالرغم من أن الظروف والعوامل متباعدة وحتى الأسباب والأساليب مختلفة تماما، لكن في كل هذا فالغاية كانت واحدة ومن زوايا متناقضة.

لقد كانت الغاية لدى الرجلين نفسها، وهي تحرير الأرض، الإنسان و الدين، فقد سعى المصلح ابن باديس إلى تحرير الدين الإسلامي من الطرقية التي تصدى لألاعيبها وألاعيب المستعمر وبكل حزم على درجة أنه طالب بالعلمانية كنظام حكم، وذلك ليحرر الإسلام الذي أراد الاستعمار أن يجعل منه مطية لتكريس وتأبيد الاحتلال، والتي لم يفقه مبادئها أشباه المثقفين المعاصرين و لم يرق إلى مستواه الحواريون (المفكرون) الجدد، وهو موقف أتاتورك والذي أشاد به ابن باديس، عندما قال: لقد ثار مصطفى كمال حقيقة ثورة جامحة لكنه لم يثر على الإسلام وإنما على هؤلاء الذين يسمون بالمسلمين، فألغى الخلافة الزائفة واقتلع شجرة الزقوم الطرقية من جذورها…

هذا جانب من أوجه التشابه بين الرجلين المختلفين بل المتناقضين في الأسلوب و طريقة العمل، وقد وقف الإمام عبد الحميد ابن باديس رحمه الله، صاحب الفكر العقلاني والأفق التنويري وقفة العظماء في حق أتاتورك، وقد سبح ضد التيار في موضوع الخلافة الإسلامية (العثمانية) مع قلة قلية من فقهاء عصره من أمثال علي عبد الرازق، فقيه الأزهر، في الوقت الذي صاح الكثير بل أغلب الفقهاء المحافظين آنذاك بالتنديد بما أقدم عليه – مصطفى كمال أتاتورك- بإلغائه الخلافة، ومعهم جل الحركات الإسلامية بمختلف مشاربها، فاستنفار مشيخة الأزهر و على رأسهم الإمام رشيد رضا، و استنكار القصر الملكي المصري حليف الإنجليز في حربها ضد ثورة أتاتورك، لم يتوقف عند هذا الحد، بل كونوا حلفا ضد مصطفى كمال آتاتورك، بالرغم من اختلافهما في المبدأ والمرجعية والمسعى، حيث أن زمرة الفقهاء المحافظين المؤثرين في الأزهر كانت ترى في فعلته خيانة وردّة، بل إسقاطا لشأن الدين الإسلامي وخطرا على الأمة الإسلامية يؤدي إلى زوالها، رأى فيها الملك فؤاد فرصة للجمع بين تاج المملكة و تاج الخلافة الإسلامية، وذلك لتدعيم سلطانه و إعطائه الشرعية الدينية ليكون بذلك خليفة و أميرا للمؤمنين.

فهل يعقل أن يلتقي فكر الإمام ابن باديس رحمه الله بفكر أهل حزب الصحوة؟، هؤلاء الذين لم يصحوا من غفلتهم حتى أنهم لم يكن بمقدورهم مباركة الشعب الجزائري والأمة الإسلامية ذكرى المولد النبوي الشريف، فقد أنكروه و رأوا فيه بدعة و كأن لهم في ذلك متعة، بل و ألصقوه ببدع الشيعة التي يرون فيها كل المحن التي ألمت بالأمة الإسلامية عبر العصور.

و من هنا يتبين لنا جليا النقيض الذي يتواجد فيه هؤلاء بفكرهم مع فكر الإمام ابن باديس رحمه الله، و هم في تناقض واضح مع منهج مؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

والأكيد هو أن الإمام وصف أتاتورك بأب تركي، وقال إنه أعظم رجل عرفته البشرية في التاريخ الحديث، و عبقري من أعظم عباقرة الشرق، وبطل غاليبولي في الدردنيل و بطل سقاريا في الأنضول وباعث تركيا من شبه الموت إلى حيث هي اليوم من الغنى و العز و السمو…

وقد صدق الإمام في حكمه على هذا الرجل، و الحق أننا غير مؤهلين للحكم على موقف الإمام إن كان صائبا أم لا، بل القول بأنه كان صائبا في موقفه بصيغة الاعتراف بذلك الموقف الذي سبق عصره، و هو الذي قال ( كن ابن عصرك وعش مع العصر الذي أنت فيه)، و كان هو بحق سباقا لعصرنا.

وكانت عقلانية الإمام إبن باديس التي باركت علمانية أتاتورك، وكانت عقلانية الأول و علمانية الثاني – وجهان لعملة واحدة – أسميها عقلمانية.

فما أقدم عليه أتاتورك، غير مجرى التاريخ و في كل الميادين الجيوسياسية، الاقتصادية و كذلك الاجتماعية، تغييرات مست تركيا و العالم العربي و معهم الغربي في العمق.

لقد قام أتاتورك بإنقاذ تركيا من مخاطر عديدة تربصت بها وهددت كيانها بالزوال والاندثار، بعدما أصبحت ذلك الرجل المريض، الذي لم يكن يقوى على صد هجمات الدول الأوروبية ذات الأطماع التوسعية و الاستعمارية من جهة، و سعي العديد من الشعوب العربية التي كانت منضوية تحت راية الخلافة العثمانية للخروج من دائرة الخلافة.

ومن أجل هذا وذاك تضافرت الجهود لتحطيم الدولة العثمانية بالرغم من تناقض الدوافع و الأهداف، فالأوروبيون توصلوا من خلال أبحاث البعثات الاستشراقية إلى معرفة الأسباب و العوامل التي سمحت و ساعدت على نشوء هذه الإمبراطورية، و بالتالي اكتشاف موطن القوة و مكمن الضعف، و كان أهم عوامل قوة الدين الإسلامي الذي كان العامل المشترك بين كل شعوب الإسلامية المنضوية و غير المنضوية تحت راية و نفوذ الدولة العثمانية.

بينما شكل العامل القومي أكبر تهديد لكيان تلك الإمبراطورية، لذا عمدت الدول الأوروبية على استغلال هذا العامل لإضعاف وحدة الأمة لتقسيم إرثها، وكان مؤتمر فرساي المنعرج الخطير، إذ لجأت الدول الأوروبية إلى ضرب دعائم الوحدة من خلال إثارة الفتنة و التفرقة، بإيقاظ النزعة القومية و المذهبية، و في خضم هذه الصراعات و الأحداث، برز مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة كطرف ثالث في حلبة الصراع، ساعيا إلى تحرير تركيا ودحر غزاتها وألغى الخلافة معلنا عن ميلاد جمهورية تركيا الحديثة، و ما تلاها من تغييرات أحدثها على الصعيدين الداخلي و الخارجي، و بكل عبقرية و فلسفة و تصور جديدين عمد على منح الشعوب العربية و الإسلامية حريتها، محملا إياها مسؤولية مصيرها، و كانت بذلك علمانيته نجاة لتركيا و باعتراف رموز الفكر العقلاني في العالم الإسلامي كالإمام الفقيه علي عبد الرازق، الإمام المصلح عبد الحميد ابن باديس، و خالد محمد خالد و غير هم..من جهة، و خصومه الأوروبيين الذين أرغموا على التراجع و إقامة العلاقات الدبلوماسية مع جمهورية تركيا الجديدة و على أساس الاحترام المتبادل، في حين بقي حقد أصحاب التيار المحافظ و الإسلاميين يلاحقه إلى يومنا هذا.

و رغبة منا في إتاحة الفرصة لقرئنا الكرام من الإطلاع على ما كتبه العلامة الفذ عبد الحميد ابن باديس رحمه الله، و من باب المساهمة في نشر فكره العقلاني وتنويرا لفكر إخواننا القراء، و لتبيين رأي رائد النهضة الإسلامية في الجزائر في ما أقدم عليه مصطفى كمال أتاتورك، إرتأينا وجوب نشر المقالات التي نشرت في مجلة الشهاب الجزء التاسع، المجلد العاشر، ليم الجمعة 8 ذي القعدة سنة 1357 هجرية، الموافق لـ30 ديسمبر 1938، و لكم أعزائي القراء، المقالات كاملة وبكل أمانة.

تأبينية ابن باديس لمصطفى كمال أتاتورك

مصطفى كمال رحمه الله

في السابع عشر من رمضان المعظم ختمت أنفاس أعظم رجل عرفته البشرية في التاريخ الحديث، و عبقري من أعظم عباقرة الشرق، الذين يطلعون على العالم في مختلف الأحقاب، فيحولون مجرى التاريخ و يخلقونه خلقا، ذلك هو مصطفى كمال بطل غاليبولي في الدردنيل و بطل سقاريا في الأناضول وباعث تركيا من شبه الموت إلى حيث هي اليوم من الغنى و العز و السمو.

وإذا قلنا بطل غاليبولي، فقد قلنا قاهر الإنجليز أعظم دولة بحرية الذي هزمها في الحرب الكبرى شر هزيمة لم تعرفها في تاريخها الطويل.

و إذا قلنا بطل سقاريا فقد قلنا قاهر الإنكليز و حلفائها من اليونان و طليان و الفرنسيين بعد الحرب الكبرى و مجليهم عن أرض تركيا بعد احتلال عاصمتها و التهام أطرافها و شواطئها.

و إذا قلنا باعث تركيا فقد قلنا باعث الشرق الإسلامي كله، فمنزلة تركيا التي تبوأتها من قلب العالم الإسلامي في قرون عديدة هي منزلتها، فلا عجب أن يكون بعثه مرتبطا ببعثها. لقد كانت تركيا قبل الحرب هي جبهة صراع الشرق إزاء هجمات الغرب و مرمى قذائف الشره الاستعماري و التعصب النصراني من دول الغرب، فلما انتهت الحرب و خرجت تركيا منها مهمشة مفككة تناولت الدول الغربية أمم الشرق الاسلامي تمتلكها تحت أسماء استعمارية ملطفة، واحتلت تركيا نفسها واحتلت عاصمة الخلافة وأصبح الخليفة طوع يدها وتحت تصرفها، وقال الماريشال اللونبي – وقد دخل القدس – ( اليوم انتهت الحروب الصليبية)، فلو لم يخلق الله المعجزة على يد كمال لذهبت تركيا وذهب الشرق الإسلامي معها، لكن كمال الذي جمع تلك الفلول المبعثرة فالتف به إخوانه من أبناء تركيا البررة، ونفخ من روحه في أرض الأناضول حيث الأرومة التركية الكريمة وغيل ذلك الشعب النبيل، وقاوم ذلك الخليفة الأسير وحكومته المتداعية، وشيوخه الدجالين من الداخل، وقهر الغرب وفي مقدمتها انكلترا من الخارج – لكن كمالا هذا أوقف الغرب المغير عند حده و كبح من جماحه و كسر من غلوائه، و بعث في الشرق أمله و ضرب له المثل العالي في المقاومة والتضحية فنهض يكافح و يجاهد، فلم يكن مصطفى محيي تركيا وحدها بل محيي الشرق الإسلامي أساس تكوين جديد، فكان بحق – كما قلنا – من أعظم عباقرة الشرق العظام الذين أثروا في دين البشرية و دنياها من أقدم عصور التاريخ.

إن الاحاطة بنواحي البحث في شخصية أتاتورك ( أبي الترك) مما يقصر عنه الباع و يضيق عنه المجال، و لكنني أرى من المناسب أو من الواجب أن أقول كلمة في موقفه إزاء الإسلام، فهذه الناحية الوحيدة من نواحي عظمة مصطفى أتاتورك الذي ينقبض لها المسلم و يقف متأسفا ويكاد يولي مصطفى في موقفه هذا الملامة كلها حتى يعرف المسؤولين الحقيقيين الذين أوقفا مصطفى ذلك الموقف، فمن هم هؤلاء المسؤولون؟

المسؤولون هم الذين كانوا يمثلون الإسلام و ينطقون باسمه، و يتولون أمر الناس بنفوذه، و يعدون أنفسهم أهله و أولى الناس به. هؤلاء هم خليفة المسلمين، شيخ إسلام المسلمين و من معه من علماء الدين، شيوخ الطرق المتصوفون، الأمم الإسلامية التي كانت تعد السلطان العثماني خليفة لها.

أما الخليفة المسلمين فيجلس في قصره تحت سلطة الانجليز المحتلين لعاصمته ساكنا ساكتا، استغفر الله بل متحركا في يدهم تحرك الآلة لقتل حركة المجاهدين بالأناضول، ناطقا لإعلان الجهاد ضد مصطفى كمال ومن معه، الخارجين عن طاعة أمير المؤمنين…

و أما شيخ الإسلام وعملائه فيكتبون للخليفة منشورا يمضيه باسمه و يوزعه على الناس بإذنه، وتلقيه الطائرات اليونانية على القرى برضاه يبيح فيه دم مصطفى كمال ويعلن خيانته ويضمن السعادة لمن يقتله.

و أما شيوخ الطرق الضالين و اتباعهم المنومون فقد كانوا أعوانا للإنجليز و للخليفة الواقع تحت قبضتهم، يوزعون ذلك المنشور ويثيرون الناس ضد المجاهدين.

و أما الأمم الإسلامية تعد السلطان العثماني خليفة لها، فمنها – إلا القليل – من كانوا في بيعته، فانتفضوا عليه ثم كانوا في صف أعدائهم وأعدائه، و منها من جاءت مع مستعبديها حاملة السلاح على المسلمين شاهرة له في وجه خليفتهم.

فأين هو الإسلام في هذه (الكليتيات) كلها؟، وأين يبصره مصطفى الثائر المحروب، و المجاهد المقهور – منها ؟

لقد ثار مصطفى كمال حقيقة ثورة جامحة جارفة و لكنه لم يثر على الإسلام وإنما ثار على هؤلاء الذين يسمون بالمسلمين. فألغى الخلافة الزائفة و قطع يد أولائك العلماء عن الحكم فرفض مجلة الأحكام واقتلع شجرة الطرقية من جذورها، وقال للأمم الإسلامية عليكم أنفسكم وعلي نفسي، لا خير لي في الاتصال بكم مادمتم على ما انتم عليه، فكونوا أنفسكم ثم تعالوا نتعاهد ونتعاون كما تتعاهد و تتعاون الأمم ذوات السيادة و السلطان.

أما الإسلام فقد ترجم القرءان لامته التركية بلغتها لتأخذ الإسلام من معدنه، و تسقيه من نبعه، ومكنها من إقامة شعائره فكانت مظاهر الإسلام في مساجده، ومواسمه تتزايد في الظهور عاما بعد علم حتى كان الظهر الإسلامي العظيم يوم دفنه و الصلاة عليه تغمده الله برحمته.

لسنا نبرر صنيعه في رفض مجلة الأحكام و لكننا نريد أن يذكر الناس إن تلك المجلة المبنية على مشهور وراجح مذهب الحنفية ما كانت تسع حاجة امة من الأمم في كل عصر لأن الذي يسع البشرية كلها في جميع عصورها هو الإسلام بجميع مذاهبه لا مذهب واحد أو جملة من مذاهب محصورة كائنا ما كان وكائنة ما كانت.

ونريد أن يذكر الناس أيضا أن أولائك العلماء الجامدين ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا غير ما عرفوه من صغرهم من مذهبهم و ما كانت حوا صلهم الضيقة لتتسع لأكثر من ذلك. كما يجب أن يذكروا أن مصر بلد الأزهر الشريف مازالت إلى اليوم الأحكام الشرعية – غير الشخصية – معطلة فيها، و ما يزال (كود) نابليون مصدر أحكامها إلى اليوم، و ما زال الانتفاع بالمذاهب الإسلامية في القضاء – غير المذهب الحنفي – مهجورا كذلك إلا قليلا جدا.

نعم إن مصطفى أتاتورك نزع عن الأتراك الأحكام الشرعية و ليس مسؤولا في ذلك و حده وفي إمكانهم أن يسترجعوها متى شاؤا وكيفما شاؤوا ولكنه رجع لهم حريتهم و استقلالهم وسيادتهم و عظمتهم بين أمم الأرض، وذلك ما لا يسهل استرجاعه لو ضاع، وهو وحده كان مبعثه و مصدره، ثم إخوانه المخلصون، فؤإما الذين رفضوا الأحكام الشرعية إلى ( كود ) نابليون فماذا اعطوا امتهم؟ و ماذا قال علمائهم؟

· فرحم الله مصطفى و رجح ميزان حسناته في الموازين، وتقبل إحسانه في الحسنين.

و الى الامة التركية الشقيقة الكريمة الماجدة، التي لبا فيها حفدة و اخوال، و التي تربطنا بها أواصر الدين و الدم و التاريخ و الجوار، و التي تذكر الجزائر ايامها بالجميل، و ترى شخصها دائما ماثلا فيما تركت لها من مسجد، و معاهد للدين الشرف. و الشرع الجليل – الى تركيا العزيزة نرفع تعازي الجزائر كلها مشاركين لها في مصابها راجين لها الخلف الصالح من ابنائها. و مزيد التقدم في حاضرها و مستقبلها.

و الى هذا فنحن نهبها برئيس جمهوريتها الجديد عصمت اينونو، بطل (اينونو) و مؤتمر لوزان وثني مصطفى كمال. و ان في اجماعها على انتخابه لدليلا على ما بلغته تركيا الكريمة من الرشد في الحياة الذي تبلغ به – ان شاء الله – من السعادة و الكمال. ما يناسب مجدها القدوس، و تاريخها الحافل باعظم الجال، و جلائل الاعمال.

عبد الحميد بن باديس – عن مجلة الشهاب –

 

عزيزي القارئ كانت هذه صورة مصطفى كمال اتاتورك في عيون الإمام المصلح عبد الحميد إبن باديس الجزائري

آخر التغريدات: