حقدوا على جمعية العلماء لأنها كوّنت 40 ألف متعلم بالعربية

حقدوا على جمعية العلماء لأنها كوّنت 40 ألف متعلم بالعربية

حاورته: آسيا شلابي

نذر حياته للغة العربية وخاض معارك طاحنة مع التيار الفرنكوفوني ثم قاوم بالكلمة أصحاب النزعة البربرية وهو ابن أكبر قبيلة أمازيغية “النمامشة”.. يرفض أن تكون هوية الجزائر “ثلاثية”. أسس جمعية الدفاع عن اللغة العربية وحرص مع رفقاء دربه على مواكبة الحدث والرد على أي تجاوزات يسجلها الساسة أو المثقفون في الجزائر. كتب مذكراته في شكل رواية وتحدى الرقابة بعد الاستقلال ونشر “قضية التعريب في الجزائر” في لبنان والقاهرة سنة 1967 واضطر إلى تهريب 500 نسخة منها بجواز سفره الدبلوماسي بعد أن رفضت الصحافة الجزائرية نشره والناشرون بالجزائر امتنعوا عن طبعه. رغم أن بومدين تقبل انتقاداته وأمر بنشر الدراسة في مجلة “الجيش”.. ترأس أول وفد لرابطة الطلبة الجزائريين بالقاهرة مثل الثورة الجزائرية في محفل دولي.. إنه البرلماني والدبلوماسي الدكتور عثمان سعدي الذي استقبلنا في منزله بدالي إبراهيم يعود بذاكرته إلى أهم الأحداث والمواقف في حوار مع “الشروق”.

تعلّق الدكتور عثمان سعدي باللغة العربية  تعلقا “غير طبيعي” حتى أن بعض الأشخاص يصفك بـ”العروبي المتطرف” وأنت ابن قبيلة “اللمامشة” الأمازيغية.. ماهي الشخصيات والظروف التي ساهمت في ترسيخ هذه المبادئ؟

والدي كان من رجال الإصلاح، من تلاميذ جامع الزيتونة. وهو من  غرس فينا حب اللغة العربية. والغريب أنني كنت متفوقا في المدرسة الابتدائية الفرنسية، وبعد وفاة والدي _رحمه الله- استدعتني خالتي التقية سنة 1945 وقصّت عليّ ما رأته في المنام وهو أن أبي كان يختار بين كتابين أحدهما باللغة العربية والآخر باللغة الفرنسية وطلب منها أن تطلب مني ترك الكتاب باللغة الفرنسية.

ومنذ ذلك التاريخ تركت المدرسة الفرنسية ودخلت مدرسة “تهذيب البنين والبنات” بتبسة التابعة لجمعية العلماء المسلمين. ودرست بها سنة 1946 وفي السنة الموالية التحقت بمعهد عبد الحميد بن باديس وتخرجت فيه سنة 1951 . ثم التحقت بجامعة القاهرة، حيث تتلمذت على يد أشهر الأدباء في مقدمتهم طه حسين.

وعندما كنت طالبا بمعهد عبد الحميد بن باديس التحقت بحزب الشعب سنة 1948 وكنت عضوا بالمنظمة الخاصة، ودفعت ضريبة التحاقي بالحزب اضطهادا من بعض المشايخ الذين كانوا ضد حزب الشعب وعلى رأسهم “عبد اللطيف سلطاني” وكنا نلقّبه “القنطري” وأيدني الشيخ العربي التبسي وعبد القادر الياجوري وعبد المجيد حيرش الذين كانوا يشجعون الطلبة على الانضمام لحزب الشعب.

وما هي مبررات الشيخ عبد اللطيف سلطاني رحمه الله؟

الشيخ عبد اللطيف سلطاني _رحمه الله- كان يحرضنا على الانضمام إلى حزب البيان، عندما اصطدمت به وتناقشنا قلت له “يا مولانا دع حرية اختيار الحزب في أيدينا، نحن في مدرسة تعليمية نحتاج فيها إلى علمك فزوّدنا به من فضلك”.

واشتكاني الشيخ لإدارة المعهد متهما إياي بأنني أسأت الأدب معه، ومثلت أمام مجلس التأديب، وطالب الشيخ عبد اللطيف بطردي من المعهد، لكن الشيخ العربي والياجوري وحيرش رفضوا، فحكموا عليّ بعدم متابعة الدروس أسبوعين ونقلي من قسم إلى آخر.

وبعد مدة وبينما كنا في فترة الراحة، سأل الشيخ العربي التبسي الطالب الذي وشى بي “إلى أي حزب أنت منتمٍ؟” فرد الطالب “إلى حزب البيان” فأردف الشيخ “وكم عمرك؟” فرد الطالب “18 سنة” فقال له الشيخ العربي التبسي “عندما تصل إلى 40 سنة ستنضم إلى حزب الأموات؟”.

رسالة وجهها للطلبة في ذلك الوقت لأنه كان متحمسا لحزب الشعب. وعلى عكسه كان بعض المشايخ يتجنبون حزب الشعب بوصفه “متطرفا” وكانت جمعية العلماء المسلمين تحرص على عدم غلق مدارسها، وعليه فموقف حزب البيان كان الموقف الأنسب لأنه لا يزعج الاستعمار كثيرا.

وهل لهذه المواقف علاقة بحملة تقزيم دور جمعية العلماء المسلمين في الثورة بعد الاستقلال؟

جيش التحرير الوطني في سنوات الثورة الثلاث الأولى كان يتكون من الفلاحين كجنود مؤطرين بطلاب اللغة العربية ممن يحفظون القرآن الكريم أو طلبة الزوايا أو طلبة جمعية العلماء المسلمين. هؤلاء أطروا جيش التحرير في المرحلة الأولى.

بعد عشرين شهرا اكتشف طلبة المدارس الفرنسية أن الثورة ضربت بجذورها في الأرض فانضموا إليها وأوقفوا الدراسة في 1956 .

والتحقوا بالحكومة المؤقتة في القاهرة، وسيطروا على إدارتها من خلال “الاتحاد الوطني للطلبة المسلمين الجزائريين” فكوّنوا في القاهرة بالفرنسية نواة لإدارة الدولة الجزائرية المستقلة الفرنكوفونية.

وقد درسوا اللغة الإنجليزية واللغة الاسبانية في مدارس القاهرة، ولم يفكروا في تعلم اللغة العربية.

تطورت الأمور فيما بعد وتوجّهوا إلى إيفيان حيث وقعوا اتفاقيات ايفيان بنص واحد مثل الوفدين هو النص الفرنسي. بينما نجد الفيتناميين سبقونا في 1954 حيث وقعوا اتفاقية “جنيف” التي أنهت الاستعمار الفرنسي بالفيتنام بنصين: باللغة الفرنسية واللغة الفيتنامية. وفي 1962 دخل هؤلاء الطلبة الفرنكفونيون الجزائر ووضعوا الأسس للدولة الفرنكفونية.

على ذكر الثورة الفيتنامية، طالما أشدت بنجاح الفيتناميين في الحفاظ على مكوّنات الهوية بعد الاستقلال على عكس الثورة الجزائرية، لماذا؟

لأن هذا هو الواقع، ثم دخل صناديد حزب “لوجيما” بعد الاستقلال وأسسوا الدولة الفرنكوفونية. وسأعطيك مثالاً بسيطاً عن تلك المرحلة، لقد عيّن عبد الرحمان كيوان مديرا عاما للوظيف العمومي بعد 1962 مباشرة ولمدة 14 سنة كاملة، وهو قطب من أقطاب حزب الشعب الجزائري، فوضع يده في يد ميسوم صبيح مدير المدرسة العليا للإدارة آنذاك وقاما بتهميش اللغة العربية في الإدارة. وخان بذلك حزب الشعب الذي كان يعتبر العربية هي لغة البلاد التي لا بد أن تكون رسمية، بل إن حزب البيان نفسه كان يقول برسمية العربية وكان يدعم جمعية العلماء في تعليمها للعربية.

وتستقل الجزائر ويكوِّن طلابُ الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين الذي كان معظم أعضائه من حزب الشعب الدولة الفرنكفونية ويحوّلون الثورة من ثورة شعبية إلى ثورة فرنكفونية.

في 1981 وقعت اتفاقية “الجزائر” التي أنهت اعتقال 50 دبلوماسيا أمريكيا في طهران. وقد توسطت الجزائر وحررتهم ووقعت اتفاقية ثلاثية اللغة بثلاثة وفود، النص الانجليزي مثل الوفد الأمريكي والنص الفارسي مثل الوفد الإيراني والنص الفرنسي مثل الوفد الجزائري الوسيط برئاسة محمد الصديق بن يحيى وزير الخارجية آنذاك. وهو من شارك في تحرير اتفاقيات إيفيان بنص واحد؛ بينما في سنة 1975 وقعت اتفاقية ثلاثية اللغة أنهت الحرب الأمريكية بالفيتنام في باريس لأن فرنسا كانت البلد الوسيط وسميت اتفاقية “باريس” ووقعت بثلاث لغات “الفيتنامية والانجليزية والفرنسية”.

من موقعك كبرلماني أو كعضو في اللجنة المركزية لجبهة التحرير آنذاك، هل بذلت جهودا للدفع بمشروع تعريب الإدارة؟

في سنة 1981 كنت عضوا في اللجنة المركزية وأثرت الموضوع بحضور محمد الصديق بن يحيى وأمام أعضاء اللجنة المركزية برئاسة الشاذلي بن جديد مخاطبا إياه: “بأي حق تمضي الاتفاقية باللغة الفرنسية، هل هذه اللغة لغة الجزائر؟ ستدرِّس هذه الاتفاقية مستقبلا في كل المعاهد الدبلوماسية والقانونية في العالم على أنها اتفاقية غريبة في تاريخ القانون الدولي كاتفاقية تحمل اسم الجزائر”. واستشهدت بمقال لمراسل جريدة “لوفيغارو” في نيويورك “بروشنيني” يقول فيه “بسبب النص الفرنسي الذي مثل الجزائر والذي لم يكن جاهزا أجلت الاتفاقية 24 ساعة وظل أهالي هؤلاء الدبلوماسيين ينتظرون”. أي ثورة لا تكون ناجحة إلا إذا حققت هدفين: تحرير الأرض وتحرير الذات، والثورة الفيتنامية حققت الهدفين.

نعود إلى جمعية العلماء المسلمين، من قاد حملة تشويه شيوخها والتشكيك في مواقفهم من الاستعمار الفرنسي بعد الاستقلال؟

فشلوا في تشويه العلامة عبد الحميد بن باديس فتوجهوا إلى جمعية العلماء المسلمين، التي بفضل مدارسها وجدت الجزائر المستقلة أربعين ألف متعلم باللغة العربية وهم من كوّنوا أساس تعريب التعليم الابتدائي. كما وُجدت في العهد الاستعماري 150  مدرسة موزعة على مدن وقرى الوطن ولهذا السبب حقدوا عليها لأنها أبقت اللغة العربية حية، وكما قلت طلبة مدارس ابن باديس هم من أطروا الثورة قبل أن يسيطر طلبة المدارس الفرنسية على الجهاز الإداري.

أثنيت في أحد تصريحاتك على أول رئيس للجزائر المستقلة أحمد بن بلة _رحمه الله- لأنه دعم رابطة الطلبة في القاهرة.. كيف ذلك؟

قبل أن يتأسس اتحاد الطلبة الجزائريين كنت عضوا في رابطة الطلبة الجزائريين بالمشرق العربي. وأول وفد طلابي مثّل الثورة الجزائرية في مؤتمر دولي كان مهرجان الشباب العالمي الخامس الذي عقد في فرسوفيا في أوت 1955 وكنت رئيسا للوفد بأمر من بلة وحسين آيت أحمد الذي أعطاني الوثائق التي وزعت في مؤتمر باندونغ على أساس توزيعها في المهرجان.

طلبة “لوجيما” كوّنوا نواة إدارة الدولة الجزائرية الفرنكوفونية في القاهرة

وصلت مع الوفد الذي توجه من القاهرة فوجدت هناك المسرحي مصطفى كاتب رئيسا للبعثة الجزائرية المكونة من 220 طالب متكون من شبان جزائريين مسلمين ويهود وأقدام سوداء، وكان ضمن الوفد أيضا مصطفى الأشرف. عقدنا اجتماعا مع مصطفى كاتب بحضور مصطفى الأشرف وأحضرنا معنا العلم ومنشورات باندونغ. فقال لنا كاتب اتركوا لنا الوثائق والعَلم وسندرس الموضوع مع مكتب البعثة.

وكان مصطفى كاتب شيوعيا. في الغد استدعاني وأخبرني مصطفى كاتب بأنه لا يمكن توزيع المنشورات وقال لي إن للجزائر أعلاماً مختلفة وإن العَلم الذي أحضرناه هو علم حزب الشعب بينما يوجد علم الحزب الشيوعي الذي يرفعه المناضلون بالأصنام بقيادة الملازم مايو، كما يوجد علم لحزب البيان. فاضطررنا إلى توزيع المنشورات عن طريق الوفد المصري وعن طريق الوفد الفلسطيني بقيادة ياسر عرفات. والغريب أن وفد فلسطين استعرض بالعلم الفلسطيني والوفد الجزائري استعرض بقطعة قماش حمراء مكتوب عليها بالفرنسية “الشباب الجزائري”.

رجعت وقدمت تقريراً لبن بلة، والغريب أيضا أن في هذه البعثة كان هناك شخصيات من حزب الشعب لا داعي لذكر أسمائها، وبعد مدة تكوّن الاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين، وجاؤوا إلى القاهرة كزعماء.

يقول أحمد طالب الإبراهيمي إن بومدين هو الأب الروحي لعملية التعريب وهناك من يقول إن بن بلة هو من أرسى قواعد التعريب الإداري والمدرسي.. إذن من هو المسؤول عن فشلها؟

لا يمكننا اتهام بن بلة بإفشال عملية التعريب لأنه حكم سنتين فقط وتم في عهده تعريب السنة الأولى والثانية ابتدائي بأمر منه. أنا أذكر أنه بعد مجيء بومدين إلى الحكم وبالضبط أثناء زيارته ليوغوسلافيا سنة 1966 كنت عن وزارة الخارجية ضمن الوفد الذي رافقه. وكنت أعرف بومدين منذ 1949 عندما كان في “الكتانية” وأنا كنت في “معهد ابن باديس”، وكنا نلتقي في حركة انتصار الحريات الديمقراطية ثم عرفته في القاهرة.

وفي قاعة القصر الذي كان يقيم به ببلغراد سحبني جانبا أمام بوتفليقة وبعض أعضاء مجلس الثورة قائلا لي: لماذا توقفت عن الكتابة؟ فأجبته: “كتبت دراسة طويلة عنوانها “قضية التعريب في الجزائر” ونبهت إلى خطورة وضع اللغة في الجزائر ولم أجد صحيفة مستعدة لنشرها لأنها تدين المسؤولين على الدولة في تهميشهم للعربية”… عندها قال لي “عندما ترجع إلى الجزائر سلمها لهاشمي هجرس مديرالمحافظة السياسية للجيش وستنشر في مجلة “الجيش” بأمر مني حتى لو كانت تحوي هجوما على شخصي”.

فسلمتها لهاشمي هجرس وكان قد أعلمه بومدين بالأمر فنشرها في مجلة “الجيش” على خمس حلقات سنة 1966. أردت أن أطبعها في الجزائر فرفضتها كل المطابع. عندها طبعتها في بيروت والقاهرة عند دار الطليعة ودار القومية  سنة 1967 تحت عنوان “قضية التعريب في الجزائر”. ومن الغريب أنني هرّبت بجواز السفر الدبلوماسي 500 نسخة منها إلى السوق الجزائرية.

رغم التضييق على مقالاتك الناقدة لسياسة التعريب إلا أن رسائلك كانت تصل إلى أعلى هرم السلطة؟ 

روى لي بومدين أنه بعد صدور مقال عن التربية الوطنية وكان أحمد طالب الإبراهيمي هو الوزير، استدعى الإبراهيمي وسأله عما كتبته متسائلا “هل هناك عملاء في وزارة التربية ضد اللغة العربية؟”. فخرج الإبراهيمي إلى التلفزيون وتحدث بعنف مهددا إطارات الوزارة من المتآمرين.

آخر التغريدات: