فكر ابن باديس آليات مستحدثة للقرن الواحد والعشرين

فكر ابن باديس آليات مستحدثة للقرن الواحد والعشرين

بقلم: أ.د. محمود صالح الكروي –

من الخطأ الاعتقاد أن التأريخ شيء مضى وانقضى، بل انه مظهر لعبقرية الأمم ، ومن هذا الفهم يشكل الفكر العربي الإسلامي الذي تعددت اهتماماته، وتنوعت موضوعاته ، وتباينت مناهجه أهمية كبيرة في تاريخ الإنسانية، الشيء الذي اكسبه خصوبة. لذلك فأن دراسة التاريخ ضرورية لفهم الحاضر وللتعرف على جذور مشكلاته وأصولها ، وقد تساعد على مواجهتها بشكل أفضل واشمل، وقد تجد الآمة في تراثها العديد من الآراء التي من الممكن أن تكون آليات مستحدثة تسهم في بناء حاضرها ومستقبلها على النحو الذي تتطلع اليه .

ويمثل عبد الحميد بن باديس احد ابرز مفكري رواد التنوير ودعاة الإصلاح والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر، لا بل الرائد الحقيقي لها في الجزائر ، ومن اللذين تميزوا بغزارة إنتاجهم وتنظيراتهم الدينية والسياسية، فقد كان منظرا سياسيا لامعا أغنى المجال السياسي بمقالاته الصحفية وكتاباته السياسية، فضلا عن دراساته وخطبه ؛ وقد شملت هذه الكتابات مختلف مناحي الحياة السياسية سواء تلك التي تعلقت بالحركات الوطنية المغاربية والجزائرية بشكل خاص او بطبيعة العلاقة مع سلطات الاحتلال الفرنسي أو بحقوق المواطن والى غير ذلك ، وعزز ذلك بأن كان فاعلا سياسيا قاد المعارضة السلمية في التصدي للإدارة الاستعمارية الفرنسية .

فرضيــة البحث

ينطلق البحث من فرضية مفادها : هل ان المفكر عبد الحميد بن باديس استطاع أن يجعل من مفردات الوطنية والعدالة والتسامح واقعا عمليا من اجل النهوض بالشعب العربي والجزائر خاصة . وهل أن أفكاره في هذا الخصوص ممكن أن تكون درسا مفيدا لتربية وتنشئة الأجيال من أجل السلام وترسيخ قواعد العدالة والتسامح في القرن الواحد والعشرين ؟

منهجيــة البحث

اعتمد البحث على المنهج التاريخي والمنهج الوصفي التحليلي من أجل الإحاطة والإلمام بالدور الفكري والموقف السياسي للمفكر عبد الحميد بن باديس في ما يتعلق بالوطنية والعدالة والتسامح.

وفي ضوء ما تقدم وضعت خطة البحث وفقا للـمحاور الآتية :

ولادته ونشأته وتكوينه الثقافي والسياسي .

مفهوم الوطن في فكر أبن باديس .

رؤيته للعدالة .

رؤيته للتسامح .

رؤيته للحرية وعلاقتها بالعدالة والتسامح .

ولادته ونشأته وتكوينه الثقافي والسياسي .

ولد عبد الحميد بن باديس في 4/كانون أول – ديسمبر/1889 ، بمدينة قسنطينة في شرق الجزائر ، ونشأ في أسرة عريقة النسب اشتهرت بالعلم والفقه الإسلامي واللغة العربية، لها مركزها الاجتماعي والعلمي الذي فرض احترامها وتأثيرها وحضورها بين الناس عموما (1).

والده مصطفى بن مكي بن باديس من حملة القرآن وعضو المجلس الجزائري الأعلى فضلا عن كونه نائبا في المجلس العمالي عن مدينة قسنطينة (2) .

تلقى عبد الحميد تعليمه الأولي على الطريقة التقليدية، إذ لم يدخله والده المدارس الفرنسية كبقية أبناء العائلات المشهورة ، وإنما حرص على تنشئته على تربية إسلامية خالصة (3) . فأرسله إلى الشيخ محمد المداسي(4)، فحفظ القران وتجويده تحت إشرافه ، فنشأ عبد الحميد منذ صباه في رحاب القران ، فشب على حبه ، والتخلق بأخلاقه ، وحين أتم حفظ القران كان عمره لا يتجاوز ثلاثة عشر سنة قدمه أستاذه المداسي لإمامة المصلين في صلاة التراويح في الجامع الكبير . وفي سنة 1903 بدأ يتلقى دراسة علوم اللغة العربية والإسلامية على يد الشيخ حمدان الونيسي الذي كان له تأثير كبير في اعتزاز أبن باديس بالثقافة العربية الإسلامية، نال عبد الحميد إعجاب وتقدير أساتذته لنبوغه وتميزه في دروسه وشخصيته (5).

ولم يتوقف طموح عبد الحميد ابن باديس عند هذا الحد، وإنما كان يتطلع لإكمال دراسته العليا ، فسافر سنة 1908 إلى تونس لإكمال دراسته العليا في جامع الزيتونة، وفي هذه المؤسسة العلمية العريقة درس ألأدب العربي على يد الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وتفسير القرآن على يد العالم محمد النخلي ، والتاريخ العربي الإسلامي على يد الأستاذ البشير الصفر، وكان هؤلاء العلماء الثلاثة من خيرة أساتذة الزيتونة ورواد النهضة في تونس (6).

وبعد أن أتم دراسته العليا لمدة أربع سنوات في جامع الزيتونة نال شهادة العالمية (7) ، وبعدها درس سنة خامسة أخرى في جامع الزيتونة أيضا للارتقاء وتعزيز دراسته كبقية الخريجين (8). وأثناء أقامته في تونس التقى بالعديد من الشخصيات الدينية والسياسية  والأدبية وتحاور معهم بما يتعرض له المغرب العربي  من هجمة استعمارية فرنسية بغيضة تستهدف طمس معالم الدين واللغة العربية والشخصية والتاريخ والجغرافية ، فأسهمت هذه الحوارات وقراءاته المعمقة في أثراء وأغناء ثقافته ورؤاه الفكرية والسياسية   ، وفي سنة 1912 عاد الى الجزائر وهو يتطلع الى الإصلاح والتجديد لمواجهة التحديات التي تتعرض لها الجزائر بعد أن أحكمت فرنسا قبضتها على المغرب الأقصى بموجب اتفاقية الحماية في 30 /3/1912 .

وبعد عودته للجزائر بفترة  سافر أبن باديس إلى المشرق العربي والتقى العديد من الشخصيات الدينية والسياسية والأدبية وتحاور معهم بما آل إليه حال الجزائر والأمة العربية والإسلامية ، هذه الحوارات زادت الوعي والشعور الوطني والديني لدى عبد الحميد بن باريس بضرورة أن يتولى مهمة الإصلاح والتجديد وهذا تطلب منه الارتقاء بوسائل الاصلاح في مواجهة المخطط الفرنسي الرامي إلى تغريب الجزائر وربطها بفرنسا والقضاء على لغتها وشخصيتها العربية والإسلامية .

مما دفعه ذلك الى اعتماد منهجية جديدة في الإصلاح تجاوزت البعد الفردي في حركة الإصلاح عند الأفغاني، محمد عبده ، رشيد رضا ، والتوجه الى اعتماد وسائل عمل سلمية جديدة لحركته في الاصلاح والتجديد ، فضلا عن التدريس والخطابة في المسجد ، تمثلت : أولا –  في إصدار الصحف، فأسس في مطلع تموز/يوليو 1925 صحيفة المنتقد وصدر العدد الأول منها، وكان شعارها (الحق فوق كل احد والوطن فوق كل شيء ) متحديا في إصدارها بعض الزوايا الطرقية التي اتخذت شعارا لها (اعتقد ولا تنتقد) (9). ثم أسس جريدة الشهاب ثم جريدة البصائر عام 1926 ووظف الصحافة في سياق غرس بذور الوطنية الصحيحة ودعى إلى تنقية الدين من البدع والى ضرورة الانفتاح على الغرب . ولإحكام سيطرته على هذا التوجه تمكن من شراء مطبعة ليتولى طبع الصحف والنشرات والكتب بعيدا عن رقابة المحتل الفرنسي .

أما الوسيلة الثانية التي اعتمدها لتحقيق أهداف حركته الإصلاحية فكانت التعليم باللغة العربية، وذلك من اجل المحافظة على اللغة العربية والارتقاء في تربية الجيل الجديد وتنمية اعتزازه بالعروبة والإسلام والتأكيد على خلق المطالب الوطنية وتكريسها في الوعي الشعبي، لأن المطالبة بالحق تحتاج إلى بيان المطالب وعدم التراجع عنها ، فضلا عن حثه الطلبة الجزائريين على ضرورة تعلم اللغة الفرنسية لمواجهة المحتل بسلاحه ، وبذلك مهد أبن باديس الأرضية في إعداد جيل لمعركة تحرير الجزائر، وهو ما حصل لاحقا.

وكانت الوسيلة الثالثة التي اعتمدها لضمان مسار حركته الإصلاحية فقد تجلت في اعتماد التنظيم بتأسيس حركة جماعية تمثلت في تأسيس ( جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ) في 5 مارس 1935 ، وجعل شعارها “الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر

وطننا”، وكانت الجمعية دينية الطابع ،ثقافية الهدف ، اما من الناحية السياسية فهي تؤمن بسياسة اللين والترقب، ومعالجة الأوضاع بحكمة بعيدا عن العنف مهما كان نوعه (10) ، تشكلت قيادتها من هيئات تحرير الصحف ونخبة من الشباب الجزائري المثقف ومن ذوي الخبرة ، وأسست الجمعية فروعا لها في الجزائر لتتولى التطبيق العملي لوحدة شعب الجزائر والإشراف على المدارس الحرة الأهلية  ونشر الثقافة العربية ومقاومة دعاة التجنيس والاندماج  ومواجهة سياسة الاحتلال الفرنسي .

وفي ضوء ذلك ، يمكن القول ، ان عبد الحميد بن باديس كان يخطط لانجاز أهداف حركة الإصلاح والتجديد في الجزائر التي تولى قيادتها  بوسائل سلمية وبوعي متقدم وحذر ( وآثر ان يحاصر فرنسا في رفق وعزم صارم ) (11) .

مفهوم الوطن في فكر أبن باديس

يعد مفهوم الوطن عند ابن باديس نقطة الانطلاق التي أرتكز عليها فكره ، لا بل شكلت فكرة الوطنية “واسطة العقد ” لمنهجه في الإصلاح، وقد اتخذها شعارا لمجلته “المنتقد” (الحق فوق كل أحد والوطن فوق كل شيء ) ، ورأى أن هذه الكلمة لها معاني دلالية واصطلاحية ترتبط بمسائل طبيعية وأخرى اجتماعية ، وان كثيرا من أفراد الأمة يجهلونها ، وجهلهم هذا أدى بهم إلى فقدانهم الإحساس والشعور بها ، والوطن عنده هو : ” قطعة من الأرض خلقها الله منها (الأمة) ومنحها لها ، وإنها هي ربتها وصاحبة الحق الشرعي والطبيعي فيها ، سواء اعترف لها من اعترف وجحد من جحد ” . (12)

وفي ذلك يرى ابن باديس أن الوطن إذا كان مكانا أو قطعة أرض ففضله على الإنسان كبير لأنه هو منبت وجوده ومصير حياته ، ولذلك فلا إنسان آخر غيره له الحق في العيش فيه والحفاظ عليه ، لأنه كما يقول الطهطاوي هو : ” عيش الإنسان الذي درج فيه ومنه

خرج ومجمع أسرته ومقطع سرته ” (13) ، من هنا فان لكلمة الوطن كما يصفها ابن باديس ” إذا رنت في الآذان حركة أوتار القلوب، وهزت النفس هزا ، ” (14) وفي هذه الكلمات تعبير بليغ عن أهمية الوطن ، وعن مفهومه والشعور به، عندما اقرن ذلك بالشوق والاشتياق والعطف لدرجة تهز القلوب وتطرب النفوس .

ومن هنا فمفهوم الوطن – الأمة عند ابن باديس كيان يرتبط بظروف تهيئ وجوده وتبسط تحققه وأولها الحرية ، ذلك ان الحرية ترتبط بالقدرة على اتخاذ القرار ، فــ”الأمم المغلوبة على أمرها… لا تستطيع ان تضع أمرا لنفسها ، فكيف تستطيع أن تضعه لغيرها، ولا تستطيع أن تدافع عن نفسها، فكيف تستطيع ان تدافع عما تقرره مع غيرها ، وهي لم تستطع ان تعتمد على نفسها في داخليتها، فكيف يعتمد عليها في خارجيتها ؟ فالوحدة السياسية بين هذه الامم أمر غير ممكن ولا معقول ولا مقبول ” (15) .

ومن خلال هذا الوعي العميق يحفز أبن باديس روح الوطنية  في نفوس الجزائريين بضرورة التطلع للبحث عن  الحرية  من أجل النهوض والتصدي  لما يرسخه المستعمر من ثنائية التكوين الأثني، فالأمة لا تبني وفق الانتماء العرقي ، لان في ذلك تضييق للمفهوم وقصر له ، وهو مفهوم لا يقبل ذلك، لأنه يتأسس على العقيدة واللسان والتاريخ والثقافة ، وهي دعائم تتسم باتساع الأفق والشمول . فكل من كان دينه الإسلام ولغته لغة القرآن ( العربية ) فهو ينتمي لدائرة  الأمة ، على أساس ان هذين العاملين يشركان باقي العوامل في بوتقة وحدة العقيدة واللسان . فالبعد التحويلي للإسلام يحيل الثقافة العربية إلى مرجعيتها الإسلامية المتأصلة فيها كتفكير وكممارسة .

هذه الرؤية الشمولية لمفهوم الأمة عند أبن باديس ترفض التجزئة الاستعمارية المكرسة بالحدود ، وتتوخى تقديم المفهوم على حقيقته ، بعيدا عن السقوط في مغبة النزوع نحو العرق ، بما يمثله ذلك من توجه عنصري يفرق ولا يجمع ، بل انه ” تكاد لا تخلص امة لعرق واحد ، وتكاد لاتوجد امة لا تتكلم بلسان واحد ، فليس الذي يكون الأمة ويربط أجزاءها ، ويوحد شعورها ويوجهها إلى غايتها هو هبوطها من سلالة واحدة ، وإنما الذي يفعل ذلك هو تكلمها بلسان واحد ” (16) ، والإسلام يقرر المساواة بين جميع الاجناس (17) .

فاللغة العربية هي ” الحبل السري ” الذي يربط أبن باديس بجزائريته ، لذلك فهي القومية اللسانية والتاريخية والثقافية ، و” القومية عند ابن باديس هي أوسع دلالة من الجنس ، لأنها تعبير عن الهوية والمقومات الذاتية ، هي لغة التفكير القومي الذي هو أساس تفكيرنا ، والذي يتميز وفقا لمميزات قوميتنا ” (18) ، وكان تتويج ابن باديس لدفاعه عن العربية، في المطالب التي قدمها لمكتب المؤتمر الاسلامي سنة 1936، اذ تضمنت مطلبا أساسيا وهو 🙁 أن تعتبر اللغة العربية لغة رسمية مثل اللغة الفرنسية وتكتب بها مع الفرنسية جميع المناشير الرسمية، وتعامل صحافتها مثل الصحافة الفرنسية، وتعطى الحرية في تعليمها في المدارس الحرة مثل اللغة الفرنسية ) (19).

وعليه فأن  مفهوم الأمة عند أبن باديس هو ارتباط الثقافة العربية ببعدها التحويلي الذي هو الإسلام  بكونه الجامع والإطار الذي تنصهر فيه الانتماءات الاخرى ، هذا المفهوم عنده جاء لمواجهة وإصلاح وضع تسبب فيه الفرنسيين بالادعاء بثنائية التكوين الأثني للجزائر  (عرب /بربر) ،وكان ذلك أبرز أنجاز فكري له عندما ربط بين العروبة والإسلام ، لأن قضية العروبة والإسلام يحيط بها غموض المصطلح بتأثير طبيعة المرحة آنذاك وتحدياتها .وبذلك تمكن من المحافظة على الجزائر كوطن بعروبتها وإسلامها  .

رؤيتــه للعـدالــة

شكلت العدالة محور أساس في مسؤولية الإنسان في اداء وظيفته ومهامه  تجاه أبناء وطنه وأهله على مر العصور ، وهي شرع الله ، وبممارستها تقاس قيمة عطاء القادة والحكام والأفراد  ، ولذلك فهي محط اهتمام  العلماء والمفكرين والمصلحين والسياسيين لأهميتها في ميزان سر قوة الأوطان والأمم والشعوب  ، ولهذه الأهمية  نحاول تسليط الضوء على مفهوم العدالة لغة واصطلاحا ورؤية عبد الحميد بن باديس لها .

العـدالــة لغــة : لفظ العدالة والعدل بمعنى واحد ، يقال : رجل بين العدالة والعدل (20) .

والعدل يطلق على الوحدة وغيره بلفظ واحد لايثنى ولا يجمع ولا يؤنث فيقال رجل عدل ، ورجلان عدل ، ورجال عدل ، وامرأة عدل ، ونسوة عدل ، كله على معنى رجال ذوو عدل ، ونسوة ذوات عدل ، فان رأيته مثنى او مجموعا او مؤنثا فعلى انه أجري المصدر- الذي هو عدل او عدالة – مجرى الوصف ، والمراد بالوصف اسم الفاعل ، واسم المفعول ، وليس الوصف الذي يتبادر الى الذهن وهو النعت ، فيكون التقدير – اذا قيل : رجال عدول اي عادلون ، ونساء عدل اي عادلات وامرأة عدلة اي عادلة (21) ، لكي يكتمل المعنى اللغوي يحسن التعرض لبيان المصطلحات المشابهة للعدالة والكلمات المشتقة من مادتها والتي تحمل مدلولات مغايرة ، بعضها يقترب من العدالة وبعضها بعيد ، كما يتضح من الأتي : قال ابن منظور ( العدل ما قام في النفوس انه مستقيم ) (22) وقال في موضوع آخر العدل الاستقامة (23) وتعديل الشيء تقويمه ، يقال عدلته فاعتدل اي قومته فاستقام (24) .

وصبحت بها القوم حتى امتسكت بالأرض اعدلها ان تميلا (25) وكل ما اقمته فقد عدلته ومنه قول عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) الحمد لله الذي جعلني في قوم اذا ملت عدلوني كما يعدل السهم (26) ، اي قوموني . وتأتي لفظة العدل بمعنى نقيض الجور في العدل بالحكم ، قال ابن منظور ( عدل الحاكم في الحكم يعدل عدلا وهو عادل من قوم عدول وعدل ) (27) .ولفظة العدل من الاضداد فتأتي على عكس هذا المعنى فيقال ( عدل عدلا جار وظلم  وعدل عدالة خلاف الجور ) (28) ، والعدل : الحكم بالحق : يقال : ( هو يقضي بالحق ويعدل وهو حكم عادل ، ذو معدلة في حكمه ) (29) .

العدالــة اصطلاحا : تناول العلماء تحديد مفهوم العدالة وكل يحاول رسم صورة لها بعد ان اتفقوا على ان رواية الحديث وأداء الشهادة لا يقبلان الا من اهل العدالة ولكن الخلاف حاصل في تحديد ماهية العدالة ( ومن اصعب الاشياء الوقوف على رسم العدالة فضلا عن حدها وقد خاض العلماء في ذلك كثيرا ) (30) فمنهم من قال انها ( ملكة ) ، ومنهم من قال انها ( اجتناب الكبائر ) ومنهم من جعل لها شروطا ومنهم من اطلقها .

ومعنى ذلك ان العدل من طرف الاقوياء بالأيمان يضع الاشياء في مواضعها الحقيقية  دون اجحاف او تقصير ولا خوف من حاكم ، وفي خضم هذه الرؤى دعا قادة الاصلاح ومنهم ابن باديس الحكام الفرنسيين بالإنصاف بينهم وبين غيرهم من المستوطنين في تلقي التعليم وعدم التضييق عليهم وهو ما دعاه الى القول: ( العلم رمز الانسانية والكمال والقضاء رمز العدل والمساواة ) (31) . بمعنى ان تقوم الحكومات بالرعاية والدعم للعلم والقضاء وان تعمل في حركة واستقلال لان العدل اذا لم يتجنب من يتولون القيام به كل الميول والأهواء والأغراض السلبية التي تحد من مهام القاضي فأنه ينتشر العبث وتسود الفوضى .

وهكذا فأن العدل عند قادة الاصلاح ومنهم ابن باديس يعد من العناصر الاساسية في حياة الامم والجماعات لأنه يدعم المحافظة على الاستقرار والسلم واستمرارية الحياة وترقية الشعوب وتجنب الخلافات وبث المحبة والوئام والسعادة بين الافراد والأمم (32) .

امتاز نشاط ابن باديس بالمرونة والتكيف مع الظروف السياسية القائمة انذاك ، ملتزما الحيطة والحذر حفاظا على سلامة الجزائر ومصالحها ، وسعى جاهدا من اجل التغيير بوسائل سلمية تطلب العدل والأنصاف حريصا على تجنب الصدام مع الادارة الاستعمارية ، ومن مواقفه الحازمة صوب تحقيق التغيير هو المطالبة بتحقيق العدل في ما يتعلق بحرية الجزائر ، فهي في مقدمة مطالب الشعب الجزائري الذي برهن اكثر من مرة انه متشوق للحرية ومتعشق لها وسيحيى ويموت لأجلها ، يتجلى ذلك في الموقف السياسي لابن باديس ازاء الحكومة الفرنسية ، اذ يؤكد على مطالب الشعب وبضرورة إحقاق العدل ويحذر من عدم الاستجابة لها ، فالشعب لا يرضى ابدا بخنق حريته اما الحياة الكريمة ، او الموت الحر يقول : ” اننا مددنا الى الحكومة الفرنسية ايدينا ، وفتحنا قلوبنا ، فان مدت الينا يدها وملأت بالحب قلوبنا فهو المراد ، وان ضيعت فرنسا فرصتها هذه فأننا نقبض ايدينا ونغلق قلوبنا ، فلا نفتحها الى الابد ” (33)

وفي ضوء هذه الرؤية للعدالة سعى ابن باديس بفكره الذي يؤمن بالتغيير السلمي الى انه يمكن أن  تتحقق أهداف حركته الإصلاحية المتمثلة بالعدل وان يتبنى ابناؤه مبادئه ، فإذا تحقق ذلك ترى المسلم المؤمن ينتفض ويشعر بالمسؤولية تجاه الواقع ، فيسعى جاهدا من أجل التغيير يقول : ” فترى المسلم اذا هدى الله احد للإسلام ، او رأى مظهرا كريما من مظاهر الإسلام ، كأنما سيقت إليه الدنيا بحذافيرها وان كان ذلك في بلد غير بلده وقوم غير قومه ” . (34)

وبهذا يمثل فكر أبن  باديس في موضوعة العدالة الصياغة الأنموذج لتفاعل الأصالة مع المعاصرة ، بما يحفظ للأمة خصوصيتها وذاتيتها دون حرمانها من مكتسبات العصر ومعارفه ، نزولا عند قانون المشترك الانساني والخصوصية الحضارية.

وضمن هذا السياق يقول : ” انما ينفع المجتمع الانساني ويؤثر في سيره من كان من الشعوب قد شعر بنفسه فنظر الى ماضيه وحاله ومستقبله ؛ فأخذ الاصول الثابتة من الماضي ، وأصلح شأنه في الحال ، ومد يده لبناء المستقبل ؛ يتناول من زمنه وأمم عصره ما يصلح لبنائه ، معرضا عما لا حاجة له به ، أو ما لا يناسب شكل بنائه الذي وضعه على مقتضى ذوقه ومصلحته ” (35). يعزز ذلك بالقول :” انا زارع محبة ، ولكن على اساس من العدل والإنصاف والاحترام مع كل احد من اي جنس كان ، ومن اي دين كان ، من كل جنس ومن كل دين ” (36)

ومن هنا فأن العلاقات الانسانية المقترنة بالعدالة هي الداعية الى التماس الخير في الناس ، وعلى نسيان هفواتهم وتذكر حسناتهم . وبذلك تحلو الحياة وتصفو العلاقات  فيها بين النظراء حتى  لو كانوا متنافسين ، او متفاوتين ، في مكانة او رزق او علم سواها .

ومن هنا جاء فكر ابن باديس في فكرة العدالة متجانسا مع منطقه ومقولاته الشيء الذي انعكس على تطلعاته .

رؤيته للتسامح :

التسامح قيمة أخلاقية وسياسية وموقف إنساني لا يفهم إلا في مقابل التعصب ، فالتسامح يقبل بالحوار وبحق بالاختلاف، لذلك فالتسامح المتبادل ولاسيما في المجال السياسي يعد شرطا أساسيا لممارسة ديمقراطية حقة . انه ” يولد قبول التباينات ويتضمن المعايشة ، والصداقة . وفي مجتمع يتصف بالمعايشة ،  يكون  الإنسان سيد نفسه.. متحكم في عواطفه، وليس في حاجة ملحة الى القضاء على الاخرين . ومن هذه الزاوية فان مجتمعنا من هذا النوع يتطلب من الانسان المسيطر ان يحد من دوافعه العنيفة حتى يتم التفاهم ويضعف التسلط  .

ويتحقق الاتصال ، ويحيا الاخر في هدوء “، (37) وعليه فان التسامح مفهوم ككل المفاهيم فان له حدا ، وهو التعصب الذي هو درجة الصفر للتسامح ، وان كان من الصعب تحديد درجات التسامح . (38)

ويؤرخ لكلمة التسامح انطلاقا او ابتداء من عصر النهضة بحيث يعتقد ان البروتستانتية هي مصدر التسامح في القرنين السادس عشر والسابع عشر ، ولعل أو من استعمل كلمة التسامح هو المصلح البروتستانتي ( مارتن لوثر Martin Luther ) في حدود سنة 1541 عندما ، ربط التسامح بحرية المعتقد والإيمان والضمير. (39)

إن مفهوم التسامح في فكر ابن باديس ينطلق من الحجة والحكمة والبيان مستلهما في ذلك قوله تعالى 🙁 أدعوا الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) مستخرجا منها قواعد اخلاقية للتعامل والتخاطب والدعوة الى الحوار في ما يمكن تسميته بأخلاق الحوار وهو ما يلخصه هذا النص الذي يبين ان التسامح او التعصب او الاعتدال او التطرف يبدأ من الكلمة ، لذلك نجد عبد الحميد أبن باديس يكتب مقالا خاصا بأخلاق الحوار جاء بعنوان : ( القول الحسن ) يقول فيه : ( اللسان اداة البيان وترجمان القلب والوجدان فهو رابطة افراد النوع الانساني وعشائره ، وأممه ، وبريد عقله وواسطة تفاهمه ، فإذا حسن قويت روابط الالفة . وتكنت اسباب المحبة ، وامتد رواق السلام بين الافراد والعشائر والأمم . وتقاربت العقول والقلوب بالتفاهم ، وتشابكت الايدي على التعاون والتآزر ، وجنى العالم من وراء ذلك تقرر ” استقرار ” الامن واطراد العمران . وإذا قبح كان الحال على ضد ذلك . فالكلام السيئ قاطع لأواصر الاخوة ، باعث على البغضاء والنفرة ، يبعد بين العقول فتحرم الاسترشاد والاستمداد والتعاون بين القلوب فتفقد عواطف المحبة وحنان الرحمة .  وهما أرشف ما تتحلى به القلوب ، وإذا بطلت الالفة والتعاون ، حلت القساوة والعداوة ، وتبعها التخاصم والتقاتل ، وفي ذلك كل الشر، لأبناء البشر ) (40) .

وفي ذلك يرى ابن باديس ان الحرب والعنف والتعصب والتطرف واللاتسامح يبدأ أولا لفظا وخطابا ولغة وحديثا ثم ينتقل الى الفعل ، ومن هذا المنطلق ينبغي تربية وتنشئة الأجيال العربية  في الحاضر / المستقبل على التعامـل بلغة مسالمة ومتسامحة ويستبعدون من قاموسهم وحواراتهم وأحاديثهم اللغة المتشنجة والأساليب الدعائية المتطرفة والخطابات المحرضة ،وهذا يتوقف على التربية ومؤسسات التعليم الديني في أغناء مناهج التعليم بذلك ، لذلك نرى أن المدنية المعاصرة تهتم بلغتها وتعبيراتها وأحاديثها . ذلك أن العيش في مجتمع متسامح هو العيش في مجتمع يقبل النقد ويوفر الاحترام للرأي الاخر وكل فرد فيه بإمكانه ان يعبر بحرية عن فكره دون ان يفرضه على الاخرين ، كما ان التسامح يفترض الحذر والفكر النقدي إذ لا يمكن التسامح مع العنصرية والتعصب والعنف، فمنطق التسامح هو المساواة والحق في الحرية والأمن والاستقرار وهي من حقوق الإنسان، وبذلك سبقت أفكار أبن باديس الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10/12/1948.لا بل أرسى وأنجز بفكره وممارسته معالم المرحلة الديمقراطية في حياة الثورة الجزائرية منذ وقت مبكر .

رؤيته للحرية وعلاقتها بالعدالة والتسامح :

انشغل ابن باديس ببناء الإنسان وإنقاذ الأجيال التي ولدت في أحضان الاستعمار ، ومعظم إنتاجه الفكري مقالات ودروس ألقاها في المساجد والمدارس، وانطلق في  نضاله من أجل تحقيق الحرية للشعب (41). كون الحرية عنده هي عصب الحياة  والتي بدونها لا قيمة لوجود الانسان لذلك تراه يتعلق بها ويمجدها حتى تنال مكانة في نفوس الناس  ، وتزيد منزلة في القلوب اذ يقول : ” تحتفل بأعيادك الامم ، وتنصب لتمجيدك التماثيل وتتشادق بأمجادك الخطباء ، وتتغنى بمفاتنك الشعراء ، ويتفنن في مجاليك الكتاب ”  ويضحي كذلك من اجلها : ” ويتهالك من أجلك الابطال ، وتسفك في سبيلك الدماء ، وتدك لسراحك القلاع والمعاقل .” والحرية لا لون لها ولا جنس لها . اما ان تكون حرية للجميع او لا تكون ” (42)

لذلك الحرية في – نظر ابن باديس – ” التمتع بجميع الحقوق التي هي لك ، في حدود من النظام لا تتعداها الى حقوق غيرك ” . فالحرية المسؤولة هي ، اذن اكتساب الحقوق المستحقة نتيجة التزام الفرد بالواجب واحترام القيم المتفق عليها في القانون السماوي او الاخلاقي او الوضعي . والحرية هي صفة لازمة للإنسان وهي مصدر الوجود وروح الحياة ، فالحرية ” هي طبيعة في الوجود ، وحق شرعي لكل انسان … والإنسان انما هو انسان ما دام يتمتع بالحرية .” وبمعنى اخر الحرية فطرة في الانسان يحبها بطبعه لأنه مرتبط بوجودها وعي ضمان لحياته. ” فحق كل انسان في الحرية كحقه في الحياة ، ومقدار ما عنده من حياة هو مقدار ما عنده من حرية ، المتعدي عليه في شيء من حريته المتعدي عليه في شيء من  حياته ” (43)

ويتضح من ذلك أن المرونة وعدم التعصب في المواقف والآراء هي من سمات فكر أبن باديس، وعدم التمسك برأي واحد فقد بذل في ذلك جهدا لإعادة الاعتبار للشخصية العربية الاسلامية في وسط المجتمع الجزائري ، ورسم خطة البناء والنهوض ، فانطلق من التربية والتعليم لبناء اساس وركيزة صلبة لمجتمع المستقبل، كل هذا بعيدا عن التزمت ، كما عمل على تطبيق مبدأ المساواة بين افراد المجتمع ؛ لان المساواة عنده هي النظام (44) . واعتمد منهجه في

اصلاح الشعب الجزائري على اللين والرفق بالناس والتسامح معهم ، والابتعاد عن الغلظة والفظاظة التي تنفر الناس من الدعوة ، وعدم اللجوء الى زرع اليأس في نفوس الشعب بالأسلوب الجارح وغلق منافذ الخير أمامهم، وقد تمكن عبد الحميد بن باديس وقيادة الجمعية من توطيد نفوذهم ووجهوا الرأي العام الوطني والعربي والإسلامي لصالحهم (45).

وفي ذلك دلالة على ان أبن باديس يؤمن باحترام الرأي الاخر والاعتراف بحق الاختلاف وبكونهما قيم من صميم الاسلام ، والتي أصبحت اليوم من قيم الديمقراطية المعاصرة ، ومما يؤكد ذلك ما كتبه في مجلة الشهاب (46) : ” عاش النصارى واليهود والمجوس في الشرق والغرب في حجر المسلمين وتحت سلطانهم قرونا طوالا فما أكرهوا على اسلام ، ولا نصب لهم ديوان تفتيش ، ولا ارهقوا بالضرائب ، ولا قيدوا للموت في سبيل الاسلام ، و لا انتزعت أراضيهم بأفانين الاحتيال ، و لا منعوا من قراءة دينهم ولغتهم بوجوه المنع ، ولا اخذت اموال بيعهم وكنائسهم وتركت تعيش بالتقتير والاستجداء دانية للخلاء والخراب ، ولا تعرض للطعن والتشهير بأديانهم وأعراضهم وعظامهم بالزور والبهتان ، ولا خصوا بأحكام استثنائية في قانون العدل العام ، بل كان لهم ما للمسلمين ، وعليهم ما عليهم ، يبلغون من العلم والجاه والثروة تحت لواء العدل الإسلامي حيث يستطيعون فتسنموا الكتابة والحجابة والوزارة وأثروا حتى استغرضهم الأمراء والأشراف راتعين في بحبوحة الأمن والمودة والمساواة للمسلمين في ابواب العدل والإحسان.” وفي المقابل يجب اعطاء كل إنسان حقه، اذا أدى واجبه على اكمل وجه ، لان ذا الحق يعطي حقه على كل حال ويقطع النظر عن اي اعتبار (47)

وقد رأى عبد الحميد بن باديس أن تحقيق هدف الإصلاح والتجديد في بناء الوطن وتحقيق العدالة والتسامح يتوقف على حرية التعليم لاعتقاده ان التعليم أساس أي أصلاح : سياسي أو اقتصادي أو ثقافي أو اجتماعي ، ويرى ان صلاح العلماء شرط لكل تغيير حضاري ” لن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم ، ولن يصلح العلماء الا اذا صلح تعليمهم  ، ولن يصلح هذا التعليم الا اذا رجعنا به للتعليم النبوي في شكله وموضعه في مادته وصورته” (48).

وانتهى ابن باديس إلى أن الإصلاح يبدأ من النفس ومن تغيير الذات  مسترشدا في ذلك بقوله تعالى ” ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم “(49)، ولهذا فانه يميز بين ما يسميه ب” الإسلام الذاتي” وما يسميه ب “الإسلام الوراثي” (50).

ولذلك أصبحت حرية التعليم  عند ابن باديس هاجسه الاول بعد إصدار الإدارة الفرنسية  في الجزائر قرار 8 / آذار- مارس / 1938 المطالب بامتلاك اجازة التدريس. ولمواجهة هذا القرار الجائر قام ابن باديس بمراسلة النخبة السياسية الجزائرية والفرنسية ، واجرى حوارا مع المثقفين الفرنسيين بهذا الخصوص مطالبا إياهم بالضغط على السلطات  للتراجع عن هذا القرار مذكرا بأن للجزائري الحق في التعليم والخروج من الجهل . وكثيرا ما كتب عن حرية ممارسة التعليم وتعليم اللغة العربية في المساجد والمدارس والنوادي والتنديد بالمضايقات التي كان يتعرض لها  معلمي وطلاب المدارس الأهلية . وركز ابن باديس على أهمية تعليم اللغة العربية في الجزائر واصفا ما تتعرض له بالقول : ” اللغة المهملة بين ابنائها ، المحرومة من ميزانية بلدها ، المطاردة في عقر دارها ، المغلقة مدارسها ، المحارب القائمون على نشرها بين ابنائها .” ويضيف ابن باديس انه يناضل في سبيل حرية التعليم العربي وليس ضد تعليم اللغة الفرنسية التي لها الحق في الوجود . فهو يقول بكل وضوح : ” ولو حرمنا من تعليم اللغة الفرنسية التي هي سبيلنا الى اداب الغرب وعلومه وفنونه وفهمه من جميع جهاته ، كما حرمنا من حرية تعليم لغتنا ، لوقفنا ازاء ذلك الحرمان لو كان ، كوقوفنا ازاء هذا الحرمان “(51)

ورغم كل الاساليب العدوانية التي مارستها الادارة الفرنسية في سياستها الرامية الى فرنسة شعب الجزائر ، الا ان عبد الحميد بن باديس وقيادة جمعية علماء المسلمين تمكنا من تنشئة وتربية وتكوين كوادر جزائرية عربية الثقافة تمكنت من مواجهة المشروع الاستعماري الفرنسي والتصدي له ببسالة  .(52)

ولتحقيق هدفه في الإصلاح والتجديد بما يكرس البعد الوطني والعدل والتسامح  حرص أبن باديس على توجيه اعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بإبقاء جمعيتهم مستقلة عن كل الأحزاب والتيارات السياسية لكي تتمكن من القيام بواجبها لخدمة الوطن على أفضل وجه ولتأكيد ذلك جاء توجيهه : ” ان الجمعية لا توالي حزبا من الاحزاب ولا تعادي حزبا منها ، وإنما تنصر الحق و العدل والخيـر فـي اي ناحـية كان ، وتقـاوم الباطل والظلم والشر من اي جهة اتى ، محتفظة في ذلك كله بشخصيتها ومبادئها ، محترسة في جميع مواقفها مقدرة للظروف والأحوال بمقاديرها “(53)

وفي هذا الصدد نقف امام ظاهرة جديدة جديرة بالانتباه والوقوف عندها ، الا وهي ان عبد الحميد بن باديس بدأ يمارس فكره عمليا ، فكانت هذه النزعة الاستقلالية في العمل ، رافضا فكرة ان يكون مرتبطا مع أي من الاحزاب السياسية  او السلطة الاستعمارية او ان يكون لسان حالها ، فضلا عن أنه أقرن توفر الحرية بتحقيق العدالة والتسامح والعيش المشترك ، وبالمحصلة اراد ابعاد يد الادارة الفرنسية عن الادارة الدينية والأدبية للجزائر ، ولكي تكون أمور شعب الجزائر في ايديهم لا في ايدي المحتلين (54) ، ولعل هذا الموقف هو اول ما فتح عليه عيون سلطات الادارة الفرنسية . وبذلك يكون ابن باديس من بين القلة من المصلحين في العصر الحديث ممن اتيحت لهم فرصة التطبيق العملي لأفكارهم ومبادئهم .

الخاتــمة   

امتاز فكر عبد الحميد ابن باديس بكونه شكل قدرة ابداعية مميزة بمقاييس القدرة النقدية التنويرية التي تميز بها خلال النصف الاول من القرن العشرين ، ومما لاشك فيه ان ابن باديس استطاع ان يسجل اسمه بين كبار المفكرين الاسلاميين المعاصرين اثارة للجدل والاهتمام والثقافة الحداثية في عصره . ولا بد من الاقرار بصعوبة دراسة شخصية ابن باديس لغناها الفكري المتنوع ونشاطها في مختلف المجالات .

ومن هنا ، وفي ضوء ما تم عرضه في ثنايا البحث ، نرى ان فكر ابن باديس يمكن ان يوظف كآليات مستحدثة للقرن الواحد والعشرين في المناهج الدراسية لمختلف مراحل التعليم وصولا للجامعة بعيدا عن لغة العنف الرمزي التي تبثها بعض المحطات الإذاعية والقنوات الفضائية ، وان توظف بعض مفردات فكر أبن باديس  في مناهج التعليم كالتاريخ والتربية الوطنية والتربية الاسلامية ومناهج مؤسسات التعليم الديني ومادتي الديمقراطية وحقوق الانسان ، على ان تبرز مفاهيم الوطن والعدالة والتسامح واحترام الرأي الاخر وحق الاختلاف ومهارات الحوار والاتصال ، وان تكون المدخل الفعال لتنظيم تفكير المواطن العراقي بغية احداث تغيير في طبائع  الاجيال الجديدة وفي وعيهم وفي قيمهم وحقوقهم وشخصيتهم ، حتى نتمكن من بناء مجتمع انساني ديمقراطي  يؤمن بالمواطنة والعدالة والتسامح وفي كيفية صياغة موقف وطني موحد لمجابهة ظواهر العنف المستشرية في العراق ولا سيما العنف الارهابي .

 

الهوامش   

يرجع نسب اسرة عبد الحميد بن باديس الى المعز بن باديس الصنهاجي ( 1014 – 1063م ) مؤسس الدولة الصنهاجية الاولى التي خلفت دولة الاغالبة على مملكة القيروان . ينظر : د. فهمي سعيد ، حركة عبد الحميد بن باديس ودورها في يقظة الجزائر ، دار الرحاب للطباعة والنشر ، بيروت ، 1983 ، ص 47 .. توفي عبد الحميد بن باديس في 16/4/ 1940 بعد رحلة نضال سلمي طويلة من اجل حرية واستقلال الجزائر  واجه فيها تحديات صعبة آخرها فرضت عليه الأقامة الجبرية في (عفلو ) اثناء الحرب العالمية الثانية ، المصدر نفسه ، ص 56 .

المصدر نفسه ، ص 47 .

تركي رابح ، الشيخ عبد الحميد بن باديس ، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ، الجزائر ، 1970 ، ص159 .

د. فهمي سعيد ، حركة بن باديس ، مصدر سبق ذكره ، ص48.

المصدر نفسه ، ص48.

عمار طالبي ، ابن باديس حياته وآثاره ، ج1 ، دار الغرب الاسلامي ، بيروت ، 1983 ، ص 74 .

تركي رابح ، الشيخ عبد الحميد بن باديس، مصدر سبق ذكره ، ص16 .

المصدر نفسه، ص 16 .

محمد الميلي ، أبن باديس وعروبة الجزائر ، دار العودة ، 1973 ، ص13 .

يحي بوعزيز ، سياسة التسلط الاستعماري والحركة الوطنية الجزائرية 1830- 1954، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ،2007 ، ص90- 91.

محمود قاسم ، الامام عبد الحميد بن باديس ، دار المعارف ، القاهرة ، 1968 ، ص 15 .

محمد عبده ، الاعمال الكاملة ، ج1 ، دراسة وتحقيق: د.محمد عمارة ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، 1972 ، ص343 .

رفاعة الطهطاوي ، الاعمال الكاملة ، ج2 ، تحقيق : د. محمد عمارة ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت ، 1973 ، ص 429 .

عمار طالبي ، ابن باديس حياته وآثاره ، ج4 ، مكتبة الشركة الجزائرية للطباعة والنشر ، الجزائر 1968 ، ص365 .

عمار طالبي ، ابن باديس حياته وآثاره ، ج3 ، مكتبة الشركة الجزائرية ، الجزائر، 1968 ، ص398- 399؛ خيرالدين سيب ، الوطن والوطنية في فكر أبن باديس ، ينظر الرابط: http://www.binbadis.net/research-and-studies/benbadis/522-benbadis.html

عمار طالبي ، ابن باديس حياته وآثاره ، ج4 ، ص 20 .

  ” يأيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا “، سورة الحجرات ، الآية 13.

عبد القادر فضيل ، محمد الصالح رمضان : امام الجزائر عبد الحميد بن باديس ، شركة دار الامة للطباعة  والنشر والتوزيع ، الجزائر ، 2010 ، ص 106 .

عمار طالبي ، ابن باديس حياته وآثاره ، ج3 ، ص37.؛ د.فهمي سعيد ، حركة عبد الحميد بن باديس ودورها في يقظة الجزائر ، مصدر سبق ذكره ، ص 118 -119 .

ابن منظور،  لسان العرب ، تنسيق وتعليق علي شيري ، دار احياء التراث العربي ، بيروت ، 1408هـ ، 9/83 .

المصدر نفسه ، 9/83 .

المصدر نفسه ، 11/430 .

المصدر نفسه ، 11/434 .

13 – 17

الجوهري  ، تاج اللغة وصحاح العربية ، ط3 ، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار،  دار العلم للملايين ، بيروت ، 1404 هـ ، 5/1762 .

الفراهيدي ،العين ، ط2، تحقيق الدكتور مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي ، مؤسسة دار الهجرة ، ايران ، 1409 هـ ، 2/36 .

ابن منظور ، لسان العرب ، 11/433 ؛ الزمخشري :اساس البلاغة ،تحقيق: عبد الرحيم محمود ، دار المعرفة ، بيروت ، 1/411 ..

ابن منظور : لسان العرب ، 11/430 .

على بن قاسم بن جعفر السعدي ، الافعال ، عالم الكتب – بيروت  ، 1983 ، 2/242 .

ابن منظور ، لسان العرب ، 11/430

طاهر الجزائري الدمشقي ، توجيه النظر الى اصول الاثر ، تحقيق عبد الفاتح ابو غدة ، مكتبة المطبوعات الاسلامية – حلب ، 1995م.ص245.

محمد البشير الابراهيمي ،عيون البصائر ، ج2 ، ط2 ، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ، الجزائر 1971  ، ص247.

عمار طالبي ، ابن باديس حياته وآثاره ، ج6 ، مطبوعات وزارة الشؤون الدينية ، دار البعث ، قسنطينة ، ، 1985م ،  ص317 .

المصدر نفسه ، ص 317 .

عمار طالبي ، ابن باديس حياته وآثاره ، ج4 ،ص65 ؛ حسين بن مشيش ، مفهوم العدل لدى رواد النهضة في الجزائر ، مجلة العلوم الإنسانية ، العدد التاسع ، مارس ،2006 ، جامعة محمد خيضر بسكرة ، الجزائر ، ينظر الرابط : http://www.webreview.dz/IMG/pdf/4____.pdf.

عمار طالبي ، ابن باديس  حياته وآثاره ، ج3 ، منشورات وزارة الشؤن الدينية ، الجزائر  ، ص9 .

المصدر نفسه ، ج4 ، ص215.

ليليا شابي : التباينات والمعايشة ، في التسامح الثقافي ، المحرر ، مراد وهبة ، الناشر مكتبة الانجلو المصرية ، 1987 ، ص73 .

أندريه مرسية ، التسامح كأمر فلسفي ، ليليا شابي : التباينات والمعايشة ، في التسامح الثقافي ، المحرر ، مراد وهبة ، الناشر مكتبة الانجلو المصرية ، 1987 ، ص75 .

Olivier Christin, aux origines de la tolerance moderne, magazine litteraire, france, n363 , mars 1998 .p21

عمار طالبي ، ابن باديس  حياته وآثاره ، ج1 ،ص282

د. مولود عويمر ، فكرة الحرية عند الشيخ عبدالحميد بن باديس ، ينظر الرابط : http://assala-dz.net/ar/?p=2999

مجلة البصائر ، السنة الرابعة ، العدد 175 في 21/7/1939 ؛ د. مولود عويمر ، فكرة الحرية عند الشيخ عبدالحميد بن باديس ، مصدر سبق ذكره .

مجلة البصائر ، السنة الرابعة ، العدد 175 في 21/7/1939 .

عمار طالبي ، ابن باديس  حياته وآثاره ، ج1، ص224 .

شارل روبير اجيرون ، تاريخ الجزائر المعاصرة ، ترجمة : عيسى عصفور ، منشورات عويدات ، بيروت – باريس ، 1982 ، ص 142 .

مجلة الشهاب ، ج2 ، في 6/3/1930 ، ص126-127.

عمار طالبي ، ابن باديس  حياته وآثاره ، ج1 ، ص115.

مجلة الشهاب ، ج 12 ، مج 10 ، تشرين الثاني / نوفمبر ، 1934 ، ص518.

القرآن الكريم ، سورة الرعد ، الآية 11.

د.فهمي جدعان ، أسس التقدم عند مفكري الاسلام في العالم العربي الحديث ،المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ،1979 ، ص454-455.

مجلة الشهاب ، ج 12 ، مج 10 ،مصدر سبق ذكره ، 4/128 ؛ د. مولود عويمر ، فكرة الحرية عند الشيخ عبدالحميد بن باديس ، مصدر سبق ذكره.

شارل روبير اجيرون ، تاريخ الجزائر المعاصرة، مصدر سبق ذكره ، ص 141 .

عمار طالبي ، ابن باديس  حياته وآثاره ، ج1 ، ص74.                                     

د.فهمي جدعان ، أسس التقدم عند مفكري الاسلام في العالم العربي الحديث ، ص346.

المصادر والمراجع

القران الكريم .

ابن منظور،  لسان العرب ، تنسيق وتعليق علي شيري ، دار احياء التراث العربي ، بيروت ، 1408هـ.

أندريه مرسية ، التسامح كأمر فلسفي ، ليليا شابي : التباينات والمعايشة ، في التسامح الثقافي ، المحرر ، مراد وهبة ، الناشر مكتبة الانجلو المصرية ، 1987.

الجوهري  ، تاج اللغة وصحاح العربية ، ط3 ، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار،  دار العلم للملايين ، بيروت ، 1404 هـ  .

الزمخشري :اساس البلاغة ،تحقيق: عبد الرحيم محمود ، دار المعرفة ، بيروت  .

الفراهيدي ،العين ، ط2، تحقيق الدكتور مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي ، مؤسسة دار الهجرة ، ايران ، 1409 هـ  .

تركي رابح ، الشيخ عبد الحميد بن باديس ، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ، الجزائر ، 1970.

حسين بن مشيش ، مفهوم العدل لدى رواد النهضة في الجزائر ، مجلة العلوم الإنسانية ، العدد التاسع ، مارس ،2006 ، جامعة محمد خيضر بسكرة ، الجزائر ، الرابط : http://www.webreview.dz/IMG/pdf/4____.pdf.

خيرالدين سيب ، الوطن والوطنية في فكر أبن باديس ، ينظر الرابط: http://www.binbadis.net/research-and-studies/benbadis/522-benbadis.html

رفاعة الطهطاوي ، الاعمال الكاملة ، ج2 ، تحقيق : د. محمد عمارة ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت ، 1973.

شارل روبير اجيرون ، تاريخ الجزائر المعاصرة ، ترجمة : عيسى عصفور ، منشورات عويدات ، بيروت – باريس ، 1982.

طاهر الجزائري الدمشقي ، توجيه النظر الى اصول الاثر ، تحقيق عبد الفاتح ابو غدة ، مكتبة المطبوعات الاسلامية – حلب ، 1995.

عبد القادر فضيل ، محمد الصالح رمضان : امام الجزائر عبد الحميد بن باديس ، شركة دار الامة للطباعة  والنشر والتوزيع ، الجزائر ، 2010.

على بن قاسم بن جعفر السعدي ، الافعال ، عالم الكتب – بيروت  ، 1983 .

عمار طالبي ، ابن باديس حياته وآثاره ، ج1 ، دار الغرب الاسلامي ، بيروت ، 1983.

_______ ، ابن باديس  حياته وآثاره ، ج3 ، منشورات وزارة الشؤن الدينية ، الجزائر .

_______ ، ابن باديس حياته وآثاره ، ج4 ، مكتبة الشركة الجزائرية للطباعة والنشر ، الجزائر 1968.

________ ، ابن باديس حياته وآثاره ، ج6 ، مطبوعات وزارة الشؤون الدينية ، دار البعث ، قسنطينة ، 1985 .

د.فهمي جدعان ، أسس التقدم عند مفكري الاسلام في العالم العربي الحديث ،المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ،1979.

د. فهمي سعيد ، حركة عبد الحميد بن باديس ودورها في يقظة الجزائر ، دار الرحاب للطباعة والنشر ، بيروت ، 1983.

ليليا شابي : التباينات والمعايشة ، في التسامح الثقافي ، المحرر ، مراد وهبة ، الناشر مكتبة الانجلو المصرية ، 1987.

مجلة البصائر ، السنة الرابعة ، العدد 175 في 21/7/1939.

مجله الشهاب ، ج 12 ، مج 10 ، تشرين الثاني / نوفمبر ، 1934 .

محمد البشير الابراهيمي ،عيون البصائر ، ج2 ، ط2 ، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ، الجزائر 1971.

محمد الميلي ، أبن باديس وعروبة الجزائر ، دار العودة ، 1973.

محمد عبده ، الاعمال الكاملة ، ج1 ، دراسة وتحقيق: د.محمد عمارة ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، 1972.

محمود قاسم ، الامام عبد الحميد بن باديس ، دار المعارف ، القاهرة ، 1968.

د. مولود عويمر ، فكرة الحرية عند الشيخ عبدالحميد بن باديس ، ينظر الرابط : http://assala-dz.net/ar/?p=2999.

يحي بوعزيز ، سياسة التسلط الاستعماري والحركة الوطنية الجزائرية 1830- 1954، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ،2007.

Olivier Christin, aux origines de la tolerance moderne, magazine litteraire, france, n363 , mars 1998 .

آخر التغريدات: