الإبراهيمي...لكل مقام مقال

الإبراهيمي…لكل مقام مقال

بقلم: حميد قلاز –

خطوطة نادر جدا لوثيقة هامة تفيد تواصل أهل العلم بين بعضهم البعض وهي عبارة عن رسالة من الشيخ العلامة عبد الـحميد بن باديس رئيس جمعية العلـماء الـمسلـمين الـجزائريين مكتوبة بخطه وجهها الى الشيخ العلاّمة لكل مقام مقال ..بهذه الكلمات الثلاث عبر العرب عن قضية لطالما مثلت إشكالا لكل كاتب أو خطيب، يبحث عن الإجادة والتوازن في الطرح بين الخطاب والواقع فهنالك من يسعى أن يوصل فكرته للسامع والقارئ حتى وإن كلفه ذلك النزول بمستوى الخطاب، وهنالك من يتشبث بعنفوان اللغة ورقيها حتى وإن لم ولن يفهمه أحد، وبين هذا وذاك  يتجلى لنا أمير البيان البشير الإبراهيمي كمثال عن رجل أدب ولغة عاش في وقت كانت بلاده تحت وطأة الإستدمار الذي كاد يقضي على الهوية واللغة كعنصر هام من عناصر الهوية.

إن القارئ لما كانت تجود به قريحة العلامة الإبراهيمي ليكاد يصاب بدهشة التلقي مما يجده من لغة سامية راقية وحسن تركيب عجيب بديع، جعلته يتبوأ الصدارة  بشهادة القريب والبعيد، ولكن السؤال الذي يبرز ويلقي بنفسه بشدة هو لمن كان يكتب الإبراهيمي؟؟

وبلاده وشعبه في غياهب الجهل والأمية، لأي قارئ كان يكتب ويسود صفحات المجلات والجرائد؟

قد يقول قائل أنه كان يستهدف فئة معينة؛ نخبة صاعدة….لعله ذاك…. ولكن، إن أي كاتب في بدايات طريقه يدرك ويعي أن الكتابة فعل حياة، فكما أن الإنسان لا يولد إلا بعد مخاض عسير، كذلك النص والخطاب لا يولد ولا يوجد إلا بعد مخاض عسير.

مخاض الجمع بين الحرف والمعنى والشكل والمضمون، ولا شك أن الإبراهيمي كان عالما بواقعه وواقع شعبه وهو العبقري صاحب النظرة الثاقبة والفكر المستنير، ولكن أمثال الإبراهيمي ممن منحهم الله تعالى الملكة اللغوية الإبداعية لا يمكن أن يكتبوا إلا إبداعا يتخطى حدود الزمن والتاريخ، فلا يمكن لقلمه أن ينزل المنازل ليرضي واقعه أو أن يركن ما وهبه الله تعالى جانبا بحجة الواقعية .

لقد امتاز الإبراهيمي بأسلوب فريد بديع اكتسبه بفضل ذاكرته القوية واستيعابه للتراث اللغوي القديم منه والحديث، مما جعله ثابتا في كتابته وأسلوبه، فسواء تناول موضوعا سياسيا أو اجتماعيا، فالقارئ لنصوصه سيعرف مباشرة أنه للإبراهيمي.

يقول الدكتور عبد المالك مرتاض: لم يكن محمد البشير الإبراهيميّ يكتب ما يكتب بمعزل عن تمثُّل أسُسٍ وضعَها لتُفرِّدَ طريقته في الكتابة الأدبيّة، وتُميّزَ أسلوبَه في نسْج اللّغة؛ فكان يمضي عليها في زَخْرفَة القول، وتَحْلِيَةِ الكَلام، فلم يكن يكاد يتجَانَفُ عنها فتيلاً. ولعلّ ذلك أن يبدُوَ من خلال أسلوبه في الكتابة الذي لم يكن يتغيّر أو يتبدّل مهما تكن الموضوعاتُ المعالَجة، والقضايا المتناوَلة؛ فسواءٌ عليه أكان يكتب عن قضايا اجتماعيّةٍ، أم سياسيّة، أم أدبيّة، فإنّ مستوى اللّغة ظلّ لديه هو هو، كما أنّ طريقة النسج باللّغة الرّفيعة ظلّتْ هي هي؛ حتّى إنّ الخبير بالأسلوبيّات يدرك بسهولة إذا قرأ نصّا غير معْزُوٍّ إليه، أنّه لمحمد البشير الإبراهيمي، لا لِسَوائه من الكتّاب.

وأكبر أَمَارةٍ على عظمة المنزلة الأدبيّة لكاتب من الكتّاب، أنّه حين يغتدي معروفاً بأسلوبه بين الناس فتراهم يقولون: هذا أسلوب فلان، أو شبيه بأسلوبه، إذا حاكاه مُحَاكٍ في الكتابة، كشأن أبي عثمان الجاحظ، وبديع الزمان الهمذاني، وابن الخطيب الأندلسيّ، وسَوائِهم من عماليق البيان العربيّ الآسِر.

لم يكن الإبراهيمي ليرضى أن تهان اللغة العربية لأي سبب كان، فسعى لأن يرفع من مستوى قرائه وطلبته، مما جعله يضع شروطا صارمة لمن أراد الكتابة والنشر في البصائر، يقول البشير الإبراهيمي: (للبصائرِ طرَفان: أعلى، وهو معْرِض العربيّة الرّاقيةِ في الألفاظ والمعاني والأساليب، وهو السُّوقُ الذي تُجلبُ إليه كرائمُ اللّغة من مأْنوسٍ صيّره الاستعمال فصيحاً، وغريبٍ يصيِّره الاستعمال مأنوساً؛ وهو مَجْلَى الفصاحة والبلاغة في نمطهما العالي.

وهو أيضاً النموذج الذي لو احتذاه الناشئون من أبنائنا الكتّابِ لفَحُلَتْ أساليبُهم، واستحكمتْ ملَكاتُهم، مع إتقان القواعد ووفْرة المحفوظ، ولهذا الطّرَف رجالُه المعدودون، وهو نمَط إعجابِ أدباء المشرق بهذه الجريدة).

أدرك البشير الإبراهيمي أنه لا مناص من الدفاع عن اللغة كعنصر مهم من عناصر الهوية ،ولا نهضة أو تحرر إلا بها، فسعى دوما أن يعلي من شأنها ويحافظ على أصالتها ورقيها بربطها ربطا وثيقا بمصادرها وتراثها وتاريخها، فلم يسعى لأن ينزلها لتلامس الواقع –كما يريد أن يفعل الكثير منا الآن- لأنه أدرك ان تلك هي البداية نحو اضمحلالها تدريجيا، وإنما سعى لأن يصعد بالواقع نحو علو اللغة لتلامس أفاقها وتعود تلك اللحمة بين الناس ولغتهم، ويتخلصوا من عقدة النقص التي تملكتهم أمام هيمنة الإستدمار الفرنسي .

آخر التغريدات: