في ذكرى خير جمعية أُخرِجت للنّاس

في ذكرى خير جمعية أُخرِجت للنّاس

بقلم: د. عبد الرزاق قسوم –

يا أمّاه! ويا أمّ الجمعيات، يا خيمة المؤمنين، وملاذ التائهين، وبوصلة الحائرين!.

يا رمز الشّعاع والنّبراس، ومبدّدة التضليل والشّعوذة والوسواس، ويا خير جمعية إصلاحية، أُخرِجت للنّاس!.

خمس وثمانون سنة تمرّ اليوم على ميلادك، وتسجّل بمداد الفخر والإباءِ ملاحِم جهادِك، فما وَهَنتِ، وما ضَعُفتِ، وما استكنتِ، بل زادتك الأيّام صمودًا، وأكسبتك المحن صعودًا، وتوّجتك التحدّيات جهودًا وعهودًا.

لئن تكن الثمانون سنة، عند الإنسان، رمزًا للشيخوخة والترّهل، فإنّها في مثلك عنوانًا للفتوّة والتأهّل، فأنت اليوم –رغم الدّاء والأعداء- ضوء التسامح والإخاء، وتجسيد العزّة، والوطنية والإباء.

فلا تزالين، يا حفيدة المصلحين والعلماء، شمسًا ساطعة مضيئة، ذات المواقف الحكيمة، الجريئة. آمن بك الخيّرون، وما أكثرهم، وناصبك العِداء الشّريرون، وما أشأمهم على أنفسهم وعلى وطنهم.

يحقّ للمؤرخين المنصفين النزهاء، أن يفتحوا سجّلات تاريخك الناصعة، فلن يجدوا فيها إلا لآلئ ساطعة، وثمار غرس يانعة، وثوابت على الحق الوطني مقنعة ومانعة.

تحلّ ذكراكِ، وجزائر العلماء والشّهداء، ورمز الكرامة والإباء، يتربّص بها الألدّاء من الدّخلاء والغرباء، فهي مهدّدة في وحدتها وحدودها، وفي هوّيتها ووجودها، وفي اتفاقياتها وعهودها.

وتحلّ ذكراكِ، وأمّتك العربية الإسلامية تعاني كلّ محنة وكلّ مكيدة، فهي في أزمة خانقة شديدة، جماهيرها ممزّقة بين قتيلة وشريدة وطريدة.

فهل غاب الأحرار، والحرائر من الجزائر؟ وهل تحوّلت ديار العروبة إلى طوبة مخروبة، كما يقول حمدان لونيسي –رحمه الله-؟.

وأين النّشامى من العراق والشّام؟ وأين المؤمنون الكرام من كلّ بلاد الإسلام؟ لقد حلّ الخراب والبوم، واستبّد اليأس بالقوم، وساد الظلم والاستبداد من بنغلاديش إلى السّلوم.

إنّ هذا الظلام الدّامس، الذي يلبّد سماءنا جزائرا، وعروبة، وإسلامًا، ليس له من علاج يبدّده إلاّ علاج الإصلاح. وإن اشتّد الدّاء، فماله من شفاء، إلاّ أوكسجين جمعية العلماء، فهي نعم الوقاء لدفع البلاء، وتحصين الذات من غزو الأعداء الألّداء.

لقد أبلت جمعية العلماء، عبر تاريخها في النّضال الوطني، فقدّمت النّفس والنّفيس ضدّ وباء الاستعمار التعيس. وغير بعيد منّا مأساة الثامن من مايو، التي زجّ فيها بعلمائنا وخيرة أبنائنا في دهاليز السّجون والمعتقلات، وقسوة الاستنطاق والتعذيب في الزنزانات والمحتشدات، وانتصرت بالرّغم  من ذلك عزائم الجماهير والإرادات، وباءت بالفشل سياسة الإرهاب الاستعماري، وما صحبها من تنكيل واستفزازات.

وتعود إلينا ذكرى الخامس عشر من مايو، ذكرى الشعب الفلسطيني المغدور، مع شؤم وعد بلفور، حيث أعطى الذي لا يملك، لمن لا يستحّق.

لقد كانت الوثبة بعد النكبة، وأبلى شعبنا الجزائري –ولا يزال- في سبيل القضية الفلسطينية، وكانت جمعية العلماء أمّ الجمعيات، رائدة في ما قدّمت من تضحيات في سبيل القضية الفلسطينية.

إنّ من الوفاء للعلماء، أن نذكر أنّ جمعية العلماء قد قدّمت اليوم المزيد من الدّعم للقضية الفلسطينية، أسوة بالسّلف، فقوافل غزّة والقدس شاهدة على ما قدمته جمعية العلماء من زاد وعتاد لمواجهة كيد الأعادي.

نذكر كلّ هذا لشحذ العزائم والهمم، وتعبئة المزيد من النوايا والذّمم.

إنّ الجزائر –على الخصوص- هي اليوم أحوج ما تكون لمنهج جمعية العلماء خصوصًا في ظلّ الهمجية الشرسة على حصوننا. فمدرستنا تعاني التغريب والتخريب والتسريب، لمناهج هدم الهويّة والشخصية، وفرنسة الصبيّ والصبيّة، وتقليص مادّة التاريخ والتربية، وهيمنة الفرنسية على اللغة العربية. فهل هناك رزية أعظم من هذه الرزية؟.

وأسرتنا المسلمة الآمنة المطمئنة أصبح يأتيها البلاء من كلّ مكان، فحصنها مهدّد بانقشاع سقف البيت، وصبّ النار على الزيت.

فالجمعيات النّسوية الشاذّة تطالبنا بكشف عوراتنا والقضاء على خصوصياتنا، فمن إسقاط الوليّ، إلى التمكين للزواج المثلي، ومن هدم البنى إلى تقنين رذيلة الزنى.

نعتقد –إذن- أنّ البلسم الشافي والدواء الكافي، يكمن في علاج منهج جمعية العلماء الوافي، ولقد أحسن شعبنا صنعًا عندما وجدناه يهروِل نحو جبهة جمعية العلماء طالبًا النّجاة، من أجل الحيّاة.

إنّ ما نشهده من حراك على مختلف الولايات والبلديات، لمؤشر خير بتغلغل الوعي لدى شعبنا.

فقد أصبحنا نعجز أحيانا عن الاستجابة للدعوات المقدّمة لجمعية العلماء من أجل القيام بندوات وملتقيات، وكلّ ذلك في غياب الدّعم الرّسمي لشُعَب الجمعية، فأين التهميش الذي يدعيه البعض، والزّعم بأنّ جمعية العلماء غائبة عن السّاحة؟

الآن حصحص الحقّ، وبان الصبح لكلّ ذي عينين. وأمّا الأعشى فندعو له بالشّفاء حتى يستعيد بصره وبصيرته.

{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} [الرعد:17].

هنيئًا لشعبنا –اليوم- بذكرى ميلاد جمعية العلماء، وهنيئًا لأمّ الجمعيات بصمودها، والوفاء لعهودها، وحماية مبادئها وبنودها.

ونطمئن الجميع بأنّ خير جمعية إصلاحية أخرِجت للنّاس لا تزال في قمّة عطائها، بل إنّها لتزداد بشهادة العالم العلاّمة الشيخ محمد الطاهر آيت علجت، بأنّها اليوم في أوّج تألقها وإشعاعها، وذلك بتوفيق من الله وتدعيم من شعبنا العظيم الذّكي، الوفيّ لمن صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

آخر التغريدات: