مؤسس جمعية العلماء المسلمين ،عبد الحميد بن باديس الإمام الذي يرى بنور الله

مؤسس جمعية العلماء المسلمين ،عبد الحميد بن باديس الإمام الذي يرى بنور الله

بقلم: عبد الحميد عبدوس –

مرت في الخامس ماي الجاري الذكرى الخامسة والثمانين لتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (5ماي 1931ـ 5 ماي 2016) ولا يمكن لنا أن نستذكر هذه الحادث المجيد في التاريخ الجزائري المعاصر دون تذكر مهندسه ورمزه المشرق ألا  وهو الإمام عبد الحميد بن باديس (1307-1358 هجرية) الموافق لـ (1889-1940) الرجل الذي أحيي أمة، وكان رائد نهضتها  وباعث ثقافتها التحررية، بتأسيسه لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

ومن مفارقات التاريخ  العجيبة أن ميلاد الإمام عبد الحميد بن باديس تزامن مع صدور قانون التجنيس الآلي للأجانب  1889 الذي يعطي الحق في الجنسية الفرنسية لكل الصعاليك والمرتزقة والمغامرين الأوربيين من مالطيين وإسبان وإيطاليين وكورسيكيين… الذين  أصبحوا من ملاك الأراضي بعدما انتزعت من أصحابها الشرعيين أي السكان الجزائريين  الأصليين، بعدما كان قانون كريميو قد أعطى حق الجنسية لليهود الموجودين في الجزائر، بينما ظل الجزائريون خاضعين لقانون الانديجينا (قانون الأهالي) الذي سنته سلطات الاحتلال الفرنسي ضد الجزائريين المحتلين في1871  ، أي بعد 37 سنة من إلحاق الجزائر بفرنسا  في 22 جويلية 1834 واعتبارها مقاطعة فرنسية، ويعرف  شيخ المؤرخين الجزائريين الدكتور أبو القاسم سعد الله ـرحمه الله ـ قانون الانديجينا بأنّه “مجموعة نصوص وإجراءات استثنائية سنّها ووظّفها المسؤولون الفرنسيون ضد الجزائريين الذين يشكون في ولائهم ولا يرتاحون لتصرفاتهم”.

ويعتبر قانون الإنديجينا من أبشع الجرائم القانونية والاعتداءات الاستعمارية على حقوق الإنسان والشعوب، وإذا كان المحتلون الفرنسيون قد أوهموا أنفسهم من جهة، وحاولوا إقناع العالم من جهة أخرى بأن الجزائر قد ذابت في الكيان الفرنسي وأن شخصيتها الأمازيغية العربية الإسلامية قد مسخت تحت سياط القهر وجبروت الاحتلال، حتى أن أحد الخطباء الفرنسيين ـ حسب ما أورده العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ـ قال في الاحتفال الذي أقامته فرنسا بمناسبة اكتمال قرن من الزمان لاحتلالها للجزائر:  “إننا أيها السادة لم نقم هذا الحفل في الواقع لأجل مرور قرن كامل لاحتلالنا للجزائر فحسب، لأن مائة سنة لا قيمة لها في عمر الأمم، فقد بقي الرومان في هذه البلاد عدّة قرون ثم ذهبوا، وبقي العرب في إسبانيا سبعة قرون ثم ذهبوا أيضًا، ولكننا أقمنا هذا الاحتفال لتشييع جنازة الإسلام في الجزائر”، ولكن الإمام عبد الحميد بن باديس والرجال العظماء الذين كونهم ورافقهم في الكفاح البطولي لاستعادة شخصية الجزائر لم يستسلموا ولم ييأسوا من  نصر الله، ومن قدرة شعبهم على تحرير الجزائر واستعادة شخصيتها المستقلة، ففي شهر أفريل 1936 م كتب الإمام عبد الحميد بن باديس في مجلة الشهاب ردا علي المقال الذي كتبه بالفرنسية الرئيس الراحل فرحات عباس تحت عنوان (فرنسا هي أنا) والذي أنكر فيه وجود الشخصية الجزائرية في التاريخ الجزائري كتب بن باديس: “نحن العلماء نتكلم باسم أغلبية الشعب. نقول للذين يزعمون أنهم فرنسيون، لا تمثلوننا، إننا نحن فتشنا في التاريخ، وفتشنا في الحالة الحاضرة، فوجدنا الأمة الجزائرية المسلمة متكونة موجودة كما تكونت ووجدت كل أمم الدنيا، ولهذه الأمة تاريخها الحافل بجلائل الأعمال، ولها وحدتها الدينية، واللغوية، ولها ثقافتها الخاصة، وعوائدها وأخلاقها بما فيها من حسن وقبيح، شأن كلّ أمة في الدنيا. ثم إن هذه الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا ولا تستطيع أن تصير فرنسا، ولو أرادت، بل هي بعيدة عن فرنسا كل البعد، في لغتها وأخلاقها، وفي عنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج، ولها وطن محدود معين، هو الوطن الجزائري،  بحدوده  المعروفة”. 

وإذا كانت فرنسا قد بقيت حتى بعد وفاة الإمام عبد الحميد بن باديس سنة  1940 بل حتى بعد اندلاع شرارة الثورة التحريرية المباركة في نوفمبر1954  متمسكة بوهم “الجزائر فرنسية” إلى الحد الذي جعل وزير الداخلية الفرنسي ـآنذاك ـ فرانسوا متيران  يصرّح أمام لجنة الشؤون الداخلية في البرلمان الفرنسي في نوفمبر 1954 بعد أيام قلائل من اندلاع الثورة، قائلا: “إنّه إذا كنا نقبل الحوار مع الوطنيين في البلدين المحميين(تونس والمغرب) اللذين هما دولتين بالمعنى القانوني للكلمة، فإنّ ذلك غير ممكن مع الجزائر التي هي مقاطعة فرنسية، وجزء لا يتجزأ من فرنسا”.

وفي سنة 1955 قال أيضا هيرفي آلفان ممثل فرنسا في الأمم المتحدة: “إن الجزائر مقاطعة فرنسية منذ 1830، شأن لابروتان منذ 1491، والالزاس منذ 1648،  وكورسيكا منذ، 1769 ولاسافوا منذ  1860”.

إلا أن الله سبحانه وتعالى لم يبطل تضحيات الشعب الجزائري، ولم يخيب رجاء العالم الرباني عبد الحميد بن باديس الذي كان يرى بحدسه الإيماني معالم المستقبل الصادق خلف ظلمات الطغيان والبغي الاستعماري، ففي 30سبتمبر1955 كتب  روبير بارا  الباحث والمؤرخ والصحفي الفرنسي في جريدة (تيموانياج كريتيان) يقول: “إنها حقيقة واضحة بأن الجزائر لم تكن أبدا فرنسية ولا تستطيع أن تكون فرنسا..”… وهي تقريبا العبارة نفسها التي كتبها  الإمام عبد الحميد بن باديس في شهر أفريل 1936 م بمجلة الشهاب.

والأمر كذلك في سنة 1937 م  فقد كتب الشيخ ابن باديس مقالا في مجلة الشهاب تحت عنوان (حول كلمتنا الصريحة) قال فيها: “إن الاستقلال حق طبيعي لكل امة –من أمم الدنيا – وقد استقلت أمم كانت دوننا في القوة و العلم والمنعة والحضارة ولسنا من الذين يدعون علم الغيب مع الله ويقولون أن حالة الجزائر الحاضرة ستدوم إلى الأبد… وتتغير فيه السياسة الاستعمارية وتصبح البلاد الجزائرية مستقلة استقلالا واسعا تعتمد عليها فرنسا اعتماد الحر على الحر” .

ويشاء الله تبارك وتعالى أن يتوج كفاح الشعب الجزائري السائر على نهج  ابن باديس ورفاقه الميامين بالنصر والتمكين ، ففي الفاتح جويليه 1962  نظم استفتاء تقرير المصير لتحقيق استقلال الجزائر و تضمن سؤال الاستفتاء تقريبا نفس العبارة التي ختم بها الشيخ ابن باديس ـرحمه الله ـ  “كلمته الصريحة” حيث  نص الاستفتاء على: “هل تريد أن تصبح الجزائر دولة مستقلة متعاونة مع فرنسا حسب الشروط المقررة في تصريحات 19 مارس  1962؟”.

رحم الله الإمام عبد الحميد بن باديس الذي عاش لدينه ولامته فطيب الله ذكره، وجعله فخرا لأمته بأجيالها المتعاقبة.

آخر التغريدات: