الإمام عبد الحميد بن باديس النبع الـذي لاينضــب

الإمام عبد الحميد بن باديس النبع الـذي لاينضــب

بقلم: ع. عولميــت –

يستوقفنا تاريخ 16 أفريل من كل سنة للحديث عن يوم لا تعتبره الجزائر كسائر الأيام، تاريخ ذكرى رجل حارب البدع والخرافات ولقن أفراد الشعب مبادئ الدين الإسلامي الحنيف بعيدا عن التطرف والتعصب، إنّه العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس رجل من رجال الجزائر الأفذاذ الذين كرّسوا حياتهم لهذه المهام النبيلة، فهو الذي نفخ في الجزائر بعد طول سبات روح العزة والكرامة العربية الإسلامية، وعمل على بعث الأمل في النفوس لتنبعث من جديد وتكتسح في طريقها الاستعمار ودعاة الاندماج والتجنيس وتتجه نحو الاستقلال التام في ظل حضارتها العربية الإسلامية .

كما عمل على الحفاظ على الشخصية الوطنية المهددة بالذوبان في الكيان الفرنسي وذلك من خلال حركة التربية والتعليم النشيطة التي قام بها خلال الفترة من سنة 1913 إلى غاية 1940 حيث كان يعمل جاهدا في سبيل إعداد أمته لافتكاك حريتها المسلوبة وسيادتها المغتصبة .

لم يقتصر بن باديس على تحصيله القرآن وتفسيره ، وإنما عمل بقوله تعالى : (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) فوسع معارفه وكان رجل دين ودنيا فدخل المعركة بهذا السلاح، فعلم اللغة والدين والعلوم متحديا بذلك كل المحاولات الاستعمارية ، كما عمل خارج المسجد أيضا واتصل حتى برجل الشارع لنشر الوعي الديني والاجتماعي والوطني ، وفي ظروف المحن أسس الجمعيات الرياضية وأعطى المفهوم الكامل لحرية المرأة وأقام المدارس ببرامج تعليمية مبنية على أسس علمية ومناهج معاصرة .

لا يمكن معرفة بن باديس وعظمة العمل الذي قام به من أجل الجزائر إلا إذا عدنا للوراء نستقرئ أحداث التاريخ لاستجلاء مخطط الاستعمار الذي يستهدف تحطيم الشخصية الجزائرية عروبة الجزائر وإسلامها وما قام به ابن باديس من عمل لإفساد هذا المخطط والقضاء عليه فالاستعمار الفرنسي لم يكن هدفه من احتلال الجزائر في سنة 1830 هو الاستحواذ على ما تزخر به من خيرات أو ما تتمتع به من موقع استراتيجي هام في حوض البحر الأبيض المتوسط ، ولكن كان له إلى جانب ذلك هدف آخر هو اقتلاع مقومات الشخصية الوطنية من نفوس الجزائريين وعلى رأسها العروبة والإسلام ، لأن الاستعمار أدرك من الوهلة الأولى بأنه طالما أن هناك عنصري ” العروبة والإسلام” قائمان في الجزائر ، فإن احتلاله لها لن يكون له أي معنى في مقبل الأيام ، ولذلك خطط سياسته على تحطيم الشخصية الإسلامية العربية للشعب الجزائري مهما كلفه الأمر حتى يجعل من الجزائر في النهاية وطنا تابعا لفرنسا يأتمر بأوامرها وينتهي بنواهيها .

حيث تجلت سياسة الاستعمار الفرنسي لتحطيم الشخصية الوطنية الجزائرية في القضاء على الدين الإسلامي ، والقضاء على اللغة والثقافة العربية الإسلامية في الجزائر وتشويه تاريخ الجزائر والعمل على تفكيك الوحدة الوطنية للشعب الجزائري عن طريق خلق الشقاق و إثارة الفتن بين سكان الوطن الواحد ، وتحويل المساجد الى كنائس وغلق معظم معاهد العلوم والثقافة التي كانت قائمة قبل الاحتلال فشتت العلماء والطلبة ، وركزت على ان تصبح المدارس والنظم التعليمية الفرنسية في الجزائر وسيلة أساسية لتحقيق أهداف الاستعمار في الجزائر .

لقد كان العصر الذي عاش فيه بن باديس فيما بين الحربين العالميتين هو عصر اليقضة العامة في الجزائر ” تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1932 ” وكانت الآراء والاتجاهات متباينة فمن الناس من رأى السلامة في طلب مساواة الجزائريين بالفرنسيين في الحقوق والواجبات ومنهم من ارتمى في أحضان الاستعمار وباع له نفسه ، ومنهم من كان ينادي بالتجنيس الشامل للجزائريين وفي مقابل هذه الجماعات كانت هناك مجموعة ثورية تنادي بالاستقلال التام وتكوين جمهورية جزائرية حرة وذات سيادة ، هذا هو المحيط الذي نشط فيه بن باديس وقد كان يرى إن البلاء المنصب على الشعب الجزائري قد جاءه من استعماريين مشتركين يمتصان دمه ويفسدان عليه دينه ودنياه ، فالأول هو استعمار مادي يتمثل في الاستعمار الفرنسي الذي يعتمد على الحديد والنار والثاني استعمار روحاني يمثله مشائخ الطرقية المؤثرون في الشعب المتغلغلون في أوساطه المتاجرون بإسم الدين المتعاونون مع الاستعمار عن رضى وطواعية ، ومن هنا أخذت جمعية العلماء المسلمين على عاتقها القيام بتنظيم حملة جارفة على البدع والخرافات بواسطة الخطب والمحاضرات بالإضافة إلى تجنيد المئات من التلاميذ المتخرجين  ودعوة الشبان المتخرجين من جامع الزيتونة للمساهمة في التعليم ومطالبة الحكومة الفرنسية بتسليم أوقاف الإسلام التي احتجزتها بالإضافة المطالبة باستعمال القضاء الإسلامي في الأحوال الشخصية مبدئيا.

وهكذا اختار بن باديس الطريق وقرر أن يبدأ أولا بمحاربة أعوان الاستعمار وهم الطرقية، حتى إذا ما قضى عليهم وعلى تدجلهم وجه كل أسلحته للاستعمار والأمة كلها ملتفة حوله وسائرة على نهجه لبعث الشخصية الوطنية الجزائرية بمقوماتها الأساسية إلى النور من جديد بعدما حاول الاستعمار جاهدا القضاء عليها ، وفي نفس الوقت كانت له مع دعاة الاندماج والتجنيس معركة فاصلة حيث كشفهم أمام الشعب وبالتالي حكم على دعوتهم بالموت النهائي .

كما يعتبر الإمام أحد بناة الصحافة العربية الحديثة في الجزائر ومن الذين سخروا أقلامهم لخدمة تقاليدهم ومبادئهم الدينية والقومية والوطنية رغم الاضطهاد العنيف الذي كانت تتعرض له الصحافة العربية الحرة من طرف الإدارة الاستعمارية في الجزائر وأول جريدة أسسها هي المنتقذ سنة 1925 لسان الشباب الناهض في القطر الجزائري كما يصفها ، وقد كانت كما توحي بذلك تسميتها منذ البداية حارة اللهجة لاذعة الانتقاد لتصرفات الإدارة الاستعمارية وأذنابها ومن الخونة والجهلة والمشعوذين ضد الشعب الجزائري ولذلك لم تعمر طويلا، حيث أوقفتها الإدارة الاستعمارية بعد صدور ثمانية عشر عددا منها فقط .ولكن هيهات أن يستسلم الإمام للاحتلال إذ لم يلبث أن أصدر جريدة أخرى تحل محلها هي جريدة الشهاب في نفس السنة وقد كتب الإمام في رأس صفحة العدد الأول منها ما يلي : ( تستطيع الظروف أن تكفينا ولا تستطيع بلإذن الله إتلافنا ) واستمرت في الصدور حتى شهر سبتمبر 1939 حيث أوقفها الإمام من تلقاء نفسه بعد نشوب الحرب العالمية الثانية حتى لا ترغمه فرنسا على كتابة ما يتنافى مع مبادئه التي سخر لها حياته بسبب الحرب وحاجة فرنسا إلى وقوف الجزائريين بجانبها، كما كانت له إضافة إلى ذلك مشاركة فعالة في تحرير مقالات هامة في جرائد

جمعية العلماء وهي السنة النبوية، الصراط السوي ، الشريعة المحمدية و البصائر وفي مجال التربية يرى الإمام أن التربية والتعليم هما السبيل الأقوم للنهوض بالمجتمعات الإسلامية، والتي من أهدافها حسبه نشر المحبة والأخوة والتفاهم والسلام بين أبناء الإنسانية كلهم على اختلاف أجناسهم ونبذ كل أفكار التعصب والكراهية ، ومن آرائه في المنهجية التربوية مراعاة خصائص التلميذ وإمكاناته ، وأن التربية الأخلاقية لاتحصل بتخصيص حصص في الجدول الدراسي لها فحسب إنما تتأتي بالمتابعة الميدانية خارج أوقات الدراسة بالنصح والتذكير والتعهد المستمر ، أما في مجال الإصلاح الديني والاجتماعي فإن بن باديس يرى أن فساد العقائد وانتشار بدع التصوف هما السببان لضعف المجتمع وفساده وانهياره من كل النواحي ، لذا شن حملات قوية ضد هذا التيار المدعوم من قبل الاحتلال .

هذا هو بن باديس انه حارس امة وحارس مقومات هذه الأمة من دين ولغة وقومية و اي شرف يناله انس بعد هذا الشرف و أي موقف يقفه إنسان بعد هذا الموقف الذي تتزعزع له الجبال فالأمة كانت بحاجة ماسة إلى حارس بهذا الحجم وبهذا التصور وبهذا الكبرياء وعزة النفس ، فقد حملها في قلبه ورعاها بدمه حتى شبت وترعرعت وأصبحت قادرة على التصدي ورد الصاع صاعين .

إن تاريخ المأساة التي عاشها بكل روحه وجوارحه هي مأساة الشعب الجزائري كله في ظل الاحتلال الفرنسي لأن محنة الجزائر من أشد المحن فالحرب لم تنقطع فيها منذ 1830 وهي لم تكن حربا في الأجسام فقط بل كانت حربا في العقيدة قام بها “الكاردينال لافيجري” والآباء البيض وحربا على الثقافة الإسلامية العربية وحربا في انتزاع الأراضي من أصحابها الشرعيين وحربا ضد المعالم الإسلامية وضد تاريخ الجزائر فقد ادعت السلطات الفرنسية أنه لا يوجد تاريخ جزائري ولا حضارة جزائرية فضلا عن شعب أو أمة جزائرية.

هكذا عاش ومات رائد نهضتنا مجاهدا من أجل الجزائر والعروبة والإسلام ، وكل كلمة قيلت في مدح شخصه والثناء عليه فهي مصروفة إلى أعماله الجليلة كما قال الشيخ البشير الإبراهيمي ” والى المبدأ الذي وقفا حياته عليه والى النهضة التي كان بحق بانيها ومشيد أركانها إلى الأمة التي انفق عمره وقواه في سبيل نفعها واحيائها ” وان كنا اليوم ، فلنأخذ العبر من هذا الرجل المتضلع في العلم، المتمرس في سلاح القلم ، نستفيد منه ونفيد لأن سلاح القلم لا يقل أهمية وفاعلية عن سلاح النار إذا أجاد صاحبه وعرف كيف يوظف الكلمات المناسبة في الوقت المناسب ليصيغها جملا تتحول رصاصا خارقا فساحة المعركة بطولها وعرضها تحتاج إلى مختلف أنواع الأسلحة وكل ظروف المعركة يفرض سلاحا معينا.

إن شبابنا اليوم مدعو للتحصيل العلمي لأن يستخلص العبر من أعلامه الأوائل ليبرز منه أيضا نابغة أو علامة ويترك هو الآخر مآثره ومعالمه للأجيال المتوالية ، فرحم الله إمامنا الشيخ عبد الحميد بن باديس

بطاقـة تعريـــف

ولد الإمام عبد الحميد بن باديس بن مصطفى بن مكي بن باديس في ليلة الجمعة الرابع ديسمبر عام 1889 م في مدينة قسنطينة وكان الولد البكر لوالديه ، كان أبوه مصطفى من حملة القرآن الكريم ومن أعيان مدينة قسنطينة ، أما أمه فهي السيدة زهيرة بنت علي بن جلول من أسرة عبد الجليل المشهورة في قسنطينة  بالعلم والجاه والثراء. بدأ بن باديس تعليمه على الطريقة التقليدية فحفظ القرآن الكريم وسنه لم يتجاوز ثلاثة عشر سنة  كما أنه لم يلتحق بالمدارس الفرنسية كغيره من أبناء العائلات الكبيرة في ذلك الوقت لأن والده فضل أن يربيه تربية إسلامية خالصة . بعد أن حفظ القرآن سنة 1904 م على يد العالم الجليل حمدان لونيسي ، في سنة 1908 م سافر إلى تونس للدراسة بجامع الزيتونة لمدة أربع سنوات نال في نهايتها شهادة “العالمية وكان عمره آنذاك ثلاثة وعشرون سنة .وقد مكث عاما خامسا في تونس قضاه مدرسا في جامع الزيتونة على عادة الطلبة المتخرجين في ذلك الوقت، عاد بعدها إلى قسنطينة ليشرع مباشرة في إلقاء الدروس العامة بالجامع الكبير ، رحل إلى بيت الله الحرام سنة 1913 م ومكث بالمدينة المنورة ثلاثة أشهر ألقى فيها دروس عديدة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ثم عاد إلى أرض الوطن ، وأثناء عودته من الحجاز طاف بعدة أقطار عربية فزار سوريا ولبنان ومصر واجتمع برجال الفكر والعلم والأدب فيها . وقد عمل طيلة حياته على بعث النهضة العربية الإسلامية في الجزائر ، وظل مشعلا ينير طريق الأجيال إلى أن وافته المنية في 16 أفريل 1940 في مسقط رأسه بمدينة قسنطينة .

آخر التغريدات: