منهج للإمام عبد الحميد بن باديس في العمل الإصلاحي 1913-1940

منهج للإمام عبد الحميد بن باديس في العمل الإصلاحي 1913-1940

بقلم: التهامي مجوري –

عندما انطلق الأستاذ الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله في مشروعه الإصلاحي، حدد ابتداء المبادئ والوسائل والغايات، ولم يترك مجالا لأقل القليل من تفاصيل المشروع التي تحت سلطته، إلا ووضع له تصورا وكيفية لإنجازة، ولذلك لم يتعثر ولم يبدل ولم يغير، منذ سنة 1913 حين شرع في تدريس الأطفال بالجامع الأخضر، وإلى أن توفاه الله سنة 1940 وجمعية العلماء قد عمت بحراكها العلمي التربوي الاجتماعي والسياسي جميع جهات الوطن الجزائري المستعمر يومها .

انطلق الأستاذ الإمام في نشاطه بالجامع الأخضر، مستصحبا معه مبادئه الأساسية في مشروعه وهي انه في بلاد مستعمرة، منذ أكثر من ثمانين سنة، استعمارا استيطانيا، يريد محو اسم الجزائر من خريطة العالم، ومحو الجزائري من الوجود، بالقضاء على مقوماته الحضارية: الدينية والقومية والثقافية، فوضع لنفسه التصور الأولي والذي أصبح شعارا لجمعية العلماء بعد تأسيسها، وشعار الحركة الوطنية عموما، وهو “الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا”، وهذه الثلاثية سواء فهمناها ردا على الاستعمار الذي أراد القضاء على الدين الإسلامي بحركة التنصير وإذلال علمائه ودعاته، وتغريب العربية واعتبارها لغة أجنبية، وادعائه الجزائر فرنسية، او انطلقنا من أن منهجية الشيخ في ذلك تحديد لدوائر الانتماء وتحديد منطلقات مشروعه، فإن الأمر سواء، وقد تبنت الدولة الجزائرية هذه الثلاثية فيما عرف بعد ذلك بالثوابت الوطنية.

ذلك ان هذا الموقف المبدئي هو تحديد لمساحات الصراع التي سيخوضها الجزائري الذي أريد مسخه بشتى الوسائل ومنها استغلال دينه عبر بعض الطرق الصوفية العاجزة عن إدراك جوهر الصراع بين الجزائر وفرنسا يومها.

فابن باديس عندما قال الإسلام ديننا هو اختيار للمد الطبيعي العالمي الذي يصل الجزائر بالعالم الإسلامي من -طانجا إلى جاكرتا- في دائرته الواسعة، والامتداد المغاربي في دائرته الأضيق؛ لأن لغة العالم الجديد بدأت تؤسس للتكتلات الإقليمية وتحديد هوية الانتماء، التي نلاحظ آثارها اليوم في أمريكا الشمالية والاتحاد الأوروبي والتنظيمات الإقليمية. وكذلك عندما يقول العربية لغتنا، فقد حسم قضية العلاقة باللغة التي أرادها الاستعمار غريبة مطاردة، ولأن قلب العالم الإسلامي الذي تنتمي إليه الجزائر هو العالم العربي، دعوة عربية قرآنية محمدية وليس دعوة عرقية جاهلية كما يريد البعض تصويرها، وعندما يقرر ابن باديس في مشروعه النهضوي بأن الجزائر وطننا، فهي الرد الصريح على الادعاء الفرنسي “الجزائر فرنسية”.

فالمبدأ الذي الجزائري في مقاومته للإستعمار وإثبات الهوية والوجود، لا يقبل الأخذ والرد أو التفاوض على جزئية من جزئياته، ملخص في تلك الثلاثية الرائعة فكانت هي المنطلق، الذي حدد به ابن باديس شخصيته الجزائرية وعلاقاتها بالعالم، كما حدد به مواقفه من جميع ما يحيط به من أحداث وآراء ومواقف.

ولذلك لم نلحظ عن ابن باديس تردد في فهم الوطنية والقومية وعالمية القيم والعلاقات الإنسانية، والمواقف الشرعية في ذلك، ولم تهتز في ذهنه الاولويات ولم تدخل عليه الفوضى التي أجبرت الكثير من رجال الإصلاح إلى الاضطراب في الآراء والمواقف.

ومثلما وضع التصور المذكور لدوائر انتمائه الإسلامي العربي والوطني الأصيل،  الذي حددت له مساحات الانتماء والنضال والامتداد الطبيعي للمجتمع الجزائري، وضع النموذج الذي سيسير عليه خلال مسيرته الإصلاحية، وهو الشعار الذي وضعه لمجلة الشهاب وهو “لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها”، مقتبسا في ذلك عبارة إمام دار الهجرة الإمام مالك رحمه الله.

هذه العبارة هي تجسيد لقول النبي صلى الله عليه وسلم “خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم”. ذلك أن هذه القرون الثلاثة الأولى هي التي خولت الهدي القرآني إلى واقع اجتماعي متكامل، وهي القرون الأفضل في تجسيد الإسلام وتطبيقه، واعتماد هذه الأجيال الثلاثة ليس باستنساخ تجاربها وتتبعها حذو القذة بالقذة كما يقال، وإنما بالاقتداء بها في التفاعل مع الوحي والواقع.. وفي هذا الإطار اجتهد الأستاذ الإمام في جعل افتتاحيات مجلة الشهاب، محورا ثابتا يحدد كيفية فهمه للوحي أطلق عليه عنوان “مجالس التذكير”، من كلام الحكيم الخبير في القرآن الكرين ونحى فيه منحى التفسير الموضوع فكان من الأوائل الذين اهتدوا إلى هذه الصيغة في التعامل مع القرآن الكريم إن لم يكن الأول، ومجالس التذكير من حديث البشير النذير في تناول الحديث، بطريقة مبتكرة فيها إضافات على المعهود عند الشراح، فلا يقف عند الدلالات الفقهية للنص وإنما يضيف أمورا أخرى في الإصلاح الاجتماعي والسياسي والآداب العامة.

ومع المرجعة كان تحديد الغاية، إلى ما يريد ان يصل؟

هنا يمكن تسجيل الفكرة التي عاد بها من المدينة المنورة، التي توصل إليها مع رفيق دربه الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، وهي فكرة بسيطة في ظاهرها “تربية جيل على فكرة صحيحة ولو مع علم قليل”، ولكنها عميقة بمراميها وغاياتها الكبرى. هذه الفكرة التي آمن بها وتعلق بأهدابها قد عصمته من الكثير من العواصف لا سيما في فترة التأسيس لعمل الإصلاحي، حيث سار بذلك الطموح المتواضع، على نهج هادئ وفكر ناضج بغايات واضحة، مدة سبع سنوات لا تعلم عنه الإدارة الاستعمارية شيئا، كما يقول الدكتور عبد العزيز فيلالي رئيس مؤسسة ابن باديس، ولم ينكشف أمره وأمر مشروعه الإصلاحي إلا عندما بدأ يتصل بالحركة الوطنية والإصلاحية في تونس…، وإضافة إلى حماية هذا المشروع من العواصف، فقد أنشأ جيلا خلال هذه الفترة وبعدها بقليل، شاركه بعضه تأسيس جمعية العلماء في 5 ماي 1931.

وبعد تحديد دوائر الانتماء وساحات النضال والمبادئ والغايات، كان لا بد من تحديد الوسائل التي بها تتحقق المشاريع، فبدأ بالتعليم المسجدي بالجامع الأخضر كما أسلفنا.

لقد كان ابن باديس يرى أن مسألة التربية والتعليم هي مربط الفرس، وهي الصيغة المثلى التي تبلور الفكرة الصحيحة المتفق عليها بينه وبين صاحبه الشيخ محمد البشير الإبراهيمي..، ولكن هذه الفكرة لا يمكن تجسيدها بسهولة في أمة نسيت هذه الفكرة بسبب الجهل والتخلف والبدع في الدين؛ بل هي غير قابلة للتجسيد إلا بجهود كبيرة من التربية والتعليم والتهذيب، ولذلك اعتبر ابن باديس أن التعليم يمثل الأرضية الصلبة للإقلاع الإسلامي السليم، ذلك أن واقع الأمة الإسلامية لا يمكن إصلاحه بذلك.

إن ابن باديس لم يجد الأرض مفروشة بالورود، وإنما وجدها ملغمة من كل الجهات، فالاستعمار قد اعتبر اللغة العربية لغة أجنبية، وأغلق المساجد في وجوه الإصلاحيين، وعين أعوانه في القطاع الديني من القائمين على المساجد والأوقاف.. وبعض الطرق الصوفية التي كانت ترى في ابن باديس والجمعية بعد ذلك خطرا على الإسلام وعلى الأمة الإسلامية بمشروعها الإصلاحي الذي يريد النهوض بالأمة، بحيث قام بعضهم بمحاولة اغتياله ليخلو لهم الجو..

جهود ابن باديس لم تقف عند الساحة الجزائرية، وإنما انتقلت بوضوحها إلى خارج الوطن الجزائري والمغاربي، إلى مصر العروبة والأزهر الشريف، حيث بعث برسالة إلى شيخ الأزهر يطالبه بتحمل مؤسسة الأزهر مسؤولية الخلافة العلمية، في الوقت الذي كانت مصر تعمل على إنقاذ الخلافة السياسية وجبرها بخليفة في مصر بعد سقوطها في تركيا.. وهذا التوجه من ابن باديس ليس جهلا منه بأهمية الخلافة السياسية والجانب السياسي عموما في حركة المجتمع، وإنما لأنه يرى أن حقيقة النهضة والإصلاح لا تقوم بها إلا المجتمعات بقيادة العلماء والمصلحين؛ لأن منطلق التغيير هو المجتمع (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد 11]. فالمجتمع الذي لا يحمل في نفسه استعدادا للإنقلاب على واقعه السيء لا يمكن ان يغيره السياسي ولو بالحديد والنار.

ولم يقف الإمام عند التربية والتعليم كوسيلة للإصلاح، وإنما تجاوزها وأضاف إليها العمل الإعلامي، حيث أسس جريدة المنتقد وبعدها الشهاب بل وشارك بالكتابة في صحف أخرى قبل إنشاءه لصحافته المستقلة…، وذلك ليمس فئات أخرى من خريجي المدارس الفرنسية والزوايا وغيرهم، غير التي تخرجت على يديه في الجامع الأخضر.

ولم يمض وقت طويل على حركته التعليمية والإعلامية، إلا وبدأ التفكير في تنظيم الجهد العلمائي، المترامي الأطراف، الممثل في الإبراهيمي في سطيف والعقبي في بسكرة والتبسي في تبسة وغيرهم كثير موزعون هنا وهناك، فكان مشروع “جمعية الإخاء العلمي” الذي فكر فيه سنة 1924، ولم يكتب له النجاح، ثم جمعية العلماء التي أسست في سنة 1931.

آخر التغريدات: