العلامة الفضيل الورتيلاني: الدبلوماسي سفير القرطاس والقلم في الإصلاح

العلامة الفضيل الورتيلاني: الدبلوماسي سفير القرطاس والقلم في الإصلاح

بقلم: عزوز صالح –

من جنان العلم والمعرفة، والفكر التربوي والإصلاحي في الجزائر والوطن العربي، نقف اليوم في حضرة أحد رواد الفكر الإسلامي سليل عبد الحميد بن باديس، والابن البار لجمعية العلماء المسلمين، الذي تربى في كنفها وساهم في نشر تعاليمها التربوية والدينية، وكان سفيرا لها خارج الجزائر، خطيبا ومعلما وداعيا، فكان بحق المرشد والمصلح حتى وافته المنية، تاركا وراءه محطات فكرية مضاءة بشعاع العلم تتزين بها مكتباتنا اليوم.

هو من أبناء أعالي مدينة سطيف “بني روتيلان”، من مواليد سنة 1900، تربى في كنف أسرة محافظة على تعاليم الدين والشريعة، فحفظ القرآن منذ صغره وتعلم مناهج الفكر العربي والإسلامي منذ نعومة أظافره، انتقل إلى مدينة قسنطينة منزل العلم والعلماء في تلك الفكرة، وكان الرائد فيها العلامة “عبد الحميد بن باديس”، فارتوى من غزارة علمه، وبحر معارفه للعلم الديني والدنيوي، ونتيجة لنباهته وسعة علمه وعقله، فقد أصبح مساعدا له في التربية والتدريس فوطن لشخصه وعلمه، وبدأ التأريخ لهذا في مجلة “الشهاب”، كما ارتحل رفقة أستاذه إلى العديد من الأقطار خارج الجزائر، وظهرت غزارة علمه وثقافته، فخطت يمينه وسال قلمه بغزارة فترجم  للعديد من أفكاره في “البصائر” و”الشهاب”، والتي كشف فيهما عن حماسته لوطنيته، وسعة صدره لتعاليم الدين والشريعة.

لقد كان نابغة بحق، كيف لا وقد اتكأ في كسب معارفه على شعاع مضاء إلى حد الساعة وهو “عبد الحميد بن باديس”، الشعلة التي لا تنطفئ إلى يوم الدين، لذا ظهر لديه حس الخطابة، وإيجاد سبل التواصل مع الآخر في طرح الأفكار والتشاور، ومناقشة قضايا هذه الأمة، وهذا ما عكس قيمة شخصه ورجاحة عقله.

ولعل هذه المميزات التي اتصف بها، رشحته لأن يكون حامل لقب “سفير القرطاس والقلم” خارج الجزائر، وبالذات إلى فرنسا سنة 1930 من أجل لم شمل دعاة الفكر الإصلاحي والدعوي ورص الصفوف، ورسم الطريق المستقيم أمام المغتربين في تلك الفترة، وتوحيد الأفكار، ليكون بذلك مشكاة تنير درب المسلمين في ديار الغربة.

ونتيجة لإخلاصه في العمل الدعوي، وسهره الدائم على نشر تعاليم المعرفة ودعائم الشريعة، فقد استطاع أن يؤسس الكثير من دور المعرفة والدعوة، خاصة في باريس، سمح له هذا بتوحيد الصفوف وزرع مبادئ الأخوة والتسامح بين أفراد الجالية المسلمة في فرنسا، وهو ما لفت إليه أعين السلطات الفرنسية “البوليس الفرنسي”، الذي حاول أن يئد هذا الجهد إلى الأبد وهذا بإلقاء القبض عليه وهو يتجول فوق ترابها وينشر أفكاره الدعوية والسياسية، لكن مشيئة الخالق كانت أقوى من مكائد الفرنسيين وفر منها خفية وفي جنح الظلام، بمساعدة “شكيب ارسلان” الصديق الحميم له، وكانت الوجهة هذه المرة مصر سنة 1940 والانتساب إلى “الأزهر” أين تحصل على شهادته العالمية في كلية “أصول الدين والشريعة الإسلامية”، ليتفرغ بعدها إلى نشر الفكر التحرري ضد الاستعمار الفرنسي ونشر الوعي بين أفراد الشعب الجزائري، وهذا من خلال تأسيس الكثير من الجمعيات التي تندد بالاستعمار والدفاع عن الوطن على غرار “اللجنة العليا للدفاع عن الجزائر” و”الدفاع عن شمال إفريقيا”، كما أسس مكتب جمعية العلماء المسلمين بالقاهرة سنة 1948م.

وعند اندلاع الثورة الجزائرية 1954 لم يتأخر في مساندتها، فعمل في الوفد الخارجي الخاص بها في القاهرة، ينشط ويكد إلى أن وافته المنية سنة 1959 بتركيا، وبعد الاستقلال أعيدت رفاته إلى الجزائر ودفن في مسقط رأسه سنة 1987م.

هو إذا أحد رواد الفكر الإصلاحي، عاش متنقلا بين الأقطار يدعو ويخطب، وينشر تعاليم الدين والشريعة، عمل بكل كد وإخلاص من دون ملل ولا كلل، وكتب له أن يموت في ديار الغربة والمهجر التي تذكر اليوم كل محطاته الدعوية والإصلاحية، عاش غريب الديار، لكن قلبه بقي ينبض بحب الجزائر.

آخر التغريدات: