مبارك الميلي .. رجل الإصلاح الذي اشتغل على ترميم الشخصية الجزائرية

مبارك الميلي .. رجل الإصلاح الذي اشتغل على ترميم الشخصية الجزائرية

جريدة النصر:

لا تزال صفحات هامة من مسار الشيخ مبارك الميلي الرجل في طي النسيان رغم أن الميلي يعد من رواد النهضة في الجزائر ومن الشخصيات التي كان لها الأثر الكبير كونه كما يقول الباحثون أخرج رجل الدين من المسجد إلى الشارع و اعتمد في نهج الإصلاح الذي ناضل من أجله على العمل الميداني المبني على صقل الفرد في عملية إعادة بناء للشخصية الجزائرية مكنت من مواجهة الخرافات التي نشرها الاستعمار كما حارب بعض الطقوس المنسوبة للصوفية.

ابن ميلة من الصعب تتبع أثره في المدينة بعد أن حوّل مسكنه إلى مركز تجاري وحتى قبره عبثت به أيادي المفسدين ليطاله النسيان حتى في مسقط رأسه، و لولا مبادرة الجمعية الوطنية للدراسات الفلسفية، و جمعية ميلاف الثقافية لمرت الذكرى ككل سنة.

النصر حضرت  الندوة و سجلت قراءات في مسار الرجل وفكره لأساتذة وباحثين من مختلف جامعات الوطن.

الأستاذ نور الدين بوعروج (باحث): مسكنه تحوّل إلى مركز تجاري والمؤرخون تجاهلوا زوجته

الملاحظ لدى الأساتذة الجامعيين الباحثين في التاريخ، و أنا واحد منهم، هو ذاك التغافل عن الجزء الإنساني في الشخصية التي يدور البحث حولها، والتركيز فقط، على الجوانب الجميلة والممتعة في حياتها، فيتم تصوير شخصياتنا الوطنية كشخصيات عاشت خارج الواقع اليومي لمواطنيها المملوء بالأسى والغضب و الهبوط والصعود في الحياة، و يتم تقديم هذه الشخصيات و منها الشيخ مبارك الميلي، كأنها كاملة مقدسة لا يجوز، لأي كان أن يسيء إليها و كشف مناطق الظل فيها، و ذلك من الأخطاء التي يقع فيها الباحثون، بل أنه لا أحد منهم يتجرأ على إظهار الجانب السلبي في الشخصية الوطنية التي يتناولها بالبحث، وإلا فإن الدنيا حوله تقف و لا تقعد.

فمبارك الميلي الذي قال عنه شكيب أرسلان « لا أحد يفري فريه «، تبين بالبحث أنه كان في شبابه من المدخنين إلى غاية 1925 ولم يتوقف عن هذه العادة السيئة إلا بعد أن نبهه أحد الشيوخ بالأغواط قائلا: «كيف يبعثك ابن باديس لإصلاح حالنا و أنت لم تصلح حالك مع التدخين والذي سمعناه من أجدادنا أن الأتراك كانوا يدخنون في دورة المياه و يقولون أن النجس لا يؤخذ إلا في المكان النجس؟» ليسأل بعدها مبارك الميلي نفسه:» أأختفي من الناس في التدخين فماذا أعمل عندها مع رب الناس؟» ليتوقف عن هذه العادة نهائيا.

النقطة الثانية في حياة الشيخ مبارك الميلي هي الخلاف الذي وقع مباشرة عند عودته من تونس عام 1922، بينه و بين إمام المسجد العتيق بميلة أحمد بوفامة، حول أحقية الإشراف على المسجد وهو الخلاف الذي كاد يحدث فتنة بين الناس، كما بلغ آذان الاستعمار الفرنسي الذي حاول الاستثمار فيه، فما كان من الشيخ ابن باديس، إلا اتخاذ قرار تحويل الشيخ مبارك إلى قسنطينة، قبل تعيينه في الأغواط  و من الجوانب الإنسانية الأخرى في حياة الشيخ مبارك أن علاقته بعمه كانت غير ودية، بسبب الخلاف بينهما حول تقسيم الإرث العائلي .

بالمقابل ما يبين مكانة الشيخ مبارك الميلي عند الشعوب العربية والإسلامية، هو ما رواه سفير الجزائر الأسبق في النيبال محمد العربي دماغ العتروس، في الطبعة الثانية لملتقى مبارك الميلي المنظم بميلة عام 1988 من أن أحد النيباليين تمسح بالسفير أثناء خروجه من المسجد، ولما سأله عن فعلته رد ذاك الشخص بالإفصاح عن حب النيباليين للجزائريين، لأن مبارك الميلي منهم، مستظهرا نسخة من كتاب هذا الأخير « رسالة الشرك ومظاهره « و الذي يجهله الجزائريون اليوم عن مبارك الميلي، أنه كان يملك سيارة من نوع بيجو 403 يقودها سائق خاص به، و كذلك تجاهل الباحثون دور زوجته في حياته ولو بالإشارة، علما بأنها البنت الكبرى لشيخه محمد الميلي بن معنصر، وقد كانت تحصل الأموال من نساء ميلة، كما تشهد السندات المتوفرة لصالح جمعية العلماء المسلمين، وما يؤسف له لحد البكاء كذلك، تحول المسكن الذي كان يقطن به الشيخ مبارك والمقابل للمسجد الذي يحمل اسمه اليوم، إلى مجمع تجاري. أما مدرسة حياة الشباب فقد أهملت مثلها مثل دار شيخه الموجودة بميلة القديمة  .

الدكتور حسين بوبيدي (جامعة قسنطينة 2): كتابه عن تاريخ الجزائر كذّب التقسيم العرقي عرب وبربر

أعاد الشيخ مبارك الميلي من خلال كتابه « تاريخ الجزائر في القديم والحديث «، ترميم تاريخ البلاد و التأكيد فيه على أن تاريخ الأمة الجزائرية يمتد إلى عصور بعيدة، عكس ما حاول الاستعمار الفرنسي تقديمه مشتتا بما يخدم مصالحه، كما أن الكتاب أبرز وحدة الأمة الجزائرية على مر تاريخها ومسميات الدول التي حكمتها، ولو أنه من الناحية المنهجية ينبغي القول بأن الكتاب اعتمد على نوع من الطروحات الفرنسية المتعلقة بتقسيم التاريخ، إلى تاريخ ما قبل الغزوات الهلالية، وتاريخ ما بعدها، باعتبار أن الشعب الجزائري يحتوي على فصيلين اثنين هما العرب والبربر،  كما أن البناء التبويبي المنهجي للكتاب، لم يخرج عن منطق التبويب الفرنسي، و لو أن مضامينه تتضمن قراءة جديدة.

العنصر الآخر الذي اعتمد عليه الشيخ مبارك، هو تكذيب الطرح التقسيمي العرقي الذي اعتمدته فرنسا عبر إشكالية عرب و بربر، حيث بين الشيخ أن البربر هم الذين استقبلوا الإسلام و احتضنوه وانصهروا فيه، حتى أنهم نقلوا الدين الجديد إلى أوروبا وساهموا في بناء حضارته. وبالعودة إلى جذور التصوف، فقد ذكر الانحراف الذي أصابه، مستشهدا ببعض الممارسات و السلوكات التي نسبت إلى التصوف وأكدت هذا الانحراف الذي حاربته جمعية العلماء، بكامل جهدها و قوتها.

الكتاب، حسب الأستاذ بوبيدي، لدى دراسته يجب وضعه في إطاره الزمني، لكي نعرف الخلفية المعرفية والأهداف التي كتب لأجلها وهذا الذي يسمى بالكتابة الظرفية التي تستلهم الهدف قبل استلهام تطور المناهج.

الدكتور عبد العزيز بوالشعير ( جامعة سطيف):الإصلاح عنده ارتبط بداخل الفرد و محاربة البدع

ركز العلامة مبارك الميلي جهده في الإصلاح، على المسائل التي تعزز الوحدة بين أفراد المجتمع وتنبذ الخلاف و كذا استعادة الشخصية الجزائرية القوية في دينها وتاريخها و وطنها.أما الحديث عن منهج الشيخ  في الإصلاح، فهو حديث عن حقبة تاريخية حساسة في تاريخ المجتمع الجزائري وجهود علمائه، مفكريه و مصلحيه. وبالعودة لهذا الجانب ينبغي أن نعرج أولا على طبيعة الإنسان  الجزائري أيام الاستعمار و الأزمة التي كان يعيشها،  وطبيعة الحل المقترح من طرف الشيخ مبارك الميلي و مفهوم الإصلاح عنده و أسس عملية الإصلاح ومجالاته والوسائل المعتمدة فرديا، أو ضمن جهود جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأخيرا الهدف من عملية الإصلاح .

وينبغي التذكير بأن جهد الشيخ مبارك في الإصلاح، ارتبط بحركة تجديدية علمية فكرية ظهرت في العالم الإسلامي عموما، و الجزائر على وجه الخصوص، فسعى لإحداث التغيير في الواقع الذي كان يعيشه الجزائريون، انطلاقا من عاملين اثنين هما الاستعمار والتخلف، فاستهدف داخل الفرد  الجزائري، قبل التوجه إلى الجوانب الأخرى المحيطة به .

عن طبيعة الأزمة التي كانت قائمة زمن الشيخ الميلي، فتتمثل في انحراف الفهم للإسلام و الدين وانهزام إرادة الجزائري وانسحابها من عملية النهوض مجددا، فانتشار الخرافات والبدع والفهم الجزئي للدين و ضعف اللسان العربي وعدم قدرته على التجديد والإبداع، وأخيرا احتلال الأوطان واختلال الأذهان و استعمار الإنسان. هذه الإشكالات التي عمل على تصحيحها الشيخ مبارك الميلي و الحل المقترح عنده،  كان انطلاقا من الشعار المعتمد بأنه لا يصلح آخر هذه الأمة، إلا بما صلح به أولها، أي من خلال العودة إلى الإسلام في منابعه الصافية كتابا وسنة، والابتعاد عن الخلافات المذهبية و دعوة الجزائريين للعلم والعمل بالكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، ونبذ الفاسد من العقائد والعوائد والعمل على إحياء تراث الأمة والتعامل بلغتها وأخيرا تزكية النفوس و إحيائها بعد مواتها وشحذ هممها وتهذيب سلوكها..

ويعد جهد الشيخ مبارك الميلي الإصلاحي، لبنة مضافة لجهد الحركة الإصلاحية الوطنية التي عرفتها الجزائر خلال تلك الفترة وما قبلها و بعدها التي أثمرت في ما بعد تحرير البلاد والعباد وهيأت الفرد الجزائري لمرحلة البناء بعد الاستقلال والدخول للعولمة فيها.

الأستاذ طبيش عبد الكريم (المركز الجامعي عبد الحفيظ بوالصوف ميلة): مبارك الميلي ركّز جهده في الحفاظ على الهوية الوطنية

رغم أن مصطلح الهوية غامض في طبيعته و مفهومه الزئبقي لأسباب عدة، منها تداخله القائم و تقاطعه مع مصطلحات أخرى كالقومية، الضمير الجمعي، الثقافة، الحضارة، الوطنية، الإيديولوجية و الإصلاح ما دفع بالمختصين و المهتمين إلى التعامل بحذر شديد مع مفهوم الهوية، معتبرين إياه مصطلحا سياسيا يشكل الخوض فيه مغامرة غير مضمونة العواقب لذلك فقد حرص الشيخ مبارك الميلي، الذي هو من أركان الحركة الوطنية الإصلاحية في الجزائر، على بذل جهوده للحفاظ على الهوية الوطنية العربية الإسلامية وثوابتها و نشرها ومقاومة المشروع الثقافي الفرنسي، مرتكزا على أن هوية العربي المسلم، لا تخرج عن مبدأ المساواة و تتجسد في أفكاره وسلوكه وطموحاته من خلال دينه ولغته .

جهود الشيخ مبارك في مجال الحفاظ على الهوية الجزائرية العربية الإسلامية ومحاربته للقوانين الجائرة التي سنها الاستعمار الفرنسي، برزت أكثر في كتابته الصحفية و مؤلفاته و في دوره التعليمي وفي تخليصه للغة العربية بوصفها الوعاء الثقافي الأول الذي تنهل منه باقي المقومات الأخرى للشعب، من العوائق التي تحول دون تطورها و انتشارها.

الدكتور علي شبيطة ( جامعة سطيف ): فضّل المنحى السوسيولوجي على التنظير من المساجد
الشيخ مبارك الميلي قام بثورة ثقافية استهدفت التغيير الاجتماعي، و استرجاع الهوية و الوحدة الوطنية بين أفراد الشعب و حفظ ثوابت الأمة، وعند تناول البعد السوسيوتربوي في فكره، ينبغي أن يكون ذلك من خلال البيئة السوسيولوجية التي نشأ فيها الشيخ والرجوع لتاريخها، حيث أن مولد العلامة كان بعد أن استوطن الاستعمار في البلاد و أحكم قبضته عليها، و فعل أفعاله فيها. أما عن العوامل المؤسسة للخطاب الإصلاحي التربوي عند مبارك الميلي، فتمثلت في الهوية، العقيدة، الفقر، انتشار البدع و الخرافات، الشرك، خطر التبشير و الاندماج، حيث اجتهد عبر خطاب سهل موجه للعامة قبل الخاصة، في محاربة الظواهر المشينة التي عمل الاستعمار الفرنسي على نشرها.
   و في قراءة في الفعل السوسيوتربوي عند مبارك الميلي، نلاحظ  أن المنحى السوسيولوجي كان بارزا في عمله، ملامسا واقع المجتمع، و ذلك بإذكاء المقومات الأساسية للمجتمع، كالدعوة إلى الالتفاف حول الوطن و تعزيز العلاقة الاجتماعية بين أفراده. وقد أدرك الشيخ أولوية العمل الميداني على التنظير من المسجد، أي أنه لا إصلاح ديني ما لم يسبقه تمتين شبكة العلاقات بين أفراد المجتمع. و ذاك ما أثار الوعي الجمعي عند الجزائريين، حيث نجد أنه ارتكز على الإصلاح الديني كونه يشكل، حسبه، القاعدة الرئيسة التي ترتكز عليها الهوية الوطنية و تستقيم بها حياة أفراد المجتمع».

الدكتور مرزوق لعمري (جامعة باتنة): لم يكن مختصا في العقيدة بل كان مصلحا

لم يكن الشيخ مبارك الميلي في حقيقة الأمر، من المكثرين في الكتابة وإلا لما ترك لنا كتابين اثنين فقط، أولهما في التاريخ « تاريخ الجزائر في القديم والحديث» و الثاني في العقيدة «رسالة الشرك ومظاهره «، و هذا الأخير في أصله، عبارة عن سلسلة مقالات نشرها في الصحافة الجزائرية وفي الصحافة الدولية، نذكر منها على وجه الخصوص مجلة المنهل السعودية، التي أسسها عبد القدوس الأنصاري عام1937وكتب فيها كذلك أحمد رضا حوحو، ولا تزال تصدر إلى غاية اليوم، كما أعد الشيخ مبارك الميلي محاضرة في الإسراف المالي أخرجها و طبعها في كتاب الشيخ التوهامي مجوري، غير أنه برغم قلة مؤلفات الشيخ مبارك الميلي إلا أنها صنعت الرصيد الرمزي للرجل .

الشيخ مبارك الميلي لم يكن متكلما ولا متخصصا في العقيدة، بل هو في حقيقة الأمر داعية و مصلح و رجل دين، و كتاباته في العقيدة جاءت في المنحى الإصلاحي العام الذي تبناه مشروع جمعية العلماء المسلمين، بدليل أن كتاب «رسالة الشرك ومظاهره « لم يكن تأليفا  مقصودا في العقيدة، و إنما هو سلسلة مقالات صحفية كانت تنشر في البصائر، استحسنها القراء و طلبوا منه جمعها في كتاب لتعميم النفع والفائدة .

آخر التغريدات: