هكذا تحدّث البشير الإبراهيمي عن التجمعات والاحتفالات

هكذا تحدّث البشير الإبراهيمي عن التجمعات والاحتفالات

بقلم: د.حسن خليفة –

مع اقتراب المواعيد الخاصة بالانتخابات العامة، التشريعية والمحلية، وقد بدأت نُذُرها في الإعلام، استباقا، تبدأ – كما هي العادة في أي انتخابات في الدنيا- الحملات والتجمّعات واللقاءات الجماهيرية، إلى جانب أنواع أخرى من الأنشطة الدعائية، وفي كل الأحوال فهي وإن حملت طابع الحملات الانتخابية الدعائية، لن تخلو من لقاءات وكلمات وخطب… باعتبار أن كل اجتماع بشري لا بدّ فيه من متكلِّم ومستمعين، ومخاطِب ومخاطَبين.

تذكَّرت وأنا أتخيَّل تلك المئات من التجمُّعات التي ستحدث، في كل ولاية ودائرة وقرية، وما سيُبذل فيها من عناء واستفراغ للجهود والطاقات، حتى تتعب النفوس والأبدان… إلى جانب “وديان” من الأموال ستذهب شمالا ويمينا في شكل مصاريف ونفقات، كما أتخيل أيضا شريط أخبار الحملات واللهاث وراء الأصوات حتى تبح الحناجر وتنقطع الأنفاس، استعطافا حينا، وإطلاقا لوعود كبيرة، صادقة كانت أم كاذبة، أحيانا أخرى.

تذكرت كلمة جليلة للشيخ العالم محمد البشير الإبراهيمي، وأنا أستعرض في الخيال “الكرنفالات” التي تُقام هنا وهناك.

حملت كلمة الإبراهيمي من المعاني الرائعة الجميلة والقيم السامية الرفيعة ما يحق الاعتداد والافتخار به والعمل بمقتضاها، لمن يريد حسن العاقبة، وهي ذات صلة وثيقة بموضوعنا المتعلق بالتجمعات والاجتماعات واللقاءات والاحتفالات عموما. فوددتُ أن أُشرك فيها القراء الكرام، مع تذكير يقتضيه السياق وتستدعيه المناسبة.

بدأ الشيخ كلمته التي نُشرت قبل 70 عاماً، وحملت عنوان “كلمة في الاحتفالات” وهي منشورة في الجزء الأول من آثار الشيخ البشير الإبراهيمي، ص 234، ط1، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، بدأها بتعريف الاحتفالات فقال: “الاحتفالات بنظامها العصري مجامع مفيدة من جميع جهاتها، لجميع روادها. فهي بالنظر العام أدوات تعارف وتواصل وربط بين من لم تتهيأ لهم أسباب الاجتماع إلا في مثل هذه الاحتفالات، وأسواق بضائعها الخطب والمراجعات القولية، وأرباحها الايجابية آداب الاجتماع وتلاقح الأفكار، واقتباس الكلمات واستيقاظ الهمم، واستعجال الآراء وانتشال التفكير من المستوى العامي الغث وصقل الأذهان (…) وهي للدعاة ميادين دعاية يجدون فيها متسعا رحبا لنشر آرائهم بدون كلفة وبدون نفقة؛ لأنها تحشد لهم طبقاتٍ من الناس ما كانوا ليستطيعوا جمعها، وهي للمرشدين والمربّين الاجتماعيين فرصٌ لبث الإرشاد بين الجمهور وتوجيهه للخير والمنفعة، وهي للخطباء وأصحاب الألسن ذرائع تمرين وارتياض على الكلام وتوسّع في وجوه القول وتمرّس بمكافحة الجموع، وهذه كلها فوائد لا يُستهان بها في باب التربية”، ثم أشار إلى تفاوت منزلة تلك الاحتفالات والتجمعات باختلاف أسبابها وعلو مقاصدها، فقال: “تتفاوت الاحتفالات بتفاوت سمو المعاني التي تُقام لأجلها، فبقدر سمو السبب وعموميته تكون قيمة الاحتفال، ثم تنزل تلك القيمة وترخص كلما تفه (من التفاهة) السبب حتى تصل إلى درجة الساقط الذي لا وزن له (…) فأسمى هذه الأسباب ما يذكّر الجمهور بأمجاده التاريخية ومفاخره القومية، وفيه نخوة أماتها الضيم، وفحولة قضى عليها التأنث، وأصالة خبثتها الأعراق الدسيسة، وعزيمة أطفأتها طباع الضعف والفسولة، وأريحية غطى عليها اللؤم المخزي والشح المطاع… ثم ما يجلو حقيقة دينية أو علمية غشيتها الأوهام والخرافات، ثم ما يحقق مصلحة في الحياة كانت مجهولة أو حقا فيها كان ضائعا، ثم ما يكشف له عن وجوه الإصلاح الاجتماعي ليعملوا له، وعن وجوه الفساد فيه ليَّتقوه، هذا من جهة الأسباب والبواعث، فأما من جهة الأشكال والصور فأعلى ما فيها أن ينساق إليها الجمهور بسائق وجداني، وأخسّ ما فيها أن يُساق إليها سوقا، أو أن يخدع فيها عن وجدانه بالمرغبات الخادعة، ما أروع تلك المعاني مسوقة في نسج لغوي بديع ورائع.

وبالطبع لم يفت الشيخ الإبراهيمي، كعادته في التوجيه والتسديد أن يشير إلى كثير من أنواع الاحتفالات والتجمعات الفاسدة والمفسدة لدى بعض المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، كاحتفالات المصريين بالموالد كمولد البدوي والرفاعي وغيرهما، فذلك النوع كما يقول الشيخ الإبراهيمي “…زيادة على إفساده للدين والأخلاق، لا يثير في النفوس ذكريات ماجدة، ولا معاني شريفة، وإنما يمكن فيها للتخريف والدجل”، كما أنه لم ينس وهو في مقام الحديث عن الاحتفالات والتجمعات الشعبية، الإشارة اللماحة إلى احتفالات الشيعة والمتشيعين فقال: “ذلك النوع الشائع في الأوساط الشيعية من احتفالهم يوم عاشوراء بذكرى مقتل الحسين عليه السلام، فإنه فضلا عما يقع فيه من المنكرات المخجلة، لا يثير إلا الحفائظ والإحن ولا يثمر إلا توسيع شقة الخلاف” ثم يضيف: “لا نرضى للمسلمين بهذا الطراز البالي من الاحتفالات التي ذكرنا بعض أنواعها، فقد عكفوا عليها قرونا فما زادتهم إلا خبالا وانحطاطا، وإنما نريد منهم محوها واستبدالها بما هو خير”.

تلك رؤية ثاقبة لعالم جليل لعلنا نستطيع الإحاطة بها والاستفادة منها في الارتفاع بمستوى جميع أنشطتنا وتجمعاتنا وفعالياتنا واحتفالاتنا، ولنا أن نتساءل: إذا كانت  الأنشطة الدعائية أيا كانت مناسبة لنشاط واسع رهيب في مجال الحديث والكلام والشرح والتفسير والتوعية،فكم منها سيكون في المستوى، مما يفيد وينفع، بما يجعلها بحق “مجامع مفيدة من جميع جهاتها”؟

كما نحب أن نسجل ونذكر أيضا: أن مثل الحملات الانتخابية هناك المئات إن لم نقل الآلاف من الأنشطة الاجتماعية والاحتفالات واللقاءات والملتقيات والجمعيات العامة، عُقدت – في الماضي- وتُعقد في الحاضر وستُعقد في المستقبل:كم منها اصطبغ بصبغة سمو المعنى وشرف المقصد ونُبل الهدف؟ وكم منها انتهى إلى نتائج عادت على المجتمع بالنفع والخير والفائدة؟ ولمَ لا نحرص كل الحرص على تأكيد ذلك في تجمعاتنا ولقاءاتنا، فتكون تلك النشاطات أعمالا حقيقية، في التربية والتوجيه والتوعية والإفادة، أيا كانت المناسبة؟. ومثل اللقاءات والتجمعات هناك الاحتفالات الدينية المخصوصة والمناسبات الوطنية الكثيرة، ومنها  المولد النبوي الشريف، واحتفالات يوم العلم.. فأين ننزلها من بين أنواع الاحتفالات النافعة المفيدة، أم الفاسدة الضارة؟.

إنها أمانة ثقيلة، ومسؤولية كبيرة يجب الارتفاع إلى مستواها، واستثمار اجتماع الناس فيها لإفادتهم وتحقيق النفع لهم، والحرص على أن يكون ما يُنفق فيها من جهود وطاقات وأموال مستأنسا بالشروط الآنفة الذكر، ويبقى أن نقول: إن المسؤولية الكبرى تقع على المتحدّثين والخطباء بصفة خاصة ولنترك للشيخ الإبراهيمي الأسطر الأخيرة من هذه المقالة، لبيان المقصد. يقول:

“إن أكثر الناس استفادة من الاحتفالات وأبلغهم إفادة فيها وأثقلهم عهدا في توجيهها إلى الصالح النافع أو الفاسد الضار هم الخطباء، فعليهم وحدهم يتوقف إصلاحها أو إفسادها.”

فليتق الله أولئك الخطباء والمتحدثون والزعماء والسياسيون وقادة الرأي، وبعض العلماء والدعاة وليجعلوا هذه المناسبات خيرا وصدقا ونفعا، وليعتبروا من كلام الإبراهيمي رحمة الله عليه.

آخر التغريدات: