العلامة الشيخ الطاهر آيت علجت: ثمانون سنة من العطاء، ومازال الخير لقدام

العلامة الشيخ الطاهر آيت علجت: ثمانون سنة من العطاء، ومازال الخير لقدام

بقلم: أ. عبد الحميد عبدوس –

عرفت العلامة الجليل الشيخ محمد الطاهر آيت علجت – حفظه الله – طلق المحيا، باشا عند اللقاء، جم التواضع، راسخ العلم، رطب اللسان بذكر الله، سباقا إلى بذل الكلمة الطيبة، وكلما التقيته تذكرت  مقولة سيد التابعين الحسن البصري-  رحمه الله – الذي كان أسمر البشرة، قريبا إلى السواد، ولكن عليه بهاء النور، وإجلال من ربه، وضعه في وجه الحسن البصري، فكان الناس يقولون له: عهدناك أسمر البشرة، ما هذا النور الذي يتلألأ من وجهك يا أبا سعيد؟ فيقول: “نحن قوم خلونا بالله في ظلمات الليل، فكسانا من جماله وجلاله”.

بلغ 104 سنة من عمره المبارك (إلى سنة 2016) ومازال وجهه مشرقا بنور الإيمان كأنما كساه الله تعالى نورا من نوره، فهو رمز للعالم الرباني والمربي القرآني، سخر حياته لإعلاء كلمة الله، والدفاع عن الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، وكذلك تعليم ونشر لغة القرآن، اللغة العربية، منذ أن تصدى للتدريس في زاوية جده الشيخ يحيى العيدلي منذ ما يقارب الثمانين عاما، أي منذ  سنة 1937 وهي الزاوية التي أحدث بها نهضة علمية، وكون فيها كوكبة من فرسان العلم الذين ساروا على نهج شيخهم في الدفاع عن الإسلام واللغة العربية.

ولذلك أعتقد أن جمعية الكلمة للثقافة والإعلام التي يترأسها  الشاعر الإعلامي المتميز، والناشط الثقافي عبد العالي مزغيش، أحسنت صنعا بتكريم الشيخ آيت علجت بوسام خادم اللغة العربية، بمناسبة اليوم العربي للغة العربية المصادف للفاتح من شهر مارس من كل سنة .

وقد تشرفت بدعوة من الشاعر عبد العالي مزغيش رئيس جمعية الكلمة للثقافة والإعلام بحضور طبعات سابقة من الجائزة  خصصت لتكريم مجموعة من نجوم الثقافة العربية والإسلامية، منهم عميد الكتاب الجزائريين المعاصرين باللغة العربية المجاهد الأديب الشيخ محمد الصالح الصديق، والمجاهد المفكر الجزائري، الباحث الانثروبولوجي الدكتور أحمد بن نعمان.

لقد تحولت أجواء القاعة الحمراء بالمكتبة الوطنية يوم الثلاثاء الفاتح مارس 2016، إلى عرس ثقافي بحضور بعض رفقاء  الشيخ الطاهر من علماء وأساتذة وشخصيات ثقافية ممن تتلمذوا على يد الشيخ آيت علجت، والذين أجمعوا على الإشادة بالإسهامات الكبيرة التي قدمها العلامة آيت علجت في سبيل إعلاء كلمة الإسلام، واللغة العربية، كما نوهوا بمبادرة جمعية الكلمة للثقافة والإعلام، وبرئيسها الشاعر الإعلامي المثقف، اعتبروها التفاتة جميلة بعد التنغيص الذي تعرض له الشيخ مؤخرا، والمتمثل في محاولة إهانته من بعض المنتسبين إلى قطاع الشؤون الدينية، وهي المحاولة التي نفاها وزير القطاع وأكدها غيره، لأنه لا دخان بلا نار، كما يقول المثل، إذ لم يأت نفي وزارة الشؤون الدينية والأوقاف لخبر الإهانة التي وجهت للشيخ الطاهر آيت علجت يوم 29 جانفي الماضي بتوقيف المنحة المخصصة له، وتكليف مفتش المقاطعة الغربية للعاصمة بالقيام بالمهمة، إلا بعد الهبة التضامنية الواسعة التي حظي بها الشيخ الطاهر من طرف فئات المجتمع، وبعد الصدمة والنقمة الكبيرة التي طبعت رد فعل الرأي العام اتجاه التصرف المزعوم  للوزارة، فبعد كل ذاك، جاء إعلان وزير الشؤون الدينية والأوقاف عن تعيين الشيخ العلامة محمد الطاهر آيت علجت، رئيسا لهيئة الإفتاء الوزارية، خلفا للعلاّمة الراحل عبد الرحمن الجلالي، كما صرح الدكتور محمد عيسى لجريدة «النهار» برفع منحة العلامة الشيخ، محمد الطاهر آيت علجت، مؤكدا بأنه لن يدّخر أي جهد من أجل إرجاع كرامته كاملة غير منقوصة.

وهذا ما جعل بعض المتابعين للقضية يتساءلون عن سبب تأخر وزير الشؤون الدينية والأوقاف كل هذه المدة الطويلة من أجل  “إرجاع الكرامة كاملة” لشيخ الفقهاء في الجزائر بتعيينه “رئيسا لهيئة الإفتاء الوزارية “ورفع قيمة المنحة الزهيدة التي ظل يتلقاها، ودار الحديث مؤخرا حول قطعها عنه!؟

ولكن يبقى شيخ زاوية تمقرة قامة شامخة ضمن تلك الكوكبة الصالحة المجاهدة من علماء الجزائر الذين عاشوا لدينهم ووطنهم وأمتهم، أمثال الشيوخ أحمد سحنون، أحمد حماني، الشيخ عبد الرحمن شيبان…الذين خلفوا جيل رواد النهضة الجزائرية الحديثة أمثال الشيوخ عبد الحميد ابن باديس، ومحمد البشير الإبراهيمي، ومبارك الميلي.

فالشيخ الطاهر آيت علجت هو الفقيه، اللغوي، المفسر، المحدث، المدرس، المفتي، الإمام الخطيب، كما تقول عنه الموسوعة الإلكترونية “ويكيبيديا”. ولد بقرية ثمقرة بمنطقة بني عيدل سنة 1912م. حفظ القرآن الكريم بزاوية، أين تلقى المبادئ الأولى لعلوم الأدب واللغة العربية على يد شيخه العلامة السعيد اليجري، رحل إلى زاوية الشيخ بالحملاوي بوادى العثمانية، قرب قسنطينة، حيث درس مختلف العلوم الشرعية، من فقه ولغة، كما تعداها إلى غيرها من العلوم الصحيحة كالحساب، والفلك، بالإضافة إلى العلوم الإنسانية كالتاريخ والجغرافية، الخ.

شارك في الثورة الجزائرية، هو وسائر طلبة الزاوية الذين التحقوا كلّهم بركب المجاهدين بعد أن قصف الاحتلال الفرنسي لزاويتهم في أوت 1956. سافر إلى تونس في أواخر سنة 1957 بإشارة من العقيد عميروش الذي كان الشيخ يتولى منصب القضاء في كتيبة جيشه، كما كان يتولى فصل الخصومات. ثم انتقل إلى طرابلس الغرب بليبيا حيث عيّن عضوا في مكتب جبهة التحرير هناك .

بعد الاستقلال وفي سنة 1963م عاد إلى الجزائر، وعيّن أستاذا بثانوية عقبة بن نافع بالجزائر العاصمة وثانوية عمارة رشيد بابن عكنون إلى أن أحيل على التقاعد سنة 1978م. ثمّ وبطلب من وزارة الشؤون الدينية، عاد إلى نشاطه المسجدي، ليمارس دروس الوعظ والإرشاد وخطابة الجمعة بمسجد الغزالي بحي حيدرة وغيره من المساجد. خرّج على يديه جملة من الطلبة المتمكنين، وما زال إلى يومنا هذا يعقد دروسا في الفقه والنحو وفن القراءات وغيرها من العلوم الشرعية بمسجد بوزيعة الجديد(مسجد الإمام مالك بن أنس) مكان إقامته.

آخر التغريدات: