المرأة في فكر العلامة ابن باديس

المرأة في فكر العلامة ابن باديس

بقلم: أم وفاء خناثة قوادري –

كرَّم الإسلام المرأةَ وردَّ لها الاعتبارَ، فصانَ حقوقَها، وحفِظَها من كلِّ ما يدنِّس شرَفها، ورفعَها من مجرَّد أنثى تَشتهيها الغرائزُ، ويتوقَّف دورها عند الإمتاع الجسَدي، إلى شَقيقة للرجل في الإنسانيَّة، ومساوية له في التكاليف الشرعيَّة، ومكملة له في مختلف جوانب الحياة؛ فبهما معًا يتحقَّق النُّهوض بالأمَّة؛ إذ لا يُعقل أن يَنهض المجتمعُ أو يتطوَّر وإحدى رجليه مشلولةٌ أو عرجاء.

ونعلم أنَّ الإسلام أحَلَّ المرأةَ المكانةَ اللَّائقة بها في ثلاثة مجالات رئيسية:

أولًا: المجال الإنساني:

اعترف بإنسانيَّتها كامِلة كالرَّجل؛ وهذا ما كان محلَّ شكٍّ أو إنكار عند أكثر الأمم المتمدنة سابقًا[1].

قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ﴾ [النحل: 72].

وقال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّما النِّساء شقائق الرِّجال))[2].

ثانيًا: المجال الاجتماعي،

ويتجلَّى فيما يلي:

1- جعلَها مساوية للرجل في تكاليف الإيمان والعمل الصالح؛ لتتهذَّب نفسُها، ولتبلغ الكمالَ الذي أعدَّه الله للمؤمنين العاملين، ولتكون أقدَر على الإسهام بعقلها وقلبها في ترقية الحياة وإعلائها[3].

2- أنَّ باب الرُّقي الروحي مفتوح أمامها، وأنَّها تستطيع أن تنال من ذلك مثل ما ينال الرجل[4].

قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [آل عمران: 42، 43].

3- والإسلام دعا إلى العلم، وجعل طلبَه عِبادة، ومدارسته تسبيحًا، والبحث عنه جهادًا، وتعليمه لِمن لا يعلمه صدَقة، وبذله لأهله قُربة.

وفي الحديث الصحيح: ((طلَبُ العلم فريضَة على كلِّ مسلم))؛ فالعلم عنصر من عناصر الشخصيَّة القويَّة، وسبيل إلى تقدُّم الحياة، وترقِّي الإنسانيَّة، والوصول إلى تحقيق الرغبات بأقل جهد وفي أقرب وقت[5].

ثالثًا: المجال الحقوقي:

فقد أعطاها الأهليَّةَ الماليَّة الكاملة في جميع التصرُّفات حين تَبلغ الرُّشد، ولم يجعل لأحدٍ عليها ولاية من أبٍ أو زوج أو ربِّ أُسرة[6].

إلا أنَّ هناك تقاليدَ وضعها النَّاس ولم يَضَعْها ربُّ الناس، دحرجَت الوضعَ الثَّقافي والاجتماعي للمرأة، واستبقَت في معاملتها ظلماتِ الجاهليَّة الأولى، وأبَت إعمال التعاليم الإسلاميَّة الجديدة، فكانت النَّتائج أنْ هبَطَ مستوى التربية، ومالَ ميزان الأمَّة كلها، مع التَّجهيل المتعمَّد للمرأة، والانتقاص الشَّديد لحقوقها[7].

المرأة في فكر العلامة ابن باديس عليه رحمة الله:

لا يَخفى على أحدٍ منَّا الوضع الاجتماعي المُزرِي للإنسان الجزائري إبَّان عهد الاستعمار الفرنسي للجزائر، وهي الحقبة التي عاش فيها الإمام العلَّامة ابن باديس عليه رحمة الله.

حيث عمل المستعمِرُ على طَمس كلِّ معالِم الهويَّة العربيَّة والإسلاميَّة للجزائريين.

وكان الفقر والجَهل قد ضرَبا بأطنابِهما على كلِّ فئات المجتمع رجالًا ونساء.

ومن هنا؛ فالمهمَّة التي تَحمَّلها الإمام ومَن حوله من العلماء كانت مهمَّةً عظيمة وشاقَّة، يَصعب أن تَنهض بها الجِبال الرَّواسي، ناهِيك عن البشَر، إلَّا أنَّ الله قدَّر ويسر.

تطرَّق الإمام ابن باديس في الشهاب وتحت عنوان: “رجال السلف ونساؤه” لتراجم بعض السيدات الفضليات من سلَفنا الصَّالح، مبينًا أنَّ في ذلك ما يثبِّت القلوبَ، ويعين على التهذيب، ويَبعث على القدوة، ويَنفخ روح الحياة[8]، وقدَّم ذلك في أسلوب مختصَر شائق قائلًا: لسنا هنا لتتبُّع الأخبار واستيعابِ الحوادث؛ وإنَّما نَقتصر على ما يُحصِّل أصلَ القصد، ويفي لأكثر القرَّاء بالغرَض، ويَبعث هِمَم الطلَّاب إلى التوسُّع في هذا العلم[9].

وفيما يلي إيجاز لبعض هذه التراجم:

1- أم حرام بنت ملحان: يتحدَّث عنها رحمة الله عليه فيقول: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُكرمها ويزورها في بيتها؛ وما كان ذلك إلَّا لِكمالٍ في دينها وصلاحها[10].

وبعد سرد قصَّتها بإيجازٍ جميل، وكيف بادرَت النبيَّ بالدعاء لها بأن تكون ممَّن يغزون في البحر.

يقول معقِّبًا: هذا والله الإيمان حقًّا، والرَّغبة في العمل الصَّالح صدقًا[11]، ويختم القصَّةَ بقوله: صدَّقَت أمُّ حرام قولَها بفعلها، فرحمة الله عليها من امرأةٍ صالِحة، ومؤمِنة صادقة في نساء المسلمين[12].

اختار الإمام شخصيَّة أمِّ حرام بنت ملحان، هذه المرأة التي دفعَها حبُّها للشَّهادة إلى بذل النَّفس؛ رغبة فيما ستَناله من الثَّواب والكرامة عند الله.

ومن خلالها يَهدف الإمام إلى استِنهاض هِمَم النِّساء الجزائريَّات للدِّفاع عن الدِّين والوطن، وألَّا يمنعهنَّ مانعٌ، ولا يَحول بينهنَّ وبين ذلك شيء.

فانظر كيف صوَّر حرصَها على الشَّهادة بقوله: “امرأة تَسمع بالغزو، وفي البحر، فلا يهولها الغَزو وما فيه من مشقَّة، وما وراءه من القَتل، ولا البحر وأهواله، وهي امرأةٌ لم تعتَد ركوبَه، ولا تَعرف عنه إلَّا أنَّه خَلْقٌ عَظيم، ذو هولٍ كبير، وخطرٍ شَديد، لا يقف أمامها لا هذا ولا ذاك؛ وإنَّما يَقف أمامها، ويَستولي على نفسها، ويحيط برَغبتِها: منزلةُ الشهادة، فتحرصُ ذلك الحرص، وتؤكِّد الطَّلَب، وتعود إليه مرَّة بعد أخرى”[13].

2- الربيع بنت معوذ: يكتب الإمام مبينًا أنَّها: ممَّن حضرنَ بيعةَ الرضوان، وكانت ممَّن يَغزون مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم من النِّساء، كنَّ يخدمنَ الجيشَ، ويسقينَ الماء، ويقمنَ على الجرحَى فيداوينَهم، ويحملنَهم فيرددنَهم إلى المدينة[14].

ويضيف: كان لها قَدرٌ عظيم، ومنزلة رفيعة[15].

ويختم بقوله: هؤلاء السيدات الصحابيَّات رضي الله عنهنَّ، قد كنَّ يشاركن الرجالَ في الحرب، وهي أبعد الأشياء عن طبعهنَّ، ويقمنَ معهم بما يليق بهنَّ، فلنا فيهم وفيهنَّ القدوة الحسَنة[16].

فهي الشخصيَّة التي يَحتاجها المجتمَع الجزائريُّ في ذلك الحين؛ المرأة التي تُبايِع وتَغزو مع الرِّجال، ولم تَخلُ حياة الجزائريين من هذا النَّموذج من النِّساء، منذ أن دخلَت فرنسا الجزائر حتى خرجَت صاغرَة منها، فالحركات التحرريَّة لم تتوقَّف هنيهة.

وهكذا يَكتب رحمة الله عليه تحت عنوان: النساء في الحرب: ما كانت تَقوم به الربيع ومَن معها من النِّسوة في الغَزو أصلٌ لتأسيس فرقةِ النِّسوة الممرِّضات في الجيش، ويَستتبع ذلك لزوم تهيئتهنَّ لذلك بتعليمهنَّ – غير مختلطات بالرِّجال – ما يحتَجنَ إليه في الحرب من القيام بعملهنَّ، والدِّفاع عن أنفسهنَّ، واستعمال ما يقيهنَّ من الهلاك، مع تدريبهنَّ على ذلك كله، وتمرينهنَّ عليه[17].

ثمَّ يختم منبِّهًا أن نشرِك معنا نساءَنا فيما نقوم به من مهام مصالحنا؛ ليقمنَ بقسطهنَّ ممَّا يليق بهنَّ في الحياة، على ما يفرضه عليهنَّ الإسلام من صونٍ، وعدم زينة، وعدم اختلاط، ولن تكمل حياة أمَّة إلَّا بحياة شطرَيْها: الذَّكَر والأنثى[18].

3- سمية بنت خياط: بعد أن يبيِّن أنَّها من السَّابقين الأوَّلين في الإسلام، وكيف كانت تعذَّب أشد العذاب في الله حتى نالَت الشهادة، يكتب متأسيًا بها: لقد كانَت هذه العجوز الضَّعيفة مثَلًا رائعًا في الصَّبر والثَّبات واليقين، حتى فازَت بتلك الأولية، وكانت في ذلك أحسَن قدوة – لا لخصوص النِّسوة – بل لأهل الرجولة والقوَّة، فاللهمَّ إيمانًا كإيمان هذه العجوز، وصبرًا كصبرها، وشهادةً كشهادتها[19].

مَن منَّا لا يَعرف قصَّةَ آل ياسر، وصبرهم على أشدِّ التعذيب بالأبطح في رَمضاء مكَّة؟

ومَن منَّا لا يَعرف ما عاناه الجزائريُّون أثناء حرب التحرير الكبرى في كلِّ أصقاع الوطن ودون استثناء؟

فكأنَّما هذه القصَّة قبس أَذكى به ابن باديس الشعلةَ الثوريَّة في نفوس الجزائريات، وهو القائل: هذه سنَّةُ الله عرفناها في تاريخ البشريَّة؛ لا بدَّ في سبيل الحق من ضحايا[20].

وكيف كانت أُمَّهاتنا في الصفوف الأماميَّة، ولا غَرو في ذلك كما قال ابن باديس: وانظر إلى حظِّ المرأة في السبق إلى تأيِيد الإسلام بالنَّفس والمال، والعطف والحنان، فأول مالٍ وجدَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هو مالُ خديجة، وأول عطفٍ لقيَه وأول قلب انفتَحَ لسماع كلمةِ النبوَّة هو عطف خديجة وقلب خديجة، وأول شهيدةٍ في الإسلام هي سميَّة[21].

ويختم معقبًا: فلن يَنهض المسلمون نهضةً حقيقيَّة إسلاميَّة، إلَّا إذا شاركَتْهم المسلمات في نَهضتهم في نِطاق عملهنَّ الذي حدَّده الإسلامُ، وعلى ما فرَضه عليهنَّ من صون واحتشام.

4-هند بنت عتبة: يقول فيها: كانت امرأة لها نَفس وأنَفَة، وفيها صراحة وجراءة واعتداد بنفسها[22].

وبعد أن يبيِّن قصَّةَ إسلامها، وكيف صدَقَت وأخلصَت فيما آمنَت به، يوضح للقارئ العبرة والقدوة قائلًا: انظر إلى الإسلام الصادِق كيف تظهر آثارُه في الحين على أهله، وكيف يَقلِب الشخصَ سريعًا من حال إلى حال، وبه تَعرِف إسلامًا مِن إسلام[23].

نعرف جيدًا طبيعة الجزائري في ثَباته على رأيِه، وحِرصه على أن يَموت دون ما يراه صائبًا من مبادئ وأفكار، والجزائري كثيرًا ما يعتزُّ بالأَنَفة، ويراها صِفةً لَصيقة بهُويَّته.

فهل ذلك ينطبق على تصوير الإمام لهذا؟ انظر ماذا قال فيها:

كانت امرأة لها نَفس وأنَفَة، وفيها صراحة وجراءة واعتدادٌ بنفسها، وأهل هذه الأخلاق إذا كفَروا كفَروا، وإذا أسلَموا أسلَموا بصدقٍ، وكذلك كانت هند في جاهليَّتها وإسلامها.

ولا يفوتني أن أنبِّه إلى قوله: “وانظر إلى حِلم النبيِّ، كيف قابَل هذه المرأة التي كان منها ما كان في يوم أُحد، وكيف واجهَته بما واجهَته به عند قوله: ﴿ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾ [الممتحنة: 12]، ثمَّ أعرض عن ذلك كأنَّه لم يَسمعه.

وفي هذا دعوة إلى رَحمة المرأة والتجاوُز عن زلَّاتها”.

5- الشفاء بنت عبدالله القرشية: يقول عنها: كانت من المهاجرات الأُول، من عاقِلات النساء وفضلياتهنَّ، وكانت تحسِن الكتابةَ، وهي التي قال لها النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((ألا تُعلِّمين هذه – حفصة – رُقيةَ النَّملة، كما علَّمتيها الكتابة))[24].

أمَّا عن منزلتِها في المجتمع، فيضيف: كان عمر رضي الله عنه يرعاها ويفضِّلها ويقدِّمها في الرَّأي؛ تقديرًا لسابقتها وعقلِها، ومعرفتها وفضائلها، وكان ربَّما ولَّاها شيئًا من أمر السوق[25].

وللاقتداء يبيِّن: تتعلَّم المرأة الكتابةَ، وتعلِّم غيرَها، وتتولَّى تدبيرَ أملاكها وتجارتها، وما تستطيعه من عمَلٍ عام، كما تولَّت الشِّفاء أمرَ السوق في بعض الأحيان، ولا شك أنَّ ما أهَّلها لذلك عند عمر معرفتُها بالكتابة[26].

6-الخنساء وبنوها: يَفتتح الكلامَ عنها بقوله: مَن يَجهل بكاءَ الخنساء على صخرِها؟ فقد ضربَت العربُ بحزنِها عليه الأمثالَ.

وبعد سَردٍ جميل لقصَّة استشهاد أبنائها الأربعة، وصَبرها واحتسابها الأجرَ عند الله، يقول:

أين أخوانِ من أربعة أبناء؟ وما ذلك الجزَع عن ذينك وهذا الصَّبر عن هؤلاء؟ وما الذي قلبَ طبعَ هذه النَّفس من جَزوعةٍ مضطرِبة، إلى مطمئنَّة راضية؟ هو واللهِ الإسلامُ؛ الإسلام الصَّحيح كما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم دينًا فطريًّا.

مبينًا مكانتها حين يقول: فاذكروا أنَّ رسول صلى الله عليه وسلم الله كان يَستنشدها فيعجبه شِعرُها، فكانت تنشده وهو يقول: ((هيه يا خناس))، ويومئ بيدِه[27].

 

الهوامش:

[1] “المرأة بين الفقه والقانون”؛ د: مصطفى السباعي، ص: 30.

[2] رواه أحمد وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها.

[3] “إسلامنا”؛ السيد سابق، ص: 210.

[4] “إسلامنا”؛ السيد سابق، ص: 211.

[5] “إسلامنا”؛ السيد سابق، ص: 212 (بتصرف طفيف).

[6] “المرأة بين الفقه والقانون”؛ د: مصطفى السباعي، ص: 30.

[7] “قضايا المرأة”؛ محمد الغزالي، ص: 16.

[8] “آثار الإمام عبدالحميد بن باديس” ج 3، من مطبوعات وزارة الشؤون الدينية – الطبعة الأولى – ص: 21.

[9] عبدالحميد بن باديس – ج 3، من مطبوعات وزارة الشؤون الدينية – الطبعة الأولى – ص: 21، آثار الإمام.

[10] “رجال السلف ونساؤه”؛ للإمام العلامة عبدالحميد بن باديس، ص: 73.

[11] “رجال السلف ونساؤه”؛ للإمام العلامة عبدالحميد بن باديس، ص: 74.

[12] “رجال السلف ونساؤه”؛ للإمام العلامة عبدالحميد بن باديس، ص: 74.

[13] “رجال السلف ونساؤه”؛ للإمام العلامة عبدالحميد بن باديس، ص: 73 – 74.

[14] نفس المرجع، ص: 75 .

[15] ص: 75.

[16] ص: 78.

[17] ص: 76.

[18] ص: 78.

[19] نفس المرجع السابق، ص: 81.

[20] ص: 81.

[21] ص: 80.

[22] ص: 85.

[23] ص: 86.

[24] آثار الإمام عبدالحميد بن باديس، ج 3، من مطبوعات وزارة الشؤون الدينية – الطبعة الأولى، ص: 61.

[25] آثار الإمام، ص: 61.

[26] آثار الإمام، ص: 61.

[27] آثار الإمام، ص: 139، 140.

آخر التغريدات: