مالك بن نبي يتحدث عن نفسه

مالك بن نبي يتحدث عن نفسه

بقلم: معمر حبار –

بين يدي الآن مقالا للأستاذ مولود عويمر، بعنوان “مالك بن نبي .. راهب الفكر”، ومما جاء فيه.. “لم يعش مالك بن نبي لذاته وإنما عاش للفكرة وذاب في معانيها، وهكذا لم يتحدث عن نفسه في مذكراته، وإنما فضل أن يخاطب قارئه من وراء الحجاب، ولم يتحدث عن الأنا”.

والدارس لكتب بن نبي، يلاحظ أنه تحدّث عن حياته خاصة في مذكراته، بل أفرد لها اسما يدل على حياته الشخصية، كـ “الطفل”، “الطالب” “الكاتب”، وهذه كلّها أسماء تدل على حياته وشخصه، ضف لها طبعا كتابه “العفن”، الذي ذكر فيه معاناته مع جمعية العلماء، والساسة الجزائريين والعرب، والاستدمار الفرنسي، والصراع الفكري الذي كان يديره ماسينيون، وذكر أسماء ثقيلة بعينها أساءت إليه.

ولكي أتأكد جيدا من المسألة، وضعت كل كتب مالك بن نبي الموجودة بمكتبتي، وراجعت فهارس كل كتبه، فلم أجد عنوانا يتحدث من خلاله عن حياته، باستثناء المذكرات طبعا، لكن يذكر من حين لآخر محطات من حياته الشخصية، ليوضح الفكرة المعروضة أوالشخص المعني.

لكن الدارس لكتابه “الصراع الفكري في البلاد المستعمرة”، يلاحظ جليا، أن الكتاب يعتبر عرضا لحياة بن نبي الشخصية من خلال الحالات المريرة التي تعبّر عن الصراع الفكري الذي عاشه مع مختلف الأشخاص والظروف. ويعتبر كتابه هذا عرضا لحياة بن نبي الشخصية لكن في إطار الصراع الفكري، بل إن فهم حياة بن نبي الشخصية، يتطلب الوقوف طويلا عند كتابه “الصراع الفكري في البلاد المستعمرة”، وكتب أخرى ليس هذا مجال التطرق إليها.

ثم إن الدارس لكتب بن نبي، ومحاضراته ومقالاته، يلاحظ أن بن نبي تحدث عن تفاصيل من حياته التي تهم الفكرة التي طرحها للنقاش والنقد، لكن ما يجب التركيز عليه، أن بن نبي تطرق لحياته الشخصية، بالقدر الذي يخدم فكرته ومشروعه الحضاري.

ما يجب الإشارة إليه في هذه الورقة، أن بن نبي لايختلف عن مفكرين آخرين، تطرق لحياته حين تستدعي الفكرة ذلك، وسكت عن بعض جوانبها حين يرى أن مشروعه الحضاري يستلزم ذلك، وبغض النظر عن موافقة القارئ المتتبع أو معارضته له، فإن بن نبي يدرس في هذا السياق، ولا داعي للقول إنه لم يتحدث عن حياته، وهو قد تحدث عنها بالقدر الذي يراه كافيا، وحسب الظروف التي أحاطت بشخصه وفكره.

فعلا بن نبي لم يطنب في التحدث عن حياته، لكن القول أن بن نبي ” لم يتحدث عن نفسه في مذكراته”، إجحاف في حق الرجل الذي أفرد كتبا يتحدث فيها عن حياته عبر مذكراته، ناهيك عن مقتطفات متناثرة عبر تراثه الفكري، حين يستدعي المقام والمقال ذلك.

السؤال الذي يجب طرحه والإجابة عنه، لماذا بن نبي لم يذكر أشخاصا بعينهم، باستثناء الذين ذكرهم في كتابه “العفن”، خاصة حين يتعلّق الأمر بالساسة الجزائريين الذين عايشهم، أو بعض الأشخاص الذين عرفهم في الخارج. وقد قرأت له أكثر من مرة، قوله لا أحب أن أذكر اسم فلان، لأمر يتعلّق بالصراع الفكري.

إذن هناك أسماء لم يذكرها بن نبي، لأسباب تتعلق بالصراع الفكري، من هي هذه الأسماء التي لم يذكرها؟، ولماذا لم يذكرها؟، وهل ذكرها المختصون بتراث بن نبي فيما بعد؟، هذه هي الأسئلة التي يجب أن تطرح، ويجد لها القارئ المتتبع إجابة شافية كافية.

آخر التغريدات: