محمّد حمدان الونّيسي

محمّد حمدان الونّيسي

بقلم: محمد الهادي الحسني –

للإمام عبد الحميد ابن باديس –رحمه الرّحمن- على الجزائريين أفضال كثيرة، وأوّل من كان للإمام فضل عليهم أستاذه الشيخ محمد حمدان الونّيسي، إذ “لولا تتلمذ الشيخ عبد الحميد ابن باديس عليه لأمْسى نسيًا منسيًا، فابن باديس هو من حفظ اسمه وخلَّد ذِكره”، كما يؤكِد الأستاذ لحسن ابن علجية، الذي يسره الله – الميسر لكلّ خير – ووفقه، لإحياء ما نُسيَ من أخبار هذا العالم، وجمْع ما تفرّق منها، وذِكر كثير مما جُهل منها…

لقد عزم الأستاذ لحسن ابن علجية فتوكّل على الله – سبحانه وتعالى – وجمع ما استطاع إليه سبيلاً من معلومات عن الشيخ محمّد حمدان الونّيسي، أخذت منه وقتًا طويلاً وجهدًا كبيرًا، وأخرجها للنّاس في كتاب، سمّاه “العلاّمة محمّد حمدان بن أحمد الونّيسي، القسنطيني، المدني: حياته، وآثاره”… فمن حقّ الأستاذ ابن علجية – العامِل في صمت – أن يُذكر ويُشكر على علمه.

وقد ألحق الأستاذ بسيرة الشيخ الونّيسي رسالتين من آثاره هما: “القول العنيف في الرّدّ على من أجاز الفتوى بالقول الضعيف”، و”فتح اللّطيف الخبير في جواز التعزير بالمال…”. وممّا عرفناه عن الشيخ الونّيسي ندرك أنّه كان في مكنته أن يترك آثارًا مكتوبة كثيرة؛ ولكنّه كان يَرْتَئي –كما قال لتلميذه محمد العربي التّبّاني إنّ “منْ كان عنده علمٌ فليُعلّم النّاس” (ص119)، ولو جمع الشيخ بين الأمرين –التعليم والتأليف- لكان أفضل وأكمل. خاصّة بعدما تبيّن ممّا أورده الأستاذ ابن علجية من أقوال العلماء في الشيخ محمد حمدان الونّيسي تدّل على غزارة علمه، وعلو كعبه، وانفساح ذرعه، ومن أهّم من أشاد بالشيخ حمدان الشيخ بخيت المطيعي، مفتي الديّار المصرية، الذي قال للإمام ابن باديس عن الشيخ حمدان “ذلك رجل عظيم”، وكذلك الأستاذ محمد كُرْد علي، رئيس المجمع اللّغوي السّوري، الذي وصف الشيخ حمدان بأنّه: “عين أعيان مدرسّي الحرم الشريف”، والأستاذ لطفي السيّد، والزّعيم اللّيبي سليمان الباروني… (صص 106-115)، ولمّ يشّذ عن الإشادة بالشيخ حمدان إلاّ الشيخ محمد بن الصديق الغماري المغربي، وذلك في مسألة إن كانت قد وقعَت كما أوردها الشيخ أحمد بن محمد الصديق الغماري فالحقّ مع الأخير لا مع الشيخ حمدان… (اُنظر ص 112- 113).

والونّيسي، نسبة إلى بلدة “سيدي ونّيس” غير البعيدة عن مدينة “عين مليلة”، وقد وُلد في مدينة قسنطينة في 1856م، وتوفّاه الله في المدينة المنوّرة في سنة 1920م.

تعلّم الشيخ حمدان في قسنطينة، وأشهر من أخذ عنهم العلم الشيخ عبد القادر المجّاوي (ت1914م) ثم عيّن مدرسًا في 1881م، وقد استمرّ في التدريس حوالي 30 سنة، إلى أن هاجر إلى المدينة المنوّرة طوعًا أو كرهًا… وقد نال شهرة كبيرة، وحاز على تقدير المفتشين الفرنسيين من حيث طريقة تدريسه… و”عدّ ثاني شخصية علمية في قسنطينة بعد المجاوي”… خاصّة بعدما نُقِل هذا إلى مدينة الجزائر…

عُرف عن الشيخ حمدان أنّه أوصى تلميذه عبد الحميد ابن باديس – وربّما أوصى غيره – بعدم توّلي أيّ وظيف، ولا شكّ أنّ هذه الوصيّة كانت بعد تجربته هو شخصيًا، فقد أحسّ بنوع من عدم الحريّة، من ذلك منع السلطات الفرنسية المدرسّين من تدريس “باب الجهاد” في الفقه الإسلامي.. وكذلك بعد رفض السّلطات الفرنسية لطلب الشيخ الونّيسي في 1889م بتعيينه مفتيًا للمذهب المالكي في الجزائر خلفًا للشيخ علي ابن الحفاف…

لقد شارك الشيخ حمدان مع أعيان قسنطينة في التوقيع على عريضة سنة 1891م لمطالبة السّلطات الفرنسية بإصلاح أمور كالتعليم، والقضاء، والضرائب..

لا شكّ أنّ السّلطات الفرنسية أدركت أنّ الشيخ حمدان “غير قابل للاستحواذ والاحتواء”، خاصّة بعد تدريسه لباب الجهاد، ومشاركته في التوقيع على العريضة المطالِبة بالإصلاحات، واعتذاره عن قَبُول الوسام المقترح له من الأكاديمية الفرنسية؛ كلّ أولئك جعل تلك السّلطات تقرّر طرد الشيخ حمدان من الوظيفة.. فتمّ ذلك في سنة 1910م، فانتقل إلى المدينة المنوّرة حتى توّفاه الله في 1920م، وقد نصح الإمامَ ابن باديس أن يبقى في المدينة المنوّرة عندما أدّى هذا فريضة الحجّ في 1912م، ولكن الإمام ابن باديس أخذ بنصيحة الشيخ حسين أحمد الهندي بالرّجوع إلى الجزائر وخدمة الإسلام واللّغة العربية فيها… وقد صرّح الإمام ابن باديس فيما بعد في افتتاح مدرسة دار الحديث بتلمسان قائلاً: “نحن قومٌ لا نهاجر، نحن حرّاس العربية والإسلام والقومية بكلّ مدعّماتها في الجزائر”. بل اعتبر الهجرة بالنسبة إليه ولمن هم في مقامه “فرارًا من الزّحف” كما شهِد الإمام محمّد البشير الإبراهيمي.

لقد كان الشيخ حمدان كأكثر علماء عصره صوفيًا، ومن الرّاجح أنّه لم يكن منتميًا إلى طريقة معيّنة، رغم أنّ إحدى هذه الطرق تنسبه إليها، وتُذيع أنّه كان “مقدمًا” لها، ولو كان كذلك لدافعت عنه لدى السّلطات الفرنسية التي تحظى لديها بمكانة ممتازة… وتبييض الأعمال أمر خسيس كتبييض الأموال.

وما أظنّ أنّ الشيخ حمدان التقى قدور ابن غبريط، الأشّد ولاءً وحبًا لفرنسا وخدمة لها، التي أرسلته في 1916م إلى الحجاز للضغط على المسّمى “الشريف” حسين لإعلان الثورة على تركيا، لإخبال أمرها، حيث كانت حليفة لألمانيا في الحرب العالمية الأولى…

وأنبّه إلى أنّني كتبت منذ فترة قصيرة كلمة عن الشيخ محمد الطاهر الونّيسي، نجل الشيخ حمدان، وقلت إنّه عاد إلى الجزائر في 1920م بعد وفاة والده، وذلك اعتمادًا على روايات شفهية لم تكن دقيقة، بينما هو قد عاد – صحبة والدته – قبل ذلك، وقد يكون ذلك في 1916م أو بعدها بقليل عندما رحَّلت السّلطات التركية سكان المدينة المنوّرة إلى دمشق لأسباب تموينية، ففضّل الشيخ الطاهر أن يعود إلى الجزائر بدل الذهاب إلى دمشق.

آخر التغريدات: