المنهج السياسي للفكر الباديسي

المنهج السياسي للفكر الباديسي

بقلم: التهامي مجوري –

يقول الدكتور عبد العزيز فيلالي رئيس مؤسسة الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله، أن الإدارة الفرنسية لم تكتشف أمر ابن باديس وأهمية نشاطه، إلا عندما رصدت اتصالاته بالحركة الوطنية والحركة الإصلاحية بتونس، وذلك مع بداية العشرينيات من القرن العشرين. اما قبل ذلك، فلم يكن في تقديرها أن لذلك الشيخ الذي يعلم الأطفال والكبار القرآن الكريم ومبادئ في اللغة العربية في الجامع الخضر بقسنطينة، غاية سياسية من ذلك النشاط المتواضع، في الجامع الأخضر، الذي بدأ فيه التدريس ابتداء من 1913.

وعندما يقال إن الإدارة الاستعمارية التي كانت تتابع وتتحسس حركة الجزائريين كما تتحسس دبيب النمل على الصخر، لم تعرف شيئا عن ابن باديس خلال سبع سنوات على الأقل من النشاط، فمعنى ذلك أن ابن باديس لم يكن لنشاطه بُعْد سياسي، أو أنه كان له بعد سياسي، ولكن فطنته كانت فائقة في حماية مشروعه من الأجهزة الأمنية، أو هي مرحلة جزئية من مشروع كلي، قد تكون متبوعة بمراحل أخرى.

ومهما يكن من الأمر فالوضع في ذلك الوقت -1913/1920-، لم يكن هناك حراك سياسي يمكن ان تشعر به الإدارة أو تخافه، من أي جهة كانت؛ لأن المرحلة يومها كانت مرحلة تحول، من مرحلة المقاومة الجهادية المسلحة إلى البحث عن سبل أخرى لمقاومة الاستعمار، أنجبت حركة الأمير خالد وحركة العلماء عبر ربوع الوطن، وميلاد نجم شمال إفريقيا…إلخ.

لقد انطلق ابن باديس في حركته التعليمية تلك من “رؤية”، وضع أسسها مع رفيق دربه، الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، وهي “تربية جيل على فكرة صحيح ولو مع علم قليل”، وللوصول إلى هذه الغاية، بدأ بالتعليم كوسيلة أولى، ثم بالإعلام بالكتابة في الصحف والمجلات وإنشاء المجلات والجرائد، ثم الانتقال إلى العمل الجماعي المنظم، والعمل المشترك مع القوى السياسية الوطنية، التي بدأت مع حركة الأمير خالد وتوسعت فشملت غيرها من التوجهات، التيار الاستقلالي والاندماجي والحزب الشيوعي..إلخ، تلك هي منهجية ابن باديس في العمل الإصلاحي السياسي، حيث لم يفصل المنهجية الإصلاحية الشاملة المنطلقة من صياغة العقلية الاستقلالية، عن النضال السياسي الذي يعتبره ابن باديس وسيلة من وسائل النضال الشامل، وليس كل شيء.

وأول ما يمكن اعتباره ظهورا سياسيا واضحا للعيان، هو عندما أسس جريدة المنتقد سنة 1925، وهي جريدة ناقدة شديدة على الاستعمار وأعوانه، شعارها كان معبرا عن خيار سياسي واضح، وهو “الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء”، وكذلك عنوان الجريدة “المنتقد”، المعبر هو الآخر عن موقف من السياسة الاستعمارية، ورد قوي على الطرقية الداعمة للإستعمار بشعور ومن غير شعور، حيث كانت تقول “اعتقد ولا تنتقد”، وتطالب المريد بأن يكون بين يدي شيخ الطريقة، كالميت بين يدي الغسال….، ولكن هذه الجريدة قد عطلت بعد صدور 18 عدد منها، لتحل محلها جريدة الشهاب سنة 1926، التي اتخذت أسلوبا أقل حدة من لغة المنتقد، فكان شعارها “جميع الحقوق لكل من قاموا بكل الواجبات”، أما مرجعيتها فهي مرجعية إسلامية “لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح له أولها”، منطلقة من الوحي كتابا وسنة، ومن النموذج التطبيقي لذلك في الصدر الأول، الذي أقام الدين على أسسه المتينة.

وإذا كان التعليم بالمسجد يقوم على إعداد الجيل إعدادا علميا وتربويا على فكرة صحيحة ولو مع علم قليل، فإن الصحافة والكتابة فيها، كانت تقوم على بناء رأي عام، وتربية وتهذيب وتوجيه الأذواق والأخلاق والتوجه العام، لفئات أخرى من المجتمع حَصَّلَتْ شيئا من التعليم، وهي بطبيعتها مستعدة لتلقي الصوت الوطني الناضج.

ولذلك لم يمر وقتا طويلا، حتى بدأت الأصوات تتعالى من هنا وهناك، مطالبة بإنشاء هيئة وطنية تجمع  هذه الفئة المتجانسة من العلماء العاملين، أمثال العقبي وابن باديس والإبراهيمي وخير الدين والتبسي والعمودي وبيوض وأبو اليقضان وغيرهم..، من الذين كانوا ينشطون في ربوع الوطن على نفس المنهج الذي سار عليه ابن باديس في قسنطينة، فقد دعا الشيخ مولود الحافظي رحمه الله إلى تأسيس “حزب ديني” كما قال..، إلى أن تأسست جمعية العلماء في عام 1931.

والبعد السياسي لتأسيس الجمعية، أقل ما يقال فيه أنه لملمة لجهود، مبعثرة هنا وهناك، وابن باديس كان يدرك هذا المعنى حتى انه تعمد الغياب عن لقاء التأسيس لإبعاد الشبهة السياسية عن الجمعية الوليدة، وانتخب رئيسا لها غيابيا.. ورغم أن الجمعية في قانونها الأساسي ومواثيقها الرسمية تنص على أنها ليست سياسية، فإنها لم يمض عليها سنتين حتى نشأت فكرة الاستيلاء عليها من طرف مجموعة على غير المنهج الذي عرف به المصلحون.

وكون الجمعية ليست سياسية، لا يعني أنها تفتقر لمنهج في ممارسة السياسة، وإنما لكونها جمعية، لا تمارس السياسة كما تمارسها الأحزاب، وإنما تمارسها كحركة دعوية إصلاحية، لها تصور لمحاربة الاستعمار، ومنهج لبناء المجتمع الحر المستقل في نفسه، وهو المجتمع القادر على تغيير الوضع، والذي سيحقق الاستقلال على الأرض، وذلك لأن الجمعية تعتقد ان العقلية الخرافية لا يمكن أن تحقق استقلالا؛ لأنها عقلية ليست حرة، و كما قال الشيخ الإبراهيمي رحمه الله “محال أن يتحرر بدن يحمل عقلا عبدا”.

وقد ظهرت هذه المنهجية الباديسية في تصور ابن باديس للجزائر التي قال عنها “إنها ليست فرنسا ولا تريد أن تكون فرنسا ولا تستطيع أن تكون فرنسا ولو أرادت”، وكما ظهرت هذه المعاني أيضا في قوله “والله لو قالت لي فرنسا قل لا إله إلا الله ما قلتها”، وذلك عندما طلبت منه فرنسا أن يرسل لها برقية تأييد في دخولها الحرب مع ألمانيا، فاعتبر ابن باديس ذلك موقفا سياسيا، ورفض وقال قولته تلك.

لقد عيب على ابن باديس مشاركته في المؤتمر الإسلامي، باعتباره مؤتمرا مطلبيا، منهجية الجمعية تقتضي ألا تطلب من فرنسا، لأن الاستعمار لا يعطي شيئا، ومن أراد شيئا منه ما عليه إلا افتكاكه منه.. وبينما الحقيقة أن مشاركة ابن باديس وإخوانه، لم تكن من أجل المطالبة، وإنما من أجل إنقاذ الموقف؛ لأن الاندماجيين يومها كانوا قد قرروا أن تقديم مطالب للإدارة الاستعمارية، وتلك المطالب كانت ضمن مشروع اندماجي لأن القائمين عليه من النواب وهم اندماجيون.. فكانت مشاركة الجمعية، بمثابة إنقاذ تلك المطالب من الغاية الاندماجية، بما أدرجته الجمعية من روحها العربية الإسلامية القومية الجزائرية في المطالب.

وبعد فشل المؤتمر سنة 1936، الذي هو من تصميم ابن باديس، عندما علم أن الاندماجيين مقبلون على رفع مطالب لفرنسا، وقد كان منعرجا سياسيا في تاريخ الجزائر، إذ لأول مرة تجتمع قوى سياسية وطنية بهذا الحجم، فعبر ابن باديس عن هذا الفشل بقوله “أَمَا آن أوان اليأس من فرنس؟”، كما غَيَّر شعار مجلته الشهاب بعد عودته من فرنسا مباشرة، التي كان شعارها كما أسلفنا “جميع الحقوق لمن قاموا بكل الواجبات”، إلى قوله “لنعتمد على أنفسنا ونتكل على الله”.

لقد واصلت جمعية العلماء ممارستها للنضال السياسي وفق تلك المنهجية، حتى بعد وفاة الشيخ ابن باديس في 16 أفريل 1940، وهي أنها تعتمد في ممارساتها، المنهج الإصلاحي العام، وليس النضال الحزبي، بما في ذلك النضال السياسي، الذي ظلت تتبناه بطريقتها المغايرة للأحزاب.

آخر التغريدات: