إشكالية النهضة واستلهام مالك بن نبي للإسلام والحداثة

إشكالية النهضة واستلهام مالك بن نبي للإسلام والحداثة

بقلم: محمد عبدالنور –

مفيدة جدا هي محاولة الغوص في مكاشفة علاقة الإسلام بالحداثة عند بن نبي، ذلك أنها لم تكن من منطوقات محاولاته التي أوردها في مشروع مشكلات الحضارة، والتي أصبحت اليوم أكثر الإشكاليات الفكرية المطروحة اليوم انتشارا وتقبّلا، فهل يعني هذا أن بن نبي تجاوز المرحلة الراهنة وتخطاها فكريا أم أنه على عكس ذلك لم تكن بعدُ واردة عنده؟

الواقع أن الفرض الثاني لا يحضر إلا جدلا، فالمعلوم أن بن نبي عايش زخم الحداثة فعليا في بداياتها التاريخية وفي عقر دارها فرنسا، والأهم من ذلك أن كتاباته تشي باطلاع أثير على الحالة الفكرية السائدة حينها في الغرب، وانكبابه على بعض الأعمال خاصة الأعمال الأساسية والتي تصدرها مفكرون على غرار هيبوليت تين وأرنولد توينبي …

أما كيف كان بن نبي متجاوزا لإشكاليات العقل العربي-الإسلامي الراهنة والمتمثلة في المقابلة المبتذلة بين الإسلام والحداثة؟ فتجلى ذلك في المسعى التوظيفي الذي انتحله بن نبي للموروث الحداثي الغربي، فهو قد كرّس كل معارفه الحديثة في خدمة مشروعه الفكري المتمثل في تقديم الخطاطة الأساسية للنهوض الحضاري في العالم الإسلامي.

لم يتخذ بن نبي من الحداثة الغربية غاية تحتذى، بل جعل منها أداة ومعطى يوظّف في تلمّس أسباب وسبل النهوض. وذلك ليقينه وإدراكه أن الأسباب العملية للنهوض لا توجد في تفاصيل التراث الفقهي والديني الإسلامي إلا كروح تُستلهم لا غير، أعني أنه افتك روح الدين في سنين طفولته وهو الناشئ بين رحاب الكتاتيب القرآنية، فلم تكن غاية الدين عنده أحكام شرعية أو حدود تطبق: لا يعني ذلك أنه كان ضد الشرع والحدود لكنه كان أكثر استلهاما لباب العقيدة الذي ينعكس رأسا على محاولته التنظيرية، كما تجب الإشارة إلى أن الشريعة وحدودها ليست الغاية بل هي أداة في سبيل تحقيق غايات أكبر، تبلورة بعد نبي وضوح وتمثلت في فلسفة الاستخلاف، ومنه فلن تكون الشريعة والحدود في الفكر النهضوي التجديدي عموما إلا وسيلة وأهدافا لتحقيق فلسفتها الكبرى.

فجمع بن نبي كل ذلك في وعاء النهوض العملي، فلم يكن بن نبي عالم كلام يبحث عن تنميق المعنى وتزويقه بالحداثة والدين ولكنه كان يبحث عن أن تحمل أفكاره كثافة الواقع ذاته.

تتلمذ بن نبي سواء على الحداثة أو على الدين كان من أجل غرض عملي وإن بدا فكريا محضا، وهذا الذي علينا أن نأخذه أول ما نأخذه من بن نبي أن يبني المفكر أسئلته الخاصة فلا يكون عالة على غيره ولا حَكَما عليه أيضا، بعدها يبني بالمقابسات عالَمه النظري في أي مجال كان ذلك، وهكذا تنطلق عجلة الإبداع النظري العلمي في كل مجالاته، أخيرا تبقى الإشارة ضرورية إلى أن الأصالة الفكرية كما تحدثنا عنها هي التي تضمن فاعلية الطرح وأثره الفعلي.

التعقيب الأول: القبول بالحديث عن “حداثة إسلامية” لا يكون الا تجاوزا، وذلك لتفادي استحضار دلالة تلفيقية عن علاقة الإسلام بالحداثة، وأتصور أن الأجدى الحديث عن التجديد كونه يرتبط بالذات الاسلامية مبنى ومعنى، وكذا باعتباره المقوم الرئيس لفكرة النهضة، والنهوض هنا معطى تاريخي يمكن أن ينسحب على أي كيان ثقافي مستقل على غرار الثقافة الاسلامية.

التعقيب الثاني: لا يمكن حصر فكر بن نبي في حزب سياسي أو حتى مدرسة فكرية، الفكر البنبوي أكبر من أن يكون تعبيرا عن ذوق معين لكتلة من الناس وإنما هو تفكير سنني موضوعي ينهل منه الجميع.

التعقيب الثالث: بخصوص التمييز بين الحداثة وما يمكن تسميته بـ”مواكبة العصر و امتلاك القدرة العلمية و المهارة الصناعية” وهو مسعى حميد لسحب الشحنة الأيديولوجية من “الفلسفة التنويرية الغربية”، وهذا مهم من ناحية تعميق تنزيه بن نبي عن الارتباط بالحداثة فضلا عن اعتباره مبشرا بها، وقد كان هذا تحديدا مسعى الداخلة أعلاه، وأما القصد من ذكر “الحداثة” هنا فهذا لكونه اليوم هو الأكثر رواجا بين النخب العربية المثقفة والتي صار بمثابة خبزها اليومي، لذلك لجأت إليه كمصطلح لافتكاك شحناته لصالح المعنى المراد من أن بن نبي كان متحررا من الارتهان لأيديولوجيا الحداثة، وقد قدمت أن التجديد هنا سيكون البديل المفضل عن الحداثة كما أني قد كتبت مقالا أميز فيه بين التجديد والحداثة (تفاصل وتقاطع النزعة الحداثية مع المدرسة التجديدية. وكذا مقال التجديد بوصفه إبستيمولوجيا) تحصينا للتجديد من الاستلاب الذي يمكن أن يتعرض له من طرف النزعة الحداثية.

التعقيب الرابع: منطلق مالك بن نبي هو التربية الإسلامية الراسخة التي تلقاها في صباه والتي لم يحد عنها رغم توغّله الكبير في الفلسفة التنويرية، وفي ذلك كان نجاحه وكذا جهاده الفكري بأن احتفظ بالجوهر العقدي ليخرج إلينا في النهاية بصبغة فكرية لم تفقد جوهرها، وفي هذا أيضا حقق بن نبي طفرة في فهم الدين، ومعنى ذلك هو جمعه بين سمتي التجديد والكونية فإذا كانت السمة الثانية ظاهرة جدا في كتاباته إلا أنه لم يكن تجديديا بالمعنى الظاهر لأنه لم يُعن بالعقائد كما كان محمد إقبال مثلا – وكذلك كانت عالمية إقبال غير ظاهرة بل مبطنة – والسمتان هما حدان أقصيان وفي ذات الوقت التزامان ضروريان، فقد كان بن نبي أولا ملتزما بالتجديد والكونية وبالغا حدودا قصوى فيهما، وهذا الذي يغيب عن النخبة العربية الحداثية اليوم، ذلك أن مجرد الانبساط لمفهوم الحداثة هو انبتات عن الأصالة المُفقِدة بدورها للفاعلية، وأن فاعليتها لن تكون إلا ظرفية وغير متوغلة في أعماق الوعي العام للناس من الناحية العملية، وأن السير وفقا لمفهوم الحداثة مهما كان سيكون تقليدا لا يرجى منه الكثير بل وحتى نفعه سوف لن يُستَشفّ إلا بالعَرَض، وذلك الفرق الأكبر بين المجدد العالمي الذي تكون كل ثمراته الفكرية على قاعدة النفعية المباشرة بعكس الحداثة التي هي بالضرورة تقليدية والتي لن تفيد إلا بالعَرَض الجزئي الانتقائي… والله أعلم

آخر التغريدات: