تأملات في الدين والسياسة: الشيخ راشد الغنوشي متحدثا عن الشيخ عبد الحميد ابن باديس

تأملات في الدين والسياسة: الشيخ راشد الغنوشي متحدثا عن الشيخ عبد الحميد ابن باديس

بقلم: الشيخ راشد الغنوشي –

ولد الشيخ عبد الحميد ابن باديس سنة 1889 وعاش في بدايات القرن 20 وتوفي سنة 1940 ولا يمكن الفصل بين حياته وأعماله و إنجازاته فقد نشأ في إطار عام يقوم أساسا بسقوط الجزائر تحت نير الاستعمار في العصر الذي ولد فيه فالجزائر من أوائل البلاد الإسلامية التي استهدفت بالاستعمار الفرنسي سنة 1830 وكانت في حالة ازدهار حتى أن مستشرقا ألمانيا زارها سنة 1831 وسجل بأنه لم يلاق في الجزائر كلها أميا واحدا بينما جنوب أوروبا كان ممتلئا بالذين لا يحسبون فك لغز الأحرف.

الجزائر كانت مزدهرة اقتصاديا والسبب المباشر وذريعة الاستعمار مطالبة داي الجزائر، التي كانت جزءا من الخلافة العثمانية لكن عندها نوع من الاستقلال الذاتي مثل تونس وهي ايالة من الايالات وكانت دولة قوية وكان الأسطول الجزائري طوال القرن 18 يسيطر على البحر الأبيض المتوسط ويأخذ الاداءات حتى على الأسطول الأمريكي. الذريعة المباشرة أن الداي في لقائه مع سفير فرنسا طالبه بشدة باسترجاع ديون الجزائر على فرنسا، فأساء السفير الأدب مع داي الجزائر استدراجا له فيبدو أن الداي أشار إليه بمروحته أو ضربه بها أو طرده فاتخذت تلك ذريعة لاستعمار الجزائر وكان استعمارا ليس من نوع استعمار تونس واستعمار المغرب لأنه كان نوعا من الحماية أي لم تقع إزالة الحكم من جذوره بل ظلت هناك نوعا من الحماية والوصاية وإنما الجزائر ألحقت بالتراب الفرنسي فأصبحت قطعة من فرنسا بالتالي تعرضت لعملية دمج وتذويب للشخصية العربية الإسلامية وأدخلت للمعهد الفرنسي بكامل عنفوانه العسكري والثقافي و كما كانت الهند جوهرة التاج البريطاني كانت الجزائر جوهرة التاج الفرنسي وبالتالي لم يكن من اليسير استخلاص هذا الكنز من يد فرنسا إلا بثورة شاملة هذا الأمر اقتضى أن يكون تعامل سلطات الاحتلال مع أهل الجزائر له مجموعة من الأشكال من بينها التركيز على فرنسة جميع الناس وإلغاء اللغة العربية وفرض اللغة الفرنسية فرضا تاما والبطش ضد كل من يحاول أن يخرج على السلطة.

فرنسا لم تقم بعملية تحضير أو رفع مستوى الشعب الجزائري الذي كان مثقفا متعلما فقد أحرقت المكتبات في قسنطينة وأغلقت المدارس وحولت المساجد إلى كنائس وكان استعمارا بحجم هائل من العنف الثقافي والعسكري. في هذه المناخات الجزائر قاومت واندلعت ثورة الأمير عبد القادر الجزائري وأسس الدولة في غرب الجزائر وظلت لعشرات السنين تقاوم رغم أن ميزان القوى الغربي المتغلب كثيرا إلى حين إرادة الشعب الجزائري، في هذا الإطار ولد الشيخ عبد الحميد ابن باديس سنة 1889 في أسرة علمية توارثت المجد العلمي والمجد السياسي وهناك دولة حكمت المغرب العربي هي الدولة الصنهاجية يعني من حكامها المعروفين باديس الصنهاجي فهو ينتمي إلى هذه القبيلة البربرية التي تعربت وكان لها مجد سياسي وعلمي في تاريخ الإسلام فهذه الدولة ورثت الدولة الفاطمية التي شيعت منطقة المغرب العربي فحلت محلها الدولة الصنهاجية التي أعادت للمذهب المالكي هيمنته الكاملة في المغرب العربي وهو ينتمي لهذه العائلة وهذه الأسرة العريقة ولم يكن محتاجا ماديا وكان ميسورا وينتمي إلى عائلة ميسورة وأخذ بنصيحة رشيد رضا أن لا يتوظف فنذر نفسه لخدمة الإسلام وخدمة الشعب الجزائري و كان شيوخه الطاهر بن عاشور والشيخ النخلي وهو شيخ متميز بمنهاجه في التفسير فباديس التلميذ شكا لشيخه النخلي كثرة الأقوال التي حشيت بها التفاسير مما لا ضرورة له فنصحه نصيحة قال أنها هي التي اعتمدها في حياته نصحه بأن يجعل من عقله غربالا فيأخذ الصحيح ويلقي الباقي قال فكان هذا منهجي في التعامل مع التراث ومع التفاسير أن يجعل لعقله غربالا وأن لا يأخذ كل ما يجد في هذه الكتب أيضا كان من أساتذته المؤثرين البشير صفر وهو أب من أباء الحركة الوطنية في تونس وجمع بين الثقافة الغربية والثقافة الإسلامية باعتباره كان يدرس في جامع الزيتونة وفي الصادقية. يقول ابن باديس “ولا أكتم إني أخذت شهادتي من جامع الزيتونة في العشرين من عمري وأن لا أعرف القرآن أنه كتاب حياة وكتاب نهضة وكتاب مدنية وعمران وكتاب هداية للسعادتين الدنيا والآخرة لني ما سمعت ذلك من شيوخي عليهم الرحمة ولهم  الكرامة، وإنما بدأت اسمع هذا يوم جلست إلى العلامة الأستاذ محمد النخلي” إذ كان كل حياته من قبل لم يسمع أن القرآن ليس كتاب حياة ومدنية وسياسة ولم يفهم إلا من عند العلامة النخلي وفهم أن القرآن كما يقول سيد قطب “منهاج حياة”.

كان جوهر عمل الشيخ ابن باديس الذي أسس به الثورة الجزائرية أن هناك استعمارا غاشما يركز على تدمير هوية هذا البلد واستلحاقه فوقعت ثورات كثيرة في الجزائر فبل الثورة الكبرى التي مهد لها ابن باديس لكنها لم تفضي إلى النجاح منذ الاستعمار ثورات متتالية للجزائري بوعمامة وغيره ولكن هذه الثورة الكبرى التي حررت الجزائر هي التي انطلقت من مشروع إحيائي لمقومات الهوية الجزائرية الاحياء الإسلامي عربي ثقافي وشعار استعادة العزة أن يعتز هذا الجزائري بهويته العربية الإسلامية بتاريخه وثقافته ويطهر الثقافة من عناصر الاستسلام وعناصر الصوفية الاغنوصية التي كانت سائدة وتطهيرها من الأثر الثقافي الفرنسي الذي عمل على تكوين نخبة مستلحقة بفرنسا. يقول الشيخ ابن باديس “ليس معنى المشروع النهضوي الذي يقوم عليه إنما ينهض المسلمون بمقتضيات إيمانهم بالله ورسله إذا كانت لهم قوة وإذا كانت لهم جماعة منظمة تفكر وتتدبر وتتشاور وتتأثر وتنهض بجلب المصلحة ودفع المضرة متساندة في العمل على فكرة وعزيمة” هذه نظرية الإصلاح يعني أن النهوض يتم بالإيمان وليس بمجرد حركة سياسية علمانية تحريرية وإنما بحركة إيمانية وجماعية منظمة تتشاور وتنظم من أجل القيام على مشروع نهضوي لذلك كان ثابتا وكان مشروعه واضحا أمامه مشروع استقلال الجزائر ابتداء من بسط ثقافة غير ثقافة فرنسا، يقول ” إن هذه الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا ولا يمكن ان تكون فرنسا ولا تستطيع أن تكون فرنسا ولو أرادت ذلك… هي بعيدة عن فرنسا كل البعد في لغتها وأحلامها وعنصرها ودينها… إننا نعتصم بالحق ونعتصم بالتواضع عندما نقول أننا شعب خالد ككثير من الشعوب.”

هو لم ينضم لحزب ولكن دعا في الأخير إلى تكتل سياسي يظم كل القوى الجزائرية من أجل النهوض بالأمة ومكافحة الاستعمار وهذا التكتل العام الذي جمع قوى الشعب الجزائري لانتزاع الجزائر من براثن هذا الذئب الفرنسي. عندما احتفل الاستعمار الفرنسي بمرور 100 سنة من وجوده في الجزائر سنة 1930 وأراد أن يحمل الجزائريين على الاحتفال بل ذهب أكثر من ذلك طلب من الشيخ عبد الحميد أن يصدر بيانا يزكي فيه منجزات فرنسا في الجزائر غضب الشيخ ابن باديس وقال كلمة مشهورة وأصدر فتوى بتحريم الاحتفال فكان هناك إضرابا عاما في قسنطينة ثم قال “لو أن فرنسا طلبت منه أن أقول لا اله إلا الله والله ما قلتها” وهذا هو الموقف الثوري الحاسم لأنه عندما يكون لك عدو فالبحث عن منجزات هذا العدو ليس سياسة وإنما هو خذلان يمكن أن نجد في كل شر حتى الخمر فيها بعض الخير ولكن في مواجهة عدو ينبغي تحشيد الأمة وإظهار بشاعة هذا الظلم.

الملاحظ أيضا أن جمعية العلماء كانت أكثر انتشارا في الشرق الجزائري حيث هو في قسنطينة وعدد كبير من أهمها خريجو جامع الزيتونة والثورة أيضا كان انطلاقها الأكثر من الشرق ومن الوسط بينما الغرب الجزائري كان فيه يعني جمعية العلماء كانت ممتدة على كل البلاد ولكن كثافتها كانت في الشرق ولم تكن في الغرب الذي كانت السيطرة فيه أكثر للطرق الصوفية وقد كانت طبيعة جمعية العلماء طبيعة سلفية تكونها تكوين سلطة لذلك كانت في تنازع مع الطرق الصوفية العديد منها ليست كل الطرق الصوفية ولكن الموالية للاستعمار.

آخر التغريدات: