ابنة شقيقة المرحوم تروي مسيرة مالك بن نبي 1

ابنة شقيقة المرحوم تروي مسيرة مالك بن نبي 1

حوار: عبد الناصر –

عمرها قارب الثمانين، ولأنها من عائلة مفكر العصر مالك بن نبي، تربّت في بيته، فكان “صديق” كما ينادونه، خالها ووالدها في نفس الوقت، منه عرفت الفكر ولأجله عصرت الحاجة زينب مصقالجي ذاكرتها، وعادت بنا إلى سبعين سنة خلت، لتزيل الكثير من نقاط الظل، حول شخصية هذا المفكر الذي عاش غريبا ومات غريبا في وطنه، وشغل العالم بفكره. الشروق اليومي بعد أزيد عن أربعين سنة من رحيل المفكر الكبير، تحاول إزاحة الستار عن جوانب خفية من حياة هذا العالم كما ترويه السيدة التي بكت كثيرا وهي تذكر خالها وقالت أيضا كثيرا.

حدثينا عن عائلة مالك بن نبي، عن والديه وأجداده، وأصوله؟

خالي مالك بن نبي هو ابن الحاج ساعد المدعو عمار، ابن الخذير ابن مصطفى، وابن الحاجة زهيرة بن عيسى، وجذور والديه من الأم والأب من مدينة قسنطينة، أما الجد الأكبر فهو من تركيا وبالضبط من مدينة اسطنبول، وليس كرغلي، مما يعني أن مالك بن نبي تركي أبا عن جد، “كما أوضحته الوثائق القديمة التي اطلعت عليها الشروق اليومي”، بالرغم من أن الكثير من أفراد العائلة استوطنوا مدينة تبسة منذ القدم، وأحب والده وأحبّ هو أيضا عادات المنطقة ورجولة أهل النمامشة.

وولد مالك بن نبي في الفاتح من جانفي 1905 في مسكن يقع بمنطقة الشارع بقلب مدينة قسنطينة، تم تهديمه بالكامل منذ حوالي عشر سنوات، وتحولت الأرض المبني عليها إلى مساحة لركن السيارات، وعندما ولد مالك كان والده يزاول الدراسة في مدرسة تعليم بقسنطينة، وكان والداه في العشرين من العمر، كان مالك الذكر الوحيد لوالديه لأجل ذلك خصّاه بالرعاية المتميزة، وكان للمفكر الراحل شقيقة كبرى هي والدتي فاطمة المدعوة عتيقة، وهي من مواليد 1902 والتي توفيت في تونس عام 1982 وأخت تدعى سكينة، أقل منه سنا من مواليد 1906 لحقت بجوار ربها عام 1979، وقليلون من يعلمون أن والد المفكر مالك بن نبي الحاج ساعد توفي بعد وفاة ابنه بأربع سنوات في شهر ماي عام 1977 في مدينة عنابة.

جمعته بشقيقته فاطمة والدتك علاقة وطيدة فكان يذكرها في كتاباته؟

لم تنجب خالتي سكينة أبناء، واكتفت بتربية طفل مازال على قيد الحياة، ويعيش حاليا في مدينة عنابة، أما والدتي فاطمة فأنجبت سبعة أبناء من بينهم خمس بنات وأنا منهن، أنا من مواليد عام 1934 وابنة السيد عبد الحميد مسقالجي الذي توفي عام 1971، كل عائلة مالك بن نبي دخلت المدارس والذين لم يسعفهم الحظ في المواصلة أكملوا دراستهم وباللغتين بطرقهم الخاصة، نحن جميعا نقرأ بالعربية والفرنسية، ولكن عشقنا الأول مثل مالك هو اللغة العربية.

هاجر المفكر مالك بن نبي إلى فرنسا عام 1925 ولما عاد في أواخر الثلاثينات مع زوجته الفرنسية كان لقاؤك الأول بهذا المفكر العظيم؟ حدثينا عن زواجه وزوجته الفرنسية؟

تزوّج مالك بن نبي من سيدة باريسية أصيلة، تدعى سيليستين بول فيليبون، وبعد أن أقنعها باعتناق الدين الإسلامي، صار يدعوها خديجة، وندعوها نحن أيضا، كانت بيضاء البشرة وجميلة جدا، عندما زارتنا رفقته في عام 1939 وكانت تلك أول زيارة قادته إلى الجزائر بعد 14 سنة من الغربة، وجاء مباشرة إلى بيتنا في تبسة، ليختفي بعد ذلك نهائيا وتنقطع أخباره عن الجزائر من عام 1939 إلى غاية عام 1946 حتى أن والده صار يأتي إلى أمي فاطمة ويقول لها إنسي أن كان لك أخا يدعى صدّيق كما كان الجميع ينادونه، وعلمنا بعد ذلك أن خالتي سكينة أرسلت في بداية الأربعينات برسالة تسأل عنه السلطات الفرنسية، فبدأ البحث عنه، واتضح أنه كان موجودا في ألمانيا، وتم الزجّ به في السجن من أوت 1945 إلى شهر أفريل 1946 على خلفية محاضرة ألقاها في فرنسا بعنوان “لماذا نحن مسلمون؟”، حضرها اتحاد الشباب المسيحيين، وعملت ضجة كبرى فبدأ البحث عنه، في الوقت الذي تنقل للعيش إلى ألمانيا، وكان رجال الشرطة بهيئات مدنية، يسألونه عن سرّ تواجده في باريس، والأموال التي تمكّنه من الدراسة في الكهرباء والميكانيك، فكان يخبرهم بأنه ابن موظف في البلدية، ممّا جعل السلطات الفرنسية توقف والده عن العمل دون أن يعلم الوالد سببا لذلك.

هذا يعني أن تصادم مالك بن نبي بالفرنسيين كان في بداية الثلاثينات؟

أذكر أنه كان يقول لوالدتي غاضبا باللهجة الدارجة: “الناس، القًمّل مكبّش فيهم وهوما مكبشين في الحياة” كان يؤرقه جمود الناس، وعندما تحرك الشارع التونسي في الثلاثينات، صار يقول لها: الآن تعلم العرب كيف يمسحون أنوفهم، أذكر أنه كان معجبا حتى بمجانين مدينة تبسة ومنهم المدعو “تيرار” الذي كان يشرب الخمر حد الثمالة، ثم يضرب الفرنسيين بزجاجة الخمر، فكان مالك يعود إلى البيت منتشيا فرحا، ويبقى يروي الحادثة، وهو يقول: يا ليتني كنت أنا هو “تيرار”، وأحيانا من غيضه كان يقول لنا : “يا ليتني كنت مثل حمّه” وهذا حمّه هو شاب أبله لا يعي شيئا. وبعد ثورة عبد الكريم الخطابي صار يقوم بتوزيع المناشير في المدرسة التي يُدرّس فيها الشيخ العربي التبسي وفي المساجد، يقدم لمحة عن ثورة عبد الكريم الخطابي ويدعو لاعتبار ما قام به وسيلة يقتدى بها.

ومتى دخل السجن في الجزائر؟

حدث هذا في عام 1951 حيث زارنا في بيتنا بتبسة مفتش شرطة عربي، طلب من خالي صديق مغادرة البيت، والاحتياط لما هو قادم، وقال له أنهم سيفتشون البيت، وبدأ خالي في جمع أشيائه، فأحضر لوالدتي راديو أخافها بأضوائه، كما أنه كان يخفي لدى أمي الكثير من الوثائق عبارة عن اختراعات في مجال تخصصه، في الكهرباء والميكانيك، وطلب مني أنا وأمي إن لم يطلقوا سراحه بعد التحقيق معه في سكيكدة خلال ثلاثة أيام أن نقوم بإحراق كل الوثائق، وفعلا تم احتجازه لمدة ثلاثة أيام وهم يسألونه ليلا ونهارا، وباشرنا حرق الوثائق.

نعود إلى زواجه من الفرنسية في باريس.. كيف تم ذلك؟

أظن أن ذلك حصل عبر الفاتحة عام 1932 وبالعقد الرسمي في أفريل من عام 1935، حيث اتصل بأمه بعد أن تزوّج دون إعلام العائلة منذ فترة، وقال لها لقد قررت يا أمي أن أتزوج حتى لا أبقى وحيدا في باريس، وردت الأم بالموافقة والابتهاج، واشترطت عليه أن تكون الزوجة طويلة القامة، ففرح مالك بن نبي، وأرسل لها صورة زوجته الطويلة القامة، وكانت والدته زهيرة رحمها الله متشوقة لمشاهدتها، حتى أنها عندما سافرت إلى الأراضي المقدسة عام 1936 اشترت لها مجموعة من الألبسة وكانت تنتظر بشوق لترى زوجة ابنها الذكر الوحيد، ولكن للأسف حدثت الفاجعة التي هزته، عندما عاد خالي مالك إلى الجزائر عام 1939 رفقة زوجته، وفي محطة قطار مدينة تبسة أذهله تواجد جمع غفير من المنتظرين إلا والده، ففجع وراح يسأل عن صحة والده ليخبره أحد أهل المدينة ويدعى الصادق بوذراع الذي أصبح والده وزيرا بعد الاستقلال، بأن والدته توفيت منذ ثلاثة أيام فقط، مالك بن بني كما كتب في مذكرات شاهد على القرن، كان مرتبطا جدا بأمه، فأصيب بحزن شديد، أما زوجته الفرنسية خديجة فأحبت الجزائر كثيرا وطلبت من زوجها أن تعيش هنا، كانت جزائرية أكثر من الجزائريات، ترتدي الملاءة القسنطينية السوداء، وتعلمت طبخ الرغيف، هي باريسية ووحيدة أمها التي كانت تسكن بالضاحية الباريسية، كانت مختصة في الديكور ووالدها ميتا، تعرفت على خالي بالصدفة في مكتبة للمطالعة بباريس، كان كلما طلب كتابا قيل له أن قارئة أخذته، وكلما طلبت هي كتابا قيل لها إن قارئا أخذه، اهتما معا بمعرفة هذا الثاني الذي يتوافق مع الآخر، فكانت قصة تعارف، فحب فزواج،  إلى أن توفيا في نفس العام بعد عِشرة بمرّها وحلوها دامت قرابة الأربعين سنة للأسف لم تنجب أطفالا، ويبين محضر الزواج الذي اطلعت عليه الشروق اليومي أن الشهود هم المغربي محمد الفاسي والتونسي الحبيب تامر الذي قضى في حادث تحطم طائرة في كراتشي، وجزائريان هما صالح بن ساعي وعلي الحمامي، إضافة إلى أصدقاء مسيحيين، استقدموا معهم جوقا موسيقيا، وقامت خديجة بطبخ الكسكسي وتحضير السلطة للمدعوين، أما عن تاريخ اعتناقها الإسلام فلا أحد يعلمه، ويرجح أنه حدث بعد الزواج، المؤكد أن خالي كان يرسل لزوجته باستمرار مرتبا خاصا إلى أن وافتها المنية.

وبالرغم من هذه القصة العاطفية المليئة بالوفاء، إلا أن المفكر بن نبي أعاد الزواج؟

آه، نعم، إنها المشكلة الأزلية وهي عقم المرأة، بعض أفراد العائلة كانوا يتوسلون إعادة زواجه، إنه الولد الوحيد في عائلة بن نبي، لقب سينقرض إن لم يرزق خالي صديق بالابن الولد، تصوّر أنهم اختاروا له سيدة سبق لها الزواج من تبسة تدعى السيدة خدوجة حواس، لها ابن يدعى مقداد وكلاهما مازالا على قيد الحياة ويقطنان بالجزائر العاصمة، الزواج حدث في عام 1961 وكان حينها مالك بن نبي في السادسة والخمسين من العمر، قبل الاستقلال ببضعة أشهر، عندما كان يقيم في القاهرة، وكانت زوجته الفرنسية في باريس، قبِل الاقتراح العائلي وتم تسفير زوجته إليه إلى القاهرة، وتم عقد القران في العاصمة المصرية، وللأسف حتى زواجه الثاني لم ينجب منه الذكور، ومع ذلك كانت نعمة الله، حيث رزقه بابنتين توأم هما نعمة وإيمان في أفريل 1962 ثم رزقه بطفلة ثالثة سماها رحمة، ثلاث بنات تزوجن من شاميين، لم ينعم خالي برؤيتهن كثيرا حيث توفي وهن دون العاشرة من العمر، وبعد ذلك أخذت حياتهن اتجاها آخر حيث تزوجت التوأم من شقيقين سوريين، وتزوجت رحمة أيضا من سوري، وهاجرن إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لتصدمنا وفاة ابنته نعمة بمرض خبيث في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2002.. للأسف بنات خالي لا يعرفن عن والدهن شيئا وزادت غربتهن في الولايات المتحدة حياتهن تعقيدا.

ما نعلمه أن خديجة توفيت أسابيع قليلة قبل وفاته؟

كلمة قالها لزوجي محمد موساوي في وهران عندما توفيت زوجته الفرنسية خديجة، “لقد أحسست باليتم بعد وفاتها”، رغم أنه بقي هنا في الجزائر وهي لم تزر الجزائر منذ 1939، ولكن الذي قرأ جزأي كتاب مذكرات شاهد على القرن، يدرك مدى ارتباطه بالسيدة خديجة التي بقيت وفية له ولم ترد إحراجه منذ أن أعاد الزواج، وصار له ثلاث بنات. المؤسف أن علاقتنا مع ابنتيه مقطوعة نهائيا.

الآن بعد أربعين سنة عن وفاة مالك بن نبي، ماذا ترك من عقارات؟

لا شيء، لا أفهم لماذا المدعو نور الدين بوكروح يقول في كتاباته بأن مالك بن نبي كان فقيرا في طفولته، وهذه مغالطة كبيرة، رغم أن الفقر ليس عيبا، فقد كنا في حالة متوسطة، وأحيانا جيدة ماديا، مالك بن نبي تحصل على مسكن في العاصمة قدّمه له الرئيس الأسبق أحمد بن بلة، بعد أن أقنعه بترك القاهرة بعد الاستقلال والعودة إلى الجزائر، ولكن الوالي الأسبق للعاصمة الحاج يعلى استكثر عليه المسكن الفسيح، فطلب منه مغادرته، ولم يناقش المفكر بن نبي رغم أن البيت كان يأوي بناته وزوجته، فقرر المغادرة، ولكنه عندما التقى بالرئيس الراحل هواري بومدين لمدة ساعتين قرّر الرئيس أن يكتب البيت باسمه.

لكن ما نعلمه أن مالك بن نبي كان مغضوبا عليه من السلطة، يقولون إن أفكاره تحرجهم، ويقولون إنه كان تحت الإقامة الجبرية؟

لم نسمع عن هذا أبدا، بن بلة كان في استقباله في القاهرة رفقة المرحوم محمد خيضر، وعندما تسلم الرئاسة كان يجتمع به بصفة دائمة ويوميا، ونفس الشي بالنسبة لهواري بومدين، أظن أن أطرافا أخرى في السلطة كان يحرجها نشاط مفكر مثل مالك بن نبي، الدليل على أن علاقته ببومدين كانت طيبة أنه باشر التدريس في “صالة” المحاضرات بمسكنه يومي السبت والأحد للمعربين والمفرنسين بموافقة بومدين، ولم تكن دروس سرية كما يدعّي البعض، كما أن مشروعه حول ملتقيات الفكر الإسلامي التي كان يحاضر فيها، كانت تلقى الدعم الكبير من الرئيس الراحل هواري بومدين، لكن ذلك لا يعني أن مالك بن نبي كان مرحّبا به أينما حلّ وارتحل، أما أن يكون قد أجبر على الإقامة الجبرية، فذاك لا أساس له من الصحة.

أعود إلى ممتلكات عائلة مالك بن نبي، فقد بقي الآن سكن والده في تبسة وتقيم فيه حاليا عائلة شقيقته الصغرى، إضافة إلى سكنه الخاص في العاصمة حيث تقيم زوجته الثانية وابنها الذي هو من زوجها الأول، أما بيته في باريس الذي كان باسمه فقد تم تهديمه بالكامل، وهو نفس مصير البيت الذي ولد فيه بمدينة قسنطينة.

وماذا عن عائلة زوجته الفرنسية؟

كما قلت لك من قبل، هي فعلا كما يقال مقطوعة من شجرة، كانت وحيدة والديها اللذين توفيا، ولم تنجب أي طفل، ولم تتزوج سوى من مالك بن نبي، لكن كل الذين عرفوها وأنا منهم نقرّ لها بأنها سيدة رائعة، كانت ترسل للعائلة كل ما تنسجه بيديها كما نسميه محليا الكروشي، وتقدم لنا هدايا مثل أقمصة الصوف، أكيد أنها كانت تريد أن تعيش بيننا، كانت تحب مالك إلى درجة أن أحبت معه كل من كان يحبهم، منذ أن تعرفت عليه اعتنقت الاسلام عن قناعة ودافعت معه عن الجزائر وعن الإسلام. مالك بن نبي من الأوائل الذين نادوا بالاستقلال لم يكن يحدثنا عن أي شيء سوى عن الثورة على الفرنسيين منذ الثلاثينات من القرن الماضي، لم يكن يعترف بالمهادنة والسياسة، كان يريدها ثورة لا تبقي للاستعمار ولا تذر، فكان من الأوائل الذين توبعوا في فرنسا بسبب محاضراته وسجن لأجلها، ومن الأوائل الذين توبعوا في الجزائر وحقق معه لمدة ثلاثة أيام.

كثيرون تكلموا باسم مالك بن نبي ومنهم نورالدين بوكروح؟

الشخص الذي تتحدث عنه لا علاقة له بالراحل، حتى كتاباته عن شخص وحياة خالي خاطئة في معظمها، ومع ذلك لا يهم هذا، بقدر ما تهم السرقة التي طالت أفكار مالك بن نبي، حتى أن كتبا بالكامل تم استنساخها، إنه أمر محيّر فعلا، وللأسف فإنه فعلا كما يقال لا نبي بين أهله، ربما كان في فترة من الفترات نور الدين بوكروح، من الدارسين في بيت خالي في نهج فرانكلن روزفلت، ولكن ليس من حقه أن يدّعي أنه تلميذه ويبني مستقبله بأخذ جهد الآخرين.

يتبع

آخر التغريدات: