بعض مدلولات السياسة لدى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

بعض مدلولات السياسة لدى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

بقلم: دراوي امحمد –

تأسَّستْ جمعيَّة العلماء المسلمين الجزائريين في الخامس من مايو من سنة 1931م بنادي الترقِّي بالجزائر العاصمة، بعد فترة من التفكير العميق والاتصالات المكثَّفة بالأخصِّ بين علَمَي النهضة الإصلاحيَّة في الجزائر: ابن باديس، والإبراهيمي، وقد ولِدت الجمعية في ظروف صعبة وعسيرة، تَميَّزت ببلوغ التعسُّف الاستعماري أَوْجَه، وفرنسا تَحتفل بمرور قرن على احتلالها للجزائر، قرن مَليء بالبطش والتقتيل والتجهيل، ومحاولات طمْس هُوية المجتمع الجزائري، واستغلال مُقدَّراته أبشع استغلال لفائدة المُستدمرين والاقتصاد الفرنسي.

يُشير القانون الأساسي لجمعيَّة العلماء إلى أنَّه “لا يسوغ لها بأيٍّ حال من الأحوال أنْ تَخوض أو تتدخَّل في المسائل السياسيَّة، وأنَّ القَصد منها هو مُحاربة الآفات الاجتماعيَّة؛ كالخمر والميسر، والبَطالة والجهل، وكلِّ ما يُحرِّمه صريحُ الشرع، ويُنكِره العقل، وتَحجُره القوانين الجاري بها العملُ”[1].

والواقِع أنَّ هذا لم يكن خَيارًا مَحضًا، بل هو أمر تُحتِّمه القوانين السَّارية في الجزائر آنذاك، والتي نصَّتْ على منْع الخوض في المسائل السياسيَّة، وتَعدُّها من الأعمال المُعادية لفرنسا في الجزائر، ويُعاقِب عليها القانون بكلِّ صرامة وشدة؛ وبِناءً على أنَّ الجمعية نأَتْ بنفسها عن السياسة منذ البداية بشكل صريح، فقد أمْكنَها من الحصول على الاعتماد والترخيص بالنشاط، ذلك النشاط الذي ظَلَّ تَحت رقابة لَصيقة من لَدُن الشرطة الفرنسيَّة ومصالح الشؤون الأهليَّة.

ولأنَّ جمعيَّة العلماء وحسَب قانونها الأساسي: هي جمعيَّة تربويَّة وإصلاحيَّة؛ فقد حصَلتْ على الاعتماد، غير أنَّنا استدرَكنا بأنَّ الترخيص لها بالنشاط،لم يَعفيها من الرقابة اللصيقة لأعضائها، والمُعايَنة الدقيقة لأنشطتِها في كلِّ مكان.

لقد كَتَب الكثير حول النشاط الديني والتربويِّ لجمعيَّة العلماء، لكنَّ النشاط السياسي لها لا يزال لَم يَأخذْ حظَّه من الدراسة والبحث حسَب اعتقادنا، ومن ثَّم لا يَزال غموضٌ كبيرٌ يلفُّ هذا الموضوع، وذهَب فيه الباحِثون أشتاتًا؛ بين مَن يَتحامَل، ومَن يُجامِل، وبين التحامُل والُمجامَلة تَضيعُ الحقائق.

والحقُّ أنَّ السِّجال الدائرَ حول الموضوع، يُفضي إلى حلقة مُفرَغة، والغاية الأساسية من دراسة التاريخ هي التأسيس للحاضر والمستقبل، وهذه الأسطر تَعنِي – في حدود ما تَسمَح به – مناقشةَ مدلولِ النشاط السياسي لجمعيَّة العلماء، كمحاولة للإجابة على بعض التساؤلات التي كثيرًا ما تُطرَح على منابر النِّقاش: هل انشغَلتِ الجمعيَّة بالسياسة؟ وما مفهومها لدى أعلامها؟

إنَّ القارئ المُتمعِّن لأدبيَّات رجال جمعيَّة العلماء في الغَالِب، وحتَّى قبل تأسيس الجمعيَّة، سيكتَشِف أنَّ الجمعية خاضتْ في السياسة بطريقتِها الخاصة، والمقالات المكتوبة في جريدة “المُنتقد” منذ سنة 1925م تدلُّ على ذلك، وقد وصَلتْ إلى حدِّ الدعوة إلى مقاطعة الاحتفالات المئوية في سنة 1930م.

كثيرًا ما تَمثَّلتِ الاهتمامات السياسية في شكل رسائل مُشفَّرة، يَتضمَّنها الخطاب التربوي أو الديني، فجلُّ الأدبيَّات لا تكاد تَخلو من عبارات الوطنية والهُويَّة، والتاريخ والحرية: تَمجيدًا، وتَخليدًا، كما لا  تَخلو  من عبارات الاستعمار والظلم، والتسلُّط والإذلال: تنكيلاً، وتنديدًا.

إنَّ المشروع التربوي الذي كان يَستهدِف الناشئة بالأساس، كان يَهدف إلى تَنقية العقيدة وتنوير العقول، وإزالة غشاوة الجهل، التي تُؤسِّس لها الإدارة الفرنسية بقوانينها ومُؤسَّساتِها من جهة، والطرفية الضَّالة ببدَعها وخُنوعها من جهة أخرى.

لقد عبَّر الشيخ البشير الإبراهيمي عن ذلك بقوله: “إنَّ جمعية العلماء حرَّرتِ العقول، وصَقلتِ الأفكار، وأَيقظتِ المشاعر، والنتيجة الطبيعيَّة لذلك هي تَحرير الأبدان؛ لأنَّ الأول مَدرجةٌ إلى الثاني” [2].

والحال أنَّ الحديث عن الاشتغال بالسياسة، لا يُفهم بمدلول واحدٍ في المجتمعات الإسلاميَّة والغربيَّة على السواء، فإذا كان الغرب قد فصَل بني السُّلطتين الدينيَّة والزمنية،  ووضَع  مفاهيم عصريَّة لمفهوم السياسة، فإنَّ المجتمع الإسلامي – وهو الحال بالنِّسبة لجمعية العلماء ذات الثقافة العربيَّة الإسلامية السلفيَّة – تَرى أنَّ الدين والسياسة سيَّان، وهما أمران لا يَنفصِلان البتَّة، وفي هذا الصدد يقول الإبراهيمي: “إذا كان الإسلام دينًا وسياسة، فجمعية العلماء دينيَّة وسياسيَّة، قضية مُقنِعة لا تَحتاج لسؤال وجواب، وجمعية العلماء ترى أنَّ العالِم الديني – رجل الدين –  إذا لَم يكن عالِمًا بالسياسة، ولا عاملاً بها، فليس بعالِم، وإذا تَخلَّى العالِم الديني عن السياسة، فمَن يُصرِّفها ويُديرها” [3].

ومع كلِّ ما تَقدَّم، فإنَّنا بحاجة للاستدلال على الوجه السياسي للجمعية انطلاقًا من الوقائع التاريخيَّة، والحقُّ أنَّ جمعية العلماء كما يقول بعض المؤرِّخين: “اضطُرَّتْ في كثير من الأحيان إلى الخروج من قوقعتِها الدينيَّة الصرفة إلى العمل السياسي، بعدما فُرِضتْ عليها تَحدِّيات من الإدارة الفرنسيَّة، وبالأخصِّ تلك العراقيل التي كانت تَضعها أمامها في المساجد والمدارس، بحُجَّة أنَّ الدُّعاة لا يَنتمون إلى السلك الديني الرَّسمي، والحاصِل أنَّ جمعيَّة العلماء ظلَّتْ تَستقطب في صفوفها على مرِّ السنين فلولاً من المنخرِطين أو الطلبة، والمُتحمِّسين المتعطِّشين إلى الثقافة الإسلاميَّة، والاغتراف من مَعينها الذي حُرِموا منه عهودًا، وهذا التطور الكبير للعاطفة الدينيَّة والوطنيَّة، صار يُخيف الأوساطَ الاستعماريَّة، وكثيرًا ما نَجد في تقارير الشرطة ومصالح الشؤون الأهلية آنذاك (تُهَم) الاتِّصال بالخارج: (مصر، الحجاز، تركيا)، أو الارتباط  بالجامعة الإسلاميَّة والعربية: (شكيب أرسلان، ورشيد رضا)، ويُشير الإبراهيمي إلى هذا بقوله: “يقول الاستعمار في مَعرض التَّبرُّم والسُّخط عليها: إنَّها جمعية سياسيَّة في ثوب ديني، وإنَّها تُستِّر القوميَّة بستار الدين، وتُخفي الوطنيَّة بخفاء العِلم والعربية، إلى أنْ يقول: “إنَّها تَستخدِم سياسة أجنبيَّة، وتَعمل للجامعة العربية أو الإسلامية”[4] .

يَعتِب الأستاذ مالك بن نَبي على العلماء خوضَهم في شؤون السياسة، وهو يَقصد السياسة المرتبطة بالأحزاب والبرامج والحَمَلات الانتخابيَّة والمناورات، التي تُبَاح فيها بعض السلوكيَّات المنافية لرُوح الدين ولِخطِّ الإصلاح المُنتهَج، وهو ما يُطلِق عليه في بعض كُتبِه “بالبوليتيك”[5] ، فهو يرى أنَّ قُدسيَّة الفِكرة الإصلاحية، ترَكتْ مكانها للمهرجانات، وهو ما يَعتبره مُنعرَجًا في مسار جمعيَّة العلماء، ويُشير بشكل خاصٍّ إلى تَجربة المؤتَمر الإسلامي الجزائري في سنة 1936م؛ إذ يَعتبر أنَّ ابن باديس وقَع في شِراك فرحات عباس والاندماجيين المُتحمِّسين لحكومة الجبهة الشعبية ووعودها؛ حيث يقول ابن نبي: “فبأي غَنيمة أرادوا أنْ يَرجِعوا من هناك (باريس)، وهم يَعلمون أنَّ مِفتاح القضية في رُوح الأمة لا في مكان آخر” [6].

لكن لابن باديس رأي آخرُ، فهو يُصرِّح: “إنَّ الذين كانوا معنا يوم قابَلنا رئيس الوزارة بلوم باسم المؤتمر، يَعلمون تَصريحَه، بأنَّنا لن نَرجِع بأيدينا فارِغة، وأنَّه سيَشرع في الحين القريب في تَحضير مطالبنا المُستعجلة، والجزائر تَنخدِع وتَطمَع، ويُمكِن أنْ يَطولَ انخداعُها، ويَستمرَّ طمَعُها، ويُمكن أنْ يَنجلَيَ لها سرابُ الغرور، فتُقلِع عن الانخداع، وتَقطَع حبْل الطمع، وتَصل باليأس وما يُثمِره ويَقتضيه، وأمَّا نحن – الجزائريين – فإنَّنا نَعلَم من أنفسنا أنَّنا أدرَكنا هذا وأدركنا مَغزاه، وهو يكاد يَعمُّ، ولن نَتردَّد في أنَّه قد آن أوانُه ودقَّت ساعتُه، ماذا تُريد فرنسا من مُماطلتنا”[7].

والنصُّ – كما هو واضِح – يَدلُّ على أنَّ أقطاب الجمعيَّة كانوا مُدرِكين تَمام الإدراك أنَّ الجزائريِّين – على اختلافِ أطيافِهم ومشاربهم، ومهما كانت المسافة بينهم وبين مُستعمِريهم – لن يَجنُوا من الشوك العنبَ – كما قالت العرب في أمثالها – وإنَّ غايتهم في ذلك قد تكون إقامة الحُجَّة على فرنسا؛ لتبرير أي ردِّ فعْلٍ بعدها، وتَخفيف الضغط على أنشطتِها، ولو أنَّ البعض قد جعَل منها حصانَ “طروادة”، ما يَنفكُّون يُذكِّرون الناس بها في كلِّ مُناسبة، رُغم أنَّ موقف العلماء من مسالة التجنيس والإدماج، واضِح في رفْض التجنيس، واعْتباره ردَّة [8]، ورفْضًا للإدماج الكُّلي، ويَتَّضح من قول الشيخ ابن باديس: “ستكون الثَّمرة الأُوْلى لدعايتِنا: أنهاء الدَّمج الذي يَسير عليه بطريقة مَعيبة بعض الموظَّفين الذين يُؤثِرون الإضرار بالعروبة والإسلام؛ إرضاءً للسلطات الفرنسية، وستُؤدِّي دعايتُنا أيضًا إلى الانتهاء من ذلك الدَّمج الروحي، المُتمثِّل في بعض الأشخاص المُناوِرين، الذين يَجهلون ما لعُنصرهم من نُبْل وعَراقة، ويَتزيَّنون بأزياء الغرب، بحيث يَصعُب التمييز بينهم وبين سادتِهم المُستعمِرين” [9].

وليس هناك ما هو أبلغ للدلالة على موقِف الشيخ عبدالحميد بن باديس، من قَصيدته التي لا تَزالُ تُشكِّل إلى الآن وثيقة المبادئ بالنسبة للناشئة الجزائريَّة في موقِفها من مَسالة الهُوية، وتَعبيرًا صادقًا عن أمانيها وآمالها، وقد جاء فيها:

شَعْبُ الْجَزَائِرِ مُسْلِمٌ … وَإِلَى الْعُرُوْبَةِ يَنْتَسِبْ

مَنْ قَالَ: حَادَ عَنَ اصْلِهِ … أَوْ قَالَ مَاتَ فَقَدْ كَذَبْ

أَوْ رَامَ إِدْمَاجًا لَهُ … رَامَ الْمُحَالَ مِنَ الْطَّلَبْ

 

الهوامش:

[1] محمد خير الدين؛ مذكرات، ج (2)، ص (86).

[2] الإبراهيمي؛ آثار البشير الإبراهيمي، (1954 – 1956)؛ جمْع وتقديم: أحمد طالب الإبراهيمي، دار الغرب بيروت، 1997،ج (4)، ص (171).

[3] الإبراهيمي؛ نفس المرجع، ص (170).

[4] الإبراهيمي؛عيون البصائر، ص (40 – 41).

[5] لِيتسنَّى التعمُّق في هذا المجال، يُمكن الرجوع إلى بعض مُؤلَّفات مالك بن نبي؛ مِثل: “وجهة العالم الإسلامي”.

[6] ابن نبي؛ مُذكرات شاهِد القرن، ط (1)، دار الفكر، بيروت، 1969، ص (386).

[7] محمد الميلي؛ ابن باديس وعروبة الجزائر، ص (180 – 181).

[8] الإبراهيمي؛ البصائر، عدد (95)، بتاريخ 14 جانفي 1938، ص (1).

[9] جوان غليسي؛ الجزائر الثائرة؛ تعريب: خيري حماد، ط (1)، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت 1961، ص (62).

آخر التغريدات: