موقف بن باديس من الحضارة الغربية

بقلم: د.إسماعيل زروخي –

شكلت مسألة الثنائية في العصر العربي الحديث و المعاصر بين الأمم المتقدمـــة و الأمم المتخلفة هاجس المفكرين العرب الذين حملوا لواء النهضة لمجتمعاتهم باعتبارها مجتمعات تعاني التخلـف والانحطاط مقارنة بالمجتمعات الغربية التي كانت ممثلة للنهضة الحضارية الإنسانية في عصرهم .

فابن باديس يذهب إلى أن الحضارات الإنسانية هي متفاعلة بعضها ببعض عبر العصور التاريخية، و أن ذلك التفاعل الحضاري لا يعد عيبا في الحضارات، و من ثمة أراد إيجاد المسوغات المختلفة التي يمكن أن تبرر النقل الحضاري الذي يجب أن تتوجه إليه الأمة العربية الإسلامية من الحضارة الغربية، وكان موقف ابن باديس من الحضارة الغربية يتوجه إلى العناصر الأساسية التي ارتبطت بها تلك الحضارة، و كانت سمة من سماتهـــا، و تتمثل تلك العناصر في:

أولا: الاستعمار

كانت للظروف التي عاشها ابن باديس و عاصرها مع مجتمعه الجزائري و المعاناة التي لحقت بهما أدت به إلى اتخاذ مواقف مناهضة للاستعمال بشكل عام والفرنسي بوجه خاص، و ذلك لأن مـن:  (( جنايات الاستعمار الأوروبي على البشرية أنه قلب حقائق التاريخ على الناس فقد صور الأمم التي ابتليت به و أصيبت بشره من الهمجية و الوحشية والتأخر و الانحطاط لا أبشع منها ذلك ليبلور استيلائه عليه )) (2).

إن ابن باديس هنا يعتبر أن من السمات الأساسية للحضارة الغربية هي أنها أوجت الاستعمار، على اعتبار أن هذا الأخير يبرر وجوده و استعماره   للشعوب على أنها شعوب متخلفة، بينما شعوبه هي شعوب متقدمة ومتحضرة، وكان بناء على ذلك أن من واجب الإنسان الغربي الذي يحمل تلك المظاهر الحضارية أن يهيمن ويسيطر ويستغل تلك الشعوب لكي يطورها و يرتقي بها إلى المستوى الحضاري الذي وصلت إليه الشعوب الأوروبي – وهذا ما لم يتحقق – و من هذا التمايز الحضاري الفعلي وتفوق الإنسان الغربي أراد الاستعمار احتواء الشعوب المتخلفة، وهذا ما تفطن إليه ابن باديس، واعتبر أن الشعارات التي حملتها الحضارة الغربية، و التي كانت مظهر من مظاهر الثورة الفرنسية من عدل و حرية ومساواة، ما هي إلا قيم زائفة لأنها و إن كانت عمـــرت الأرض و طورت من الوسائل الحياتية إلا أنها عذبت الإنسان و أفسدت طبيعته الإنسانية بما خلقته له من قيم زائفة و هددت وجوده بالفتن و الحروب التي سيطرت فيها شعوب و أمم على أمم أخرى و استغلت كيانها و وجودها الطبيعي و هذه الفكرة و إن لم تكن بنفس الشكل فإنها من حيث المضمون قد أشار إليها حتى بناة النهضة الأوروبية الحديثة أنفسهم أمثال روسو الذي يعتبر أن المرحلة الطبيعية التي تمر بها الإنسانية هي مرحلة خيرة، و لكن المرحلة المدنية أو السياسية هي التي تفسد تلك الخيرية الكامنة في الإنسان، و لعل هذا ما قصده ابن باديس عندما تحدث على الإنسان الأوروبي الذي يدعي التقدم و الحرية، حيث قال: (( و ما أعداؤك إلا الذين وقفوا لك في طريق الحياة و التقدم، فقد عرفتهم و عرفوك فسدوا عليك أبواب الرزق والعلم، و سلبوك الحرية و الثروة واستغلوك كما تستغل الحيوانات العجماء، بل أشد و أشر )) (3).

من هنا فإن الحضارة الغربية حسب ابن باديس و حسب كثير من مفكري النهضة العربية الحديثة لم تقم إلا لاستغلال واضطهاد الشعوب التي استعمرتها، و في ذلك يقول جمال الدين الأفغاني أننا لو جمعنا كل ما اشتملت عليه الحضارة الغربية من مكتسبات علمية و ما في مدنيتها من خير وضاعفناه مضاعفة، و وضعناه في كفة ميزان، و وضعنا في الأخرى الحروب و ولايتها، لا شك أن كفة المكتسبات العلمية والمدنية و الشرف هي التي تنحط وتغور، و كفة الحروب و ويلاتها هي التي تعلو و تفور، فالراقي على ذلك النحو في تلك النتيجة إن هو إلا جهل محض و همجية صــرفه و غاية التوحــش (4) ، و كذلك يقول محمد عبده في وصفه للحضارة الغربية : (( أن هذه الصور الظاهرة التي يظنونها تمدنا، كسحابة حيث بالصواعق يتوهم الغافل من بريقها و لمعانها أنها تأتي بوابل ينعش البقل و يحي الموات، و لكن إذا حل الأجل أمطرت ما يذهب بالحياة و يبدد الأجسام )) (5)، ولذلك فإن ما يقوم به الإنسان في الحضارة الغربية لا يعد حضارة لأنه يعتقد بأنه إنسان متميز عن بقية البشر(6)  و هو شعب أرقى من كل الشعوب، و هذه دعوة تتعارض مع المكونات الطبيعية للإنسان، لأن الحضارات الإنسانية كما بينها التاريخ و أثبتتها آثاره أنها ليست حكرا على شعب معين من الشعوب و لا على جنس من الأجناس، فالحضارة الإنسانية هي دورات متداولة بين الشعوب تنتقل من جنس بشري إلى جنس آخر وفق صيرورة الوجود الإنساني، و وفق قانون التطور الذي تخضع له الأحداث التاريخية.

إن المشكلة الأساسية لكل الشعوب البشرية هي بلا شك مشكلة حضارية، و لكن لا يمكن لأي شعب كما يقول مالك بن نبي(( أن يفهم أو يحل مشكلته (الحضارية) ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، و ما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها )) (7)، و لعل هذا المفهوم الذي أعطاه للحضارة هو الذي جعله يشيد بالدور الفعال الذي قاده ابن باديس في محاولة تغيير الرؤية الإجتماعية للحضارة،  و التي تجاوز من خلالها مجرد الكلام اللفظي الذي اتسمت به الدعوات الإسلامية السابقة و لا سيما دعوة محمد عبده، إذ كانت دعوته كما يقول فهمي جدعان أقرب إلى النفوس و أدخلها للقلوب (8)، لأنها اتخذت مع المبدأ القرآني : (( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )) (9) دليلا و منهجا.

ثانيا المسيحية:

يرى ابن باديس أنه و رغم ما وصلت إليه الحضارة الغربية إلا أنها لا زالت تغذي الصراع بين الغرب المسيحي، والشرق الإسلامي، ذلك الصراع الذي غذته حروب الصليبية التي ترى في الدين الإسلامي كعقيدة هو ضد المسيحية كعقيدة، و لعل اعتراف البابا مؤخرا و اعتذاره للشعوب التي عانت من تلك الحروب إلا دليل عن المعاناة التي عانتها الشعوب من الحروب التي كانت تمارس باسم العقائد و هي في الجوهر بعيدة عن مضمونها  الفعلي، و نفس الشيء كانت تقوم به الكنيسة في تلك المرحلة الحضارية – مرحلة ابن باديس – من دعاية و تفرقة بين الشعوب على أساس العقيدة، و تقوية الحقد الديني بين المسلمين كقوم مسالمين و مستضعفين (10)، و بين المسيحيين إلا دليل على ما  تلعبه الكنيسة من دور  في مساعدة الإستعمار و تقويته، و هذا مخالف للأصول الحقيقية للملة المسيحية، و لذلك كان ابن باديس  يحث المسلمين، بل إنه يرى أن من واجبهم أن ينظروا إلى هذا التمايز بين المسيحية الحقيقة، و بين الدعوة التي كانت تقودها الكنيسـة، و معرفتهم تلك تفرض عليهم أن يكونوا متسامحين مع المسيحيين و عدم مناهضتهم، و أن يعيشوا معهم وفق ما تقتضيه تعاليم المسيحية و الإسلام معا، و اللذان لا يتعارضان أصلا، و العمل وفق هذا المبدأ هو الذي يجسد المبادئ الإسلامية الحقيقية التي لا تتعارض مع المسيحية و من ذلك كان ابن باديس يقول: (( و أما أنا فأقول لككم أحبوا أعدائكم، باركوا لاعينككم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم و يطردونكم )) (11).

و من هذا الموقف فإن كان يميز بين الغرب كإستعمار و الغرب كعقيدة و من ثم وجب على الإنسان العربي المسلم أن يناهض و يناقض غرب الإستعمار، لا غرب العقيدة، و هذه الدعوة الباديسية تعتبر أكبر دعوة دينية تنويرية في عصره لأنه و رغم ما كان يعيشه من الغرب الاستعماري إلا أنه كان يحترم العقيدة المسيحية، و لذلك فإن دعوته بوجه عام كما قال عنها هو نفسه هي الــتي : (( لا يخشاها النصراني لنصرانيته، و لا اليهودي ليهوديته، و لا الماجوسي لماجوسـيته )) و لكن هي التي كما يقول يجب و الله : (( أن يخشاها الظالم لظلمه والدجال لدجله و الخائن لخيانـته)) . (12)

و ابن باديس لم يحث على إزالة الحقد والتعصب الديني بين المسلمين و غيرهم فحـسب، بل و حتى بين المسلمين أنفسهم، و كانت بذلك رؤيته سابقة لعصره أي أنه كان يتنبأ بما سيصل إليه الإسلام من تناحر بين أبنائه وفق التمايز المذهبي الموجود بينهم، حيث كان يقول: (( لأجل أن يقتلع الإسلام جذور الحقد الديني والتعصب على المخالف من قلوب أتباعه، و يزرع فيها التسامح عرفهم أن إختلاف الأمم و تباينهم في نحلهم هو بمشيئة الله )) (13)، و أن العمل وفق مبدأ التسامح و إزالة التعصب الديني هو سمة إسلامية مخالف لما كانت تدعو إليه المسيحية الممثلة في الكنيسة والتي كانت كل هيئاتها تسيء إلى الإسلام والتي كان يقول بشأنها ابن باديس : (( أما الهيئات الدينية النصرانية فإن لكل هيئة منها مجلتها الخاصة و يكاد لا يخلو عدد منها من الكلام عن الإسلام و تصويره بالصورة المنفرة بغيضة المثيرة للأحقاد)) (14).

إن هذه الدعوة و إن كانت حتى من الهيئات المعبرة عن النصرانية، فإن من واجب المسلمين كمسلمين أن يقابلوا تلك الدعوات الحاقدة باللين و التسامح لأنهم كما يقول ابن باديس  أمة: (( تعتصم بالحق و تعتصم بالتواضع عندما نقول إننا شعب خالد ككثير من الشعوب و لكننا ننصف التاريخ إذ قلنا أننا سبقناها بهدايتنا، و سبقنا هذه الأمم في نشر الحق أيام كانت في ظلمات الجهل، ذلك ما كنا فيه و سنعود إليه إنما علينا أن نعرف تاريخنا و من عرف تاريخ جدير بأن يتخذ لنفسه منزلة لائقة في هذا الوجود)) (15) و إننا اليوم و إن كنا نهتم بابن باديس كتاريخ فإن ذلك كان من صيحاته التي كانت تحث على الاهتمام بالتاريخ لأنه هو أساس إثبات الكينونة و الوجود، و هو الذي تتفاخر به الأمم بعضها عن بعض.

إن ابن باديس و إن كان يحث الإنسان المسلم العربي علة التميز بهذه الصفات والخصائص و العمل بها والتسمك بها، فإنها من وجهة نظره ليست من الأمور الاصطناعية في كيان الإنسان العربي المسلم، و إنما هي مواصفات طبيعية موجودة في ذاتيته و في جوهره، و من ثم فإن العمل بها و السعي إلى الاتصاف بها ليس من باب التقليد و لا من باب التملق و إنما هي أمور طبيعية، و إن كانت هذه مواصفات الإنسان العربي المسلم فهي أيضا من تشريعات دينه الإسلامي الذي لا يدع إلى الاستغلال و الاضطهاد للشعوب الأخرى و محوها من الوجود كما تقوم بذلك الشعوب الغربية الاستعمارية، فقد جاء  على سبيل المثال في احتفال فرنسا بمرور قرن على احتلال الجزائر في قول الكاردينال  » لافيجري  » أن : (( عهد الهلال في الجزائر قد غبر، و أن عهد الصليب قد بدأ، و أنه سيستمر إلى الأبد… و أن علينا أن نجعل أرض الجزائر مهدا لدولة مسيحية مضاءة أرجاؤها بنور مدينة منبع وحيها الإنجيل )) (16).

فالمسيحيون الاستعماريون لا يريدون القضاء على الشعوب و الأمم التي يستعمرونها فقط، بل يذهبون إلى أبعد من ذلك فهم يهدفون للقضاء حتى على عقيدتهـا و يمحون كل أثر لوجودها.

ثالثا: العلم

يرى ابن باديس أنه للحاق بأوروبا و حضارتها لا بد علينا أن نبدأ من حيث انتهت، و ذلك اعتمادا على المبدأ الذي أوصلها إلى ما هي عليه اليوم و هو  » العلــم  » وكان بناء على ذلك يحث الشباب الجزائر على الأخذ بالعلم بأي لسان كان و عن أي شخص وجده، و لكن يجب أن يطبعه بطابعه الخاص لكي يحقق به الانتفاع المطلوب، كما فعل ذلك الأوروبيون و ما أخذوه عن أجدادنا و طبعوه بطابعه النصراني و انتفعوا به (17)، فهو هنا يتخذ موقفا توفيقيا بين الاستفادة من الحضارة الغربية و بين الحفاظ على حضارة الأمة و مقاوماتها الشخصية(18)، و في هذه المسألة لا يخرج ابن باديس عما كان يدعو إليه كثير من المفكرين العرب المسلمين في بداية عصر النهضة أمثال خير الدين التونســي، و جمال الدين الأفغاني و محمد عبده من ذوي النزعة التوفيقية، يعتبرون أن النقل الكلي للحضارة الغربي أي تغريب أمر مستحيل و لا يجل للأمة إلا المشاكل و الاضطرابات .

فقد كان خير الدين التونسي على الأخذ بالحضارة الغربية للحاق بركبها، و كان ذلك من أهم أهداف تأليف كتابه أقوم المسالك في معرفة أحوال المماليك، حيث قال أن : (( الباعث من ذلك هو تحذير ذوي الغفلات من عوام المسلمين عن تماديهم في الإعراض عما يمجد من سيرة الغير الموافقة لشرعنا بمجرد ما انتقش في عقولهم من أن جميع ما عليه غير المسلم من السير و التراتيب ينبغي أن يهجر و تآلفهم في ذلك يجب أن تنبذ و لا تذكر، حتى أنهم يشددون الإنكار على من يستعين شيئا منهم و هذا على إطلاقه خطأ محض)) (19)، أي أنه هنا يرى ضرورة التوفيق بين الأخذ عن الغــير، و بين مفتضيات خصوصيتنا الإسلامية.

و بهذه الرؤية كان ابن باديس و غيره من رواد النهضة العربية الإسلامية واضحا في موقفه من الحضارة الغربية و من علومها منذ أكثر من نصف قرن، و وجد بذلك معادلة فكرية ناضجة في بناينها و أهدافها، تلمس من خلالها الحلول التي يمكن أن تجد حلا للإشكالية التي كثيرا ما دارت حولها جدالات في الفكر العربي الإسلامي و المتمثلة فيما يلي: كيف يمكن لنا النهوض بمجتمعاتنا، هل بالرجوع إلى أصالتنا و تراثنا و رفض كل ما وصلت إليه الأمم الأخرى؟ أم يكون ذلك بالاعتماد على الأمم  و الشعوب الأخرى، بما وصلت إليه، و ما يمكن أن تقدمه لنا؟ أم يجب أن نميز في ذلك الاعتماد بين ما يوافقنا و ما لا يوافقنا؟ بين ما يخدم مجتمعاتنا و بين ما لا يخدمها؟ و هل بالضرورة ما يخدم المجتمعات الأخرى يخدمنا؟ إن الحل الذي وجده ابن باديس، و الذي كان فيه واضحا، هو إدراكه للمستوى الحضاري الذي توجد عليه مجتمعاتنا، و المستوى الذي توجد عليها المجتمعات الأخرى، و أدرك الهوى بينهما، لذلك رأى أنه من فائدتنا و فائدة مجتمعاتنا أن تعتمد على حضارة الآخر و أن نأخذ ما يتوافق و أصالتنا و ثقافتنا، ولعل هذه الوجهة أيضا كانت هاجس أغلب المفكرين العرب المحدثين و المعاصرين الذين حاولوا بكل الطرق إيجاد مسوغات لتوفيق بين الإقتباس من الحضارة الغربية و الواقع المتميز للأمة العربية الإسلامية.

و ابن باديس و إن كان يلح على أخذ المقتبسات العلمية الحضارية مهما كان مصدرها، فإنه ينطلق من المبدأ الديني الذي لا يرى فيه تناقض بين الدين الإســـلامي و العلم، إذ لو كان هناك تعارض بينهما كما يرى لما دخلت إلينا العلوم الحديثة في القرنين الثامن عشر و التاسع عشر على أيدي رجال الدين المصلحين أمثال محمد عبده(20)، كما أن الإسلام ذاته : (( يمجد العقل و يدعو إلى بناء الحياة كلها على التفكير. (21)

و هذا الموقف من ابن باديس لا يعني أنه موقفا تمويهيا متناقضا كما يزعم ناصيف نصار(22) و إنما هو يعبر عن موقف واضح كان هو وجهة آراء ابن باديس في الكثير من المسائل التي عاصرها و لا سيما مسألة الاقتباس الحضاري وإلغاء الخلافة الإســلامية، و كذلك فإن إشادته في الدور الحضاري الذي يلعبه المسلمون كان يعبر بالفعل على أنهم كانوا سادة العالم عندما اعتمدوا على العلم و على التفكير العقلي و رفعوا من شـأنهما، و أخذوا بأسباب التمدن و العمران سواء الذي وصلوا إليه أو وصلت إليه الشعوب الأخرى قبلهم، إذ أنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من مدنية و حضارة و تقدم إلى بالعلوم و الصنائع (23)، لذلك كان يرى دائما : (( السبب في التقدم و التأخر هو التمســـك و الترك للأسباب )) (24)، و لا يعود إلى مكونات فطرية في الأجناس البشرية.

و على ضوء ما سبق فإن ابن باديس و إن كان يدعو إلى التمثل الحضارة الغربية، فإنه لم يدع إلى أخذها بنمطها الغربي كما هي بجميع مظاهرها و صورها، بل لقد كان يؤكد على ضرورة أخذ الجانب المادي الحضاري منها، بينما الجانب الوحي المعنوي الأخلاقي فإن المجتمع العربي الإسلامي له من القيم التي جاءت بها شريعته الإسلامية ما يمكن إغناؤه على كل قيم أخرى مستمدة من حضارات أخرى، و الأخلاق الإسلامية لم تلغ كما هو معروف خصوصية المجتمعات التي وصلتها أي من عادات و تقاليد (25) لتلك المجتمعات التي تشكل هوية لها، و استمرارية لوجودها، و لذلك فإن كل من يتمسك بالشريعة الإسلامية يستغني عن كل قيم آتية من حضارات أخرى، و أن الحضارة الإسلامية ذاتها فريدة عن كل الحضارات خصوصا في نزعتها الإنسانية غير العرقية(26).

و يبدو أن ما وصلت إليه الحضارة الأوروبية في عهد ابن باديس كان يوحي بوصولها إلى مرحلة الكهولة، لذلك نوجب علينا أن ننظر إليه بعيون فاحصة لأن دورها التاريخي التمثيلي كما يقول بو الصفصاف انتهى(27)، و من ثم لا يمكن قيام حركة جديدة بعد الآن إلا من الشرق، و لكن أي شرق؟ إذ كان المقصود به العالم العربي الإسلامي فإن ذلك لم يحدث، أما إذا كان المقصود بهما ما عدى أوروبا فإنه قد يصدق على كثير من الدول غير الأوروبية، و عموما فإن دعوة ابن باديس على الأخذ بالعلم و المعرفة لبناء حضارة ذاتية هي الذي جعلته  كما يقول فهمي جدعان(28) خير من مثل الدعوة التي تدعو إلى النهضة والتقدم من خلال الاعتماد على العلم و التربية الأخلاقية .

آخر التغريدات: