عبد السلام السلطاني

عبد السلام السلطاني

بقلم: محمّد الهادي الحسني –

إن هذه الهدية ليست مما يلبس، وليست مما يوكل، وليست مما تزيّن به المنازل من الزرابي والأواني.. ولكنها من النوع الذي يكرهه أكثر الناس، ولا يقدرها إلا قليل منهم؛ إنها كتاب، والكتاب عند أكثر الجزائريين في زماننا هذا هو أحقر شيء وأكره شيء، فالجهال يضيقون بالعلم، والكتاب هو رمز العلم، وأكثر النساء يعتبرن الكتاب عدوّا لدودا، وهو أشد عليهن وأفزع لقلوبهن من الضرائر، ويَرَيْنَ الصحون والكؤوس في المنازل أَوْلى وأجدى. والأولاد يرونه حارما لهم من لعبة أو نزهة، وهو يكذرهم بالمدرسة وهي عندهم “سجن”، ويذكرهم بالمعلم وهو عندهم أكره من بوش عند مسجوني جوانتانامو.

إن هذا الكتاب القيم الذي أهداه لي الأستاذ الفاضل لحسن بن علجية- وهو مؤلفه- يتناول شخصية علمية لا يكاد يسمع عنها إلا قليل من الجزائريين، وهذه الشخصية هي “العلامة عبد السلام ابن عبد الرحمن السلطاني”.

ينحدر الشيخ عبد السلام السلطاني من أسرة طيبة، فيذكرك بقول الشاعر: “إذا طاب أصل المرء طابت فروعه”، وهذه الأسرة هي أسرة السلطاني، أو أولاد سلطاني، التي تَتَدَيَّرُ نواحي عين التوتة بمنطقة الأوراس. وقد أنجبت هذه الأسرة عددا من العلماء، كما خرج من أصلاب رجالها وأرحام نسائها عدد من المجاهدين أذاقوا الفرنسيين العلقم، وجرّعوهم الصَّبِرَ، سواء مع المجاهد أحمد باي، أم في ثورة 1916 التي يسميها بعض المؤرخين “انتفاضة أولاد سلطان (1)”، وقد لقي أبناؤها من فرنسا ما سيجدون الأجر عليه عند اللّه – عز وجل-

ولد الشيخ عبد السلام السلطاني بقرية “البير”، في بلدية أولاد عوف، دائرة عين التوتة، في سنة 1896. وبعدما أتمّ حفظ كتاب الله توجه إلى أحد مراكز العلم وهي الزاوية العثمانية بطولڤة، فمكث بها ثلاث حجج، تلقى فيها ما كتب الله له من معارف دينية ولغوية. ومنها شد الرحال إلى قسنطينة ليلتحق بكتائب الإمام ابن باديس العلمية. ومكث بقسنطينة خمس حجج أُخر. ولما رأى الإمام ابن باديس في تلميذه ذكاء ونباهة وجّهه تلقاء تونس، فالتحق بها وانضم إلى جامع الزيتونة بعدما أُجْرِيَ عليه امتحان أثبت كفاءته.. وما هي إلا سنتان حتى كان “أَحَدَ أعيان المتطوعين” كما وصفه شيخه بلّحسن النجار، حيث كان هو وزميله الشيخ مبارك الميلي من الحائزين على شهادة التطويع من المرتبة الأولى (❊)، فهنّأهما- والشيخ سعيد الزاهري- الشاعر محمد الصالح الجلاّلي بقصيدة جاء فيها:

مبارك وسعيد والسلام (2) بهم          قطر أضيم يهنى إذ بهم كفلا

إني لكم – نخبة الأحرار والنّبلا            مهنّىءٌ من فؤادي شاكرا جذلا

إذ نلتم خطّة التطويع من فئة               أئمة قدوة قد سدّدوا الخَلَلا

فالقطر يحمدكم والدين يمنحكم                 قلائد العز بين الناس إذ جَمَلا

أصبحتم قادة بين العموم                      لشعب ما له منقذّ إلا الذي كَمُلا

لم يقتصر الفرح بنجاح عبد السلطاني على عائلته؛ بل شاركها فيه الإمام ابن باديس، الذي انتقل إلى قرية “الْبِيرْ” لتهنئة الطالب عبد السلام وأسرته، ومما قاله الإمام ابن باديس آنذاك – 1924- كما سجلته الذاكرة الشعبية لأهل قرية “البير”: “هنا كان مقر الحاج أحمد باي، يواصل مقاومته للغزاة الفرنسيين”، قم ثال: “إن هذه الجبال هي معاقل المجاهدين، ومنها يأتي النصر إن شاء الله (3)”.

رجع الشيخ عبد السلام إلى الجزائر، ثم التحق بزاوية برّحّال، بلدة دوفانة، غير بعيد عن باتنة، ليبلغ ما تعلمه إلى بني وطنه، ولكن السلطات الفرنسية هناك لم تسترح له، فهو من تلاميذ ابن باديس، وهم ملقّحون ضد “القابلية للاستعمار” وخدمته، فقررت طرده ومنعه من التدريس، فعاد إلى تونس، وعمل مدرسا في عدة أماكن بها حتى أتاه اليقين في سنة 1958، في بلدة الدهماني بولاية الكاف بتونس. وكان على صلة ببعض قادة الثورة كالمجاهد محمدي السعيد (سي ناصر)، والدكتور التيجاني هدام..

وللشيخ عبد السلام السلطاني عدة إجازات من علماء ذوي مكانة عالية وقيمة سامية مثل محمد الصادق النيفر، وبلّحسن النجار، ومحمد الطاهر ابن عاشور.. كما أثنى عليه علماء أجلاء.. كالإمام ابن باديس، والشيخ علي المغربي، والشيخ أحمد حماني، الذي كتب إلى مؤلف هذا الكتاب الأستاذ لحسن بن علجية رسالة في 1994 يقول له فيها: “فالواجب عليك يا بني إحياء أثره ما استطعت.. لأنه مفخرة من مفاخر الجزائر (4)”.

لقد ترك الشيخ عبد السلام السلطاني تراثا علميا قيما، شهد بقيمته أهل العلم، ومن تراثه المنشور كتابه المسمى “تحفة الخليل في حل مشكلة من مختصر خليل” الذي طبع في المطبعة الجزائرية الإسلامية بقسنطينة، وقد أشاد به الإمام ابن باديس، واعتبره “طلاّ لصيّبِ وابلِ علومه الفكرية”، ومن تراثه أيضا كتابه الذي أطار في الآفاق اسمه، ورفع ذكره وهو “شرح شواهد الأشموني، المسمى فتح المالك في شرح شواهد منهج السالك”، وقد أشادت به مجلة “الهداية الإسلامية” بالقاهرة، وهي للإمام محمد الأخضر حسين (من طولقة) الذي صار شيخا للأزهر الشريف. كما أشاد به العلماء مشرقا ومغربا، وممما قاله الشيخ في مقدمة كتابه هذا: “… إني لم أقصد به خدمة أمير، ولا رَفْعَه لسدة ملك أو أعتاب وزير، وما أرجو به إلا أن أُكْتَب في زمرة خدمة لغة سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لغة أنادي بها ربي حين أدعوه، لغة أفهم بها القرآن حين أتلوه، اللهم إني لا أقصد به إلا وجهك الكريم، ولا أرتمي ببضاعتي إلا على أبواب فضلك العميم”. وقد أعادت دار الوعي- الجزائر- نشر هذا الكتاب بعناية د. عمار طالبي..

وللشيخ مشاركات شرعية، من أهمها قصيدته في تأبين شيخه العلامة محمد النخلي القيرواني (1924) وقصيدته في توديع شيخه الإمام ابن باديس في زيارته إلى تونس في سنة 1923. ومما جاء في هذه القصيدة:

وإني قد بَلَوْتُ بني زماني    فلم أر بالفضيلة من أحاطا

عدا عبد الحميد فذاك فردٌ   وحيد بالفضيلة قد أحاطا

خبير قد رأى أن السنايا    من الأسفار تُلْتَقَطُ التقاطا

وأنت نِطَاسِيٌّ تبدي لكلٍّ   دواءً حسب عاته احتياطا

أمدَّك ربنا بِخَفِيِّ لُطْف    لتؤمن خوفه (❊❊) ذاك الرباطا

وهناك ملاحظة ألفت نظر الأستاذ الفاضل إليها وهي ذكره الشيخ محمد جعيط ضمن شيوخ الشيخ عبد السلام، ولكنه ذكر أن الشيخ جعيط توفي في 1918، والشيخ عبد السلام لم يلتحق بتونس إلا في سنة 1922.

وأجدد شكري للأستاذ لحسن على إحيائه هذا العالم الجليل، وعلي إهدائه لي هذا الكتاب الجميل..

 

الهوامش:

1) عبد الحميد زوزو: الأوراس… ج1، ص 459

❊) كانت علامة الشيخ عبد السلام هي 99 من 100.

2) السلام هو الشيخ عبد السلام، وسعيد هو السعيد الزاهري، وكانت شهادته من المرتبطة المتوسطة

3) لحسن بن علجية: العلامة عبد السلام.. السلطاني. ص 71 – 72

4) المرجع نفسه.. ص 142

❊❊) الضمير يعود على الشعب الجزائري.

آخر التغريدات: