عبد الحميد بن باديس: العالم المقاوم

عبد الحميد بن باديس: العالم المقاوم

بقلم: محمد بوشيخي –

اشتهر الشيخ السلفي المجدد عبد الحميد بن باديس (1889-1940)، في موطنه الجزائر كما في مختلف بقاع العالم الإسلامي، بمقاومة الاستعمار الفرنسي والتصدي لمشاريعه في الهيمنة والاستتباع كما عرف بالنضال العميق من أجل اكتساب أدوات المناعة الثقافية وتهيئة “شروط النهضة”.

اسمه الكامل عبد الحميد بن محمد بن المصطفى بن مكي بن باديس، ظهر في زمن اشتدت فيه الهجمة الفرنسية على الهوية الجزائرية بفعل التضييق على مراكز العلم الشرعي وفرض “الفرنسة” في التداول اليومي، وغرس مظاهر التغريب على حساب التقاليد الاجتماعية العريقة.

وكان طبيعيا، أن تثير توجهات السياسة الاستعمارية الفرنسية عداوة ابن باديس الذي تربى وترعرع على قيم الهوية والأصالة، إذ يحكي تعهده لشيخه الشيخ الونيسي منذ بداية مشواره العلمي ألا يشغل أية وظيفة رسمية في إدارات الاحتلال والتزم أمامه بتسخير علمه في الدفاع عن دينه وكرامة بلده وأمته.

حمله طموحه العلمي إلى الهجرة إلى مدينة القيروان التونسية، وهو في التاسعة عشر من عمره، طلباً للعلم في جامعة الزيتونة العتيدة على أيدي مشايخها الكبار، خصوصاً العلامة البارز الشيخ الطاهر ابن عاشور، حيث مكث هناك أربع سنوات ليحصل منها على شهادة “التطويع” سنة 1912، وفي سنة 1913 عزم على أداء فريضة الحج، حيث قاده القدر هناك في الديار المقدسة إلى التعرف على رفيق دربه الشيخ محمد بشير الإبراهيمي الذي خط معه مسار النضال وطبع، في رفقته، جزء من تاريخ بلده. وفي سنة 1914 قرر العودة إلى الجزائر ليأخذ على عاتقه مهمة بعث ثقافة الأصالة والمقاومة وتدشين حركة البناء والتجديد.

وقد اقتنع بن باديس بدور العلماء في الجهر برفض الاحتلال عسكريا وسياسيا ومواجهة الاستلاب ثقافيا وفكريا، فأسس “جمعية العلماء المسلمين” سنة 1931م بعد نداء أطلقه عام 1924 نشرته مجلَّة الشهاب يدعو من خلاله “العلماء في سائر أنحاء القطر الجزائري لتقديم اقتراحات تفيد تأسيس حركة إصلاحيَّة”، وقد جاء في النداء “أيها العلماء المصلحون المنتشرون بالقطر الجزائري، إنَّ التعارف أساس التآلف والاتحاد شرط النجاح فهلموا إلى تحقيق هذا الهدف بتأسيس حزب ديني محض غايته تطهير الدِّين، ممَّا ألصق به الجاهلون من الخرافات والأوهام والرجوع إلى أصلي الكتاب والسنة”.

وقد تأسست الجمعية فعليا بعد تشكيل لجنة تحضيرية انبثقت من “نادي الترقي”، الذي أسس سنة 1927 من طرف نخبة من علماء البلد، ليتحول إلى “ملتقى النخبة المفكرة” يجتمع فيه “من كان منهم مقيماً بالعاصمة أو من كان وافداً عليها من الخارج”، وكان يشهد إلقاء “المحاضرات والمسامرات، وتقام فيه الحفلات، فكان عبد الحميد كلما جاء إلى الجزائر يحاضر فيه أو يسامر أو يجتمع فيه بالشباب الناهض المتوثب من طلبة العلم والمفكرين، فكان النادي بذرة صالحة للنهضة الجزائرية”.

فتحولت الجمعية، في مرحلة تاريخية حرجة، إلى أهم متكئ للحركة الوطنية الجزائرية في تشكيل نخبتها وبلورة خطابها، وهي الجمعية التي تولى رئاستها بنفسه منذ تأسيسها في حين شغل محمد البشير الإبراهيمي منصب نائبه كما تولى محمد الأمين العمودي والطيب العقبي ومبارك الميلي وإبراهيم بيضون مسؤوليات أخرى ضمن مكتبها المسير.

وقد انتشر أعضاؤها عبر التراب الجزائري، كما يقول الدكتور مسعود فلوسي، إذ “تولى كل واحد منهم رعاية أعمال الجمعية وتجسيد مشاريعها الفكرية والتربوية في الميدان، فتولى الإمام ابن باديس مهام إدارة الجمعية في الشرق الجزائري من قسنطينة، والإمام الإبراهيمي في الغرب الوهراني من تلمسان، والعقبي في الجزائر، والعربي التبسي في تبسة، والميلي في الأغواط، بينما تولى كبار تلاميذ ابن باديس مهام الجمعية في مختلف المدن الجزائرية”.

وقد عبر ابن باديس عن وعي متقدم بضرورة توظيف منتجات العصر في المعارك المستجدة، ومن هنا اهتمامه بالعمل الإعلامي وإطلاقه لمجلة “الشهاب” لتكون ثالث تجربة صحفية يخوضها بعد تجربتي “النجاح” و”المنتقد”، وهي مجلة رأت النور في مدينة قسنطينة شرق البلاد، مسقط رأس بن باديس، وعبرت عن مشروعها من خلال أولوية التربية والهوية، ولم تتوقف إلا سنة 1939، كما ركز ابن باديس على التعليم الديني بواسطة رؤية سلفية منفتحة للهوية ترفض الذوبان وتقبل التجديد. فابن باديس كما يقول عنه عمار الطالبي في مؤلفه الضخم “آثار ابن باديس” أنه “مفسر للقرآن تفسيرا سلفيا يراعي فيه مقتضيات العصر معتمداً على بيان القرآن للقرآن، وبيان السنة له، وعلى أصول البيان العربي وسننه، والنفاذ إلى لغة العرب وآدابها، وقوانين النفس البشرية وسنن المجتمع الانساني، وتطور التاريخ والأمم، وهو محدث من الطراز العالي لا يستشهد إلا بالأحاديث الصحيحة المسندة إلى الصحاح الست”.

ويؤكد الدكتور فهمي توفيق محمد مقبل أن ابن باديس في حقيقته “كان يرى في المرحلة الأولى من نشاطه الإصلاحي أن يركز على النواحي الدينية والثقافية، وأن يخفي أهدافه السياسية لتحرير الجزائر تحت ستار الحركة الدينية، كي يتهرب من غدر الاحتلال الفرنسي الغاشم وبطشه الشديد”. ويورد نفس الباحث فقرة للراسي يعلل فيها “توجه ابن باديس إلى طريق التربية والتعليم للإصلاح في الجزائر إلى حالة الطريق المسدود التي وصل إليها الإسلام الجهادي والإسلام السياسي في الجزائر، ومن ثم تأثر ابن باديس وتوأمه الروحي الإبراهيمي برواد النهضة في الشرق الإسلامي الذي ركز معظمهم على هذا الجانب، وإن شذّ ابن باديس أحيانا عن كونه مربياً فقط، فقد برز في كثير من المواقف قائداً سياسياً ملهماً للمواطنين الأحرار في الجزائر”.

فحسب الدكتور عمار الطالبي أدى اخفاق الأمير عبد القادر في معاركه المسلحة ضد المستعمرين وخروجه من الوطن” إلى عودة “الفكر الجزائري إلى جموده، وتحجر، وتحنطت الأخلاقية الإسلامية، والجهاد، في صورة زوايا وطرق، وأصنام”، فسيطرت الطرق الصوفية على الفكر والمجتمع في الجزائر حتى بلغ عدد الزوايا فيها “349 زاوية وعدد المريدين أو الإخوان 295000 مريد”. كما أن الفقهاء “الذين عرفوا بمعارضتهم الصوفية أصبحوا بدورهم “طرقيين” فساد الظلام، وخيم الجمود، وكثرت البدع، واستسلم الناس للقدر”. ويضيف الطالبي في كلامه عن الحياة الاجتماعية والدينية المتردية خلال هذه الفترة عامل الإلحاد، مستشهداً بفقرة للمؤرخ الجزائري اسماعيل حامت يقول فيها: “كان للإلحاد الغربي مبلغ كبير من التأثير في جمهور ليس بالقليل من مسلمي الجزائر الذين، وإن كانوا ما برحوا مسلمين في الظاهر؛ فهم يجهلون حدّ ما وصلت إليه روحهم الدينية من التلاشي”.

في ظل هذه الظروف الثقافية والاجتماعية سيطلق ابن باديس دعوته إلى عقد مؤتمر وطني سنة 1936 يشمل كافة الحساسيات السياسية الوطنية والشخصيات المؤثرة للتداول في الشأن الجزائري، حيث أسفر عن عدد من المطالب المتعلقة بالهوية والحفاظ على أصالة الشخصية الجزائرية، غير أن سلطات الاحتلال رفضت التجاوب معها.

إن ابن باديس بحسب مالك بن نبي هو “المصلح الذي استعاد موهبة العالم المسلم كما كانت في عصر ابن تومرت بإفريقيا الشمالية”، فإذا كان ابن تومرت حرر بلاد المغرب من قيود فقهاء دولة المرابطين و”وضعت دعوته الضمير الإسلامي في شريعة القرآن وطريق السنة”، فابن باديس جاء في ظرفية شبيهة بظرفية ابن تومرت، حيث تجددت النزعة الصوفية، غير أن المصلح الجزائري بحسب مواطنه ابن نبي، لم يستطع أن “يطمح إلى تأسيس إمبراطورية تحرر الضمير” بفعل تغير الزمان، لأن الاستعمار والقابلية للاستعمار “غيّرا كل المعطيات في الجزائر كما فعلا ذلك في سائر العالم الإسلامي”.

رحل ابن باديس إلى دار الخلد يوم 16 أبريل 1940، وبقي تاريخ وفاته يستعاد سنوياً، في بلده الجزائر، باسم “يوم العلم” احتفاء بجهوده وعرفانا بفضله.

آخر التغريدات: